مشيناها خطى

من معرفةالمصادر

اذهب إلى: إبحار, بحث

مشيناها خطى تأليف دكتور رءوف عباس ، سيرة ذاتية.

محتويات

[تحرير] إهداء

إلى الشباب عساهم يجدون فيه ما يفيد وإلى الذين يسممون أمامهم الآبار لعلهم يتعظون

[تحرير] استدعاء الماضى

جلس الشيخ فى حديقة منزله بعدما انقضى احتفال عائلى صغير بمناسبة وداع خمسة وستين عاما من عمره، ساده الصخب الذى تشهده مثل هذه المناسبات فى الأسرة المصرية، فتشابكت الأحاديث بين بعض الأطراف فى تقاطع مع أحاديث أخرى دارت بين بعض الأطراف الأخرى. موضوع واحد اشتركت فيه هذه الأحاديث على اختلاف مداخلها هو ما يذكره المتحدث أو المتحدثة من ذكريات عن المحتفى به. والشيخ يشارك فى الحديث تارةً ، ويكتفى بالمتابعة تارةً أخرى، مبحراً بفكره فى بحر الذكريات، حتى إذا فرغ البيت من المحتفين، وعاد السكون يرخى سدوله على المكان، وآوت الزوجة المتفانية التى قطعت مع الشيخ رحلة الأربعين عاما الأخيرة من عمره، آوت إلى فراشها طلبا للراحة بعد عناء خدمة الضيوف من الأهل. جلس الشيخ فى حديقة المنزل الذى سكنه منذ أربع سنوات فى مدينة العاشر من رمضان، بعدما تخفف من أعبائه الجامعية، وراح ينشد الهدوء بعيداً عن صخب العاصمة التى لم تعد مكاناً مناسباً للتأمل والإنتاج الفكرى، بعدما فقد حى مدينة نصر – الذي اقتطع ثلاثة عقود كاملة من عمره - هدوءه فى عصر "الانفتاح" أو "الانفلات"، فازدحم الحى (بالمولات) والمقاهى، وأصبحت شوارعه ساهرةً حتى الصباح، ولم يعد هناك أمل فى الراحة وسط هذا الصخب، ففضل الشيخ ترك القاهرة إلى مدينة لا تبعد عنها كثيراً، تتيح له ولزوجه أن يعيشها ما بقى لهما من عمر بمنأىً عن معاناة الحياة القاهرية.

راح الشيخ –فى جلسته تلك- يسترجع ما قطعه على طريق الحياة الطويل من خطوات لم تكن تمثل –دوماً- خطاً ممتداً على استقامته، أو خطاً صاعداً إلى هدف مرسوم معلوم، بل كانت خطاً فيه من التعاريج والانحناءات أكثر مما فيه من الاستقامة والوضوح. ولم تكن تلك الطريق ممهدةً خاليةً من العثرات إلا نادراً، كما لم يكن بين يديه دليل يحدد خطواته على تلك الطريق، فكان عليه أن يقطعه بما حباه به الله من خصائص جمعت بين العناد والإصرار والصبر، فاقت فى حجمها أحاسيس الإحباط والعجز، وخيبة الأمل.

وها هو ذا وهو يتأمل طريقاً قطعها على مر كل تلك السنين، يكاد يلمح آثار أقدامه على تلك الطريق التى اختلفت مواقعها، ولكنها تسجل تجربة الشيخ الذاتية بكل ما فيها من إيجابيات وسلبيات، وراء كل أثر منها قصة تُروى شهدها بعينى عابر السبيل تارة، وعينى رفيق الطريق تارة أخرى، وكان بطل القصة تارة ثالثة. وكثيراً ما كان يروى بعض تلك القصص لأهله، وذويه، وتلاميذه, وباقة الصحاب الذين ارتاح إليهم فى العقدين الأخيرين.

ولم تكن الرواية مقصودة فى ذاتها، ولكنها كانت دائماً تأتى استجابةً لتداعى الذكريات بمناسبة ما يدور بينه وبين هؤلاء وأولئك من أحاديث ذات شجون. وكثيراً ما ألح عليه أولئك الصحاب أن يسجل تلك الحكايات على الورق، لظنهم أنها لا تخلو من فائدة لمن يقرأها من أبناء الجيل التي لم يعش تلك الحياة التى عاشها صديقهم الشيخ، ولم يعرك تجربة ارتياد الطريق الذى ارتادها صاحبهم الذى ينتمى إلى جيل مخضرم تفتحت عيونه على الدنيا فى عهد الملك فاروق، واكتمل وعيه بهموم الوطن وهو-بعد- لم يبلغ الحلم ، وشهد مولد ثورة يوليو 1952، وعاصر صعودها، وانتصاراتها، وكبواتها وإخفاقاتها، وقدر له أن يمتد به العمر ليشهد أفول نجمها، وتصفية المشروع القومى العربى، وعودة الوطن العربى مرتعاً لأخطر أشكال الهيمنة والاستعمار.

تجربة غنية بمرها وحلوها رسمتها آثار أقدام صاحبهم الشيخ على طريق الحياة الممتدة المتعرجة، المليئة بالانحناءات ونقاط الصعود والهبوط، فكثرت مطالبتهم له بتدوينها، بل تبرع أحدهم: إيمان يحيى أستاذ الطب، المفكر عاشق التاريخ أن يلتمس فضلاً من وقته يجلس فيه إلى صديقه الشيخ، يستمع إلى حكاياته ويدونها بنفسه. وشارك فى تحريضه على الكتابة صديقه الكاتب الكبير عبد العال الباقورى، وصديق عزيز آخر هو المثقف المناضل الوطنى أحمد غزلان. لقد أفرط الصحاب فى حسن الظن بصاحبهم، وربما بالغوا-إلى حد ما- فى الاعتقاد بقيمة ما تركه الرجل من آثار أقدام على طريق الحياة.

طاف ذلك كله بذهن الشيخ وهو يسترجع آثار خطواته على طريق الحياة، وراح يستعيد مبررات إحجامه عن تدوين خلاصة تجربته معها: فلم يكن الرجل من ذوى السلطان، ولم يتصل بأهله يوماً ما من قريب أو بعيد، ولم يكن فى موقع ما فى أى حزب سياسى بما فى ذلك التنظيم السياسى فى عصر الثورة، والأحزاب التى خرجت من عباءته، أو قامت على أطرافه، ولم يكن عضواً بأى من التنظيمات السياسية الذى تعدها السلطة "خارجة عن إطار الشرعية"، بل كان الرجل مستقلاً، وإن كان بحكم انتمائه الفكرى أقرب إلى يسار الحركة السياسية، مؤمناً إيماناً لا يتزعزع بالقومية العربية. ولكن شتان بين من كان له دور فعال فى الحركة السياسية، ومن عاش على هامشها لا تتجاوز مشاركته فيها حدود ما كان متاحاً لغيره من المواطنين ممن ينتمون إلى "الأغلبية الصامتة".

ولكن الصحاب لم يقنعوا بتلك المبررات، وكثيراً ما أكدوا أن تجربته تروى قصه التحول الاجتماعى فى مصر فى نصف القرن الماضى-على أقل تقدير-كما تلقى أضواءً كاشفةً على بدايات تجربة القطاع العام، والجامعة، والعمل الأهلى. وهى النقاط الذى عبرت بها طريق حياته، وتركت أقدامه آثارها عليها. وأن ما عاناه من تجارب عند تلك المنعطفات لا يخلو من فائدة للجيل الجديد ممن يعنيهم أمر التحولات التى شهدتها مصر على يد ثورة يوليو، والحياة الجامعية بإيجابياتها وسلبياتها، ومصاعب العمل الأهلى فى مصر ومعوقاته. ورأى الصحاب فى تلك التجارب ما قد ينفع من ينشدون الخير لهذا الوطن، ومن يعنيهم أمر النهوض به. وخاصة أن صديقهم الشيخ يروى حكاياته لهم بشيء من التفصيل جعلهم يرون فيه "حكاءً" متميزاً، يستطيع أن ينقل المستمع-ومن ثم القارئ-إلى جو الزمن الذى تدور حوله حكايته، فلماذا يضن الرجل على أبناء أجيال لم يدركوا ما أدركه من ظروف وتجارب بالوقوف على رؤيته للحياة المصرية فى زمانه؟.

استعرض الشيخ ذلك كله فى تلك الأمسية الفريدة من شهر أغسطس من العام الخامس والستين من حياته، واستقر رأيه على أن يحدد على الورق آثار أقدامه على طريق الحياة، تلبيةً لرجاء أصدقائه واقتناعاً برأيهم، وأداءً لواجب نحو أجيال غاب وعيها بتاريخ وطنها، وتطور مجتمعها، لظروف لم يكن لهم يد فى صنعها. ولتكن قصة حياته واجبا يلتزم به أمام الشباب. عندئذ أحس الشيخ بالراحة، وآوى إلى فراشه، وقد عقد العزم على أن يروى حكايته، حكاية مواطن كان نتاجاً لتحولات مصر فى النصف الثانى من القرن العشرين، وحاول-ما وسعه الجهد-أن يكون نافعاً لوطنه وأمته. حكاية مصرى عاش أحداث وطنه العربى: آمالها وآلامها. ولم يكن مجرد "مراقب" لثورة يوليو، بل كان من صنائعها، وواحداً من جماهيرها.

وهو إذ يروى حكايته لا يتقيد إلا بما رآه، وسمعه، وعاشه، وكان شاهد عيان له، دون مبالغة فى الوصف، أو تزيين، أو تزييف، التزاماً منه بأمانة الكلمة مهما كانت دلالتها، ومهما كان وقعها. 


[تحرير] على شط القناة

ولد صاحبنا فى الرابع والعشرين من أغسطس 1939 فى أحد مساكن عمال السكة الحديد ببورسعيد، وتقع بالقرب من كوبرى الرسوة الذى يعبر عنده الخط الحديدى ترعة الإسماعيلية عند طرفها الشمالى فى الطريق إلى مدخل محطة بور سعيد، والى الشرق من تلك المساكن يقع معسكر القوات البريطانية ببورسعيد، وتفصل بينه وبين مساكن عمال السكة الحديد مساحة واسعة طولها يزيد عن الكيلو متر وعرضها نحو النصف من ذلك، كانت تستخدم ساحة للتدريب على بعض الحركات العسكرية، ولممارسة الرياضة لجنود الاحتلال البريطانى.

كان هذا الوجود البريطانى فى منطقة القناة، فيما عرف "بقاعدة قناة السويس"، هو كل ما استطاع الساسة المصريون تحقيقه بعد مفاوضات مضنية دارت حلقاتها المتتابعة مع الإنجليز منذ حصلت مصر على استقلال اسمى فى تصريح 28 فبراير 1922، الذى اعترف بمصر دولة مستقلة ذات سيادة، وأبقى أمور الدفاع، والمواصلات، والأجانب والأقليات، والسودان لتكون موضوع مفاوضات تدور بين (الحكومة المصرية) وحكومة (صاحب الجلالة البريطانية) للتوصل إلى تسوية بشأنها. وانتهى المطاف إلى توقيع معاهدة 1936 التى عقدت (تحالفاً) بين البلدين، أصبحت مصر بموجبه ملزمة بالدفاع عن بريطانيا ومساعدتها ضد أعدائها فى حالة وقوع حرب، وتعهدت بريطانيا بأن تفعل مثل ذلك مع مصر، واتفق على أن يتركز الوجود البريطانى فى منطقة القناة بعد وفاء مصر بالتزاماتها لتيسير سبيل تركز الإنجليز بالقناة، وهى إنشاء معسكرات على حسابها وفق متطلبات القوات البريطانية لتنتقل القوات البريطانية إليها، وإنشاء شبكة طرق تربط قناة السويس بمصر لتسهيل حركة القوات البريطانية فى حالات الطوارئ. وقد ظل الوجود البريطانى العسكرى فى طول البلاد وعرضها حتى نهاية الحرب العالمية الثانية فتم تركيزهم فى منطقة قناة السويس بعد العام 1946.

وشاء القدر أن يولد صاحبنا فى هذا الموقع بالذات فى ظروف أزمة دولية أشعلت نار الحرب العالمية الثانية. وعندما أصبح شاباً كان يتندر بهذا التوافق الغريب بين مولده وقيام الحرب العالمية الثانية، ومولد والده فى أغسطس 1914 وقيام الحرب العالمية الأولى، وكثيراً ما كان يبدى إشفاقا على العالم من أن يتسبب زواجه وإنجابه فى وقوع الحرب العالمية الثالثة، وعندما رُزق بولده الوحيد فى 24 من أكتوبر 1966 ظل يعرب فى سخرية عن قلقه على مصير العالم، ولم تمض نحو سبعة شهور حتى وقعت هزيمة يونيو 1967، ولا يعنى ذلك أن عائلته كانت حقاً نذير شؤم على العالم ومصر. فلا علاقة بين مولد طفل برئ ووقوع حادث جلل بهذا الحجم المفزع، ولكنه يعبر عن حالة نفسية مزاجية تلخص معاناة السنوات الخمس والعشرين الأولى من عمره.

فقد ولد صاحبنا لأسرة فقيرة شأنها شأن السواد الأعظم من المصريين عندئذ. كان والده عاملاً بالسكة الحديد يشغل أدنى درجات السلم الوظيفى الخاص بالعمال، فى وقت كان فيه العاملون بالسكة الحديد ينقسمون إلى شريحة ضئيلة العدد من الموظفين، وقاعدة عريضة من العمال. وكان جده لأبيه عاملاً أيضا بالسكة الحديد، نزح من قريته بجرجا من صعيد مصر إلى القاهرة حوالى عام 1910 فى ظروف ظلت مجهولة، قيل إن أخاه الأكبر استولى على نصيبه من ميراث والده، فغضب وترك القرية والأسرة طلباً للرزق فى وقت كانت ظروف العمل فيه متاحة أمام من يعرف القراءة والكتابة فى السكة الحديد. وكان الرجل قد تعلم القراءة والكتابة وأتم حفظ القرآن فى كتَّاب القرية، فاستطاع أن يلتحق بالعمل فى السكة الحديد، ثم تزوج من قاهرية تنحدر عائلتها من المنيا، وكانت نتيجة هذه الزيجة مولد والد صاحبنا عام 1914 وشقيقة له عام 1916، ثم وضع الجد نهاية لهذا الزواج عندما طلق الجدة، وترك القاهرة، كما ترك قريته من قبل، ونُقل إلى بور سعيد وتزوج مرة أخرى، وترك ولده مع طليقته بالقاهرة التى تزوجت بدورها، فعانى الصبى (والد صاحبنا) ما يعانيه من كان مثله من الأطفال الذين يعيشون مثل تلك الظروف، فاضطر إلى ترك الكُتَّاب والنزول إلى سوق العمل ليعول نفسه، وانتقل للعيش مع والده ببورسعيد عندما بلغ السادسة عشر من عمره، فعانى من سوء معاملة زوجة الأب بأكثر مما عاناه من زوج الأم، حتى استطاع والده أن يلحقه بالعمل ضمن فئة العمال المؤقتين حوالى عام 1933، ولم يتم تثبيته فى العمل إلا عام 1936 الذى كان نقطة تحول فى حياته، كما كان نقطة تحول فى حياة مصر كلها.

فقد تزوج فى ذلك العام من أم صاحبنا، فتاة بورسعيدية من أصول دمياطية، يعمل والدها "بامبوطى" وهى مهنة معروفة فى بور سعيد، يشتغل صاحبها ببيع التذكارات الشرقية (من منتجات خان الخليلى) على ظهر قارب يسير بجوار السفن عند دخولها القناة، ويبيع بضاعته للركاب والبحارة بكل العملات المعروفة، ويتفاهم معهم بعدة لغات. نموذج مصرى تقليدى لزيجات الفقراء ممن يعملون بوظيفة حكومية دائمة، فيسعون للزواج من شريحة اجتماعية أحسن حالاً، وإن كانت تقع ضمن طبقه الفقراء. وأتاح الزواج لوالد صاحبنا حق الحصول على مسكن من مساكن العمال، وهى مساكن ذات نمط واحد يتكون كل منها من غرفتين وصالة، ومرحاض، لا يدفع العامل إيجاراً لها، ويرتبط بقاءه فيها باستمراره فى العمل. وجاء مولد صاحبنا فى واحد من تلك البيوت. واقتضت ظروف الحرب التوسع فى خدمة السكة الحديد للمجهود الحربى للحلفاء فى قناة السويس، فنُقل والد صاحبنا للعمل فى محطة العجرود بين الإسماعيلية والسويس، وظل هناك مع أسرته الصغيرة حتى عام 1943 عندما نُقل إلى القاهرة فلم تستطع الأسرة الحياة فيها بالراتب الضئيل الذى يتقاضاه الأب، الذى حُرم من السكن المجانى شأنه فى ذلك شأن من يعملون بالقاهرة، فسارع بطلب النقل إلى الريف، فكان من نصيبه العمل بمحطة أوسيم بمحافظة الجيزة عام 1944 على خط المناشى (مديرية التحرير فيما بعد). وظلت الأسرة هناك حتى عام 1951 عندما رُقى الأب إلى وظيفة "ملاحظ بلوك" ونُقل إلى طوخ-قليوبية. ومع هذه التنقلات تأثرت أحوال صاحبنا تأثراً شديداً. فمنذ أواخر عام 1943 عاش بالقاهرة مع جدته لأبيه. كان الأب يحس بالذنب تجاهها لتركه لها (رغم ما عاناه من زوجها) وخاصة أن طلاقها من زوجها الثانى جعلها فى حاجة إلى رعاية ولدها الوحيد لها، فقد كانت تكسب عيشها من الاشتغال بالخياطة لجيرانها من سكان المنطقة الشعبية التى كانت تقطنها بشبرا.

رفضت الجدة أن تترك القاهرة وتعيش مع أسرة ابنها، فقد كانت تكره زوجته (أم صاحبنا) لأنها كانت من اختيار طليقها (والده)، فخصص لها نجلها ربع دخله المحدود، وأصرت على أن تحتفظ بصاحبنا (الطفل) معها ليلتحق بكَّتاب مشهور بشبرا بأرض البدراوى الذى تقع مقابل مدرسة التوفيقية على شارع شبرا. وكانت فاتحة الإقامة مع الجدة، سقوط صاحبنا (الطفل) من الطابق الثانى من فوق دَرَج البيت (الذى كان بلا سياج) ليهوى على رأسه فى صحن البيت. وظل صوت ارتطام رأسه بالأرض يدوى فى أذنيه عدة سنوات، وظل لمدة سنتين (بعد الحادث) يهب من نومه مذعوراً يبكى لساعات. ويذكر أن الجدة وجيرانها ترددوا به على عدد من المشايخ، كان آخرهم بمشتهر، صنع له "حجاباً" ظل معلقاً فى رقبته نحو العامين، ولم يعد يستيقظ بعدها فى منتصف الليل مذعوراً. وذات يوم دفعه الفضول لمعرفة ما يحتويه الحجاب، فمزق غلافه من القماش ليجد بداخل الكيس ورقة مطوية عدة طيات فيها حروف متفرقة، ورسم كهيئة الطير وسيف غُطى نصله بالكتابة، فمزق الورقة، وادعى لجدته أن الحجاب سقط منه دون أن يدرى.

ولم يكن الاستيقاظ فى منتصف الليل فى حالة هلع وذعر شديد هو كل ما ترتب على الحادث المروع من نتائج، فقد أصيب صاحبنا بكسر فى الفك الأيسر لم ينتبه إليه أحد إلا بعد نحو خمس سنوات من الحادث، ترتب عليه عدم استطاعته فتح فمه باتساع يزيد عن نحو واحد ونصف سنتيمتر. وأورثته هذه العاهة (التى لازمته حتى اليوم وستصحبه إلى قبره) متاعب نفسية شديدة فى فترة المراهقة على وجه التحديد. فكان لا يتناول طعاماً أمام غرباء عنه حتى لا يثير فضولهم السؤال عن سبب تناوله الطعام بطريقه غريبة عن المألوف. بل جعلته هذه العاهة يحرص على أن يكون آخر من يدخل مطعم المدرسة الابتدائية، ويتلكأ فى تناول وجبته حتى ينصرف من حوله على المائدة، عندئذ يسرع بالتهام الطعام. وأورثته تلك العاهة، وحياته بعيداً عن أسرته وإخوته الذين كان يزورهم يوم الخميس بعد انتهاء اليوم الدراسى، ويعود من عندهم مساء الجمعة، أورثته الميل إلى الانطواء، وحذراً شديداً فى الاختلاط مع أقرانه، وحرصاً شديداً فى اختيار من يتخذه صديقاً. وصاحبته الكثير من أعراض تلك الحالة النفسية حتى التحاقه بالجامعة، فبدأ يتخلص-تدريجياً-منها، فلم يبق منها إلا الحرص الشديد فى انتقاء الأصدقاء.

[تحرير] عزبة هرميس

كانت الجدة تقيم بعزبة هرميس، التى كانت تقع فى نهاية شارع الرافعى، الذى يعد امتداداً لشارع الجيوشى، المتفرع من شارع الترعة البولاقية بشبرا. ولم تكن عزبه هرميس التى وقعت عند سور مدخل الخط الحديدى إلى محطة مصر منطقةً زراعيةً بل كانت منطقة سكنية خاضعة للتنظيم من حيث التخطىًط إلى شارع رئيسى تتفرع منه حوارى وتتفرع منها دروب. وكان ارتفاع المبانى فيها لا يتجاوز الثلاثة طوابق، تشترك معظمها فى خلوها من المياه والصرف الصحى، فكانت هناك "حنفية عمومى" ضخمة أشبه ما تكون بصنبور الإطفاء (الآن) بجوارها "كشك" يجلس فيه العامل الذى يقوم بتحصيل مليم واحد على كل قربة ماء أو أربع صفائح مياه. وكان يتولى خدمة المنطقة سقاءان، لعلهما كانا كل ما بقى من حرفة قديمة فى تلك المنطقة. أما من لم يكن باستطاعتهم استئجار السقا، فكان عليهم أن يدبروا أمر الحصول على الماء بأنفسهم. وكان السقا يتقاضى من الجدة خمسة قروش شهرياً. وكان لكل بيت خزان خاص تحت الأرض يتجمع فيه الصرف حتى إذا امتلأ استأجر السكان عربة كسح لنقل محتويات الخزان لقاء أجر بسيط. أما الكهرباء فظلت اختراعاً مجهولاً لا يعرفه سكان العزبة، فكانت البيوت تنار بلمبات "الجاز". فإذا كان هناك عرس أو مأتم أضاءت "الكلوبات" الشارع الرئيسى حيث ينصب السرادق عادة. كان ملاك البيوت التى يتكون منها هذا المربع السكنى من أصحاب الحرف الذين حولوا مدخراتهم البسيطة إلى عقارات متواضعة، تؤجر بالغرفة الواحدة أو الغرفتين المتجاورتين المتصلتين ببعضهما البعض، أما الصالة التى تقع عليها تلك الغرف، فكانت مشاعاً للسكان، وكذلك المرحاض الذى يقع فى كل طابق من طوابق المبنى. أما الحمام فاختراع مجهول عند سكان الحى البائس، فالجميع يستحمون فى "الطشت" داخل غرفهم. وكان سكان تلك البيوت شركاء لملاكها فى السكن والفقر، فلم يكن الملاك أفضل حالاً من مستأجريهم، منهم من كان يشتغل بأحد المصانع أو بورش الصيانة التابعة للجيش البريطانى، واستطاع أن يبنى بيتاً يأويه وأهله، يؤجر بعض غرفه لطلاب السكن ليزيد من دخله. وعندما فقد أولئك أعمالهم بعد الحرب بسبب البطالة الناجمة عن إغلاق بعض المصانع التى ازدهرت زمن الحرب، وتسريح عمال ورش صيانة الجيش البريطانى، لم يعد لأولئك التعساء مصدر للرزق سوى ما يحصلونه من إيجار ممن يمرون بالظروف ذاتها.

وما يزال صاحبنا يذكر حوادث المشاجرات التى كانت تقع بين الملاك والمستأجرين، والتى يختلط فيها السباب بالعتاب، والتهديد بالطرد من السكن بالتذرع بالصبر انتظاراً لما يأتى به الغد، ولكن ذلك الغد لم يحمل معه الكثير من الأمل. فيضطر المستأجر إلى الاستدانة ليسدد للمالك جانباً من الإيجار، ليقينه أن تلك القروش المعدودة ضرورية لسد رمق عائلة المالك فى تلك الأزمة الخانقة.

وكانت الحياة فى تلك البيوت تقيم نوعاً من الروابط الاجتماعية بين سكان البيت الواحد، بل وسكان الحارة والحى، فهم يعرفون تفاصيل حياة بعضهم البعض، تنقل النسوة الأخبار من بيت لبيت، كما ينقلها حلاق الحى الأسطى عبد العظيم الذى كان ينحدر من أصل يمنى، وافتتح دكاناً على طرف العزبة، ولعب دور وكالة أنباء المنطقة فهو يجمع المعلومات عمن تشاجر مع جيرانه، ويعرف لماذا غضبت زوجة فلان وعادت لأهلها، ومن تعطل عن العمل، ومن بات فى الحبس بتهمة "التشرد"، إضافة إلى من خطبت ومن عُقد قرانها، ومن مرض، ومن تخرج من الحى ليلاً تحت أستار الظلام فلا تعود إلا فجراً، إلى غير ذلك من أخبار لم يكتف بجمعها من زبائنه، بل كان يستوقف المارة أمام محله ليستفسر منهم عن بعض التفاصيل التى غابت عنه.

كان سكان عزبة هرميس فى معظمهم من أهل الريف الذين نزحوا إلى القاهرة طلباً للرزق، وفراراً من الفقر إلى البؤس والشقاء. جاء معظمهم من قرى المنيا، ولابد أن يكون هناك من لعب دور الريادة فى اختيار المكان للسكنى، واجتذب وجوده بها أبناء جلدته وقريته، فتجمع المنياويون فى هذا المكان. ولعل أصول جدة صاحبنا المنياوية كانت وراء اختيارها الإقامة هناك حتى وفاتها عام 1963.

وكان سكان العزبة موزعين توزيعاً متساوياً بين الإسلام والمسيحية فى بعض البيوت، بينما كان المسلمون أقلية فى البعض الآخر من تلك البيوت. ولعل تجمع الأقباط المنياويين الفقراء فى هذا المكان يعود إلى قربه من كنيسة مارى جرجس التى تقع فى نهاية شارع الجيوشى. وكان فناء الكنيسة مرتعاً لأطفال العزبة من المسلمين والأقباط، فيذكر صاحبنا تلك الأيام التى شارك فيها أترابه اللعب فى فناء الكنيسة، وتناول معهم لقمة القربان من يد "أبونا" القمص. ويذكر "عمته" أم جرجس، جارة جدته التى كانت تناديها "يا أمى"، وكانت تخاطب والد صاحبنا عند زيارته لأمه "يا أخويا"، وظل صاحبنا حتى بلغ الثامنة من عمره، يعتقد أن "عمته" أم جرجس شقيقة لوالده وابنة لجدته، وخاصة أن أبا جرجس كان ينادى الجدة "يا حماتى"، وعندما كان يحدث سوء تفاهم بين أبوى جرجس كانت الجدة تعنف الزوج، فيسترضيها ويقبل رأسها.

لذلك كانت عزبة هرميس "مصر الصغرى"، عاش سكانها معاً وكأنهم أسرة واحدة يأكلون معاً من طبق واحد، فرغم فقرهم الشديد كانوا يتبادلون أطباق الطعام والحلوى. ولم تكن أيام صيام الأقباط العديدة عائقاً أمام استمرار هذه العادة، بل كان الجميع مسلمين وأقباطاً صائمين معظم العام بالمفهوم القبطى للصيام، لا تعرف "طباليهم" اللحوم إلا فى المواسم والأعياد. وكانت النسوة المسلمات والقبطيات يتبادلن إرضاع أطفال بعضهن البعض، بل ورعاية أطفال بعضهن البعض إذا اضطرت إحدى الأمهات إلى السفر إلى قريتها فجأةً لأمر طارئ. والجميع لا يفوته واجب عيادة المرضى، وتقديم التهانى فى الأفراح، والتعازى فى الأتراح.

ثلاثة بيوت فقط عاشت بمنأى عن هذا المجتمع الخاص لسكان عزبة هرميس، وقعت تلك البيوت على أطراف العزبة بشارع الرافعى أحدها بيت الشيخ الرافعى القاضى الشرعى الذى سُمى الشارع باسمه، وكان بيته من طابقين خصص لسكنى عائلته وأبنائه، لا يعرف سكان الحى عنهم شيئا، فهم يعيشون بمعزل تماماً عن أهل تلك الجيرة الفقيرة. وأقام الشيخ الرافعى بجوار منزله زاويةً كانت مقصد سكان الحى لأداء الصلاة، وكان صاحبنا يحرص على أداء الصلوات بتلك الزاوية، والاستماع إلى دروس الشيخ الرافعى بعد صلاة العصر فى رمضان حتى يُرفع آذان المغرب، فيفطر على تمر يوزعه الشيخ على المصلين، ويؤدى صلاة المغرب ثم يعود إلى البيت لتناول طعام الإفطار. أما البيت الثانى فكان بيت أبو خالد الشامى ويجاور بيت الشيخ الرافعى، ويعلو عنه طابقاً واحداً، صاحبه بقال فلسطينى نزح إلى مصر فى الثلاثينيات، وشيد البيت له ولأبنائه، وكان له محل واسع نسبياً أسفل البيت يبيع البقالة لسكان المنطقة بما فى ذلك سكان عزبة هرميس، يضع على باب المحل عبارة "الشكك ممنوع والزعل مرفوع والرزق على الله". وكانت هذه الأسرة تعيش بمعزل تماما عن أهل تلك الجيرة، فلا يعرف أحد شيئاً عنهما، حتى الأسطى عبد العظيم اليمنى الحلاق رغم مهارته الفائقة فى اصطياد المعلومات، كل ما استطاع التوصل إليه من أخبار أن أبا خالد الشامى افتتح محلاً أكبر بشارع الترعة البولاقية.

أما البيت الثالث فكان من طابق واحد، ويقع قبالة بيت الشامى، هو بيت المعلم محمد عمر، فنان الزجاج المعشق الذى ورث المهنة عن جده الرابع، وتعلمها منذ نعومة أظفاره، وصقلتها الموهبة عنده. كان بيته الوحيد الذى تظل سطحه سقيفة من اللبلاب، حَوَّلها الرجل إلى "أتيلييه" خاص يعد فيه نماذج مصغرة لنوافذ وأبواب وقباب المساجد والكنائس والقصور التى أُسندت إليه عمارتها. وكان صاحبنا يرتاد بيت المعلم محمد عمر صحبة جدته التى كانت صديقة الست دولت زوجة المعلم، ولم يرزق الزوجان أطفالا فتبنى المعلم ابنتى شقيقة زوجته التى ترملت فى "عز شبابها"، ثم تزوجت، وتركت البنتين لأختها. كانت أكبرهما "رشيدة" التى تكبر صاحبنا بعامين، أما الصغرى فكانت "خديجة". وكانتا تناديان المعلم "أبى" وخالتهما دولت "أمى" وأمهما الأصلية "خالتى".

واشتركت تلك البيوت الثلاثة فى حسن العمارة، والانتماء إلى العصر، فكانت مزودة بالماء والكهرباء والصرف الصحى لوقوعها عند آخر نقطة وصلتها تلك الخدمات بشارع الرافعى. ورغم دخول عزبة هرميس نطاق "التنظيم" الحضرى إلا أن فقر ملاك مساكنها جعلهم يعجزون عن توفير المال اللازم لمد تلك الخدمات إلى بيوتهم، فظلت النظرة إلى البيوت الثلاثة أشبه ما تكون بالنظرة إلى التخوم التى تفصل العزبة عن مجالها الحضرى.

كان لهذه البيئة الشعبية الفقيرة البائسة، أبلغ الأثر فى تكوين صاحبنا فقد عاش بعزبة هرميس حتى عام 1954 عندما قرر والده أن ينقله من مدرسة شبرا الثانوية إلى مدرسة طوخ الثانوية بسبب رسوبه فى الفرقة الأولى، وعاد إليها عام 1957- 1958 عندما التحق بالجامعة، وشهد ثلاثة أرباع العزبة يختفى من الوجود ليفسح الطريق لشق طريق أحمد حلمى المجاور للسكة الحديد. كان ذلك عام 1961 عندما نُزعت ملكية تلك البيوت الفقيرة وبدأت معاول الهدم تسويها بالأرض، من بينها البيت الذى أورثه عاهة مستديمة عندما سقط من طابقه الثانى، والبيت الذى انتقلت إليه الجدة (بعد الحادث)، وبيت ثالث انتقلت إليه الجدة بعدما رغب صاحبه فى الحصول على غرفتها لسكنى ولده المتزوج حديثا. هذه البيوت الثلاثة التي طويت تحت (أسفلت) طريق أحمد حلمى شهدت طفولة صاحبنا وصباه.

كان الكُتَّاب هو التعليم الذى حصَّله جده وأبوه، فقد حلم الجد والأب بالدراسة فى الأزهر، والحصول على "العالمية". فالأزهر كان المؤسسة التعليمية المتاحة للفقراء الذين تقعدهم رسوم الدراسة بالمدارس (التى لم تتوافر إلا للطبقة الوسطى) عن الالتحاق بالمدارس. وإذا كانت ظروف الجد والأب العائلية قد حالت دون تحقيق أى منهما آماله فى التعليم، فقد علق الأب أمله على صاحبنا ليحقق حلمه فى أن يصبح والداً لعالم من علماء الأزهر.

التحق الطفل ابن الرابعة بكتَّاب يحمل اسم "مدرسة الفتوح الجديدة الأولية" يقع فى شقة بالدور الأرضى بأرض البدراوى التى تقع فى ظهير شارع شيكولانى المتفرع من شارع شبرا أمام مدرسة التوفيقية الثانوية (وقد أصبح اسم الشارع مستشفى كتشنر، ثم "المستشفى" بعد الثورة)، وكانت الشقة مكونة من حجرتين وصالة، تقيم صاحبة المدرسة (أم جلال) بإحدى الغرف، وهى أرملة صاحب الكُتَّاب، تولت إدارته بعد رحيل زوجها، واستعانت باثنين من الفقهاء من قراء القرآن الذين حصَّلوا تعليماً دينياً محدوداً لا يرقى إلى مستوى الأزهر، كان أحدهما الشيخ محمد أبو السعود نصف كفيف أو نصف مبصر، والآخر الشيخ محمد حسان. كانت مهمة الأول تحفيظ القرآن، وكانت مهمة الآخر تعليم الصبية القراءة والكتابة ومبادئ الحساب, أما أم جلال فكانت تتولى تعليم الأبجدية للتلاميذ الجدد، برغم من أميتها، فلم تكن تعرف سوى الأبجدية.

ويذكر صاحبنا يومه الأول بالكُتَّاب، عندما سأله الشيخ عن اسمه، فقال: "رؤوف" ففزع الشيخ واستعاذ بالله، وأمره أن يفتح يده ليضربه بقطعة من جريد النخل، ثم قال له: "الرؤوف هو الله ...أما اسمك فعبد الرؤوف... اسمك إيه" فرد الطفل بصوت خنقه البكاء: "عبد الرؤوف"

كانت البداية منفرة، جعلت الطفل يكره الكُتَّاب. لم يجد الطفل صعوبةً فى تعلم القراءة والكتابة وقواعد الإملاء والحساب فى السنوات الثلاث التى قضاها بالكُتَّاب، ولكنه وجد صعوبةً بالغةً فى حفظ آى الذكر الحكيم. كان التلاميذ يجلسون أمام الشيخ يرددون وراءه الآيات التى عليهم حفظها ويتم "التسميع" فى اليوم التالى، الشيخ يجلس أمام التلاميذ وقد افترش الجميع الحصير، وفى يده عصاه التى قُدَّت من جريد النخل، تهوى كيفما اتفق على التلميذ الذى يخطئ فى"تسميع" الآيات، وقد تهوى العصا على رأسه أو كتفه، فإذا كرر الخطأ تم مده؛ فيجلس على "دكة" خاصة لذلك مُسنداً ظهره إلى الحائط ماداً رجليه على الدكة، ويجلس تلميذ آخر أكبر سناً وأثقل وزنا على ركبتى المعاقب ويكتف يديه، وينهال الشيخ على القدمين بجريدته حتى يدميهما.

مر صاحبنا بهذه التجربة المريرة أربع مرات، كانت اثنتان منهما عقاباً له لخلطه بين الآيات، أما الأخريان، فكان عقابهما أشد، لأنه تجرأ وقال للشيخ إنه لا يستطيع الحفظ إلا إذا فهم معنى ما يحفظ، فعد الشيخ ذلك "جدالاً فى كلام الله" وسام الطفل سوء العذاب. وكانت النتيجة مرور ثلاث سنوات لم يستطع خلالهما سوى حفظ "العشر الأخير" من القرآن الكريم.

لم يقتصر الأمر على ما لقيه الطفل من عذاب على يدى الشيخ، بل كان والده يقرعه كل أسبوع عندما يراه لا يحقق التقدم المأمول فى الطريق إلى حفظ القرآن واستظهاره تمهيداً لدخوله الأزهر، وكانت جدته تروى لجيرانها قصه "خيبة الأمل اللى راكبة جمل"، فأحس الطفل بالكراهية للشيخ ولأهله، بل ولنفسه، وزاده ذلك إحساسا بالاغتراب وميلاً إلى الانطواء، والانزواء بعيداً عن أقرانه.

كان للأب زميل فى العمل وصديق يدعى محمد أبو زيد وكان رجلاً طيباً لم يُرزق أبناء، كما كان فناناً مرهف الحس يجيد العزف على العود. وعندما ضاق الأب ذرعاً بخيبة الأمل فى ولده، عبر لصديقه عن رغبته فى أن يدفع بولده إلى إحدى الورش عساه يتعلم "صنعة تنفعه" طالما كان لا يصلح للتعليم. فهال ذلك الأمر صديقه محمد أبو زيد وطلب منه أن يتذرع بالصبر ويعطيه فرصةً لسماع وجهة نظر الطفل، فقبل الأب على مضض.

جلس محمد أبو زيد، وإلى جانبه زوجته نعيمة، وأمامهما صاحبنا الذى رفض تناول الكعك الذى قدماه له رغم سيل اللعاب الذى يبتلعه بين الحين والآخر، فقد تحكمت فيه عقدة عدم تناول الطعام فى حضور الآخرين، و"دندن" عمه أبو زيد على العود قليلا ثم سأل الطفل عن الأسباب التى جعلت شيخ الكُتَّاب يجأر منه بالشكوى، ولماذا لم يحقق تقدماً فى حفظ القرآن، فأجابه بأنه يريد أن يفهم معنى ما يحفظه، وأن يحس بأنه يُعامل معاملة البشر وليس معاملة الحمير، فيُضرب كلما طالب الشيخ بشرح معانى الآيات.

نصح محمد أبو زيد والد صاحبنا بأن يصرف النظر عن حكاية الأزهر، وأن يعطى ولده فرصةً أخيرةً قبل أن يزج به إلى إحدى الورش، فيتيح له فرصة التقدم لامتحان القبول بإحدى المدارس الابتدائية، فإذا نجح فى الامتحان، شق طريقه فى التعليم العام، وإذا لم يوفق كان من حق الوالد أن يحدد مسار مستقبله كيفما شاء. قبل الوالد النصيحة، وقدم أوراق ابنه لمدرسة السيدة حنيفة السلحدار الابتدائية التى تقع بشارع زنانيرى أمام المحكمة الشرعية بأول شارع شبرا. وجاء اختياره لهذه المدرسة، وليس مدرسة شبرا الابتدائية الأقرب موقعاً من عزبة هرميس حيث يقيم مع الجدة، لأن لمدرسة السيدة حنيفة السلحدار وقفاً خاصاً للإنفاق على المدرسة التى خصصتها صاحبة الوقف لتعليم أبناء فقراء المسلمين، فكان الاختيار مرتبطاً بما توفره هذه المدرسة من ميزة تحمل الوقف الخاص بالمدرسة لثلثى رسوم الدراسة.

أدى صاحبنا امتحان القبول فى الحساب والإملاء، وذهب إلى المدرسة برفقة والده لاستطلاع النتيجة عند سكرتير المدرسة، فعلم منه أن النجاح كان من نصيبه، وأنه قُبل بالمدرسة، ولكن القبول لا يعد نهائياً إلا إذا أحضر "كارت" توصية من أحد "البكوات" موجهاً إلى "حضرة صاحب العزة محمد بك الكاشف ناظر المدرسة". خرج الوالد من المدرسة مكتئباً، يائسا، يصب جام غضبه -طوال الطريق إلى باب الحديد، وطوال رحله القطار إلى أوسيم- على ولده المسكين قائلاً: "أدى آخرة كلام عمك أبو زيد... فاكرك بنى آدم. ماله الكُتَّاب... ده من توبنا... لكن تقول إيه للخيبة... تقدر تقوللى أجيب لك كارت (بك) إزاى؟! لازم ترجع الكُتَّاب وتحفظ القرآن فى سنة واحدة... أو أبعتك ورشة تتعلم صنعة ما دمت فقرى".

هذه الجمل، وتقاسيم أخرى تتصل بسياقها كانت سهاماً تدمى فؤاد الطفل البائس الحائر ابن السابعة الذى نجح فى امتحان القبول، وبقى التحاقه بالمدرسة المناسبة لوضعه الاجتماعى مرهوناً بعملية "الفرز" الاجتماعى التى قد تتيح لأبناء العمال تجاوز حدودهم الطبقية، أو تحول بينهم وبين ذلك. كان صاحبنا مطأطأ الرأس طوال الوقت، ينتابه إحساس عميق بالظلم من والده جعل الدموع تحتبس فى مآقيها. وعندما وصل صحبة والده إلى محطة أوسيم، كان من واجب الوالد صرف تذاكر السفر للركاب. أجلسه معه بمكتب التذاكر، وراح يتسلى بتوبيخه بما لا يخرج عن السياق سالف الذكر، وهو يبيع التذاكر للجمهور. ودخل المكتب فجأة شيخ معمم مهيب الطلعة، استقبله الأب بالترحاب، كان الشيخ عمدة قرية سقيل القريبة من محطة أوسيم على خط المناشى "مديرية التحرير الآن". وعاد الأب إلى معزوفة التوبيخ فى حضرة العمدة فسأله الرجل عن السبب، وعندما علم أن "كارت" توصية من بك يحل المشكلة، نصح الأب بحسن معاملة ولده، وسأل عن اسم الولد واسم ناظر المدرسة. كان العمدة فى طريقه لمقابلة البك صاحب العزبة فى قريته، ورغم أنه لم يذكر ذلك لوالد صاحبنا عندما سمع منه القصة كاملةً، عاد مساء اليوم نفسه حاملاً كارت التوصية. وبذلك وجد صاحبنا نفسه تلميذاً فى مدرسة السيدة حنيفة السلحدار، وبدأ النحس الذى لازمه منذ الرابعة من عمره ينقشع، وتحول الكُتَّاب وقسوة الشيخ، وساديته فى تعذيب التلاميذ إلى مصاف الذكريات الحزينة.

وإذا كان النحس قد فارقه عند هذا المنعطف من حياته، فإن ذلك لم يضع نهايةً لعقده النفسية، فمنذ وعى، كان يسمع جدته تختتم صلواتها (التى تحرص عليها) بالدعاء على أمه سائلةً الله أن "يحرق قلبها على أولادها" وكانت تعامله بجفاء شديد، فتمنعه من الخروج من الغرفة محدودة المساحة إلى الشارع، ولم يستطع أن يتمتع بما يتمتع به أترابه من حرية اللعب إلا بعد التحاقه بالمدرسة، فكان لا يعود إلى البيت كل يوم إلا قبيل الغروب، يتوقف أثناء العودة بملاعب التوفيقية الثانوية للفرجة على تدريبات الملاكمة والمصارعة والجمباز، ثم يتوقف فى فناء كنيسة مارجرجس.

وحرصت الجدة على أن تكلفه بأمور لا تفسير لها سوى إرهاقه انتقاماً من أمه فى شخصه، فلا ترتاح إلا إذا أرسلته إلى حقول منية السيرج ليقطع المسافة فى ساعتين ذهاباً وإياباً ليشترى من هناك بخمسة مليمات الملوخية والطماطم ويحصل على الفجل والجرجير (فوق البيعة)، حتى إذا عاد من تلك الرحلة المضنية، صبت عليه وعلى أمه اللعنات لأنه تأخر فى مشوار هو مجرد "فركة كعب". وإذا احتاجت لشراء الخبز أرسلته إلى مخبز يقع على مسيرة ساعة ذهاباً وإياباً برغم توفر الخبز عند بقال الحى. وكانت ترى أن وجبة العشاء مضرة ولا تنفعه لأنه صغير وتناول العشاء قبل النوم يؤثر على قدرته على الفهم، وتتناول وحدها العشاء وهو يرقبها حتى تَعَوَّد على ذلك، فحذف من قاموسه مصطلح العشاء. وإذا طبخت لحماً أكلته وحدها (لأنها مريضة والحكيم وصفه لها)، وعندما تجرأ وأكل –سراً- قطعة من اللحم ظناً منه أنها لن تكتشف الأمر، اتضح أنها تحمل معها (محضر الجرد) فاكتشفت السرقة، ولعنته وأمه لأنه (مفجوع) مثلها، وتوعدته أن ينال من الله جزاء السارق، فيَصلى ناراً موقدة. أما الإفطار فلا مكان له سوى أيام الكُتَّاب، أما بعد الالتحاق بالمدرسة فلم تعد هناك حاجة إليه لأن المدرسة تقدم وجبةً ساخنةً أيام السبت والأحد والثلاثاء والأربعاء، ووجبةً جافةً يومى الإثنين والخميس، وتناول وجبة الإفطار يؤثر على قدرته على التحصيل. فكان عليه أن يذهب إلى المدرسة فى الصباح سيراً على الأقدام لمدة ساعة يومياً، دون أن يتناول طعاماً منذ ظهر اليوم السابق.

غير أن تطوراً خطىًراً عوضه عن الحرمان من الإفطار، فقد رفع والده مصروفه اليومى من مليم واحد (أيام الكُتَّاب) إلى خمسة مليمات دفعةً واحدة عندما التحق بالمدرسة، وكانت الجدة ملزَمةً بإعطائه المصروف يومياً لأن والده يعطيها أمامه مصروف الشهر ويحدد قيمة مصروفه اليومى، فكان يصر على الحصول على الخمسة مليمات يومياً، يشترى بها سندوتش أحياناً، ويشترى بها مجلة "البعكوكة" أسبوعياً، وعندما اكتشف وجود مجلة "سندباد" كان يشتريها من بائع الصحف بالتقسيط، فيدفع له خمسة مليمات لمدة أربعة أيام متتالية، وظل يشترى "البعكوكة"، وبذلك لم يتبق له إلا مصروف يوم واحد. شكا حاله لأمه يوماً عند زيارته لأسرته فى نهاية الأسبوع، فبكت وهى تستمع إلى شكواه، وحرصت على أن تعطيه (سراً) ثلاثة قروش أسبوعياً حتى يشترى مجلاته المحببة، ويحتفظ بالمصروف اليومى لشراء سندوتش ولكنها لم تنقل الشكوى للأب الذى كان يتقمص فى البيت شخصية "سى السيد" التى أجاد تصويرها نجيب محفوظ. ولم تجرؤ على البوح بما يتعرض له ولدها من سوء المعاملة إلا عندما رسب بالفرقة الأولى الثانوية، وفكر الأب فى إنهاء تعليمه عند هذا الحد، فيلحقه بعمل حتى يبلغ الثامنة عشر، عندئذ يسعى إلى تعيينه بالسكة الحديد بوظيفة كتابية، فانفجر غضب الأم الصبور المطيعة دوماً، وحكت للأب كل ما يعانيه ابنه، وتعرض الولد لاستجواب طويل من جانب الأب الذى كان يجهل تماماً حقيقة ما يجرى لولده، وعلى ضوء ذلك قرر نقله إلى مدرسة طوخ الثانوية (حيث كان يعمل هناك)، فأحس صاحبنا لأول مرة بدفء الحياة الأسرية، وتعَرَّف على إخوته واندمج بينهم، وفُتحت بذلك صفحة جديدة من حياته، كان لها أثرها فى تكوينه النفسى، فتلاشى الشعور بالاضطهاد الذى لازمه طوال حياته بعزبة هرميس، وتخلص تدريجياً من الانطواء، وتحسن أداؤه الدراسى كثيراً، كما تحسنت أحواله الصحية. ولكنه لم يتخلص من كراهيته للجدة رغم اضطراره لزيارتها مرة كل أسبوع تنفيذاً لأوامر أبيه، ويحرص على العودة فى اليوم نفسه بعدما تُسمِعه معزوفتها المعتادة فى نقائص أمه، وتنعى عليه ما أصابه من زيادة الوزن مما يدل على أن أمه (تحشر) له الطعام، فيؤدى ذلك إلى (تخن) مخه وخيبته فى الدراسة (بإذن واحد أحد) !!

لم يعد الفتى يلقى بالاً لهذا الهراء، طالما كانت الزيارة قصيرةً روتينية. وعندما طلب منه والده ان يقضى إجازة الصيف مع جدته بعزبة هرميس، جرؤ –لأول مرة- على رفض طلب أبيه، ولكنه برر ذلك برغبته فى العيش مع إخوته لأنه يشعر أنه يُعامَل معاملة (المنبوذ) دون مبرر. واكتفى الأب بتسديد نظرة قاسية نحوه، وقد كست ملامح الغضب وجهه، ولكنه لزم الصمت. وانتهى الأمر عند هذا الحد.

[تحرير] تلميذ بين أربع مدارس

كان أول عهد صاحبنا بالمدارس التحاقه بمدرسة السيدة حنيفة السلحدار الابتدائية الأميرية على نحو ما سبق ذكره، وأتاح له تردده اليومى على المدرسة فرصة التعرف على شبرا بتكوينها المختلط الغريب، مقارنةً بعالمه المحدود فى عزبة هرميس، بل كان الانتقال من البيت إلى المدرسة بمثابة ارتياد كوكب آخر من بيئة تختلف تماماً عن بيئة عزبة هرميس. كانت المدرسة تقع فى شارع زنانيرى بأول شارع شبرا من ناحية النفق العتيد. وكان على التلميذ الجديد أن يقطع المسافة من البيت إلى المدرسة سيراً على الأقدام فى نحو الساعة، فيغادر البيت فى السادسة صباحاً حتى يصل إلى المدرسة فى السابعة ليحظى بفرصة اللعب فى فنائها مع أقرانه حتى يدق الجرس مؤذناً ببداية اليوم الدراسى بطابور الصباح. وكان يقطع فى مسيرته الطويلة تلك من البيت إلى المدرسة شارع مستشفى كتشنر من طرفه الشرقى عند السكة الحديد إلى مصبه غرباً فى شارع شبرا، ثم يتجه جنوباً فى شارع شبرا حتى يصل إلى المدرسة.

كانت شبرا عندئذ تعكس واقع مصر كلها، فكان شارع شبرا الرئيسى حيث خط الترام وكذلك شارع مستشفى كتشنر، وجانب من شارع الترعة البولاقية، مقر إقامة الأجانب فى العمارات الواقعة على جانبى هذه الشوارع، وهم جميعاً من الطبقة المتوسطة الصغيرة ومن العمال وباعة المحلات الكبرى. كان اليونانيون يمثلون الأغلبية بين الأجانب من سكان شبرا يليهم الأرمن (تقريباً)، نظراً لتناقص حجم الجالية الإيطالية أثناء الحرب العالمية الثانية، وإن بقى لهم وجود ملموس فى مهن ميكانيكا السيارات والكهرباء، ونجارة الأثاث. وكان الأرمن يشتغلون بالتجارة والمهن الفنية وبعض الحرف، فكان منهم الترزى والساعاتى والإسكافى وغيرهم من أرباب الحرف. وكانت محال شبرا تحمل لافتات باللغة الفرنسية، وقليلاً ما كانت تُجمع إليها العربية، ويكتسى شارع شبرا حلة من الزينات التى تقيمها المحلات على جانبى الشارع احتفالاً بعيد الميلاد المجيد، فتضع المحال تماثيل صغيرة أو كبيرة لبابا نويل، وعبارات "عام سعيد" "عيد ميلاد سعيد" باللغة الفرنسية غالباً وباليونانية والأرمنية فى بعض الأحيان ولم تكن تضاف إليها العربية إلا فى المحلات القليلة التى كان يملكها مصريون (معظمهم من الأقباط). وكانت المحال ترفع على أبوابها –بهذه المناسبة- أعلامها الوطنية وإلى جانبها (أحياناً) علم المملكة المصرية الأخضر يتوسطه الهلال الأبيض والنجوم الثلاثة البيضاء.

وكان بشارع شبرا خمسة أو ستة محال جزارة مخصصة للحم الخنزير، كما كانت هناك نحو الأربع حانات، تَمَثل الوجود الوطنى إلى جانبها فى محل كبير لصناعة "البوظة" وبيعها على شارع شبرا فى مواجهة شارع على بك النجار الذى يقع لديه مدخل المدرسة، وكانت "البوظة" تجتذب حشداً كبيراً من الزبائن منذ الصباح، وقد تسمر صاحبنا فى مكانه عندما رأى ذات يوم "عربجى" حنطور يجلس على حافة رصيف الشارع، وبين يديه "قرعة" (وعاء) البوظة يشرب منه ويسقى الحصان معه من الوعاء نفسه.

أما الوجود المصرى بين سكان شارع شبرا وشارع مستشفى كتشنر، والمدخل الجنوبى لشارع الترعة البولاقية، فكان يقع فى ظهير الشوارع الرئيسية، وكان التباين كبيراً بين الطرز المعمارية على الشوارع الرئيسية وتلك التى تقع فى ظهيرها. كما كانت الخدمات المتاحة لسكان "الشوارع الخلفية" محدودة، وخاصةً إضاءة الشوارع ليلاً بمصابيح الغاز، فتجد الجزء الملاصق للشوارع الرئيسية مناراً لمساحة لا تزيد عن خمسين مترا، ثم يسود الظلام بقية الشارع. وكان شارع شبرا يتمتع بأكبر نصيب من النظافة، فيُكنس وتغسله تماماً "عربات الرش"، بينما الشوارع الخلفية تبدو وكأنها فى قارة أخرى. وكنت ترى فقراء الأجانب يطوفون شوارع شبرا وغيرها من أماكن سكنى الأجانب يلعبون "البيانولا" ويؤدون بعض الألعاب الهزلية، ويمر المهرج بالبيوت يلتقط فى الدف الذى يحمله بين يديه قطع العملة الفضية التى يقذفها "الخواجات" من الشرفات إليه. أما ألعاب الحواة وعروض الأراجوز فى الشوارع الجانبية فكانت وقفاً على المصريين.

كان صاحبنا يتأمل هذا العالم الغريب فى رحلة الإياب من المدرسة، لأن معظم المحلات لا تفتح أبوابها قبل الثامنة أو التاسعة صباحاً فيما عدا مخبزين "أفرنجى"، كان يشترى من أحدهما "سميطة" بمصروفه اليومى وينتحى جانبا ليأكلها قبل أن يستأنف الرحلة إلى المدرسة. أما عند الانصراف عصراً فكان يتسكع أمام المحلات يتفرج على معروضاتها وعلى هذا الخليط الغريب من البشر، ويتفرج على لاعب "البيانولا" وغير ذلك من مظاهر الحياة التى لا تمت بصلة إلى عالمه المحدود. وكان يدخر (أحياناً) مصروفه اليومى (نصف القرش) فلا يفطر يوماً ليشترى بها "الآيس كريم" من محل أحد "خواجات" شارع شبرا ليستمتع بمذاق هذه البدعة التى تختلف تماماً عن "الجرنيدة" التى كان يسرح بها بائع متجول يمر بعزبة هرميس. وشتان بين ما كان يدفع فيه مليماً واحداً، وما يدفع فيه خمسة مليمات بالتمام والكمال من حيث الكم والنوع والمذاق.

بدعة أخرى لفتت نظره هى دور السينما، فلم يكن حتى دخوله المدرسة (عام 1947) قد شاهد فيلماً سينمائياً، وهكذا كان يطيل الوقوف لدى مدخل سينما "دوللى" يتفحص الصور المعروضة فى المدخل للقطات من الفيلم المعروض، وغَيَّر طريق العودة خصيصاً ليمر بشارع الترعة البولاقية، ويشاهد دور سينما "روى" (وكانت تعرض الأفلام الأجنبية)، وسينما "فريال" ثم "شبرا بالاس" فيتفحص مجموعات الصور هنا وهناك. ورأى أن الفرجة من الخارج لا تجدى نفعاً، فقرر يوماً أن يستثمر بعض القروش الثلاثة التى تعطيها له أمه فى نهاية الأسبوع (سراً، بعدما تقتصد هذا من مصروف البيت)، فاختار حفلة بعد الظهر بأحد أيام الاثنين حيث تنصرف المدرسة فى الواحدة والنصف، واشترى تذكرة "ترسو" (درجة ثالثة) بخمسة عشر مليماً بالتمام والكمال، وتفرج على أول فيلم فى حياته، لعله كان أحد أفلام فريد الأطرش ومعه (فى العرض نفسه) فيلم أمريكى آخر. وشغل ذهنه فى طريق العودة للبيت بالبحث عن مبرر لهذا التأخير الشديد غير المعتاد ليرويه لجدته، ولكنه لم يحتج لذلك لأنها كانت فى زيارة لبعض أقاربها، وعادت إلى البيت بعده، ولم تهتم بسؤاله عما كان من شأن يومه. فنام ليلتها قرير العين منتشياً بما حقق من أمل، وكأنه "جاب الديب من ديله".

آفاق أخرى أتيحت له، تمثلت فى حركة الطلبة وإضرابات المدارس، التى كانت تبدأ من التوفيقية الثانوية ثم تزحف على بقية مدارس الحى، تحاصرها، وتطلب مشاركتها، وكان ناظر مدرسة السيدة حنيفة السلحدار يخشى ما قد يترتب على رفض السماح لتلاميذ المدرسة بالخروج للمشاركة فى المظاهرة من قذف الطلاب (الكبار) للمدرسة بالطوب من الخارج، فيتحطم زجاج النوافذ وتلحق الإصابات ببعض التلاميذ، كما حدث ذات مرة. لذلك كان يسارع بفتح أبواب المدرسة وصرف التلاميذ قبيل وصول المظاهرة الكبرى إلى المدرسة، مع توصية التلاميذ بالعودة إلى منازلهم. فكان صاحبنا يقضى سحابة اليوم مشاركاً فى المظاهرات، فتفتح وعيه منذ حرب فلسطين (1948) على هموم الوطن شأنه شأن غيره من أطفال مصر من أبناء ذلك الجيل الذى أنضجته هموم الوطن قبل الأوان. وأضافت المظاهرات منطقة قلب القاهرة إلى عالمه، فعرف –لأول مرة- الطريق إلى قصر عابدين، وحى الدواوين حيث رئاسة مجلس الوزراء والبرلمان. فقد كان المتظاهرون يوجهون الترام وجهةً أخرى فى الاتجاه إلى ميدان الإسماعيلية (التحرير الآن)، ومن هناك تتحرك المظاهرات إلى مقصدها حتى يشتتها جنود "بلوكات النظام" بعصيهم الغليظة، فيهرب الطلاب إلى الشوارع الجانبية حتى إذا انفض الجمع، عاد صاحبنا من قلب القاهرة إلى عزبة هرميس سيراً على الأقدام ليصل إلى هناك بعد الغروب، فتستقبله جدته باللعنات لأنه يسير فى طريق الضياع باشتراكه فى المظاهرات مع "العيال البطالين" وتتوعده بإبلاغ أبيه. وكان حاضراً ذات مرة وهى تقص على الأب ما حدث من ولده، فاستمع الأب إلى القصة ثم قال لولده: "أهم حاجة عندى إنك تأخذ الابتدائية، وبعدها كله بأمر الله". فاعتبر هذا تصريحاً من والده بالموافقة (ضمناً) على اشتراكه فى المظاهرات، وخاصة أن الأب كان وفدياً حتى النخاع، ويرى أن النحاس باشا "زعيم الأمة" بلا منازع، ويعتز بمصافحته للزعيم على رصيف محطة بور سعيد عام 1936، وحضوره بعض المناسبات التى خطب فيها.

كانت مدة الدراسة بالمرحلة الابتدائية أربع سنوات، أما المرحلة الثانوية فكانت خمس سنوات. وتنتهى المرحلة الابتدائية بالحصول على شهادة الابتدائية التى تحشر صاحبها فى زمرة "الأفندية"، أما الثانوية فلها شهادتان أولاهما بعد الرابعة هى شهادة الثقافة وهنا يستطيع من لا يملك أسباب الالتحاق بالجامعة أن ينهى دراسته، حاملاً مؤهلاً متوسطاً يؤهله للعمل بوظيفة إدارية، قد توصله إلى أعتاب الإدارة العليا إذا حصل على فرصة للترقى عن طريق المحسوبية أو الرشوة، وكانتا وسيلتين معتمدتين للترقى فى وظائف الدولة. أما من يواصل الدراسة الثانوية حتى نهايتها فيحصل على "التوجيهية"، وكانت تنقسم إلى شعبتين: أدبى وعلمى، عندئذ يستطيع التقدم بأوراقه إلى الكلية التى يرغب الالتحاق بها بالجامعة.

كان بمدرسة السيدة حنيفة السلحدار الابتدائية ثمانية فصول: فصلان لكل فرقة من الفرق الأربع يضمها جميعاً القصر (الذى تحول إلى مدرسة) إضافةً إلى مكتب الناظر وحجرة الموسيقى، واحتلت حجرة الأشغال مكاناً تحت شرفة الدور الأول للقصر تم تحويله إلى حجرة بقواطع وفواصل خشبية ذات نوافذ زجاجية. أما بدروم القصر فتحول إلى مطعم للتلاميذ. واقتطع جانب من الفناء أقيمت فيه حجرة الرسم ومكتب السكرتير، وحجرة "ضابط المدرسة" وهو مدرس التربية الرياضية. واحتل ملعب كرة السلة فناء المدرسة، أما شرفة القصر فوضعت بها طاولتان لكرة المضرب (البنج بونج). وفى ركن قصى من الفناء المطل على شارع زنانيرى كانت هناك مزرعة للدواجن حيث الدجاج والبط والأوز والأرانب.

كان عدد تلاميذ الفصل الواحد فى الفرقة الأولى 32 تلميذاً وعندما وصل صاحبنا إلى الفرقة الرابعة كان عدد تلاميذ فصله 24 تلميذاً، وكان عدد تلاميذ المدرسة لا يصل إلى 250 تلميذاً. وشملت برامج الدراسة بالإضافة إلى اللغة العربية والحساب والتاريخ والجغرافيا والعلوم للفرقتين الأولى والثانية يضاف إليها الإنجليزية للفرقتين الثالثة والرابعة، شملت برامج الدراسة الرسم حيث ينتقل الفصل إلى حجرة الرسم، فيشرح المدرس قواعد الرسم ويمر على التلاميذ ليوجههم ويصحح أخطاءهم، ويولى اهتماماً بمن يلمس لديه بعض الاستعداد فينمى موهبته، وجرت العادة على إقامة معرض فى نهاية العام لرسوم التلاميذ. ويحدث الشىء نفسه فى حصة الأشغال فيتعلم التلاميذ تشكيل الطين الصلصال، والزخرفة بمواد مختلفة، والأعمال الخشبية ويهتم المدرس –أيضاً- بذوى المواهب الخاصة من التلاميذ ليزدان بإنتاجهم معرض نهاية العام. أما حصة الألعاب فكانت تربيةً بدنيةً بحق. وكانت حجرة الموسيقى بها بيانو وآلات وترية وطبول، وكان التلاميذ يُدَرَبون على النوتة الموسيقية تدريباً جدياً، ويختار من بين الطلاب الموهوبين فريق الموسيقى الذى يعزف فى طابور الصباح أثناء إلقاء النشيد الوطنى، وكذلك فى الحفل السنوى فى ختام العام الدراسى.

ولم يكن للمدرسة زى موحد، ولكن اشتُرط ارتداء البنطلون القصير (شورت) والجورب الطويل الذي يصل إلى ما تحت الركبة، مع ضرورة لبس الطربوش الذى تسبب فى تعرض صاحبنا للعقاب فى الأسبوع الأول من الدراسة، عندما نسيه فى الفصل ونزل إلى "الفسحة" عارى الرأس فلمحه الناظر، وأمر الفراش "بعبطه" ثم ضربه على مؤخرته عدة ضربات بكرباجه الصغير.

كان الضرب أساسياً فى عملية التعليم، وكان المدرس يدخل الفصل حاملاً خيزرانة، وانفرد مدرس اللغة العربية بحمل "مقرعة" عبارة عن يد جلدية كيد الكرباج تتفرع منها نحو خمسة سيور جلدية صغيرة. ولكن المقامات الاجتماعية كانت تُراعى عند توقيع العقاب؛ فالمدرس يحرص فى بداية العام على سؤال كل تلميذ عن "وظيفة" والده، فإذا كان موظفاً اهتم بالسؤال عن درجته، فإذا كان ولى أمر التلميذ موظفا "محترما" حظى بعقاب متوسط، وإذا كان الوالد برتبة "بك" اكتفى المدرس بقرص أذنه، أما غالبية التلاميذ من أبناء العمال والحرفيين فكانوا يُضرَبون ضرب الإبل. وكان صاحبنا من تلك الفئة التى يُشبع المعلمون فيهم ميولهم السادية. ويبلغ عقاب التلميذ ذروته عندما يُستَدعى ولى أمره ليتولى عقابه بنفسه أمام جميع طلاب المدرسة فى طابور الصباح، فيعلن ناظر المدرسة ما ارتكبه التلميذ من جرم، ثم يتولى ولى الأمر مراسم العقاب بقسوة بالغة، بل قال أحدهم لناظر المدرسة "أرجِعه لى مكسوراً فى قفة وأنا مسئول عن تجبيره، وأعيده لك مرة أخرى لتكسر عظامه مرة أخرى"!

كانت المدرسة أشبه ما تكون بثكنة عسكرية تقوم على النظام والانضباط التام. وكان المدرس مهاباً، يحظى بقدر كبير من الاحترام، فلم تكن هناك دروس خصوصية خارج المدرسة، وكان التلميذ الذى يدبر له أهله دروساً خصوصية خارج المدرسة على يد أحد مدرسى المدارس الخاصة، يخفى ذلك عن زملائه، ولا يبوح به إلا لصديق حميم، لأن التلاميذ كانوا "يعايرون" من يتلقى دروساً خصوصية، ويعتبرونه نموذجاً للغباء.

وهكذا تمتع صاحبنا فى مدرسة السيدة حنيفة السلحدار بتربية لم تكن لتتاح له فى غيرها، وكان يحصل دائماً على درجات متوسطة لأنه كان يعتمد تماماً على المدرسين، وكان يفضل أداء واجباته المنزلية فى طريق العودة إلى المنزل فى ركن من حديقة مدرسة شبرا الابتدائية المتسعة الجميلة. فلم يكن هناك ما يحفزه على بذل جهد أكبر، لأن والده كرر عدة مرات أمامه أنه لن يستطع تحمل مصروفات المدرسة الثانوية حتى بعد أن قررت وزارة الوفد مجانية التعليم، وكان التلاميذ يدفعون فقط رسوماً رمزية بلغت فى التعليم الثانوى نحو الثلاثة جنيهات وهو يتجاوز القدرات المالية لوالده.

وأثناء وجوده بالفرقة الرابعة، أُقتطع جانب من فناء المدرسة أقيمت عليه بناية ضمت تسعة فصول وزعت على ثلاثة طوابق لتصبح المدرسة ابتدائية ثانوية، ولذلك عندما حصل على الابتدائية عام 1951، نُقل مباشرة إلى الفرقة الأولى بالقسم الثانوى، وعندما وصل إلى الفرقة الثانية (العام الدراسى 1952/ 1953) كان العهد قد تغير، وتولى إسماعيل القبانى وزارة المعارف فى أول وزارة فى عهد الثورة، وتقرر "إصلاح" نظام التعليم –على الطريقة الأمريكية- ليتكون من ثلاث مراحل: الابتدائى (الأساسى) ومدته ست سنوات، والإعدادى ومدته ثلاث سنوات، والثانوى ومدته ثلاث سنوات، وتحول تلاميذ الفرقة الثانية الثانوية بالنظام القديم إلى طلاب الشهادة الإعدادية وتحولت مدرسة السيدة حنيفة السلحدار إلى مدرسة إعدادية. ولم تلتزم حكومة الثورة بشروط الوقفية، فقبلت المدرسة تلاميذ من الأقباط لأول مرة عام 1952/ 1953 كما عُين للتدريس بالمدرسة مدرسان قبطيان أحدهما للرياضة والآخر للغة الإنجليزية. واختفى محمد بك الكاشف ناظر المدرسة الذى اتسم بالصرامة والشدة، وجاء ناظر آخر بدلاً منه.

وبعد الحصول على الإعدادية عام 1953، نُقل صاحبنا وجميع زملائه بالسيدة حنيفة السلحدار إلى مدرسة شبرا الثانوية المقامة بقصر الأمير عمر طوسون بآخر الشارع المسمى باسمه والمتفرع من شارع شبرا، ليجد نفسه فى بيئة تعليمية جديدة تماماً، تختلف عن بيئة السيدة حنيفة السلحدار. كانت مدرسة السيدة حنيفة السلحدار صغيرة الحجم، وكانت فصولها محدودة وكذلك عدد تلاميذها والتعليم فيها نموذجياً، والنشاط الرياضى والفنى والثقافى يشارك فيه جميع التلاميذ، حتى الرحلات العلمية إلى المتاحف والآثار كانت جزء من الدراسة تغطى تكاليفها الوقفية الخاصة بالمدرسة.

كذلك كانت تلك المدرسة –عند صاحبنا- نافذةً أطل منها على عالم أوسع، فقرأ فى مكتبتها كتباً مختلفة مثل أعمال جرجى زيدان وخاصة رواياته فى تاريخ الإسلام، كما قرأ لسلامة موسى، وطه حسين، وبعض أعمال عبد الرحمن الرافعى فى تاريخ الحركة الوطنية، وشارك فى المظاهرات التى شهدتها القاهرة فى أواخر الأربعينيات وبلغت ذروتها فى فترة الكفاح المسلح فى قناة السويس، وخاصة المظاهرة الكبرى التى شهدها ميدان عابدين فى25 من يناير 1952، وهتف فيها المشاركون بسقوط الملك فاروق، وهى التى تكررت فى اليوم التالى فى غضون حادث حريق القاهرة. وشارك فى المظاهرة الكبرى التى شهدها الميدان نفسه بعد عودة محمد نجيب إلى السلطة أثناء أزمة الصراع عليها فى مارس 1954، والتى شاركت فيها كل القوى المؤيدة للديموقراطية. كانت شبرا الثانوية مدرسةً كبيرةً بها ما يزيد على العشرين فصلاً، وعندما نُقل إليها الناجحون فى الإعدادية من السيدة حنيفة السلحدار كان عددهم 32 تلميذاً، بُعثروا على ثلاثة فصول من فصول الفرقة الأولى ثانوى وكان موقع صاحبنا بالفصل الخامس مع أربعة فقط من زملائه السابقين. وكانت نوعية تلاميذ شبرا الثانوية (عام 1953/ 1954) مختلفة تماماً من حيث الأصول الاجتماعية، جاءت غالبيتهم من الشرائح المتوسطة والدنيا من الطبقة الوسطى: أبناء تجار، وأطباء ومحامين ومحاسبين وموظفين من مختلف درجات الإدارة العليا والوسطى بالحكومة، وكان أبناء الكادحين الفقراء يمثلون أقليةً ضئيلة الحجم فى تلك المدرسة عندئذ، مما جعل صاحبنا يشعر بالغربة هناك.

نوعية المدرسين أيضاً كانت مختلفة، فبعد أن كان المدرس يعرف أسماء تلاميذه فى السيدة حنيفة بعد أسبوع واحد من بداية العام الدراسى نظراً لصغر حجم الفصول. كانت فصول الفرقة الأولى السبعة بشبرا الثانوية لا يقل عدد الطلاب فى كل منها عن 48 طالباً، ولم يكن هناك اهتمام من جانب المدرس بمتابعة أداء كل تلميذ، على نحو ما كانت عليه الحال فى السيدة حنيفة. وكان أصعب ما واجهه صاحبنا دروس الرياضة واللغة الفرنسية. كان أمين قسطندى مدرس الرياضة يبدأ الدرس بشرح بعض النماذج للمسائل، ثم يكتب على السبورة رؤوس المسائل الخاصة بواجب الحصة التالية، حتى إذا جاءت تلك الحصة بدأها بكتابة حل مسائل الواجب على السبورة، ويطلب من التلاميذ أن يصححوا كراساتهم بالرجوع إلى السبورة، ثم يجمع الكراسات ويضع على كل مسألة علامة صح، ثم يضع توقيعه الكريم. ولم يكن يقبل أن يسأله التلاميذ، وعندما تجرأ صاحبنا وقال له إنه لم يفهم شيئاً مما شرحه سخر منه أمام زملائه قائلاً: "يكفى أن يكون بالفصل أربعة حوائط.. لا حاجة لنا إلى حيطة خامسة" وطرده من الفصل، فلم يعد إليه طوال العام، وكان يترك درس الرياضيات، ويتسلى بالفرجة على تدريبات التنس والجمباز. فقد كان الانضباط منعدماً فى تلك المدرسة الكبيرة، لا يُسأل الطلاب فيها عما يفعلون. أما مدرس الفرنسية فكان المسيو ميشيل الفرنسى الجنسية، ضعيف الشخصية لا يستطيع السيطرة على الفصل، يرجمه بعض أشقياء التلاميذ بنبال الورق على قفاه كلما استدار للكتابة فينفجر بالشتائم بالفرنسية، وقد يغادر الفصل احتجاجاً. وكان معظم تلاميذ الفصل يلجأون إلى الدروس الخصوصية فى مادتى الرياضيات واللغة الفرنسية أو يعتمد الفقراء منهم على بعض أقربائهم لمساعدتهم في فهم المادتين أو إحداهما، وهو ما لم يتوافر لصاحبنا، فقد سدد أبوه بالكاد (280 قرشا) قيمة رسوم الدراسة، وكان يعطيه ربع جنيه شهرياً كمصروف شخصى، ويدفع لجدته مصروفاً قدره أربعة جنيهات شهرياً كانت تعادل ثلث راتبه –عندئذ- فلم يكن بوسعه تحمل نفقات الدروس الخصوصية، وهو الذى تورط فى إدخاله التعليم الثانوى لأن مدرسة السيدة حنيفة نقلت من حصلوا على الإعدادية منها إلى شبرا الثانوية، وكان يفضل إلحاقه بمدرسة متوسطة فنية أو بمعهد المعلمين (كانت مدة الدراسة به خمس سنوات بعد الإعدادية) لذلك كله لم يستطع صاحبنا أن يجد حلاً لمشكلته إلا بالاستعانة المحدودة ببعض زملائه. وكان من الطبيعى أن يرسب فى المادتين فى نهاية العام، وتطوع بعض المتعاطفين معه من معارف والده لمساعدته على اجتياز امتحان الملحق دون جدوى، فقد رسب فى الملحق، وأصبح باقياً للإعادة. وكان هذا الرسوب نقطة تحول فى حياته، فقد نقله الأب إلى مدرسة طوخ الإعدادية- الثانوية لينعم للمرة الأولى بجو الحياة الأسرية بين اخوته ووالديه.

كانت مدرسة طوخ بالقرب من محطة السكة الحديد، تقع مقابل مساكن عمال المحطة، فلا يفصلها عن تلك المساكن سوى شريط القطار. وكانت بها ثلاثة فصول للفرقة الأولى الثانوى لم يزد عدد التلاميذ فى كل منها عن 36 تلميذا، وكانت إدارة المدرسة حازمة تحرص على الانضباط، أما المدرسون فكانوا على مستوى عال من الكفاءة. ولما كان صاحبنا (باقياً للإعادة)، فقد كان لامعاً بين تلاميذ فصله فى معظم المواد، حتى الرياضة تعلمها جيداً على يد مدرس كان بارعاً فى شرحه للدرس، لا يترك نقطة دون أن يتأكد من فهم الجميع لها، ويجمع كراسات الواجب ليصححها بنفسه، ويحدد لكل تلميذ موطن الخطأ عنده، ويكلفه بواجب إضافى ليتأكد من استيعابه التام للدرس، تماماً كما كان يحدث فى مدرسة السيدة حنيفة السلحدار، فاستطاع الأستاذ محمد حسن أن يصلح ما أفسده أمين قسطندى. أما الأستاذ ملاك عبد المسيح معلم الفرنسية فكان –أيضاً- على درجة عالية من المقدرة على جذب التلاميذ إلى تلك اللغة الجديدة عليهم، لا يمل تكرار تصويب نطق الكلمات وشرح قواعد اللغة، وأولى صاحبنا عنايةً خاصةً عندما ذكر له تجربته السابقة مع المدرس الفرنسى، فاستطاع أن يحوله إلى محب للغة الفرنسية، فحصل على درجة عالية فيها فى امتحان آخر العام.

وعندما نُقل إلى الفرقة الثانية كان عليه اختيار شعبة التخصص، فاختار القسم الأدبى، لأنه كان ميالاً إلى الدراسات الأدبية وإلى علم التاريخ على وجه الخصوص استكمل قراءة جميع ما كتبه عبد الرحمن الرافعى فى تاريخ الحركة الوطنية فى مكتبة مدرسة طوخ، كما قرأ بعض مؤلفات سليم حسن فى تاريخ مصر القديم. وكان مستواه فى اللغة الإنجليزية فوق المتوسط بفضل الأستاذ محمد شمس الدين أول من علمه الإنجليزية بمدرسة السيدة حنيفة السلحدار، فكان نظيراً لمعلمه ملاك عبد المسيح فى طريقة التدريس والاهتمام بسلامة النطق وتدريب التلاميذ على القراءة والكتابة وقواعد اللغة. وهكذا اختار صاحبنا القسم الأدبى تخصص تاريخ، فكان يدرس طلاب كل تخصص مادة إضافية فيه لعلها كانت فى الفرقة الثانية مادة تاريخ الشرق الأدنى القديم، وكان اختياره للتخصص فى التاريخ تعبيراً عن عشق لهذا العلم وتأثره البالغ بما كان يقرأ فى الصحف –عندئذ- عن اكتشاف عالم الآثار أحمد فخرى هرم سنفرو، وتمنى أن يصبح يوما واحداً من علماء الآثار، ولذلك اهتم بقراءة أعمال سليم حسن وبعض الأعمال المترجمة التى وجدها بمكتبة المدرسة.

كان تلاميذ مدرسة طوخ الإعدادية- الثانوية أقرب إلى تلاميذ السيدة حنيفة السلحدار من حيث الأصول الاجتماعية، فأغلبيتهم جاءت من أبناء الفلاحين وصغار الملاك والحرفيين والعمال، وكان بينهم أقلية ضئيلة من أبناء التجار الكبار وأبناء الموظفين. وجاء معظم التلاميذ من قرى مركز طوخ، يأتون إلى المدرسة سيراً على الأقدام، ويحرصون على الدرس والتحصيل. وكان النشاط الرياضى والفنى والثقافى بالمدرسة متواضعاً، فمعظم المدرسين يقيمون بالقاهرة ويحضرون إلى المدرسة بالقطار يومياً، واليوم الدراسى الكامل ينتهى الساعة الثانية والنصف بعد الظهر، فيعود المدرسون إلى القاهرة وتتجه مجموعات التلاميذ كلٍ إلى قريته، فلا تجد بها أحداً بعد الثالثة مساء. ولكن صاحبنا كان حريصاً على المشاركة فى النشاط الثقافى، فيلقى من حين لآخر كلمة قصيرة بالإذاعة المدرسية عن الفراعنة مينا، ورمسيس الثانى، وإخناتون، وعن أحمد عرابى ومصطفى كامل ومحمد فريد، إضافةً إلى "حكمة اليوم". وشجعه مدرس اللغة العربية محمد البيجرمى على إصدار مجلة حائط سماها "الضياء" صدرت منها نحو الخمسة أعداد، كان يحرر معظم مادتها، ويجتهد فى إخراجها ورسمها.

لقد أكسبه ما حققه من نجاح بمدرسة طوخ الثقة بالنفس، وخلصه من عقده النفسية القديمة، فأصبح أكثر ميلاً للاندماج مع زملائه، ومناقشة المدرسين الذين كانوا لا يصدونه أو يسفهون أفكاره، بل يوجهونه ويشجعونه. وما كاد ينجح فى الفرقة الثانية، وينتقل إلى الفرقة الثالثة حتى نُقل والده إلى قرية طنوب مركز الشهداء منوفية، وانتقلت الأسرة إلى طنوب، والتحق صاحبنا بمدرسة الشهداء الإعدادية الثانوية.

كانت مدرسة الشهداء أدنى مستوىً من مدرسة طوخ من حيث مستوى التدريس ونظام الدراسة. وجاء العدوان الثلاثى عام 1956 فى مطلع العام الدراسى، فشغل صاحبنا بهذه القضية وتطوع فى الحرس الوطنى، وأتم التدريب السريع على استخدام البندقية الآلية والمدفع الرشاش واستخدام القنابل اليدوية. وبعد انتهاء التدريب قابل قائد المعسكر طالباً منه إرساله إلى بور سعيد للاشتراك فى الدفاع عنها ضد العدوان، فقال له القائد (وكان من ضباط الاحتياط): "يابنى انت واخد الحكاية جد؟‍‍‍‍ دا الحكومة عايزة تلهى الشباب بالتدريب" فمادت الأرض تحت قدميه، وانفجر فى الضابط يتهمه بالخيانة والعمالة للاستعمار، وأكد له أنه سيرسل برقيةً إلى عبد الناصر بما دار معه من حديث. انزعج الرجل ومعه ضابط صغير برتبة ملازم وباشجاويش المعسكر فالتفوا حول المتطوع الغاضب يتحدثون معه بأسلوب لين، فذكر الضابطان أنهما مدرسان فى الأصل، وأنهما يعاملانه كأحد أبنائهماٍ، والحكومة لاشك تقدر للشباب حماسه وحرصه الدفاع عن الوطن, ولكن ما تلقاه الشباب من تدريب لا يكفى لإرسالهم إلى قتال عدو مدجج بالسلاح، وأنه عندما ذكر القائد ما ذكر إنما أراد أن يعبر عن عدم وجود تعليمات لديه بإرسال المتطوعين إلى بور سعيد. ولم يكتف الرجل بذلك، بل علم من المدرسة مكان عمل والده، واتصل به تليفونياً طالباً تدخله لمنع ابنه من التهور وتقديم شكوى ضده للرئيس.

وإذا كان صاحبنا قد عدل عن شكوى قائد المعسكر، فقد أحس فى أعماق نفسه بالهزيمة، ذلك الإحساس الذى لازمه كلما رأى جنود الاحتلال البريطانى يتدربون فى ساحة الجولف أمام مساكن عمال محطة بور سعيد (حيث ولد) ويجوسون خلال المدينة، عندما كان يزور أخواله فى إجازة الصيف صحبة أسرته، ومضت فترة الأزمة وهو مهموم بالبحث عن سبيل للتسلل إلى بور سعيد، والبحث عن الفدائيين الذين علم بنشاطهم من الصحف، وحسدهم على نيلهم شرف الدفاع عن الوطن. وعندما استؤنفت الدراسة، كانت متابعة الأحداث السياسية تطغى عليه معظم الوقت، وتمنى لو أنه كان بالقاهرة لوجد السبيل لأداء الواجب نحو وطنه.

وبعد أن استقرت الأمور واقترب موعد الامتحان جلس إلى والده للتعرف على رأيه فى الخطوة التالية بعد حصوله على الثانوية العامة، فقال له والده إن ما حصّله من تعليم حتى هذه الفترة كاف تماماً لتحديد مستقبله، فهو يستطيع الحصول على وظيفة بالكادر المتوسط بالدرجة الثامنة الكتابية، وهى درجة لا يحلم أبوه بالوصول إليها. وذكره ان عبء إعالة الأسرة التى أصبحت مكونة من الوالدين وثمانية أبناء (هو أكبرهم) قد ناء به كاهله، وأنه آن الأوان لكى يؤدى صاحبنا دوره فى مساعدة والده على تربية إخوته حتى يبلغوا ما بلغ، وعندما قال له صاحبنا إنه يعلم أن نزوله إلى ميدان العمل مسألة ضرورية للأسرة، ولكنه يتمنى أن ينتسب إلى الجامعة إلى جانب العمل حتى يحقق أمله فى أن يصبح عالم آثار. اعترض الأب على ذلك بأسلوب منطقى (وإن كان صاحبنا لم يرتح له عندئذ) وذكره بأن الجامعة قد تستنزف جانباً كبيراً من راتبه لتغطية مصاريف الدراسة والكتب مما يجعله غير قادر على تقديم مساهمة ذات قيمة فى إعالة الأسرة. وحذر الأب ابنه من الإفراط فى التطلع إلى ما "ليس من ثوبه" وأن "القناعة كنز لا يفنى" و"للضرورة أحكام".

لم يُصدم صاحبنا لهذا الموقف من جانب الوالد فهو يقدر تحمل الرجل له كل تلك السنوات، ويعلم أن مرتبه الضئيل لا يكفى لتوفير مستلزمات الحياة الضرورية لأسرة كبيرة العدد، ويعلم أن من واجبه أن يرد الجميل لأبيه، ويساعد اخوته على تحقيق ما عجز هو عن تحقيقه، وليترك مسألة الانتساب إلى الجامعة لما تأتى به الأيام. غير أن همته فترت فى السعى للحصول على مجموع مناسب للالتحاق بكلية الآداب شانه شأن زملائه، فماذا يجدى المجموع إذا كانت الطريق إلى الجامعة لا تتقاطع مع طريقه فى الحياة الذى رسمه له وضعه الاجتماعى؟! فلم يهتم كثيراً سوى بالنجاح والحصول على "الشهادة". وهكذا حصل على الثانوية العامة القسم الأدبى بمجموع بلغت نسبته 61,5% وكان أول الخريجين قد حصل على 76%، فلم تكن المجاميع الفلكية التى صاحبت تدنى مستوى التعليم معروفة فى ذلك الحين، وكان طبيعياً أن تحمل الجريدة المسائية التى دأبت على نشر نتيجة الشهادات أسماء العديد من المدارس وتحتها عبارة "لم ينجح أحد". وكان ترتيب صاحبنا بهذا المجموع الصغير رقم 996 من مجموع الناجحين بالقسم الأدبى الذين تجاوزوا المائة والعشرين ألفا.

[تحرير] التسلل إلى الجامعة

شغل من حصلوا معه على الثانوية العامة عام 1957 بالتقدم إلى مكتب التنسيق (الذى كان من جهود ثورة يوليو الإصلاحية لضمان عدالة توزيع الطلاب على الجامعات) فلم يعد القبول مرهوناً بالوساطة والمحسوبية كما كانت الحال فى العصر الملكى. أما صاحبنا فأعد كل أوراقه لغرض آخر: البحث عن عمل، فإلى جانب شهادة الثانوية العامة وشهادة الميلاد، هناك شهادات أخرى لابد من تجهيزها أيضاً هما شهادة الجنسية المصرية وشهادة حسن السير والسلوك، وهما توقعان من اثنين من الموظفين لا يقل مرتب كل منهما عن عشرين جنيهاً، ولما لم يكن والده يعرف أحداً من أصحاب هذه الرواتب (الكبيرة)، لجأ إلى البديل وهو عمدة قرية طنوب الذى تولى مهمة إعداد الشهادتين من مركز كفر الزيات عن طريق المأمور. هذه الأمور التى تبدو تافهة اليوم، لا مبرر لها، كانت من المعضلات التى تواجه الفقراء فى تلك الأيام.

كانت البلاد تمر –عندئذ- بفترة ركود اقتصادى فلم تكن هناك وظائف متاحة بالحكومة. سأل الوالد كل معارفه بالسكة الحديد والتلغراف، فكانت الوظائف المتاحة تتطلب سلامة الإبصار (6/ 6) أما قوة إبصار صاحبنا فكانت (6/ 18)، وكان يستخدم نظارة طبية منذ العاشرة من عمره، وبذلك لا يصلح للالتحاق بمدرسة الحركة والتلغراف التى كانت تابعة لمصلحة السكة الحديد، ومدة الدراسة بها تسعة شهور، يُعين الطالب بعدها بوظيفة معاون محطة أو معاون تلغراف. فلم يتبق إلا البحث عن العمل بإحدى الشركات. ودل بعض أهل الخير الوالد على موظف بشركة مصر للتأمين يقيم بحى العباسية بالقاهرة، فتوجه صاحبنا لزيارته بمنزله فى أقرب يوم جمعة. كان عبد الحكيم أفندى رجلاً طيباً عنده خمسة أولاد حصل أكبرهم على الثانوية العامة القسم الأدبى فى العام نفسه بمجموع نسبته 52%، وعندما القى نظرة على استمارة النجاح فى الثانوية العامة الخاصة بصاحبنا، قال له: "يا بنى خسارة تضيع فرصة دخول الجامعة، دا انت مكانك فيها مضمون"، وراح يشرح له الظروف الاقتصادية الراهنة، وكيف أن الشركات "توفر" الموظفين، وأنه نفسه فى وضع غير مستقر (على كف عفريت)، ونصحه بتقديم أوراقه إلى مكتب التنسيق يوم السبت، قبل أن يغلق أبوابه يوم الإثنين فتضيع الفرصة من يده ربما إلى الأبد. أما الحصول على عمل فسوف يستغرق وقتاً طويلاً بسبب الأزمة، ويمكنه مواصلة البحث عن عمل أثناء الدراسة وتغيير حالته من طالب نظامى إلى طالب منتسب عندما يحصل على عمل.

وراح صاحبنا يشرح للرجل ظروفه العائلية البائسة التى تجعل حصوله على عمل هدفاً أساسياً، وأنه إذا قُبلت أوراقه بالجامعة، فمن أين يستطيع أن يدفع مصروفات الجامعة التى كانت تبلغ ثمانية عشر جنيهاً ونصفاً، فهو مبلغ يزيد عن راتب والده بحوالى خمسة جنيهات، ثم إن ما معه من نقود يقل عن الجنيه الواحد، فكيف يدبر الجنيهات القليلة لرسوم التقديم والدمغات وكان يقترب من الثلاثة جنيهات؟! أطرق الرجل ملياً، وحوقل عدة مرات، ثم قام من مجلسه وترك الغرفة، وعاد بعد دقائق ليضع فوق أوراق صاحبنا مظروفاً صغيراً فيه ثلاثة جنيهات، فرفض صاحبنا قبول المبلغ، وهب للانصراف كمن لدغه ثعبان، فسد الرجل الباب بظهره وهو يردد: "صدقة .. تقول إنك لا تقبل الصدقة، هذا قرض حسن أقدمه لك اليوم لترده لى حين ميسرة"، وأقسم بالطلاق ألا يسمح له بالانصراف إلا إذا قبل "القرض"، فاضطر للقبول، وانصرف حزيناً باكياً، غارقاً فى إحساس عميق بالعجز وقلة الحيلة، يؤنب نفسه لتخاذله أمام الرجل وقبول "قرض" لا يعرف متى يرده إلى صاحبه وكيف .

بات ليلته بعزبة هرميس، فلم يطرق النوم جفنيه إلا قبيل الفجر، فقد انتابته الهواجس طوال الليل، ألا يعنى تقديم أوراقه غداً لمكتب التنسيق توريطاً لوالده العاجز عن تدبير ضرورات الحياة لأسرته، وما فائدة التقدم إلى الجامعة وهو يعلم أن مصروفاتها بعيدة عن متناول أيدى أمثاله من أبناء الفقراء، حتى لو حصل على عمل فلن يتجاوز راتبه عشرة جنيهات، فكيف يساعد والده ويعيش ويغطى نفقات الدراسة فى الجامعة؟! ثم يستعيد حديث عبد الحكيم أفندى معه، وهكذا حتى نام نوماً قليلاً لسويعات محدودة. وفى الصباح الباكر ركب ترام 30 من شارع شبرا فى الطريق إلى الجيزة حيث مكتب التنسيق، واشترى الدمغات والاستمارات وقدم أوراقه، وعاد إلى باب الحديد ليركب القطار إلى منوف ومنها إلى طنوب حاملاً معه إيصال مكتب التنسيق، وطوال الطريق يفكر فيما يكون من رد الفعل عند أبيه.

بدأ حديثه مع والده بما دار بينه وبين عبد الحكيم أفندى من حديث الأزمة الاقتصادية وتعذر العثور على عمل فى المنظور القريب، ثم انتقل إلى حديث الرجل حول ضرورة تقديم الأوراق إلى مكتب التنسيق ثم يبحث عن عمل، فقاطعه الأب : "قصره، قدمت ورقك للجامعة؟" فهز رأسه بالإيجاب، فقال الأب: "إن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها .. لا شأن لى بك، حسبى الله ونعم الوكيل (كررها ثلاث مرات)".

كانت ليلة حزينة فى البيت تداخلت فيها أسباب الحزن، فالأم ومن يعى من الأخوة حزانى لموقف الأب دون إدراك لحقيقة بؤسه التى كان صاحبنا يعيها جيداً، ويقدر للأب موقفه، أما الإخوة الصغار فهم حزانى لأن جو البيت تسوده الكآبة بمجرد غضب الأب على أحد أفراد الأسرة. ونام صاحبنا ليستيقظ فزعاً على حلم مفزع رأى فيه الأب يسقط بين يديه ميتا، وهو يندب حظه العاثر. قرر بينه وبين نفسه أن يلتحق بأى عمل مهما كان شأنه ليعول نفسه حتى يجد عملاً ثابتاً يستطيع مساعدة والده عن طريقه فى تحمل أعباء الأسرة. وفى صباح اليوم التالى طلب من أمه أن تخبر أباه اعتزامه السفر إلى القاهرة (وكان يحمل أبونيه مجانى يُصرف لأبناء العاملين بالسكة الحديد)، فقد جرت العادة أن يقاطع الأب من يغضب عليه عدة أيام. فلم يرد الأب بما يفيد الرفض أو الموافقة، بل نظر إليها ولزم الصمت، واعتبر صاحبنا أن هذا السكوت لا يعنى الرفض على أقل تقدير، فسافر تواً إلى القاهرة وراح يبحث عمن يقرضه من أقاربه حتى يجمع المبلغ المطلوب لرسوم الدراسة فلم يجد ترحيباً من أحد، حتى من كان باستطاعتهم مساعدته منهم امتنع بحجة عدم جدوى ذلك لأن أمامه مرحلة طويلة، والبلد حالتها الاقتصادية سيئة والبطالة تتزايد، فلا أمل لمن يتعاون معه فى استرداد ما دفع، سيدة واحدة هى ابنة خالة أبيه قدمت له خمسة جنيهات كاملة، وطلبت منه أن يبقى الأمر سراً بينهما لأن تلك الجنيهات من مبلغ ادخرته للزمن لا يعرف عنه أحد شيئاً، فكانت هذه مكرمةً لم ينسها أبداً لها حتى رحلت عن عالمنا فى أوائل التسعينيات.

كان المجموع الذى حصل عليه صاحبنا فى الثانوية العامة يكفل له الالتحاق بكلية الآداب جامعة القاهرة، وكانت جامعة القاهرة تتميز بقبول الطلاب الأعلى مجموعاً تليها جامعة عين شمس ثم جامعة الإسكندرية، فلم يكن هناك سوى هذه الجامعات الثلاث فى مصر، وكانت جامعة أسيوط فى مرحلة الإنشاء. ولكنه اختار آداب عين شمس رغبة أولى تليها آداب القاهرة، ولم يذكر أى كلية أخرى. وعندما أعلنت نتيجة القبول وجد اسمه الثالث بين المقبولين بآداب عين شمس، وجاء اختياره لجامعة عين شمس مرتبطاً بظروفه الشخصية، فكلية الآداب كانت فى شبرا، وبذلك يستطيع السفر يومياً إلى الجامعة بالأبونيه المجانى، ويصل إلى الكلية سيراًُ على الأقدام حتى لا يضطر إلى الإقامة مع جدته مرة أخرى لذلك كانت سعادته بالغةً عندما قُبل بآداب عين شمس.

عندما ذهب إلى الكلية لأول مرة فوجئ بأن من حق من يحصل على 60% فما فوق من غير القادرين على سداد المصروفات أن يتقدم بطلب للحصول على المجانية مشفوعاً ببحث اجتماعى عن حالته من وحدة الشئون الاجتماعية التابعة لمحل إقامته، فقام بإعداد الأوراق المطلوبة وتقديمها، وأُعلنت كشوف أسماء من حصلوا على المجانية بعد ثلاثة أسابيع، فلم يدفع سوى 360 قرشاً رسوماً للقيد بدلاً من المصروفات التى كانت تبلغ ثمانية عشر ونصف جنيهاً فيما يذكر. ولم تكن مجانية التعليم قد امتدت إلى التعليم العالى إلا فى يوليو 1963،ورغم ذلك بنت حكومة الثورة سياستها على التوسع فى منح المجانية لمن يطلبها، وكان المستند الوحيد الذى يبرر الإعفاء (البحث الاجتماعى) يتم بمجرد تقديم الطلب، فيسأل الطالب عن وظيفة أبيه وراتبه الشهرى، وعدد أفراد الأسرة، دون مطالبته بأى مستندات دالة على صحة البيانات، ويتم تحرير البحث الاجتماعى وتسليمه لطالبه بعد ختمه بخاتم الدولة. وأغلب الظن أن أولئك الموظفين بالشئون الاجتماعية كانت لديهم تعليمات بالتساهل مع طلاب المجانية، فكان عدد من يُعفون من المصروفات بالكلية سنوياً يزيد قليلاً عن نصف جملة عدد الطلاب، وكان الاحتفاظ بالمجانية يقتضى الحصول على تقدير "جيد" على الأقل كل عام، وهو ما حصل عليه صاحبنا. واستطاع عن طريقه متابعة الدراسة حتى التخرج بفضل القواعد التى وضعتها ثورة يوليو للقبول بالجامعات التى ركزت على التحصيل الدراسى، وأسقطت من اعتبارها الخلفية الاجتماعية للطالب، وبفضل التوسع فى منح المجانية لغير القادرين على سداد المصروفات. ففتحت باب التعليم الجامعى أمام فئات اجتماعية لم تكن تحلم فى عهد الملكية بالوقوف أمام باب الجامعة فضلاً عن الالتحاق بها. وكان صاحبنا من ضمن هؤلاء.

كانت السنوات من 1957 (تاريخ التحاقه بالجامعة) حتى 1961 (تاريخ تخرجه) سنوات عجاف فى تطور مصر الاقتصادى، فبرغم من الإغراءات التى قدمتها حكومة الثورة لرأس المال من خلال الدراسات الجاهزة التى أتاحها المجلس القومى للإنتاج والمجلس القومى للخدمات من مشروعات استثمارية فى المجالين، وبرغم من تقديم ظرف تاريخى نادر وملائم للتنمية الرأسمالية عندما صدرت قرارات تمصير الشركات والبنوك الأجنبية الإنجليزية والفرنسية والبلجيكية وغيرها من الشركات التى سيطرت على الاقتصاد المصرى، وطُرحت أسهمها للمصرين، لم يقبل رأس المال الوطنى على الاستثمار، كما لم تكن تلك الخطوة مشجعة لرأس المال الأجنبى. وكانت تلك الأزمة الاقتصادية الخانقة التى لم تجد الحكومة مخرجاً منها إلا بالتحول نحو القيام بأعباء التنمية بنفسها، فكانت قرارات يوليو 1961 (الاشتراكية).

كان لهذا الركود أثره البالغ طوال السنوات الأربع على سوق العمل، فكانت الفرص محدودةً، ويحتاج الحصول عليها إلى وساطة، وكان التعيين فى الحكومة مركزياً يتم من خلال مسابقات ديوان الموظفين التى كانت تكلف المتقدم نحو العشرة جنيهات، ثم يتم ترتيب الناجحين، ويتم التعيين بالدورمن بين الناجحين في المسابقة حسب الترتيب، ومن لم يصبه الدور فى السنة المالية التى دخل فيها المسابقة؛ كان عليه التقدم للمسابقة الجديدة. وكانت إعلانات ديوان الموظفين قصراً على حملة الشهادات المتوسطة، فاضطر حملة المؤهلات العليا إلى التقدم إلى هذه المسابقة للحصول على وظيفة كتابية أو فنية أملاً فى تسوية أوضاعهم وفق مؤهلاتهم العليا فيما بعد. ولم يزد عدد من يحصلون على فرصة التعيين بالحكومة (المجال الوحيد المتاح) عن 20- 25% من جملة عدد الناجحين فى تلك المسابقة.

انعكس ذلك كله على صاحبنا، فلم يوفق فى الحصول على فرصة العمل التى تعلقت بها آمال أسرة كاملة، ولم تتوافر له الأسباب المادية للمغامرة فى التقدم إلى مسابقات ديوان الموظفين، وكان بعض زملائه بالجامعة يتقدمون لها كل عام ولكن لا يصيبهم الدور للتعيين، ولم ينل بعضهم تلك الفرصة إلا فى الشهور القليلة السابقة على تخرجه بعد طول انتظار. وظل صاحبنا يبحث عن عمل دون كلل، وكاد يحقق أمله مرتين: الأولى وهو بالفرقة الثالثة عندما ساعده أحد المعارف فى الحصول على وظيفة بأسوان، فلم يقبلها لأنها كانت وظيفة مشرف مقيم بإصلاحية الأحداث، تبدد أمله فى التخرج، والوظيفة الثانية كانت مؤقتة فى قسم التسويق بإحدى شركات التأمين، يُحدد الأجر فيها تبعاً للإنتاج، وهو قدرته على بيع بوالص التأمين فى ظل اقتصاد راكد، فمضى شهر ونصف الشهر دون أن يتمكن من بيع بوليصة واحدة وترك العمل (الذى لم يكن عملاً جدياً). استطاع صاحبنا أن يسترضى والده عن طريق وساطة بعض أهله وأصدقائه، فقبل الرجل بأمر واقع لا يملك له دفعاً. وحرص على أن لا يكلف الرجل أكثر مما يطيق فكان يمارس بعض الأعمال فى إجازة الصيف يوفر منها مبلغاً محدوداً استطاع أن يسدد منه ديونه فى السنة الأولى، وأن يدفع رسوم الدراسة البسيطة فى كل عام ويشترى مستلزمات الدراسة من الكشاكيل والأقلام، والقليل والضرورى مما يحتاجه من ملابس.

كان لابد له من قضاء العام الدراسى الأول بعزبة هرميس عند جدته، ولكنه اتخذ من المكان مهجعاً فكان يظل بمكتبة الكلية حتى موعد إغلاقها فى السادسة مساءً أو يقضى اليوم بدار الكتب المصرية بباب الخلق، ويكتفى من الطعام بما يقيم الأود. وكان اضطراره للإقامة مع الجدة مرةً أخرى يعود إلى صعوبة الوصول إلى القاهرة من طنوب يومياً قبل الظهر، مما يعنى حرمانه من المحاضرات الصباحية وكان عليه (فى حالة السفر يومياً) مغادرة القاهرة الساعة الثالثة بعد الظهر، مما يعنى حرمانه من المحاضرات المسائية. وهيأ القدر لضيقه بهذا الوضع مخرجاً فنُقل الوالد -ومعه الأسرة- فى العام التالى إلى محطة الحامول منوفية، فاستطاع السفر يومياً، وكان يضطر إلى السير على الأقدام من الحامول إلى محطة منوف مسافة خمسة كيلو مترات للحاق بالقطار السريع القادم من شبين الكوم والمتجه إلى القاهرة (وكان لا يتوقف بالحامول) ويغادر محطة منوف فى السابعة صباحاً. ولما كان هذا القطار يمكنه من حضور المحاضرات الصباحية التى تبدأ فى التاسعة، كان عليه أن يلحق به مرتين أسبوعياً (على الأقل)، وكان يضطر للعودة بالقطار الذى يغادر القاهرة فى السادسة والنصف مساء مرة واحدة (على الأقل) أسبوعياً فيصل إلى منوف فى الثامنة إلا ربعاً، ثم يقطع صاحبنا مسافة الخمسة كيلومترات ليصل إلى البيت حوالى التاسعة مساءً. أما كل تنقلاته بالقاهرة من باب الحديد إلى الكلية بشبرا، أو إلى أماكن البحث عن عمل، فكانت تتم سيراً على الأقدام. واستمر على هذه الحال حتى تخرجه عام 1961، دون أن يضيق بواقعه البائس، أو يجعل أحداً من زملائه يعرف عنه شيئاً، بل كان حريصاً على أن لا يبدو مظهره مختلفاً عن زملائه. وجاءت ملامحه الصارمة وجديته فى الدراسة لتجعل زملاءه الذين يقتربون منه أو يقترب منهم يعاملونه بقدر ملحوظ من الاحترام، وخاصة أنه كان لا يتوانى عن تقديم العون العلمى لكل من يلجأ إليه من الزملاء.

كان اختياره لآداب عين شمس –الذى دفعته إليه الظروف- اختياراً موفقاً بكل المعايير لأنها تميزت عن جامعة القاهرة فى كل شئ: برامج الدراسة، أسلوب التدريس، نظم الامتحانات وتقييم الأداء. افتتحت الجامعة عام 1951 باسم "جامعة إبراهيم باشا الكبير"، بعد نحو ستة أعوام من افتتاح جامعة الإسكندرية التى حملت اسم "جامعة فاروق الأول". ولعبت جامعة القاهرة (جامعة فؤاد الأول عندئذ) دوراً هاماً فى تزويد الجامعتين الوليدتين بالأساتذة. وكان هناك نوعاً من الحافز (فى الحالتين) لتشجيع أعضاء هيئة التدريس على الانتقال إلى جامعة الإسكندرية أو جامعة عين شمس هو إمكانية شغل كراسى الأستاذية المنشأة حديثاً بتلك الجامعات بالنسب للأساتذة المساعدين الذين كان عليهم الانتظار سنوات لا يُعلم عددها إلا الله للترقية إلى درجة أستاذ عندما يخلو الكرسى برحيل شاغله إلى رحاب الله أو بلوغه سن المعاش، فحظيت كل من الجامعتين الوليدتين بعناصر متميزة من هيئة التدريس بجامعة القاهرة، انتقلت برغبتها، أو أجبرت على الانتقال للتخلص من جو الصراعات التى كانت الغيرة المهنية (وليس التنافس العلمى) أبرز أسبابها، وأبرز مثال لذلك حالة الدكتور عزيز سوريال عطية الذى اقتلع من جامعة القاهرة ونُقل إلى الإسكندرية، ليلمع هناك ويكون مجموعة من أبرز المتخصصين فى العصور الوسطى فأثار على نفسه غيرة زملائه فسمموا الآبار أمامه، واضطر الرجل إلى الهجرة إلى أمريكا، وذاع صيته فى الغرب وكون مدرسةً كبيرةً هناك. وحالة عزيز سوريال عطية ليست فريدة فى نوعها، فتاريخ جامعة القاهرة مملوء بنزيف الكفاءات العلمية بسبب فساد الجو الأكاديمى فى تلك الجامعة العريقة. اجتذبت جامعة عين شمس من أساتذة التاريخ القديم الدكتور إبراهيم نصحى بك الذين كان أول عميد لكلية الآداب وقد عزلته الثورة من العمادة بسبب صلاته بالقصر الملكى، فقد كان أخوه حسن حسنى باشا سكرتيراً للملك فاروق، وظل إبراهيم نصحي رئيساً لقسم التاريخ والآثار حتى أحيل إلى المعاش عام 1966، وظل يدرس بالجامعة حتى وفاته عام 2004 عن عمر يناهز الثامنة والتسعين. وكان الدكتور أحمد بدوى –أيضاً- ممن كسبتهم جامعة عين شمس من أساتذة التاريخ القديم، وقد أعادته الثورة إلى جامعة القاهرة مديراً للجامعة. وشغل الدكتور عبد الهادى شعيرة كرسى تاريخ العصور الوسطى، كما شغل الدكتور أحمد عزت عبد الكريم كرسى التاريخ الحديث. وكل واحد من هؤلاء الأساتذة وضع نصب عينيه أن يحقق فى الجامعة الجديدة ما لم يتح له أن يحققه فى الجامعة الأم، ولم تختلف الأقسام الأخرى كثيراً عن قسم التاريخ والآثار.

وإلى جانب من تم نقلهم من الأساتذة المساعدين وترقيتهم إلى الأستاذية، أوفدت الجامعة الوليدة بعثة من أوائل خريجى جامعتى القاهرة والإسكندرية من حملة الماجستير إلى لندن وباريس للحصول على درجة الدكتوراه، وعاد هؤلاء لتولى مهمة التدريس بالجامعة عامى 1956، 1957 وكان من بين هؤلاء بقسم التاريخ والآثار الدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفى مدرس التاريخ الحديث، والدكتور حسن حبشى مدرس التاريخ الوسيط وزميله الدكتور عبد المنعم ماجد، أما الدكتور زينب عصمت راشد أستاذ التاريخ الحديث المساعد فكانت من بين من نُقلوا من جامعة القاهرة.

وكانت برامج الدراسة بآداب القاهرة تختلف عنها فى آداب عين شمس، فهى تقدم للطالب خليطاً غير متناسق من مواد من مختلف عصور التاريخ، وضعت تلبيةً لرغبات ومصالح أساتذة التخصص فى تاريخ كل عصر من تلك العصور، فتحدث مزاحمة بالمناكب من أجل زيادة حصة كل عصر على حساب الآخر، بلغ هذا التزاحم ذروة المأساة عندما قُسم تاريخ العصور الوسطى إلى كرسيين (أى تخصصين) الإسلامى والعصور الوسطى. وبلغت المأساة ذروتها عندما شغل كرسى التاريخ الإسلامى وكرسى التاريخ الوسيط متخصصان فى تاريخ المماليك، مما يعنى غلبة المصالح الشخصية على الهدف الأسمى وهو التكوين العلمى للطالب.

أما فى جامعة عين شمس فقد صاغ الأباء المؤسسون برامج الدراسات على نسق السوربون بباريس، فأخذت بنظام "الشهادات" الذى يبدأ بشهادة إعدادية، يدرس الطالب فيها اللغات والمنهج ومقررات تمهيدية فى العصور القديمة والوسيطة والحديثة. وكان من المنطقى أن تخصص الشهادة الأولى فى التخصص للعصور القديمة، ولكن نظراً لكون أستاذ التخصص يشغل وظيفة رئيس القسم وعميد الكلية، فقد أرجئت إلى الفرقة الرابعة دون مبرر علمى لذلك، كما تسبب فى عجز قسم التاريخ عن تخريج من يحصلون على تقدير "جيد جداً" ويصلحون للتقدم لوظيفة "المعيد"، على عكس الأقسام الأخرى بالكلية نفسها التى أفرزت كوادرها الأكاديمية من بين خريجيها. وهكذا جاءت "شهادة العصور الوسطى" تاليةً للشهادة الإعدادية (الفرقة الثانية) و"شهادة العصر الحديث" فى الفرقة الثالثة.

ولم تعرف آداب عين شمس –الستينات- المذكرات والكتب الدراسية، فقد تأخر وصول هذا الوباء إليها إلى أوائل الستينات، فكان الأستاذ يعرف الطلاب فى محاضرته الأولى على مكونات المقرر، ويحدد ما يتولى تغطيته فى المحاضرات، وما يتركه ليعده الطلاب بأنفسهم بالرجوع إلى قائمة المراجع التى يزودهم بها، فإذا لم يجدها الطالب فى مكتبة الكلية كان عليه أن يبحث عنها بدار الكتب المصرية. وكان الكثير من المراجع الأساسية بالإنجليزية، مما يجعل الطالب ملزماً باستخدامها. وكان الاهتمام كبيراً بالجانب التطبيقى، فعلى الطالب أن يعد ما لا يقل عن بحثين فى الفصل الدراسى الواحد على يد من يتولى تدريس "مادة البحث"، وكانت تلك المادة تؤخذ من جانب الأساتذة مأخذ الجد، فهناك متابعة أسبوعية لمدى تقدم الطالب من إعداد المقال العلمى الذى كلفه به الأستاذ، وهناك تصحيح دقيق لكل مقال، وإلزام الطالب بإعادة كتابته إذا لم يكن مناسباً، وهناك حد زمنى معين على الطالب الالتزام به وعدم تجاوزه لتقديم المقال، ومعنى ذلك أن الطالب يُدرب على كتابة مقال علمى فى تخصص معين (عصر محدد) أربع مرات فى العام الدراسى الواحد، وكانت نتيجة "أعمال السنة" تعلن قبل موعد الامتحان التحريرى بأسبوعين، ويحرم الراسب فيها من دخول امتحان الفصل الدراسى. فكان الرسوب فيها يعنى الرسوب فى أربع مواد مما يعنى وضع مصيره فى كف القدر فإذا لم يحصل على درجات مناسبة فى الفصل الدراسى الآخر تؤهله للحصول على تقدير "ضعيف"، فُصل من الجامعة، لأن اللائحة كانت تنص على فصل كل من يحصل على تقدير "ضعيف جداً"، أما من يحصل على تقدير "ضعيف" فله حق الإعادة فيما رسب فيه.

وهكذا كانت مكتبة الكلية مكتظة بالطلاب طوال اليوم من التاسعة صباحاً إلى السادسة مساء، وانتشر طلبة آداب عين شمس فى قاعات دار الكتب المصرية. أما طلاب الانتساب. فكانوا يكلفون بدراسة موضوع معين فى كل فصل دراسى يحدد له أربعة مراجع على الأقل، يؤدون فيه امتحاناً تحريرياً قبل موعد الفصل الدراسى بشهر، فإذا لم ينجح الطالب المنتسب فى تلك المادة حُرم من دخول امتحان الفصل الدراسى وتعرض لما يتعرض له الطالب المنتظم من مخاطر.

ولا عجب أن تجد طلاب الفرقة الأولى عام 1957 (الذين كان من بينهم صاحبنا) يبلغون نحو 275 طالباً (200 منتظما + 75 منتسباً) تتم تصفيتهم ليصبح عدد خريجى قسم التاريخ عام 1961 (الدفعة العاشرة التى ينتمى إليها صاحبنا) 68 خريجاً فقط. مما يعكس مدى جدية الدراسة، ودقة تقويم أداء الطلاب، ونوعية تكوين الخريج. ويكفى للدلالة على ذلك كله أن أربعة من بين خريجى هذه الدفعة تابعوا دراستهم العليا حتى حصلوا على الدكتوراه، واحتلوا مكانهم ضمن هيئات التدريس بالجامعات، كان صاحبنا واحداً منهم.

وكان من بين شباب الأساتذة (عندئذ) الذين درس عليهم صاحبنا: مصطفى الشكعة فى الأدب العربى، وحسين مجيب المصرى فى اللغة الفارسية، ويوسف أبو الحجاج ودولت صادق ومحمد رياض فى الجغرافيا، وحليم تادرس فى اللغة الإنجليزية (وكان منتدباً من خارج الكلية). ومن بين أعضاء هيئة التدريس بآداب الإسكندرية درس تاريخ الشرق الأدنى القديم على رشيد الناضورى، والنظم اليونانية وحضارة مصر فى العصر البطلمى على محمد عواد حسين، ومن أعضاء هيئة التدريس بآداب القاهرة درس تاريخ اليونان ومصر فى عصر الرومان على عبد اللطيف أحمد على، وتاريخ مصر الفرعونية على أحمد فخرى، وتاريخ أوروبا فى العصور الوسطى على سعيد عاشور. وقد ترك بعض هؤلاء أثراً ملحوظاً فى تكوينه، ومر آخرون منهم فى حياته مروراً عابراً دون أن يتأثر بهم. وكان هم أحد السكندريين بيع كتابه يحمله معه من الإسكندرية فى حقيبة كبيرة، يوزعه بنفسه على طالبى الشراء (وكان هذا غريباً على جامعة عين شمس) أما الآخر، فكان يملى المحاضرات على الطلاب ببطء شديد، كلمة كلمة على طريقة مدرس اللغة العربية بالمدرسة الابتدائية بعبارات إنشائية مليئة بالمترادفات، فكان صاحبنا يجلس (على غير عادته) فى الصف الأخير من قاعة المحاضرات ويستمع إلى ما يمليه الأستاذ ثم يقوم بكتابة الأفكار الرئيسية التى جاءت بالمحاضرة، ويهرع إلى المكتبة بعد المحاضرة ليراجع الموضوع بأحد المراجع الإنجليزية مسترشداً بالنقاط التى جاءت بمحاضرة الأستاذ، ويصوغ لنفسه نصاً آخر، وكان من عادة الأستاذ المرور بين صفوف مقاعد الطلاب أثناء إملائه للنص الهزيل بصوت جهورى، فلمح صاحبنا جالساً فى آخر القاعة لا يكتب، فاقترب منه وسأله: "لماذا لا تكتب يا ولد؟" فرد عليه بقوله : "إننى استوعب ما يرد بالمحاضرة من معلومات اكتفى بتلخيصها". وتناول الرجل الكشكول ليجد أن ما كتبه الطالب حوالى عشرة سطور بعدما يزيد على ساعة ونصف من الإملاء، فقذف الكشكول فى وجهه، وطرده من الفصل، ولم يشأ صاحبنا أن يعود إلى حضور محاضرات هذا الرجل مرة أخرى. فقد عُرف بقسوته فى معاملة الطلاب وتنكيله بمن يجرؤ على مناقشته. وكان صاحبنا فى الفرقة الرابعة على وشك التخرج، فكان الاحتكاك بهذا الرجل فيه خطر شديد على مستقبله، لذلك فضل الاختفاء من قاعة الدرس، فلم يكن يستفيد شيئاً من ذلك الأستاذ على كل حال.

وهناك آخر من آداب القاهرة كان له كتاب يفرضه على الطلاب (وهو أمر شائع فى آداب القاهرة)، ويحفظ الكتاب عن ظهر قلب، ومحاضرته عبارة عن استظهار (تسميع) للكتاب الذى يحفظ نصه عن ظهر قلب، وكأنه من وحى السماء. استمع إليه صاحبنا مرتين فقط، ثم فضل أن يستثمر وقته فى قراءات حول الموضوع بالمكتبة واكتشف –مصادفةً- أن فصول الكتاب عبارة عن ترجمة لبعض فصول موسوعة كامبردج فى تاريخ ذلك العصر!! مدرس شاب أثر تأثيراً بالغاً فى صاحبنا هو الدكتور احمد عبد الرحيم مصطفى، ابن سوهاج، الذى كان عائداً لتوه من البعثة التى حصل بها على الدكتوراه من جامعة لندن، درس عليه مناهج البحث بالفرقة الأولى، ولم يدرس عليه مرةً أخرى سوى فى الفرقة الثالثة، ولكنه ارتبط به منذ المحاضرة الأولى التى سمعها منه، فهذا المدرس الشاب كان يحث التلاميذ على التفكير، ونبذ المسَلَمات ما لم يقم الدليل العقلى على صحتها، وأن الحقيقة التاريخية ليست كاملة، وأن الموضوعية مسألة نسبية. كان هذا الكلام جديداً على صاحبنا لا فى موضوعه فحسب، بل وفى طريقة طرحه، وأسلوب عرضه. وبعد المحاضرة سار صاحبنا بجوار أستاذه الشاب يناقشه فى بعض ما سمعه منه، وطرح عليه سؤالاً معيناً، فإذا به يفاجأ بالرجل يقول له إنه ليس متأكداً تماماً من الإجابة، واقترح على التلميذ أن يبحث عن الإجابة فى كتاب معين، وأن يلتقى به إذا وجد نفسه فى حاجة إلى الإيضاح أراد بذلك أن يعود التلميذ المبتدئ على البحث عن المعلومة بنفسه أولاً قبل الرجوع إليه . كان صاحبنا عندما اختار الالتحاق بقسم التاريخ والآثار يظن أنه يستطيع التخصص فى الآثار، ويحقق حلمه فى أن يصبح من علماء الآثار. ولكنه علم بعد فترة وجيزة من التحاقه بالقسم أن شعبة الآثار لم تفتح بعد، فاستقر رأيه على أن يتخصص فى التاريخ القديم. غير أنه لم يجد فيمن درسوا له بالفرقة الأولى من مدرسى التاريخ القديم من يحفزه على اختيار هذا التخصص، أو يقدم له القدوة المناسبة التى تجعله يختار السير على الدرب.

وعندما جلس إلى أحمد عبد الرحيم مصطفى وجد فيه القدوة التى ينشدها، واتخذه مثلاً أعلى له، وتمنى (بينه وبين نفسه) أن يصبح مثله. ومنذ ذلك اليوم حدد هدفه الأساسى فى الحياة، وهو العمل على أن يتخصص فى التاريخ الحديث، وأن يتعلم على يد هذا الرجل. كان الأساتذة يحرصون على ترك مسافة واسعة بينهم وبين الطلاب، حفاظاً على "هيبة" الأستاذ، القليل منهم يسمح للطلاب بمناقشته فى أضيق الحدود، وغالبيتهم لا يسمحون بذلك، ويضيقون ذرعاً بمن يطرح سؤالاً أثناء المحاضرة. أما أحمد عبد الرحيم مصطفى فكان إنساناً عظيماً، ومربياً عبقرياً، قبل أن يكون أستاذاً. التحم بتلاميذه، ولم يترك مسافةً بينه وبينهم. ذهب صاحبنا يوماً إلى لقائه بحجرة الأساتذة بالكلية، وكانت قاعةً واسعةً بها مكتبة، ومكاتب كل من عبد المنعم ماجد، وزينب عصمت راشد، وحسن حبشى، وأحمد عزت عبد الكريم. وكانت هذه الغرفة أشبه ما تكون بقدس الأقداس فى المعبد الفرعونى، لا يدخلها إلا أعضاء هيئة التدريس. ولذلك عندما صرح له أحمد عبد الرحيم مصطفى بالحضور إلى المكتب متى شاء إذا احتاج لسؤاله عن شئ، أحس بالرهبة وتردد قليلاً، ثم طرق باب الغرفة، وفُتح الباب، فإذا بعبد المنعم ماجد ينهره، ويطلب منه إغلاق الباب، فتراجع خطوةً إلى الوراء ليسمع صوت أحمد عبد الرحيم مصطفى يأمره بالدخول ويجلسه على كرسى بجوار مكتبه، ويستمع إليه، ويتناقش معه دون اعتبار لضيق ماجد وزينب عصمت راشد التى تصادف وجودها، بما يُقدم عليه هذا المدرس من خرق للتقاليد.

وعن طريق احمد عبد الرحيم مصطفى عرف صاحبنا الطريق إلى الجمعية المصرية للدراسات التاريخية فيما بعد، فكان يلتقيه (بعد التخرج) هناك، أو فى نادى أعضاء هيئة التدريس، أو فى منزله بشبرا، وكانت مكتبة هذا الأستاذ متاحةً له، يعيره صاحبها المراجع الإنجليزية التى لا يجدها فى مكتبة الجامعة، ويفيض عليه بعلمه الغزير، فيفتح له أفاقاً معرفيةً جديدة، فتبعه كما يتبع المريد شيخه. أما أحمد عزت عبد الكريم فقد تأثر به فى مرحلة الدراسات العليا، وليس قبلها، ولعب هذا الأستاذ العملاق دوراً بارزاً فى تكوينه، ولا غرابة فى ذلك، فقد كان أستاذاً لأحمد عبد الرحيم مصطفى فى مرحلتى الليسانس والماجستير بجامعة القاهرة قبل أن يوفد فى بعثة لحساب جامعة عين شمس، ويُعين مدرساً بها. كان أحمد عزت عبد الكريم محاضراً متميزاً يستقرئ المادة التى يقدمها فى صورة تساؤلات يستخلص منها الإجابات المحتملة، جاعلاً من موضوع المحاضرة قضيةً، يتفحص شواهدها مع طلابه، ويبحث معهم عن دلالاتها. يسمح بالمناقشات فى حدود إذا كان السائل يطرح سؤالاً وجيهاً يعكس درجة استيعابه لما سمعه من الأستاذ، ولكنه كان يحرص على اتساع المسافة بينه وبين طلاب مرحلة الليسانس. وبدأ الأستاذ ينتبه إلى صاحبنا من أسئلته خلال الدرس، فقد وعى جيداً نصائح أستاذه أحمد عبد الرحيم مصطفى، فكان يعد نفسه للمحاضرات قبل حضورها بقراءات مركزة فى المراجع المهمة ويجهز أسئلته، وبعدما يستمع للمحاضرة يبحث عن إجابة للتساؤلات التى لم تجب عليها المحاضرة، أو يسأل الأستاذ رأيه فيما قدمه الآخرون من تفسير لبعض النقاط. وعندما درس على أحمد عزت عبد الكريم مادة "نصوص تاريخية بالإنجليزية"؛ بدأ الأستاذ درسه الأول بتكليف أحد الطلاب قراءة النص، فهاله حجم الأخطاء فى النطق الصحيح لمخارج الألفاظ، وأسكت القارئ بأسلوب جارح غاضب، وطلب غيره ممن يجيد القراءة، فتقدم صاحبنا، وقرأ النص قراءةً صحيحةً، فكلفه الأستاذ بأن يقرأ النص فى كل محاضرة حتى نهاية الفصل الدراسى، فكان يقرأ النص ويتولى الأستاذ شرحه من حيث المصطلح والمضمون. وكان الفضل فى تميز صاحبنا على أقرانه ما لقيه من حسن التربية على يد مدرس الإنجليزية فى المدرسة الابتدائية، وما حظى به من حسن التدريب على يد مدرس الإنجليزية بمدرسة طوخ الثانوية، كذلك حرصه على اتباع نصائح أساتذته بالجامعة باستخدام المراجع الإنجليزية. وبلغ من حرصه على تنمية مهارته اللغوية التفكير فى ترجمة كتاب اشتراه من سور الأزبكية بقرشين عن أبراهام لنكولن الرئيس الأمريكى الذى حرر العبيد، وواجه الحرب الأهلية، وأطلع أستاذه أحمد عبد الرحيم مصطفى على الكتاب فامتدحه وزكى ترجمته، ووعده بمراجعة الترجمة. ولما كان الكتاب يقع فى حوالى 400 صفحة، فقد اقتسمه مع زميله وصديقه الحميم عاصم الدسوقى، واتفقا على الانكباب عليه فى إجازة الصيف (1960). ورغم انشغال صاحبنا بأعمال شاقة يكتسب منها بعض الجنيهات لتعينه على التركيز على الدراسة فى الفرقة الرابعة، إلا أنه استطاع أن يترجم حوالى مائة صفحة، وعاد من إجازة الصيف ليلتقى بزميله فى بداية العام الدراسى، ويكتشف أنه صرف النظر عن الموضوع، فلم يترجم شيئاً.

ومن الأساتذة الذين أثروا فى صاحبنا، ولعبوا دوراً غير مباشر فى تكوينه عبد اللطيف أحمد على أستاذ كرسى علم البردى وكرسى التاريخ القديم بكلية الآداب جامعة القاهرة ورئيس قسمى التاريخ والدراسات القديمة بها، ثم عميد الكلية فيما بعد. درس عليه التاريخ اليونانى والحضارة اليونانية، وتاريخ مصر فى عصر الرومان. كان محاضراً رائعاً يشرح الدرس بأسلوب مسرحى، فيجعل الطالب يكون صورة ذهنية درامية للأحداث التى يعرضها الأستاذ؛ فيسمع قعقعة السلاح، وتنابذ الخطباء، ويرى مجتمع أثينا ومناقشات مواطنيه، ويشهد غبار المعارك يخيم على الجيوش. فالأستاذ يقدم وصفاً لا يقتصر على الكلمات بل يلوح بيديه، ويعبر عن الحدث بقسمات وجهه، يبتسم عندما يقع طرف فى فخ نصبه له الآخر، ويقطب جبينه وهو يتحدث عن حيرة طرف من كيفية التعامل مع طرف آخر. ويظل الطلاب مشدودين إليه، يستمعون بانتباه دون ملل مدة ساعتين كاملتين. وبهذه الطريقة الفريدة يستطيع الطالب النابه أن يستفيد كثيراً من شرح الأستاذ، ومناقشته لآراء المؤرخين، ونقده لها. أما الطالب الذى يركز على حركة الأستاذ جيئةً وذهاباً وحركات ذراعيه وتعابير وجهه متسلياً بها فيخرج صفر اليدين. ومن هؤلاء الأساتذة الذين لعبوا دوراً غير مباشر فى تكوينه عالم الآثار العظيم أحمد فخرى الذى در س عليه تاريخ مصر الفرعونية. كان أحمد فخرى هو الأستاذ الوحيد الذى عرفه صاحبنا قبل أن يجلس إليه جلسة التلميذ من الأستاذ، فقد بهرته كشوفه الأثرية التى كانت تتحدث عنها الصحف عندما كان تلميذاً بالمدرسة الثانوية، وقُدر له أن يراه عن قرب، ويتعلم على يديه، كان كتابه "مصر الفرعونية" بسيطاً بديعاً، ولكنه حذر الطلاب من الاعتماد عليه وحده وحثهم على قراءة العديد من المراجع. وكان أسلوبه فى المحاضرة تقديم الشواهد الأثرية، وبناء تصوره للحدث التاريخى استناداً إليها بعدما يفند آراء غيره من العلماء؛ فيرجح رأياً معللاً لأسباب هذا الترجيح، ويستبعد رأياً آخر عارضاً أسباب الاستبعاد، ولكن حديثه يشى دائماً بعشق نادر لمصر القديمة، واعتزاز بمساهمتها فى الحضارة الإنسانية، وخاصةً فى الفكر الدينى. برغم من مكانته العلمية الرفيعة لم يتردد فى الموافقة على اصطحاب طلاب الفرقة الرابعة فى زيارة لمنطقة سقارة. وبمجرد وصول الطلاب إلى هناك ووجوده بينهم، هرع تلاميذه من مفتشى الآثار مرحبين به، عاتبين لأنه لم يبلغهم "بتشريفه" وعرضوا أن يتولوا عنه الشرح للطلاب، فرفض وصرفهم إلى أعمالهم، وحظى الطلاب بأندر وأعظم شرح لآثار المنطقة على يد هذا العالم الجليل.

غاب أحمد فخرى عن محاضرته الأسبوعية على غير عادته وتكرر غيابه فى الأسبوع التالى، سألوا إدارة الكلية عن سبب الغياب، فقيل لهم إن الأستاذ مريض، فقرر أربعة منهم (كان صاحبنا أحدهم) التوجه إلى بيت الأستاذ حاملين معهم باقة ورد صغيرة اشتروها بقروش معدودة، وذهبوا هكذا دون موعد أو اتصال تليفونى شأنهم فى ذلك شأن القرويين البسطاء من آبائهم، وطرقوا باب الشقة التى تقع فى عمارة على شارع النيل بالجيزة بالقرب من كوبرى الجامعة، ففتحت الباب سيدة أجنبية طويلة القامة فسألوها عن الأستاذ، فاقتادتهم إلى حجرة المكتب، حيث كان العالم الجليل مسترخياً على أريكة، يقرأ كتابا، رحب الأستاذ بتلاميذه بأبوة حانية، وقدم لهم زوجته الألمانية، وشكرهم على حرصهم على زيارته, وجاءت الزوجة بالشاى والكعك، وأفاض الأستاذ فى حديث ممتع عن تجاربه فى الحفائر الأثرية التى سببت له حساسية فى الصدر تحولت إلى الربو الذى يلزمه البيت من حين إلى آخر، وامتد الحديث إلى نحو الساعتين، كلما استأذن الطلاب فى الانصراف استبقاهم، مؤكداً أنه شُفى تماماً عندما رآهم، وعند انصرافهم اعتذر لهم عن عدم قدرته على توديعهم، وصَحبتهم زوجته إلى الباب مكررةً الشكر.

خرج الطلاب الأربعة مبهورين بأبوة الرجل وإنسانيته, ولم يستطيعوا إغفال المقارنة بينه وبين أستاذهم إبراهيم نصحى (بك) رئيس قسمهم، وأول عميد لكلية الآداب، كان إبراهيم نصحى يعامل الطلاب بتأفف واشمئناط، يبدأ محاضرته فى التاسعة صباحاً بنظرة يمسح بها وجوه الحضور ذات اليمين وذات اليسار، ثم يرسم على وجهه علامات التقزز، ويقول: "الجامعة برطشت"، ويبدأ بعد ذلك الدرس. مراسم تتكرر فى كل محاضرة، وكأنها مقدمة للعرض. والويل لمن يجرؤ على طرح سؤال على الأستاذ الذى يسرف فى توبيخه، ويمسح الأرض بكرامته. كان "الاتحاد القومى" (التنظيم السياسى للثورة) ينظم مظاهرات طلابية فى بعض المناسبات، فيجمع الفراشون سيارات التاكسى سعة الخمسة راكب من شارع شبرا، وتقدم إدارة رعاية الطلاب 25 قرشاً لكل خمسة من الطلاب بعد ركوبهم التاكسى، على أن يتوجه الجميع إلى ميدان التحرير حيث تبدأ المظاهرة. فكان الطلاب عادةً ما يدفعون لسائق التاكسى خمسة قروش بعد الخروج من الكلية ببضعة أمتار، ويقتسمون الباقى فيما بينهم أو يصرفونه فى المقهى. أما الكلية فكانت تعطل الدراسة فيها تماماً وتغلق المكتبة أبوابها فى مثل هذا اليوم. حدثت واحدة من تلك المظاهرات الساذجة يوم محاضرة إبراهيم نصحى فى خريف عام 1960، وخشى الطلاب من مغبة غضب الأستاذ إذا جاء ولم يجد أحداً، فقد يترتب على ذلك ترسيب الدفعة كلها فى مادتيه، وكانت تُروى قصص عنه من هذا القبيل. لذلك حرص الطلاب وكان عددهم حوالى الأربعين، على الانتظار فى فناء الكلية عند المكان المخصص لوقوف سيارة نصحى (بك) الشيفروليه الفارهة. وبعد بضع دقائق وصل الرجل، وأوقف السيارة فى مكانها، ولاحظ تجمع الطلاب هناك، وكان صاحبنا يقف (مصادفةً) أمام شباك الباب الأيمن الذى فتحه الأستاذ أوتوماتيكياً (وكانت هذه بدعة جديدة لا يعرفها من برطشوا الجامعة بتسللهم إليها)، وقال الأستاذ للطلاب باشمئزاز: "عفين على العربية كده" (أى إنهم كالذباب الذى يعف على الشئ)، فقال له صاحبنا إن الطلاب خرجوا فى مظاهرة، وأنهم ينتظرونه هنا لأن قاعات الدرس مغلقة، ليأمر بفتح إحداها لإلقاء درسه. فأغلق شباك السيارة، واتجه إلى باب الخروج دون أن يقول شيئاً لقطيع "الذباب" الذى كان بانتظاره!

قارن الطلاب الأربعة بين حفاوة أحمد فخرى بهم فى بيته الذى قرعوا بابه دون استئذان، وكيف عاملهم معاملةً إنسانيةً أبويةً نبيلة، وبين من عاملهم دائماً باشمئزاز واحتقار، وعدهم من فصيلة "الحشرات". ولا يرجع ذلك إلى موقفه من نظام ثورة يوليو الذى ألغى الرتب المدنية، وأزاحه من عمادة الكلية، وفتح أبواب الجامعة أمام من كانوا (فى نظره) من أولاد "الرعاع"، بقدر ما يرجع إلى أصوله التركية، وترَفعه على "أبناء الفلاحين" فقد كان يعامل طلابه بازدراء –أيضاً- عندما كان بجامعة القاهرة. وفى سن السبعين، تغيَّر إبراهيم نصحى تماماً، فأصبح يمزح مع الطلاب، ويقبل بأن تناديه الطالبات بـ "جدو إبراهيم"، وبعد أن ظل يوصد باب الدراسات العليا فى تخصصه ما يزيد على العشرين عاماً، فتحه على مصراعيه أمام كل من هب ودب، وسبحان مغير الأحوال.

انتهى العام الدراسى الرابع، وانتهت بانتهائه بالنسبة لصاحبنا سنوات التوتر والشقاء (أو هكذا ظن). وأُعلنت نتيجة الليسانس، فلم يتجاوز عدد من حصلوا على تقدير جيد خمسة طلاب، كان ترتيبه الثالث بينهم وعلى الدفعة كلها. وحصل نحو الأربعين طالباً على تقدير "مقبول"، وتوزع الباقون بين من رسب فى مادتين وله حق دخول دور يناير 1962، ومن بقى للإعادة لحصوله على تقدير "ضعيف". استاء صاحبنا من هذه النتيجة، وخاصة أنه بذل جهداً مضاعفاً فى إعداد مواده واستيعابها. وعندما اطلع على النتيجة اتضح انه حصل على جيد جداً فى ثلاث مواد، وجيد فى باقى المواد، ومقبول فى مادتى إبراهيم نصحى (تاريخ البطالمة، وتاريخ الرومان) وعجب لذلك، فقد بذل فى المادتين جهداً كبيراً، واستخدم عدداً من المراجع المهمة فى إعداد مادته واستوعبها جيداً، ولكن تبين له أن أحداً لم يحصل فى المادتين عما يزيد على "مقبول"، وأن نسبة النجاح فى المادتين لم تجاوز 50%، وأن عشرة طلاب على الأقل نجحوا فى إحدى المادتين بالتعويض (حسب قواعد الرأفة) وأن الرسوب تركز فى المادتين، وفى بعض المواد الأخرى. أما صاحبنا فقد حصل على عشر درجات فقط (من عشرين درجة) فى تاريخ البطالمة، و11 درجة فى تاريخ الرومان. وألقى نظرة على كشف النتيجة ليجد أن الدرجات التى وضعها الأستاذ لمن رأى فى إجابتهم ما يبرر نجاحهم، لم تزد عن 10 أو 11 درجة. على كل، كان ما استطاع تحقيقه يفوق توقعاته، فلم يكن يضمن استمراره فى الدراسة، ويتحسب لما قد يعترض طريقه من عقبات، فإذا به يصل إلى نهاية المرحلة الجامعية الأولى، ويصبح خريجاً حاملاً درجة الليسانس فى الآداب. ولكن المئات غيره من الخريجين كانوا يعانون البطالة منذ العام 1957، وازداد حال الأسرة بؤساً فى وقت أصبح ينتظر فيه أن يلعب دوراً إيجابياً لمساعدتها.

تلطم صاحبنا فى بعض الأعمال البسيطة التى أصبحت شحيحةً بسبب وفرة أعداد طالبى العمل، كانت المدارس الخاصة تدفع للمدرس خريج الجامعة راتباً لا يتجاوز خمسة جنيهات شهرياً. وتقدم صاحبنا لمسابقة القبول بكلية التربية للحصول على درجة الدبلوم العامة فى التربية. وكانت الكلية لا تقبل سوى العدد الذى تحتاجه وزارة التربية والتعليم من المدرسين، لذلك كان الحصول على تقدير "جيد" شرطاً للتقدم إلى كلية التربية. وبلغ عدد المتقدمين بقسم العلوم الاجتماعية عام 1961/ 1962 (التاريخ، والجغرافيا، والفلسفة، والاجتماع) نحو 270 متقدماً، تمت تصفيتهم فى امتحان شفوى رأسه الدكتور صلاح قطب عميد الكلية، فتم قبول عشرة طلاب من كل تخصص، كان صاحبنا واحداً منهم. وانتظم فى الدراسة فى الفصل الأول قدر الطاقة، حتى أُعلن فجأة عن تعيين جميع الخريجين، وكانت الطلبات تُقدم إلى مكتب بوزارة التربية والتعليم، وعندما أُعلنت النتيجة كانت سعادته بالغة عندما وجد أمام اسمه "المؤسسة العامة للصناعات الكيماوية"، وعندما تسلَّم خطاب التعيين اتضح أن مكان المؤسسة بشارع قصر النيل بالقاهرة، فتوجه إليها لاستلام العمل. وبعد فترة انتظار حوالى الساعة، تسلم خطاباً لاستلام العمل فوراً بالشركة المالية والصناعية المصرية بكفر الزيات. وإذا كان هذا التعيين قد فتح صفحةً جديدة فى حياته، وبعث عنده وأسرته الأمل، فقد زوده العمل فى شركة صناعية من الشركات التى تم تأميمها فى يوليو عام 1961 بتجارب وخبرات جديدة، كان لها أثرها فى تكوينه، بل وفى تحديد حقل دراسته العليا (التى بدأها عام 1962/ 1963).


[تحرير] مراجع الحسابات

الشركة المالية والصناعية المصرية كانت شركة مساهمة يملك قسطاً كبيراً من أسهمها بعض كبار الرأسماليين من أمثال على أمين يحيى (الذى كان رئيساً لمجلس الإدارة قبل التأميم) والبدراوى وسراج الدين، وغيرهم. وكان مديرها العام الدكتور محمد شفيق حنطور يحمل درجة الدكتوراه فى الزراعة، ويقترب من السبعين، وقد أصبح رئيس مجلس الإدارة بعد التأميم. وتخصصت الشركة فى إنتاج حامض الكبريتيك بمختلف درجاته، وإنتاج سماد السوبرفوسفات. وكانت تستورد الكبريت الخام من الخارج، أما الفوسفات فيأتى من المناجم التابعة لها بمنطقة "السباعية" غرب أسيوط. وبرغم من وجود المصانع بكفر الزيات، كان المركز الرئيسى للشركة بالإسكندرية، وكانت مكاتب الإدارة بكفر الزيات تضم قسم الحسابات وقسم المراجعة، وقسم المخازن والتوريدات وقسم المشتريات. أما عدد العمال فبلغ 1500 عاملاً، استفاد نحو 1250 عاملاً منهم بالقانون الذى جعل الحد الأدنى للأجر اليومى للعامل خمسة وعشرين قرشاً، فارتفعت أجورهم اليومية من ثمانية قروش إلى 25 قرشاً، وشملتهم مظلة التأمينات الاجتماعية. أما الإداريون فانقسموا إلى قسمين: فئة الموظفين ذوى الرواتب الشهرية، وكانت فئةً متميزةً يبدأ الراتب الشهرى لصاحب المؤهل المتوسط بستين جنيهاً شهرياً (أى خمسة أصناف مرتب زميله بالحكومة) ولم يكن بالشركة من بين الموظفين حملة المؤهل العالى سوى أربعة من المهندسين, أما الإداريون فكانوا من حملة دبلومات التجارة والصنايع، وكانت هناك شريحة أخرى من الموظفين تُعامل بالأجر اليومى، فكانت بداية تعيين حملة المؤهلات المتوسطة من هذه الفئة جنيهين يومياً عن كل يوم عمل، فلا يحتسب الأجر عن أيام الراحة الأسبوعية والعطلات الرسمية.

هبط على الشركة، نتيجة القانون الجمهورى بتعيين الخريجين، أربعة موظفين جدد دفعةً واحدة تسلموا العمل فى فبراير 1962، منهم ثلاثة من خريجى الآداب فلسفة (1957)، وجغرافيا (1957)، وتاريخ (1961)، وخريج حقوق (1958). كان صاحبنا أحدث الخريجين المعينين بالشركة، وعده زملاؤه الثلاثة من المحظوظين، فقد تقلب ثلاثتهم بين مختلف الأعمال، فكان خريج الفلسفة يعمل كاتباً باليومية بشركة مياه غازية من مارس إلى أكتوبر ويعانى البطالة من نوفمبر حتى فبراير. وحصل خريج الجغرافيا بعد بطالة دامت عامين على إحدى وظائف المؤهلات المتوسطة عن طريق مسابقات "ديوان الموظفين" فكان كاتباً بمصلحة الآثار، أما خريج الحقوق، فقد أنهى فترة التدريب بمكتب أحد المحامين لم يتقاض عنها أجراً، وسجل اسمه فى جدول المحامين، وكان أحسن الأربعة حالاً، لم يعان الفاقة مثلهم لأن والدته الثرية كانت تنفق عليه ببذخ لكونه وحيدها. لم يتضمن القرار الصادر من المؤسسة للشركة بتعيين الخريجين الأربعة أى إشارة إلى الراتب الذى يتقاضاه كل من هؤلاء "الدخلاء" الأربعة (هكذا كان يُنظر إليهم)، فلم يكن هناك كادر محدد للشركة أو غيرها من الشركات، وإنما كان تحديد الراتب متروك لتقدير رئيس مجلس الإدارة الذى قرر أن يكون الراتب 26 جنيهاً شهرياً، وكان هذا مبلغاً محترماً، لأن من عُينوا بالحكومة حصلوا على خمسة عشر جنيهاً، ولكنه كان يعدل ثلث الراتب الذى كان يحصل عليه من يُعين بمؤهل متوسط قبل التأميم.

بقيت مشكلة أخرى هى تحديد وظائف أولئك "الدخلاء" فلا علاقة بين مؤهلاتهم ومجال العمل بالشركة الذى يتطلب الهندسة والعلوم والتجارة، فتم اختيار حجرة كانت مخصصة لمراقب الشحن والتفريغ، وضعت فيها أربع طاولات وأربعة كراس، كانوا يجلسون فيها معاً من الثامنة حتى الثالثة بعد الظهر دون عمل، يتندرون على ما يصل إلى أسماعهم من أحاديث العمال بشأنهم: "دول بتوع الحكومة بعتاهم يراقبوا البوظان اللى فى الشركة" أو "دول تبع المباحث جابهم حنطور لجل يلجم العمال".. إلى غير ذلك من تخمينات، ولم يكن أولئك العمال التعساء ليدرون أن هؤلاء "الأفندية" لا يقلون عنهم من حيث قلة الحيلة، وأن التحاقهم بالعمل بالشركة جاء بعد طول معاناة. بعد مرور أسبوعين تحددت وظيفة خريج الحقوق فأصبح محققاً بإدارة شئون العاملين، وبعد أسبوع آخر تحددت مواقع خريجى الآداب، فأصبح الفيلسوف موظفاً بقلم الأجور بنفس الإدارة، والجغرافى مساعداً للخواجة ينى (اليونانى الجنسية) المتخصص فى استيراد الكبريت، وأصبح صاحبنا مراجعاً بالإدارة المالية، وهى الوظيفة التى شغلها 62 شهراً حتى استقال من الشركة فى أبريل عام 1967. كان قسم المراجعة مختصاً بمراجعة المستندات المالية قبل الصرف، ومراجعة سجلات الأجور، ومستندات المخازن والمشتريات، وكلها أمور لا علاقة لها بالتاريخ، ولكن لا علاقة لها –أيضاً- بأى تخصص آخر، فيما عدا المراجعة الحسابية، ولم تكن تشكل صعوبة كبيرة مع وجود الآلة الحاسبة (وكانت يدوية). امتنع الفيلسوف عن العمل لمدة أسبوع طالباً أن يكون رئيس القسم، وانضم إليه المحامى الذى طلب أن يكون رئيساً للشئون القانونية، أما الجغرافى فارتاح إلى العمل مع الخواجة ينى الذى لم يتجاوز إعداد المحررات العربية التى تُرسل إلى المؤسسة وغيرها من الجهات الرقابية بشأن ما تستورده الشركة من مستلزمات الإنتاج، وكانت تلك المحررات محدودة. أما صاحبنا فكان حريصاً على أن يثبت أقدامه فى عمله الجديد، وأن يمارسه بطريقة سليمة. ولذلك عكف على دراسة كل الإجراءات الإدارية والمالية التى عليه أن يتولى مراجعتها، ولم يمض شهر واحد حتى كان قد ألم بكل أصول الصنعة التى لا تتطلب ممن يقوم بها سوى حسن البديهة.

كان قسم المراجعة يضم رئيساً (دبلوم تجارة) من الفئة المتميزة من الموظفين، يعمل معه اثنان أحدهما شاب (دبلوم تجارة) والآخر لاعب كرة معتزل (إبتدائية قديمة) وهما من عمال المياومة، فكان صاحبنا الموظف الثانى بالقسم من حيث الترتيب الإدارى، ولكنه جاء فى الترتيب الثالث من حيث الأجر الشهرى، فقد كان اللاعب المعتزل يحصل على ما يزيد قليلاً عن ضعفي أجره. وكان الزملاء الثلاثة على مستوى راق فى تعاملهم معه، خاصةً أن رئيس القسم كان مرشحاً لعضوية مجلس الإدارة عن الموظفين متحالفاً مع عامل نقابى ضد رئيس المخازن، وعامل آخر كانا مرشحا رئيس مجلس الإدارة، فكان رئيس القسم –بذلك- ينتمى إلى المعارضة، وشديد الإعجاب بعبد الناصر. كان بالشركة مطعم يقدم وجبة غذاء مدعمة مكونة من اللحم أو الدجاج والأرز والسلطة وثمرة فاكهة مقابل اشتراك شهرى قدره (175 قرشاً)، فاشترك صاحبنا وذهب إلى المطعم لأول مرة ليلاحظ وجود مكان خاص للموظفين ( وكانوا جميعاً من المعينين باليومية ) فى طرف قاعة المطعم بعيداً عن العمال برغم من أن الوجبة واحدة، فاختار أن يتجه بالصينية الخاصة به إلى مكان العمال وجلس وسطهم، فلاحظ توقفهم عن الحديث والتزامهم الصمت وتبادلهم النظرات، فقدم لهم نفسه، وقال لهم إن جده كان عاملاً، وأبوه ما يزال عاملاً، وأنه يحس "بالونس" بينهم، فلماذا يتهيبون منه؟ فردوا بالاعتذار والترحيب لأنهم لم يتعودوا أن يجلس بينهم موظف (لله فى لله) فلا يحدث ذلك عادةً إلا إذا كانت الإدارة تدبر لهم أمراً. قال لهم صاحبنا إن الشركة الآن ملك الشعب فهم من أصحابها، وإن الإدارة لا تستطيع أن تفعل بهم ما كانت تفعله فى الماضى. وشيئاً فشيئاً ذاب الجليد بينه وبينهم، وبدأ يتعرف على ما كان يدور فى الشركة من خلالهم. قص عليه أحدهم ما عاناه العمال من ضعف الأجور وغياب الرعاية الصحية وإجراءات الأمن الصناعى، فالكثير منهم يعانون من الربو، ويتعرضون للحروق المميتة عندما ينفجر أنبوب فى وحدة إنتاج حامض الكبريتيك القديمة، وأنهم يريدون تحسين ظروف العمل. وعندما سألهم عن دور نقابة العمال فى ذلك كله، قالوا له إن النقابة الموجودة من صنع أصحاب الشركة قبل التأميم بالاتفاق مع الشئون الاجتماعية والداخلية، وأسرَّ إليه أحدهم أنهم بدأوا يجمعون التوقيعات لإسقاط مجلس النقابة القديم، ودعاه لحضور اجتماع بهذا الخصوص فى أحد المقاهى التى تقع على أطراف البلدة. حضر صاحبنا الاجتماع، كان الحضور خمسة من العمال الفنيين (الأسطوات) واثنين من رؤساء الورديات (حملة دبلوم الصنايع). أما رواد المقهى فكانوا من الفلاحين الذين يأتون إلى كفر الزيات لقضاء مصالحهم، وينتظرون وسيلة مواصلات تحملهم إلى قراهم. عرض الحضور نص عريضة المطالبة بإسقاط مجلس إدارة النقابة، فأعمل صاحبنا قلمه فى النص يصلح من صياغته، وارتاحوا إلى النص الجديد، وطالبوه أن يساعدهم فى صياغة العرائض التى سيقدمونها للسلطات المعنية، فرحب بذلك، ولكنه اعترض على الطابع السرى للاجتماعات، واقترح عليهم أن يتخذوا من مقر النقابة مركزاً لنشاطهم، لأن مجلس الإدارة لا يملك المقر، فهو ملك لجميع الأعضاء، ويمكن اللجوء إلى السلطات إذا منعهم مجلس النقابة من ذلك.

أعجبتهم الفكرة، وعُقد اجتماع أوسع بساحة النقابة التى كانت تحتل شقة واسعة تمثل الدور الأرضى بإحدى بنايات وسط المدينة، بها فناء يتسع لحوالى ثلاثين مقعداً. وحضر صاحبنا الاجتماع، وبهره ذلك القدر من الوعى الذى لمسه عند المتحدثين من العمال البسطاء، وتم نسخ عشرات الصور لنص العريضة، كتب عشراً منها بخطه. وتم جمع التوقيعات عليها خلال نوبات العمل (الورادى)، ثم عُقد اجتماع آخر تم فيه فرز العرائض (وكانت من صورتين)، فحرر صاحبنا خطاباً موجهاً إلى الرئيس جمال عبد الناصر، وآخر موجهاً لوزير العمل، ووُضعت كل صورة فى مظروف وتم تسجيلها للجهة الموجهة إليها. ولم يحدث –حتى ذلك الحين- أى احتكاك بين المجلس القديم وبين من تزعموا هذه الحركة والعمال الذين شاركوا فيها. ولكن رئيس مجلس إدارة الشركة الذى كانت له عيونه بين منظمى الدعوة لإسقاط مجلس إدارة النقابة (وكان أحد رؤساء الورديات)، اصدر قراراً بإلغاء اشتراك الموظفين فى المطعم بحجة أن الدعم للعمال وحدهم، وبذلك لم يعد هناك مبرر لوجود صاحبنا فى المطعم. وبعد صدور ذلك القرار بأسبوع تلقى اتصالاً من ضابط المباحث العامة بمركز كفر الزيات يدعوه إلى الإلتقاء به فى نادى الموظفين الذى يقع على فرع رشيد أمام المركز مساء "للتعرف عليه" فالتقاه هناك ليجد معه رئيس الوردية الذى كان حاضراً اجتماع المقهى مع زميل آخر له، وقال الضابط إنه نُقل حديثاً إلى كفر الزيات، وأنه يريد التعرف إلى الموظفين الشباب، وأن ذلك الشخص اقترح عليه التعرف إليه لأنه يحب إقامة روابط الصداقة مع المثقفين. وباسم التعارف وجه حزمةً من الأسئلة إلى صاحبنا الذى ضاق ذرعاً بها وسأله عن مغزى كل تلك الأسئلة، وهل هى للتعارف أم أسئلة تحرٍ وتحقيق؟ فضحك وتعلل "بحكم" المهنة. وفى نهاية اللقاء قال الضابط: أرجو أن نظل أصدقاءً، وألا يحدث ما يشوب هذه الصداقة، وصمت برهةً ثم قال: "ياريت تبعد عن الجماعة إياهم.. انت مش قد البهدلة". بعد أيام معدودة قال زميله الجغرافى الذى يعمل مع ينى (وكان يشاركه السكن) إنه علم من الخواجة ينى أن شفيق بك حنطور (رئيس مجلس الإدارة) سينقله إلى المناجم بالسباعية عندما يرى آخرة "الهوجة" التى شارك فيها. وقال إن الخواجة ينى مستعد لترتيب مقابلة مع "البك" ليعتذر له، عندئذ يصرف النظر عن نقله إلى المناجم.

كان صاحبنا قد بادر مساء اليوم نفسه الذى التقى فيه ضابط المباحث العامة، بادر بزيارة الأسطى منصور عبد النبى (أحد قادة حركة جمع التوقيعات) فى بيته ليخبره باختصار بما دار بينه وبين الضابط، ويحذره من رئيس الوردية عميل الإدارة والمباحث. وفى اليوم التالى كان العمال جميعاً قد علموا بحقيقة رئيس الوردية، وعاملوه معاملة المنبوذ، وعزلوه تماماً عن كل ما اتصل بنشاطهم. ولذلك فهم صاحبنا الرسالة التى حملها زميله من ينى على أنها تصعيد للتهديد، بعدما أحس رئيس مجلس الإدارة بعدم جدوى تهديد ضابط المباحث العامة، بعدما قاطع العمال جاسوسه واحتقروه. ولكن لم تمر بضعة أيام حتى وصل مسئول كبير من وزارة العمل التقى بالعمال وزعمائهم بمقر نقابتهم، واستمع إلى مبررات طلبهم إسقاط مجلس الإدارة القديم. وبعد أسبوع واحد صدر قرار حل مجلس النقابة، وتعيين لجنة إدارية لإدارة أعمال النقابة لحين تحديد موعد انتخابات التشكيل النقابى ونظامه على مستوى الجمهورية. وكان أعضاء اللجنة الإدارية من بين التسعة الذين وردت أسماؤهم فى العرائض التى وقع العمال عليها. وجاءت بعدها انتخابات عضو مجلس الإدارة عن العمال والموظفين، ففاز فيها الأسطى منصور عبد النبى عن العمال وفاز محمد سلام (رئيس المراجعة) عن الموظفين. وهكذا، وجد صاحبنا نفسه فى زمرة المغضوب عليهم من الإدارة. علم من بعض العمال أن ثلاثة أوناش شوكة صغيرة اشترتها الشركة ذهبت إلى عزبة "البك". وبعدها بأيام عُرضت عليه أوراق العملية لمراجعتها: محضر الشراء بالممارسة من أحد تجار وكالة البلح، محضر الاستلام، وإذن إضافة المخزن للأوناش كعهدة، والفاتورة بالقيمة. والأوراق على هذا النحو سليمة وكاملة، ولكنه لم يكتف بها بل راجع أذون الصرف الخاصة بالمخازن ليكتشف أنها صرفت فى يوم الإضافة نفسه لحساب "عملية دمنهور"، ولم يكن هناك عملية بهذا الاسم، فأعد صاحبنا مذكرةً وافيةً بالموضوع طالباً التأكد من جهة الصرف، لأنه يرجح أن عملية الشراء كانت وهمية مما يعرض أموال الشركة للضياع. وأقنع رئيسه (عضو مجلس الإدارة المنتخب) برفع الأمر إلى رئيس الشركة. فى اليوم التالى استدعاه رئيس الشركة،وسأله: " إنت اللى كتبت المذكرة دى؟" فرد بالإيجاب. فقال الرجل: " إنت قدامك مستندات سليمة.. ايه دخلك فى خطة التشغيل؟" فرد عليه قائلاً: "ماليش دخل إزاى... دانا صاحب مصلحة" فتعجب الرئيس وسأله: "مصلحتك ايه بقى إن شاء الله؟" فقال: "الشركة ملك الشعب، وأنا واحد من الشعب، ومن حقى أن أحافظ على مصلحة الشعب". هنا ثار الرئيس قائلاً: "يابنى انتم بتصدقوا الكلام الفارغ اللى بيقوله عبد الناصر؟ دا عاوز بس يضحك على الناس... امشى شوف شغلك وخليك فى حالك". عاد صاحبنا إلى المكتب ليجد وجه رئيسه محتقناً، كان من الواضح أنه لقى الكثير من التأنيب. وأبلغه أن مراجعة فواتير المشتريات أصبحت من اختصاص زميل آخر. فغلى الدم فى عروقه، وسارع بكتابة شكوى إلى جمال عبد الناصر ذكر فيها الموضوع باختصار، وركز على ما قاله رئيس مجلس الإدارة عن عبد الناصر. بعد حوالى ثلاثة أسابيع استدعاه رئيس مجلس الإدارة، ورفع فى يده المذكرة التى أرسلها إلى الرئيس عبد الناصر بعينها، وسأله: "خطك ده؟" فرد بالإيجاب. قال: "عرفت إن عبد الناصر بيضحك على المغفلين اللى زيك؟! إحنا ردينا بأن الشكوى كيدية لأنك موظف مهمل.. وعلى فكرة مخصوم منك خمسة أيام وعندك حرمان من العلاوة الدورية.. إبقى خلى عبد الناصر ينفعك".

ما كان يجهله صاحبنا أن محمد شفيق حنطور (رئيس مجلس الإدارة) كان من أخوال شمس بدران، وأنه كان "مسنوداً". وكان ذلك النموذج المؤسف بارزاً فى القطاع العام، فتحولت معظم شركاته إلى "عزب" لرؤسائها. رأى صاحبنا رأى العين الرشى المادية والعينية التى تقدم لمفتشى مؤسسة الصناعات الكيماوية، ومفتشى أجهزة الرقابة الأخرى، ومأمور وضباط مركز كفر الزيات، وكيف كانت تتم تغطية ذلك كله بمستندات صورية أو تحت بند "الإكراميات". ورغم التوسعات التى شهدتها الشركة على يد القطاع العام، وتأسيس مصنع آخر بأسيوط إلا أن الفساد الإدارى على مستوى المؤسسة، وغياب الرقابة الشعبية بتحجيم دور الحركة النقابية، كان بمثابة السوس الذى ينخر فى عظام القطاع العام. ولعل ذلك كان من أسباب نفور صاحبنا من "منظمة الشباب" واعتذاره مرتين عن عدم حضور دورة تدريبية بحجة انشغاله بالدراسات العليا. فقد كان يرى البون شاسعاً بين الشعارات المرفوعة، وما يراه ماثلاً أمامه على أرض الواقع. فبعد عام واحد من حل اللجنة النقابية القديمة بدأت انتخابات التنظيم النقابى فتم توقيع العزل السياسى على العناصر الناشطة الواعية من النقابيين الناصريين، وتُرك الحبل على الغارب للعناصر الانتهازية التى سيطرت على التنظيم السياسى والتنظيم النقابى معاً. كان صاحبنا قد أنهى السنة التمهيدية للماجستير بالنجاح بتقدير جيد جداً. وقبل أن ينهيها شغل باله الموضوع الذى سيعد فيه رسالة الماجستير، وحسمت التجربة التى عاشها بين عمال كفر الزيات اختياره. فقد لاحظ أن أولئك العمال الذين نجحوا فى إسقاط اللجنة النقابية وراءهم خبرة نضالية لم تأت من فراغ. وراح يبحث عن كتاب فى تاريخ الحركة النقابية فى مصر، فلم يجد سوى كتابات لا تغنى ولا تسمن، ووجد عشرات الكتب الإنجليزية عن الحركة العمالية فى أوروبا عامةً وبريطانيا خاصةً، فعقد العزم على دراسة الحركة العمالية منذ نشأتها حتى قيام ثورة يوليو 1952.


استشار أستاذه أحمد عبد الرحيم مصطفى فرحب بالموضوع ولكنه اعتذر عن عدم الإشراف (رغم أنه كان قد أصبح أستاذاً مساعداً)، وفضل أن يعرض صاحبنا الموضوع على أحمد عزت عبد الكريم، فإذا قبله ورأى إسناد الإشراف إليه كان بها، وإذا تولى هو نفسه الإشراف، فأنه يتوقع من أحمد عبد الرحيم مصطفى كل عون ممكن. عرض صاحبنا الموضوع على أحمد عزت عبد الكريم فى سمناره العتيد فى أكتوبر 1963 فطلب منه الحضور إلى منزله بمنشية البكرى فى العاشرة من صباح الجمعة، فذهب فى الوقت المحدد، وسأله الأستاذ عن دوافع اختياره لهذا الموضوع بالذات، فشرح له كيف كانت تجربته بكفر الزيات وراء الاختيار. وسأله الأستاذ مرة أخرى سؤالاً مباشراً عما إذا كان هناك اتجاه سياسى معين وراء الاختيار، فنفى الطالب ذلك، وأكد أن دوافعه علمية صرفة. وعندما سأله عن مصادر الدراسة الوثائقية، قال للأستاذ: سوف أبحث عنها حتى أجدها، فقال الرجل:"على بركة الله"، ووقع على الأوراق بالموافقة، وبعد التسجيل بعدة شهور بدأ أمين عز الدين ينشر بالطليعة سلسلة مقالاته الشهيرة عن فجر الحركة النقابية فى مصر. فاطمأن الأستاذ إلى سلامة الاختيار. كان لابد من التقاط طرف الخيط الذى يوصل إلى المصادر، وعلم من بعض قراءاته الأولية أن النبيل عباس حليم كان له دور فى الحركة النقابية، وتحرى عن مكان وجوده فعلم أنه مقيم بالإسكندرية، ورجع إلى دليل تليفون الإسكندرية ليقع على رقم عباس حليم، فاتصل به فإذا بلكنة المتحدث تبدو أجنبية، وحدد له موعداً الثامنة صباح الجمعة، فسافر صاحبنا إلى الإسكندرية مساء الخميس حيث استضافه محمد الخولي أحد أصدقائه من موظفى شركة المبيدات بكفر الزيات،ووصل إلى شوتس برمل الإسكندرية فى السابعة والنصف صباحاً ليبحث عن البيت، فوجد أمام محطة الترام قصراً قديماً يحمل الرقم الذى يبحث عنه فجلس على مقعد المحطة نحو ربع الساعة ثم قرر استكشاف المكان.

كان القصر قديماً كالحاً، والحديقة جرداء إلا من بعض الأشجار المعمرة، وبوابة القصر مفتوحة على مصراعيها لا يحرسها أحد. تلفت صاحبنا ذات اليمين وذات الشمال وهو يتقدم عبر البوابة فى اتجاه القصر، فوجد كلباً ضخمً يرقد تحت إحدى الأشجار، هده الكبر، رفع رأسه ليرمق الزائر الغريب بنظرة ثم أغمض عينيه من جديد، وكأنه رأى أن المسألة لا تستحق النباح. فمضى صاحبنا فى طريقه باتجاه القصر، فإذا برجل عجوز يطل من نافذة زجاجية بالدور الأول يناديه: "عباس أفندى؟" فرد بالإيجاب، فقال الرجل: تفضل، فصعد الدرج حتى باب السلاملك لتفتح الباب له خادمة عجوز ردت على تحية الصباح، الرد المحبب لديه "يسعد صباحك"، قادته إلى المكتب حيث كان "أفندينا" النبيل عباس حليم يقف أمام المكتب. وبعد تبادل التحية، قال له: "قبل أن نتكلم سوياً أريد أن أريك أولاً ما فعله (المعرصين) بالعمال" ووضع أمامه عدد "المصور" الذى غطى إعدام البقرى وخميس وحكماً بالسجن على عدد من عمال كفر الدوار فى الشهور الأولى للثورة. وسأله رأيه فى هذا المشهد، فأجاب "إنها نقطة سوداء فى تاريخ النظام ما فى ذلك شك". قال "أفندينا" الذى كان يتحدث العربية على طريقة الخواجات: "هل تحب أن نتحدث بالإنجليزية أم الفرنسية"، فاختار صاحبنا الإنجليزية. كان النبيل عباس حليم يحتفظ بألبومات ضخمة تضم قصاصات الصحف التى تحمل أخباره وأخبار النشاط العمالى، جُمعت بعناية، وأُلصقت بالألبومات وفق تسلسلها الزمنى. ولما علم أن صاحبنا موظف بكفر الزيات وأنه يقيم هناك, وافق أن يعيره فى كل أسبوع ثلاثة ألبومات، فكان يلتقيه كل أسبوع على مدى شهرين يناقشه فيما قرأ، ويعيد ما استعاره ويحمل معه الدفعة التالية حتى تجمعت لديه فى النهاية مادة كانت تحتاج إلى ما يزيد على العام لو جمعها بنفسه من الدوريات المودعة بدار الكتب المصرية. تردد اسم محمد حسن عماره سكرتير عام "اتحاد نقابات عمال القطر المصرى" الذى رأسه عباس حليم،وكان الرجل فى الوقت نفسه رئيساً لنقابة الحلاقين. وعندما سأل عباس حليم عنه صب عليه اللعنات واتهمه بسرقة جميع أوراق الاتحاد، فأصبح العثور على الرجل على درجة بالغة من الأهمية. فاتجه صاحبنا إلى شارع كلوت بك حيث كان قد لاحظ وجود صالون حلاقة قديم عُلقت على بابه برطمانات دود العلق، فذهب إلى هناك، وسأل صاحب المحل عن "عم الأسطى محمد حسن عمارة" فأجاب الرجل: "عاوزه ليه يا أفندى؟" رد بقوله: "أصله كان زوج المرحومة عمتى، وعاوزه علشان مسألة عائلية" وفكر الرجل ملياً ثم طلب من "الأفندى" أن يعود إليه بعد صلاة المغرب.

وقد كان.. وجد أمامه محمد حسن عمارة كما رآه فى الصور التى شاهدها عند النبيل عباس حليم، ولكن بعد إضافة عوامل الزمن، استطاع أن يرتب معه لقاءات أيام الجمعة بمقر إقامته بالمطرية، وعندما كسب ثقته بعد عدة زيارات جر من تحت السرير حقيبة سفر جلدية قديمة، كانت تضم مجموعةً هامةً من وثائق اتحاد العمال وغيره من التنظيمات النقابية التى شارك فيها محمد حسن عماره، فاشتغل صاحبنا بنسخ ما وجده مهماً لدراسته. وعن طريق محمد حسن عمارة، سمع عن سيد قنديل رئيس نقابة عمال الطباعة فى الثلاثينيات والأربعينيات، واستطاع العثور عليه عن طريق بعض المطابع القديمة التى كانت تقع حول حديقة الأزبكية، وحصل منه على سجل محاضر "حزب العمال الاشتراكى". كما استطاع الاتصال بالنقابيين الماركسيين: محمد يوسف المدرك، ومحمود العسكرى، وأحمد طه عن طريق زميله وصديقه سعد صمويل الفيشاوى. وحصل منهم ومن غيرهم على بعض الأوراق المهمة، والدوريات العمالية المجهولة، واستعان بخطىًبته سعاد الدميري فى تجميع بعض ما احتاجه البحث من مادة الدوريات من دار الكتب المصرية. وبذلك اكتملت المادة التى أعد منها رسالته التى نوقشت فى نوفمبر 1966. وفى خط مواز للدراسات العليا، سار مشروع زواج صاحبنا من زميلته فى مرحلة الليسانس سعاد الدميرى التى خفق قلبه بحبها وهو طالب فى الفرقة الثانية وظل يحبها (من بعيد) ليقينه أن من كان فى مثل ظروفه لا أمل له فى التفكير فى ذلك. وفى الشهور التى أعقبت التخرج وأثناء تردده على أحد سماسرة التشغيل بالمدارس الخاصة، طلب منه الرجل مساعدته فى العثور على خريجة تعمل مدرسة مواد اجتماعية حتى يجد له مكاناً فى مدرسة خاصة. فذهب إلى الكلية حيث كان لها أختان بقسم اللغة الإنجليزية فوجدها معهما مصادفة، وصحبها ووالدها فى اليوم التالى إلى السمسار. وعندما علم أنها عُينت بأحد البنوك بالقاهرة كتب لها وقابلها (فى 23 مايو 1963) وصارحها بحبه واتفق معها على الزواج وباركت أسرته هذه الخطوة، فعقد القرآن فى فبراير 1964، وتم الزواج بعد ذلك بأربعة شهور. ولما لم يكن للبنك فرع بكفر الزيات، نُقلت إلى فرع طنطا،وأقامت معه بكفر الزيات حتى صيف 1966 عندما نُقلت إلى القاهرة تمهيداً لولادة نجله حاتم (24/ 10/ 1966) واستطاع صاحبنا أن يعثر على شقة بحدائق شبرا قرب بيت صهره، ونقل مقر إقامته إلى هناك، وظل يسافر يومياً بالقطار إلى كفر الزيات حتى استقال من خدمة الشركة فى أبريل 1967. وللاستقالة قصة تستحق أن تُروى، فقد حصل صاحبنا على الماجستير بتقدير ممتاز،وزكَّى الدكتور محمد أنيس (عضو اللجنة) نشر الرسالة عند الأستاذ محمود العالم، رئيس هيئة الكتاب عندئذ،واستُقبلت الرسالة استقبالاً حسناً. وسجل موضوعاً لرسالة الدكتوراه "الملكيات الزراعية الكبيرة وأثرها فى المجتمع المصرى 1837- 1914)" وهو موضوع يقتضى العمل على الوثائق المودعة بدار المحفوظات العمومية ودار الوثائق القومية، فكان لابد من التفرغ للدراسة، وقال له أستاذه أحمد عزت عبد الكريم إنه قد دبر له منحة تفرغ يمكنه الحصول عليها إذا وافقت جهة العمل على تفرغه.

كتب صاحبنا طلباً لرئيس الشركة شفيق حنطور يطلب منحه إجازة تفرغ لمدة عام للحصول على الدكتوراه. ولما كان يعلم أن الرفض هو القرار المتوقع، فقد كتب أيضاً خطاب استقالة حمله معه عند مقابلة شفيق حنطور الذى قرأ الطلب المرفق به شهادة تفيد الحصول على الماجستير وأخرى تفيد تسجيله للدكتوراه، قرأ رئيس مجلس الإدارة طلب أجازة التفرغ ثم سأله: "تاريخ ايه اللى رايح تاخد فيه دكتوراه؟ هى دى حاجة تستحق الدكتوراه". وجد صاحبنا الفرصة مواتية لتلقين الرجل درساً لعله لا ينساه، فقال له: "لو أنا مابفهمش كنت قلت لسيادتك دكتوراه فى الزراعة ايه دى اللى انت واخدها، والفلاح المصرى اخترع الزراعة من آلاف السنين، والفلاحين طول عمرها بتزرع من غير دكتوراه، لكن الزراعة علم، والتاريخ كمان علم، والتخصص فى كل منهما يستحق الحصول على درجة الدكتوراه.." فاحتقن وجه الرجل وقال: "طبعاً مش موافق لأن الشركة مالهاش مصلحة فى التاريخ، إمشى يا أفندى على مكتبك وشوف أكل عيشك". فضحك صاحبنا، وقال له: "هذا طلب آخر لا تملك رفضه". وسلمه الاستقالة. فبهت الرجل، وأطرق ملياً، ثم قال: " أنت عيبك انك ما بتقدرش العواقب شاب مندفع، متعرفش مصلحتك فين". ووقع على الاستقالة بالقبول. ورغم أن صاحبنا مدين للشركة من حيث كونها فرصة عمل كانت بالنسبة له طوق نجاة من الشقاء كان الفضل لحكومة الثورة فى حصوله عليها، وبرغم من الخبرات العملية التى كسبها، والتى استثمرها فى حياته العملية ونشاطه الأهلى خير استثمار، ونجاحه فى تحقيق أمله فى الدراسات العليا، وفى الزواج بمن أحب، إلا أنه كان يحس أن بقاءه فى الشركة سوف يعوق حصوله على الدكتوراه، ويبدد أمله فى أن يسير على درب أحمد عبد الرحيم مصطفى. كان القرار نوعاً من المغامرة لأن المنحة الدراسية محدودة المدة تتوقف على وجود الوفر فى الميزانية لتمويلها. ولكنه أقدم عليها دون تردد، على أمل أن يولد له مستقبل آخر جديد.


[تحرير] فى مفرق الطرق

عاد صاحبنا إلى أستاذه أحمد عبد الرحيم مصطفى حاملاً ما يفيد تركه العمل مستقيلاً، فلم يستحسن ذلك الموقف، ولم يستهجنه، وإنما اهتم بسؤال تلميذه عما إذا كان مرتاحاً فى قرارة نفسه بهذا القرار، وعندما رد بالإيجاب، قال له إن أهم شئ أن يكون قرار المرء فى مثل تلك الأمور المصيرية نابعاً من اقتناعه الشخصى بعد إمعان التفكير فيه، وليس نابعاً من الاندفاع وعدم تقدير الأمور. كان ذلك دائماً شأن هذا الأستاذ العظيم مع تلاميذه، ينمى فيهم روح المبادرة، ويشجعهم على الإقدام على ما يقتنعون به، ولا يقف منهم موقف الواعظ. ولكن عندما قابل صاحبنا أستاذه أحمد عزت عبد الكريم، وأبلغه بأنه قد أصبح متفرغاً تماماً للدكتوراه بعد استقالته من الشركة، لامه للإقدام على هذه الخطوة "المتسرعة"، ولفت نظره إلى أن المنحة قد لا تمتد إلى عام آخر لأن الأمر يتعلق بمدى توافر تمويلها من فوائض بنود ميزانية الجامعة، ولكنه عاد فالتمس له العذر لأن التفرغ ضرورى، فدراسة موضوع الدكتوراه تقتضى التواجد فى القاهرة حيث دار المحفوظات العمومية ودار الوثائق القومية، وسأل تلميذه عما سيفعل عندما تنقطع المنحة، وهل فكر فى ذلك الاحتمال عند اتخاذه القرار؟ فرد التلميذ بأن في إمكانه العمل بالتدريس بالمدارس الخاصة أو أداء أى عمل لا يعوق دراسته. أقلقه موقف أستاذه أحمد عزت عبد الكريم، فقد رأى فيه دلائل عدم ارتياح الأستاذ لتصرفه، وخشى أن يسئ الرجل فهم موقفه، فيظن الاستقالة توريطاً له فى ضرورة ضمان استمرار المنحة الدراسية. كان هذا شأن صاحبنا دائماً فى كل أموره فهو يقلب الأمر على مختلف جوانبه، ويتحسب دائماً لأسوأ الاحتمالات، ويضع "السناريوهات" المناسبة لكل منها ويجهد ذهنه فى البحث عن مخرج من كل منها، وبعد مقابلة الأستاذ قرر بينه وبين نفسه أن يبحث عن عمل بالقاهرة فى أى مجال اعتباراً من اليوم التالى. وعندما التقى أستاذه أحمد عبد الرحيم مصطفى بعد بضعة أيام، فوجئ عندما علم منه أن الدكتور أحمد عزت عبد الكريم معجب بحرصه على التفرغ للدراسة إلى حد التضحية بوظيفة تدر عليه دخلاً يزيد على المنحة بمقدار النصف تقريباً، رغم أنه متزوج وأب لطفل ما يزال فى الشهور الأولى من عمره، وأن الأستاذ الجليل قدر للطالب عدم ارتكانه التام إلى المنحة الدراسية.

كان أحمد عزت عبد الكريم يتعامل مع طلابه بأسلوب جيل الآباء فى ذلك الزمان، فهم لا يكشفون حقيقة مشاعرهم تجاه الأبناء، حتى لا تفسدهم عبارات الإطراء والمديح. ويذكر صاحبنا أثناء إعداده الماجستير، وتقديمه الفصول التى يكتبها للأستاذ لمراجعتها وينتظر قلقاً لسماع رأيه وتوجيهاته، ويقدم رجلاً ويؤخر أخرى وهو فى الطريق إلى لقاء أستاذه لمعرفة رأيه فيما كتب، كان يتلقى بعض الملاحظات الشكلية منه، فإذا سأله عن تقديره لما كتب، رد الأستاذ بقوله: "نصف العمى... أهو والسلام... على قد حالك". فيفزع صاحبنا ويسأل الأستاذ عن موطن التقصير وكيفية علاجه، فيقول له "أكمل للآخر وبعدين نشوف شغلك ينفع ولا لأ". يشعر صاحبنا بالإحباط، ويضرب أخماساً فى أسداس حتى يلتقى بأستاذه أحمد عبد الرحيم مصطفى فيفاجأ بقوله: "عمك (يقصد الدكتور أحمد عزت عبد الكريم) مبسوط منك خالص، ومعجب بمنهجك وأسلوبك فى معالجة الموضوع، وبيقول الولد ده حيطلع مؤرخ متميز". وعندما يروى له التلميذ ما سمعه من الأستاذ الجليل، يرد أحمد عبد الرحيم مصطفى بقوله: "كان دايماً يقول لى كده واكتر... هو بيخاف لو عبّر عن ارتياحه لشغل الطالب أن يركبه الغرور... ويرى أن هذا الأسلوب يحفز الطالب على بذل أقصى طاقته لتقديم أفضل ما عنده". حصل صاحبنا على المنحة، وأعاد ترتيب أموره والتزاماته العائلية بما يتوافق مع الوضع الجديد، مع عدم المساس بما كان يساعد به والده، والاقتصاد فى أمور معاش أسرته الصغيرة. وحدث ما كان يتوقعه، فتوقفت المنحة بعد ثلاثة شهور لنفاد البند، فأعاد أستاذه تمويلها (وكان قد أصبح مديراً للجامعة). وتصادف فى الشهر الثالث من تفرغه للدراسة أن نُشر إعلان بالصحف عن شغل وظيفة معيد تاريخ حديث بكلية الآداب جامعة القاهرة، نُص فيه على تفضيل من يحمل درجة الماجستير فى التخصص، فسارع صاحبنا بتقديم أوراقه إلى كلية الآداب، بعد أن سأل الدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفى الرأى، فنصحه بالتقدم ظناً منه أنها إحدى مفاجآت الدكتور محمد أنيس (أستاذ التاريخ الحديث بآداب القاهرة) وكان عضواً بلجنة مناقشة رسالة الماجستير وأبدى إعجابه بالطالب إلى حد استهلال مناقشته للطالب بالقول "لقد قُدر لهذه القاعة أن تشهد مولد مؤرخ جديد من المدرسة الاجتماعية". فاعتبر أحمد عبد الرحيم مصطفى أن الإعلان عن الدرجة فى هذا التوقيت لابد أن يكون مقصوداً، واستطرد قائلاً "ده أسلوب محمد أنيس، لا يكشف لأحد عما عقد العزم عليه". وهكذا تقدم صاحبنا إلى الكلية بأوراقه معتمداً على وجهة نظر أستاذه أحمد عبد الرحيم مصطفى، وعندما التقى أستاذه احمد عزت عبد الكريم فى سمناره الشهير (يوم الخميس من كل أسبوع)، وذلك بعد ثلاثة أيام من التقدم للوظيفة، زف إليه النبأ، ففوجئ يه يغضب ويلومه لتقديمه الأوراق دون الرجوع إليه. ولم يشأ أن يقول له صاحبنا إنه استشار أحمد عبد الرحيم مصطفى، الذى كان حاضراً، ولم يعلق على كلام الأستاذ، الذى أطرق ملياً، ثم قال للطالب بلهجة حازمة "لازم أشوفك بكرة الساعة العاشرة صباحاً".

وفى العاشرة من صباح الجمعة كان يجلس إلى الأستاذ الجليل فى منزله بمنشية البكرى، الذى بادره بالقول: "انت فاكر الحكاية إيه؟ هى وكالة من غير بواب؟ إزاى تخش إعلان مش بتاعك؟" فرد صاحبنا " يا افندم دا إعلان عن وظيفة خالية منشور فى الصحف يعنى مفتوح لأى مواطن مصرى، ولما كنت مواطناً مصرياً، رأيت من حقى أن أتقدم طالما كانت الشروط تنطبق علىّ". وأطرق ملياً ثم استطرد قائلاً: "أنا فاهم تماماً أن الجامعة يحكمها قانون يحدد طريقة فرز وتقييم المتقدمين، ولابد أن يكون هو واحداً بين مجموعة من المتقدمين، قد يكون بينهم من يفضله، ولكنه لا يجد مبرراً يمنعه من التقدم للوظيفة". هنا قال الأستاذ: "الإعلان ده نازل لواحد معين، ودخولك معاه يسبب لنا الحرج، ومفيش حل غير أنك تروح بكرة تسحب ورقك" بهت صاحبنا، ونفر عرقه الصعيدى (كما يفعل دائماً عندما يحس أن ثمة شبهة مساس بكرامته) وقال للأستاذ: "يا افندم أنا مواطن لى نفس حقوق من نزل الإعلان خصيصاً له... والصالح العام يقتضى أن تُعطى الفرصة للأفضل، فإذا كان يفضلنى فهذا حقه، أما إذا كنت أفضله فلن أتنازل عن حقى... ولا أرى فى ذلك ما يسبب الحرج لسيادتكم". تنهد الأستاذ وسادت فترة صمت مطبق، فهم الطالب منها أنها دعوة للانصراف، فاستأذن فى الانصراف، وهنا قال الأستاذ: "ما فكرتش تتصل بالدكتور محمد أنيس وتستأذنه قبل التقديم"، فأجاب بالنفى لأنه ظن أن الإعلان دعوة عامة للمتقدمين، لا يتطلب استئذان أحد، وأنه سوف يتصل بالدكتور محمد أنيس إذا رأى الأستاذ ذلك، فنصحه الأستاذ بالاتصال به، وأن يبادر بسحب أوراقه إذا أبدى أنيس استياءً من دخوله الإعلان أو عدم الترحيب به.

خرج صاحبنا من بيت الأستاذ ليتصل بالدكتور أنيس من أول تليفون صادفه، وعندما ذكر اسمه رحب به الدكتور أنيس وقال له أنه كان على وشك الاتصال بالدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفى ليكلف صاحبنا بالاتصال به، لأنه زكَّى نشر الرسالة عند محمود العالم رئيس هيئة الكتاب، وطلب منه الاتصال بالأستاذ العالم، وأعطاه أرقام تليفوناته بالمكتب والمنزل، ولم يشر إلى الإعلان عن وظيفة المعيد من قريب أو بعيد، فأبلغه صاحبنا بما أقدم عليه، فقال: "كويس أنك قدمت.. هايل". وانتهت المكالمة بالشكر على تدبير فرصة النشر. اتصل صاحبنا بأستاذه أحمد عزت عبد الكريم، وأبلغه بتفاصيل ما دار بينه وبين محمد أنيس فى المكالمة التليفونية فقال: "إوعى تعلق أمل على الكلام.. لأن معنى كده تجميد الإعلان ... على كل شوف شغلك، وشيل الموضوع ده من دماغك". كان صاحبنا يحلم بأن يجد لنفسه مكاناً بين أعضاء هيئة التدريس بالجامعة، ظناً منه أنها المؤسسة المثلى فى البلاد باعتبارها تضم صفوة عقول الأمة، وظناً منه أنها المؤسسة الوحيدة بمصر التى يُحدد موقع الفرد فيها حسب قدراته العلمية، وأن العطاء العلمى هو معيار التقييم فى الجامعة، فكانت تلك البداية لا تبشر بالخير. وفى الأسبوع التالى التقى أستاذه أحمد عبد الرحيم مصطفى، وعلم منه بتفاصيل الموضوع كما سمعه من الدكتور أحمد عزت عبد الكريم ومن الدكتور محمد أنيس، فالدرجة أُعلن عنها خصيصاً لسكرتير مدير جامعة الإسكندرية الذى حصل على درجة الماجستير من قسم التاريخ بآداب الإسكندرية بتقدير ممتاز. وطلب رئيس الجامعة من رئيس قسم التاريخ هناك أن يعلن عن درجة معيد خالية بالقسم ليُعين عليها السكرتير، فرفض رئيس القسم. ولما كان السكرتير أثيراً لديه، فقد طلب من صديقه الحميم عبد اللطيف أحمد على (عميد آداب القاهرة) أن يؤدى له خدمة بتعيين السكرتير معيداً بآداب القاهرة، ثم يتم نقله بعد ذلك بدرجته إلى آداب الإسكندرية، وهو إجراء يدخل فى سلطة مدير الجامعة، ولا يملك رئيس قسم التاريخ بآداب الإسكندرية الاعتراض على النقل، ولما كان عبد اللطيف أحمد على رئيساً لقسم التاريخ (فى الوقت نفسه) فقد اتخذ قرار الإعلان دون الرجوع إلى الدكتور محمد أنيس أستاذ التاريخ الحديث، ومن هنا جاء ترحيب أنيس بتقدم صاحبنا إلى الدرجة، لأنه يتميز فى درجات الليسانس عن الشخص الذى نُشر الإعلان من أجله، وبذلك يحبط مساعى العميد، فيضطر إلى تجميد الإعلان وينتهى الموضوع عند هذا الحد.

عجب صاحبنا للطريقة التى تُدار بها أمور التعيين فى سلك أعضاء هيئة التدريس، وشعر بخيبة الأمل والمرارة لأنه رأى فى هذه الواقعة لوناً من الفساد أخطر مما رآه فى الشركة التابعة للقطاع العام التى استقال منها. وزاده هذا الموضوع إصراراًَ على التمسك بموقفه. وعندما أبلغ أستاذه أحمد عبد الرحيم بذلك قال له: "كيفك.. بس لو اضطروا يعينوك حيحطوك فى دماغهم، وعبد اللطيف أحمد على لن يغفر لك"، ووجه انتباه صاحبنا إلى أن المنحة الدراسية التى خصصها له الدكتور أحمد عزت عبد الكريم هى مقدمة لتعيينه معيداً بآداب عين شمس، وأن عليه التذرع بالصبر، وأن يستجيب لنصيحة الدكتور أحمد عزت عبد الكريم ويسحب أوراقه. فأصر صاحبنا على موقفه، وأكد لأستاذه أن خوض التجربة حتى نهايتها ضرورى بالنسبة له حتى يرى مدى التناقض بين الشعارات المرفوعة والمبادئ المعلنة، وبين الممارسة على أرض الواقع. كان صاحبنا يتميز على المتقدم الآخر فى الماجستير باقتران تقدير الامتياز بالتوصية بطبع الرسالة على نفقة الجامعة، وفى الليسانس بزيادة مجموع درجاته عن درجات المتقدم الآخر، فاتخذ مجلس كلية الآداب قراراً بأن يكون معيار تحديد الأصلح للوظيفة هو درجات التاريخ الحديث بالليسانس، وطالب المتقدمين بتقديم شهادات معتمدة بدرجات التاريخ الحديث. ولما كانت درجات صاحبنا فى التاريخ الحديث تزيد فى مجموعها أكثر من عشر درجات عن المتقدم الآخر، فقد أُسقط فى يد العميد، لأنه وجه مجلس الكلية إلى الأخذ بمعيار لم يعد هناك مفراً من الالتزام به، فقرر المجلس تعيين صاحبنا فى الوظيفة. وهكذا، قُدر لصاحبنا أن يصبح معيداً للتاريخ الحديث بقسم لا يرغب فى انضمامه إليه، ويعتبره دخيلاً، فهو من عين شمس، وكان أساتذة جامعة القاهرة تتملكهم عقدة استعلاء على جامعة عين شمس، وفجع كثيراً عندما وجد العقدة نفسها عند محمد أنيس. فى أول لقاء معه بعد تسلم العمل بالكلية فاجأه محمد أنيس بطلب تحويل الإشراف على رسالته للدكتوراه إلى آداب القاهرة، متعللاً باختلاف المستوى فى جامعة القاهرة عنه فى عين شمس، ولابد من الاطمئنان إلى سلامة تكوينه العلمى حتى يُعين مدرساً بآداب القاهرة بعد حصوله على الدكتوراه، أما إذا حصل على الدكتوراه من عين شمس، فقد يظل معيداً إلى الأبد!!

أحس صاحبنا بالامتهان، ونفر العرق الصعيدى عنده من جديد، وقال للأستاذ المرموق: "إننى مندهش لسماع هذا الكلام منكم، فلم يمض على اشتراككم فى مناقشى رسالتى للماجستير سوى عام واحد، ولازال الجميع ممن حضروا المناقشة يذكرون امتداحكم للرسالة وصاحبها، فهل كان ذلك مجرد مجاملة لآل عين شمس، أم كان تعبيراً عن قيمة العمل؟ إننى لو طلبت منكم نقل الإشراف على الدكتوراه إليكم لوجب عليكم احتقارى ورفض طلبى، لأننى لو أدرت ظهرى اليوم لأساتذتى الذين لعبوا دوراً كبيراً فى تكوينى، كان ذلك دليلاً على انتهازيتى ونكرانى للجميل، وكان معناه أننى سوف أبيعكم عندما تسنح لى أول فرصة... إن ما تطلبه منى مستحيل التحقيق لأنه يتناقض مع خلقى". فأدار له الأستاذ ظهره وانصرف غاضباً، وظل يهمله تماماً نحو أربعة شهور، ثم ذاب الجليد بين الطرفين تدريجياً، ولكن ظل صاحبنا طالباً للدكتوراه بآداب عين شمس، حيث حصل على الدكتوراه فى يناير 1971. كان قسم التاريخ بآداب القاهرة مقسماً إلى شيع وأحزاب، لا علاقة للعلم ومدارسه بها، بل كان العلم لا يظهر على السطح إلا لخدمة غرض شخصى إن إيجاباً أو سلباً. ولكن البحث العلمى، والمنافسة فى مجاله، كانت بعداً غائباً فى ذلك القسم، أحقاد وإحن وصراعات قديمة بدأت بين جيل الرواد، أورثها كل منهم لتلاميذه الذين أجادوا الزلفى والملق حتى يستطيعوا الحياة فى ذلك المناخ غير الصحى، فالويل كل الويل لمن يكتشف أستاذه أن له صلةً بمعسكر خصمه، وكما يحدث فى الخصومات السياسية، كان كل طرف يقرب إليه من ينقل أخبار الطرف الآخر، وأجاد بعض هؤلاء لعبة "العميل المزدوج" حتى يضمن مساندة الجميع له بحسبانه من أتباعهم، فإذا كُشفت لعبته كان فى ذلك نهايته.

ساعد على إشاعة تلك السلبيات بين طلبة الدراسات العليا بالقسم، أنه كاد يخلو من المعيدين، فلم يكن به (حين تسلل صاحبنا) سوى أربعة معيدين، واحد فى كل فرع من فروع التخصص الأربعة: قديم، وإسلامى، ووسيط، وحديث. وكان صاحبنا الخامس بين المعيدين والثانى بين معيدى التاريخ الحديث. وظلت الحال على هذا المنوال حتى أواخر عقد السبعينيات عندما حصل كل المعيدين على الدكتوراه (فيما عدا معيد تاريخ حديث استقال لمرور خمس سنوات دون حصوله على الماجستير) ولم يعد هناك معيد واحد. ولم يفتح رئيس القسم عندئذ الباب لتعيين معيدين جدد، بل واربه قليلاً لتعيين بنت أحد أساتذة القسم التى حصلت على الليسانس من الكويت أثناء وجود أبيها بالإعارة هناك، ثم عُينت بضعة شهور بآداب المنيا، لتُنقل إلى آداب القاهرة، أما المعيدة الأخرى التى تم تعيينها فكانت ابنة أحد أصدقاء رئيس القسم. فلم تكن تربية الكوادر من اهتمام ذلك القسم، والكثير من أقسام الكلية الأخرى، بحجة الحاجة إلى التدقيق فى الاختيار، ونادراً ما كان ذلك الاختيار يصيب أصحاب الكفاءة، فإذا أصاب بعضهم كانت الزلفى للأستاذ الباب الذى يوصله إلى نيل حقه. وهكذا ظل التطلع إلى التعيين يراود طلاب الدراسات العليا (وهو تطلع مشروع ما فى ذلك شك)، ولكن السعى لتحقيقه جعل الكثيرين يتخذون مواقعهم فى أحد المعسكرات التى وجدت بالقسم، مع محاولة استدرار عطف أحد المعسكرات الأخرى خفية. جو خانق غريب واجهه صاحبنا، ذلك الدخيل الذى هبط على القسم دون استئذان. حاول فى البداية أن يقيم علاقة طبيعية مع الجميع، فلم يلق استجابة سوى من الدكتور سعيد عاشور الذى درس عليه فى مرحلة الليسانس بآداب عين شمس، أما عبد اللطيف أحمد على الذى درس عليه أيضاً وتأثر –علمياً- به تأثراً كبيراً فكان لا يطيق رؤية ذلك المعيد الذى أفسد عليه فرصة تقديم خدمة لصديقه مدير جامعة الإسكندرية، حاول –ذات مرة- إهانته أمام الملأ بعد إحدى المحاضرات بمقر الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، فناداه: "إنت يا ..إنت" فلم يرد عليه وتجاهله، فكرر النداء "إنت ياعباس... إزاى تكون بتشتغل عندى وما بتجيش الكلية؟!" فرد عليه بصوت جهورى: "أنا مش شغال عند سيادتك أنا معيد بجامعة القاهرة ورئيسى المسئول عن متابعة عملى هو أستاذ التخصص"، فرد العميد: "لكن عليك واجبات للقسم لازم تعملها، تعالى قابلنى بكرة الساعة عشرة".

كان صاحبنا حريصاً على ملازمة الدكتور أنيس يوم وجوده بالكلية، وكان لا يحضر سوى يوم الخميس لإلقاء محاضرته على طلبة الليسانس، حيث كان مشغولاً بمهام موقعه فى الاتحاد الاشتراكى بأمانة الدعوة والفكر، بالتدريس بمعهد الدراسات الاشتراكية، وحيثما وُجد أنيس بالكلية أحاط به الأصدقاء والمريدون: صحافيون، بعض أساتذة الجامعة، وغيرهم، فكانت حجرة التاريخ الحديث تزدحم بهم يوم الخميس، وتصبح قاعاً صفصفا بقية أيام الأسبوع. وكان صاحبنا يحضر فى التاسعة صباحاً، لأن الأستاذ يلقى محاضرته فى الثامنة وينهيها فى التاسعة (بدلاً من العاشرة)، ثم يقضى الوقت حتى الواحدة أو الثانية بعد الظهر فى أحاديث تتناول الشأن العام، يطرح فيها على زواره تحليله للمواقف السياسية، ويردها إلى أصولها التاريخية بأسلوب منهجى أخاذ. وكانت مواظبة صاحبنا على حضور تلك الجلسة (رغم تجاهل أنيس له لمدة ثلاثة شهور أو أربعة على الأقل)، ومشاركته فى المناقشات، وطرح رأيه فيما يتم النقاش حوله، سبباً فى إذابة الجليد وجسر الفجوة التى حرص الدكتور أنيس على وجودها خلال فترة التجاهل، وتحولت العلاقة إلى ود وصداقة كادت تصل إلى مستوى علاقته بأستاذه أحمد عبد الرحيم مصطفى. وفى مجلس أنيس تعرف صاحبنا إلى أحمد عباس صالح، وسعد زهران، وإبراهيم صقر، وحسام عيسى، وحلمى شعراوى، وجلال السيد. وعرف عن طريقه كامل زهيرى، ومحمود العالم، وغيرهم. فكان لهذه الجلسات دورها الأساسى فى تكوينه الفكرى والمنهجى. كما أتاح محمد أنيس له فرصة الكتابة بمجلة "الكاتب" (وكان عضواً بمجلس تحريرها)، كما أشركه فى "قسم الأبحاث" الذى أقامته جريدة الجمهورية رداً على إقامة جريدة الأهرام لمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية (وكان التنافس على أشده عندئذ بين دار التحرير والأهرام) فكان أنيس مشرفاً على القسم، يعمل معه جلال السيد، وفتحى عبد الفتاح، وأميمة أبو النصر (من محررى الجمهورية) إلى جانب بعض المتخصصين من الخارج يذكر منهم جمال نوير، وآخرون من المتخصصين فى الاقتصاد والتخطىًط والعلوم السياسية، انتقاهم الدكتور أنيس من بين تلاميذه بالمعهد الاشتراكى، إضافة إلى صاحبنا الذى انضم إلى القسم كخبير بشئون العمل والعمال والنقابات. واتجه جل نشاط القسم إلى معالجة قضايا التنمية بمختلف أبعادها: الاقتصادية والاجتماعية، والسياسية والثقافية، والبحث فى أسس تهيئة المناخ لنجاح التجربة الاشتراكية. وكانت البحوث تُنشر على صفحة كاملة من "الجمهورية" بعدد الخميس (الأسبوعى)، ولكن بعد أن تخرج من تحت يد الرقيب، ويذكر صاحبنا أنه قدم دراسة عن أوضاع العمال فى القطاع العام ليُنشر على صفحة كاملة فحولها الرقيب إلى ربع صفحة، لا يستطيع القارئ -مهما بلغ من الذكاء- أن يفهم منها شيئا، فقد حُذفت فقرات كاملة متتالية، هنا وهناك، ثم أعيد صف ما بقى من فقرات بعضها وراء البعض، دون أن تُعاد صياغتها. وترك أنيس قسم الأبحاث بعد خلاف مع فتحى غانم (رئيس التحرير عندئذ) وأصبح نبيل عبد الفتاح مشرفاً على القسم، فاشترك صاحبنا معه فى المجموعة التى تدرس أوضاع القطاع العام فى صياغة ما بقى من حلقات الدراسة، وجاء النشر مهيناً لكل من يحرص على سمعته، بعدما أطاح مقص الرقيب أو قلم رئيس التحرير بمعظم الفقرات التى تكشف السلبيات المترتبة على أسلوب إدارة القطاع العام، فآثر ترك القسم. كذلك أشرك الدكتور أنيس صاحبنا معه فى "مركز تاريخ مصر المعاصر" التابع لدار الكتب والوثائق المصرية منذ تأسيسه على يديه حتى قبيل تنحيه عن الإشراف عليه، فعمل صاحبنا معه مشرفاً على الباحثين إلى جانب بعض أعضاء هيئة التدريس، وشهدت فترة العمل بالمركز فتور العلاقة ثم توترها لأسباب تتعلق بشخصية صاحبنا، وحساسيته الشديدة لما يرى فيه استغلالاً ماساً بكرامته، ورغم أنه واجه الأستاذ القدير بموقفه صراحة، وجهاً لوجه دون أن يشرك فى ذلك طرفاً ثالثاً، لم يقبل الأستاذ بذلك وبالغ فى موقفه، فكان يصف صاحبنا-كلما سمع اسمه- بأنه كان "عميلاً للمباحث" دُس عليه دساً. ورغم ذلك يبقى فضل محمد أنيس على صاحبنا عميماً فقد تعلم منه الكثير، رغم أنه لم يكن تلميذاً مباشراً له، وكان له فضل إتاحة الفرصة أمامه لنشر رسالته للماجستير التى استُقبلت استقبالاً حسناً من الوسط الثقافى، وحظيت بثلاثة عروض فى مصر وعرض بسوريا وآخر بالمغرب، فى أهم الدوريات الثقافية والسياسية، فإذا أضفنا إلى ذلك فرصة النشر فى "الكاتب"، وفى "الجمهورية" أيام قسم الأبحاث، أدركنا أن الذيوع النسبى لاسم صاحبنا فى الوسط الثقافى الوطنى على نحو لم يتحقق لمن برز من أقرانه إلا بعد عدة سنوات، يعود الفضل فيه لمحمد أنيس دون أدنى شك. ويحرص صاحبنا فى كل مناسبة عامة أو خاصة على تأكيد انه مدين فى تكوينه العلمى لثلاثة من أعظم أساتذة التاريخ الحديث فى مصر والوطن العربى هم: أحمد عزت عبد الكريم، وأحمد عبد الرحيم مصطفى، ومحمد أحمد أنيس. وسيظل هذا موقفه إلى أن يلقاهم جميعاً فى رحاب الله، عندما تفرغ كأس الأجل. وبرغم من أهمية دور أحمد عبد الرحيم مصطفى فى تكوين صاحبنا واتساع نطاقها، إلا أن دور أحمد عزت عبد الكريم كان تأسيسياً تطبيقياً، فإذا كان قد تعلم المنهج من عبد الرحيم وأنيس، فقد تعلم أصول الكتابة، وفن تحرير الأعمال العلمية المشتركة، وتنظيم الندوات العلمية وإدارتها، وأصول الترجمة، تعلم ذلك كله على يد أحمد عزت عبد الكريم، وظل يتعلم منه حتى قبيل رحيله عندما ساعده فى تحرير الكتاب الذى ضم بحوث ندوة "البحر الأحمر فى التاريخ والسياسة المعاصرة" الذى قُدم للمطبعة قبل وفاة الأستاذ الجليل بأسبوع واحد، وصدر عقب وفاته.

وما تعلمه صاحبنا من منهج ومهارات علمية على أيدى أولئك الأساتذة العمالقة الثلاثة، كان بمثابة العمد الأساسية التى قام عليها بناء قدراته العلمية، وحياته الأكاديمية. والكثير من القيم الخلقية الأكاديمية التى التزم بها، تعود إلى تأثير أحمد عزت عبد الكريم وأحمد عبد الرحيم مصطفى فى تكوينه.

ولعزت عبد الكريم مكرمة لا تُنسى يدين له بها صاحبنا، عندما نصب رجال المباحث العامة شباكهم حوله وهو فى مفرق الطرق عشية حصوله على المنحة الدراسية، فقد كان محمد يوسف المدرك من بين المصادر التى اعتمد عليها أثناء إعداده رسالة الماجستير عن الحركة العمالية فى مصر، وكان نقابياً شيوعياً، وقيادياً على مستوى الحركة العمالية الدولية، تم اختياره عام 1946عضواً بمجلس إدارة اتحاد النقابات الدولى، وقد التقاه صاحبنا غداة خروجه من المعتقل بعد خمس سنوات ونصف قضاها بسجن أوردى أبو زعبل ومعتقل الواحات، وقدم لصاحبنا مادة هامة. وبعد انتقال صاحبنا للإقامة بالقاهرة عام 1966 فى أعقاب حصوله على الماجستير استمر على صلة بمحمد يوسف المدرك. فكان المدرك يزوره كل يوم جمعة بمنزله بحدائق شبرا، ويقضى سحابة اليوم معه، يصليان الجمعة سوياً، ويتناول الغذاء مع أسرته الصغيرة، وينصرف حوالى الخامسة أو السادسة مساء. وكان هذا الوقت يُقسم بين مناقشة تدور حول الحركة الشيوعية، ودور العمال فيها. وحول ذكرياته التى كان يصوغها صاحبنا فى سلسلة من المقالات تُنشر بنشرة الثقافة العمالية باسم المدرك لقاء خمسة جنيهات عن كل مقال من المقالات الذى بلغت عشر مقالات، لم ينُشر منها إلا حوالى خمسة، حصل المدرك نظيرها على 25 جنيها فى وقت لم يكن يملك فيه قوت يومه، وكان لعاصم الدسوقى (صديق عمره) فضل المساعدة على نشر المقالات، التى ربما جاء توقف نشرة الثقافة العمالية عن نشرها لأسباب تتصل بما تعرض له صاحبنا.

كان المدرك تحت رقابة المباحث العامة الذى رصدت تردده على بيت صاحبنا. وتلقى الأخير استدعاء من المباحث لمقابلة النقيب أحمد إدريس فى السادسة من مساء اليوم التالى، فذهب إلى هناك ليلتقى ذلك الضابط الصغير المغرور الذى "لطعه" ساعتين قبل أن يستقبله ليبدأ معه ما كان شبيهاً بالتحقيق بحضور كاتب يسجل كل كلمة، وبعد نحو الساعة من الأسئلة الغريبة عن تاريخ حياته وعلاقاته وأقاربه وأصدقاءه، سأله أحمد إدريس عن اسم لم يرد فى إجاباته هو محمد يوسف المدرك. ورد عليه صاحبنا بقوله: " ياه.. كل الهيصة دى عشان المدرك... ده حطام إنسان.. ولو كان فى بلد ثانية لنال ما يستحق من تكريم... يتعمل له تمثال". فأصاب السعار أحمد إدريس، وطلب من الكاتب تسجيل كل تلك الكلمات. وانتهى التحقيق حوالى التاسعة مساء فى. طالباً منه ألا أذكر هذا اللقاء لأحد، وأن يبقيه سراً حرصاً على مصلحته.

وبعد أسبوعين تلقى استدعاء آخر لمقابلة الضابط حسن المصيلحى (رئيس قسم مكافحة الشيوعية) فى السادسة من مساء اليوم التالى، ولم يستبقه المصيلحى سوى نصف ساعة قابله بعدها، ودار معه حديث حول المدرك بدأه المصيلحى بقراءة العبارات السابقة التى ذكرها صاحبنا فى التحقيق الذى أجراه أحمد إدريس معه. واتجه صاحبنا فى تبرير استمرار صلته بالمدرك بالعطف على رجل فى حاجة للمساعدة، مؤكداً أن الوقت الطويل الذى يمضيه فى بيته يتحدث فيه عن ذكرياته. واحتج على طريقة الاستدعاء التى تجعله موضع الشبهات عند جيرانه، وعرض على المصيلحى أن يبقى عندهم حتى يتأكدوا من سلامة موقفه، فضحك المصيلحى قائلاً: "دا احنا ضيافتنا صعبة، ربنا يكفيك شرها"، وبعد أن تصفح نسخة من رسالة الماجستير المنسوخة على الآلة الكاتبة (ولم يكن الكتاب قد ظهر بعد) وأبدى بعض الملاحظات حول ما وقعت عليه عينه من معلومات، واحتفظ بالنسخة لديه، وطلب من صاحبنا أن يتصل به تليفونيا (وأعطاه الرقم) بعد أسبوعين ليحدد له موعداً يتناقش معه فيه حول ما جاء برسالته. وانتهى اللقاء حوالى الساعة الثامنة والنصف مساء.

ولما كان صاحبنا قد ذكر للمصيلحى أن موضوع الماجستير من اختيار الدكتور أحمد عزت عبد الكريم، فقد حرص على إبلاغ ذلك لأستاذه حتى يكون على علم بما ذكره بهذا الخصوص، فاتصل به تليفونيا فور خروجه من المباحث العامة بلاظوغلى، و طلب مقابلةً عاجلةً معه، فسأله عن المكان الذى يتحدث منه، فقال له: "لاظوغلى"، فطلب منه الحضور على الفور، ووصل إلى منشية البكرى حوالى العاشرة مساء، ووجد الأستاذ الجليل فى انتظاره فى شرفة منزله. وأطلعه على جلية الأمر، فاستحسن ما ذكره للمصيلحى من نسبة اختيار الموضوع إليه، ونصح تلميذه بقطع علاقته بالمدرك، وطلب منه أن تتولى زوجته الاتصال بالأستاذ تليفونياً إذا تعرض للاعتقال فى أى وقت مساء اليوم نفسه أو صباح اليوم التالي للاعتقال، وطلب منه الحضور إلى مكتبه بالجامعة العاشرة صباحاً. قضى صاحبنا ليلةً قلقةً لم يذق فيها طعم النوم إلا عند الفجر، وهُرع فى الصباح إلى مكتب مدير الجامعة بقصر الزعفران حيث التقى أستاذة فى العاشرة، فقال له ألا يذهب إلى لقاء أحد من ضباط المباحث العامة إذا استدعوه، وأن يتصل به فور تلقيه أى استدعاء، وأكد له أن الموضوع انتهى ولكن عليه قطع صلته بالمدرك، وكان ذلك أشق الأمور على نفسه، ولكنه استجاب لطلب أستاذه الذى أنقذه من التعرض لمتاعب لا قبل له بها، كان أبسطها الاعتراض على تعيينه بالجامعة الذى تم بعد أربعة شهور من تلك الواقعة، فكان موقف أحمد عزت عبد الكريم أبوياً نبيلاً وشجاعاً. حصل صاحبنا على درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى مع التوصية بطبع الرسالة على نفقة الجامعة، وذلك فى يناير 1971، وتقدم إلى رئيس قسم التاريخ بآداب القاهرة (الدكتور محمد جمال الدين سرور) بطلب -للإعلان عن درجة مدرس- يفيد حصوله على الدكتوراه، مرفقاً به شهادة من جامعة عين شمس، فقال له رئيس القسم: "لا يا سيد.. انت من عين شمس ومكانك مش هنا.. كمان الدكتور أنيس مش عايزك". فنفر العرق الصعيدى مرة أخرى، ورد صاحبنا على رئيس القسم بقوله: " يادكتور أنا مش شغال فى طابونة، تقوللى مش عاوزينك خد حسابك وروَّح.. ولا أنا خدام عندك ولا عند الدكتور أنيس أنا أعمل فى مؤسسة يحكمها قانون، وقد قدمت لك طلب مكتوب فرد علىّ كتابة بالرفض إن شئت، وسوف أحصل على حقى شئتم أم أبيتم". فقال الرجل: "يابنى انا ماليش ذنب، لا القسم عاوزك، ولا أستاذ التخصص عاوزك وأنصحك ترجع للدكتور عزت عبد الكريم".

كان الدكتور محمد أنيس قد أُعير لجامعة قسطنطينة بالجزائر عندما دعته ظروف خاصة إلى الابتعاد عن مصر مدة عام. وقيل أنه قبل سفره طلب من يحيى هويدى (عميد الكلية) ورئيس القسم (محمد جمال الدين سرور) ألا يتم الإعلان عن وظيفة مدرس عند حصول صاحبنا على الدكتوراه إلا بعد عودته من الإعارة، ولم يكن القانون يسمح عندئذ بالترقية من وظيفة إلى أخرى بغير طريق الإعلان، بقصد إتاحة الفرصة أمام الجامعة للحصول على أفضل وأكفأ العناصر. ولكن هذه الآلية أسيء استخدامها لإذلال من يحرص على كرامته ويأبى التزلف للأساتذة، فتُمط الإجراءات لتستغرق شهوراً بالنسبة لوظيفة مدرس، أو يتم الإمعان فى إذلال المعيد الذى يُعلن له عن وظيفة مدرس بتحريض بعض حملة الدكتوراه لمنافسته فى الإعلان، وقد يُعين آخر من الخارج، ويُهدر حق المعيد فى التعيين. ويزداد استخدام الإعلان أداة لإذلال من يستحق الترقية لوظيفة أستاذ مساعد أو أستاذ، وقد تُستخدم معايير التقييم المزدوجة لتعيين متقدم من الخارج لأسباب لا يدخل العلم طرفاً فيها. وإذا كان قانون تنظيم الجامعات الحالى قد حاول حل تلك المعضلة، فقضى بتكليف أوائل الخريجين معيدين بأقسامهم وفق شروط معينة، ونص على ترقية عضو هيئه التدريس فى حالة إجازة لجنة الترقيات لأعماله، بطريقه آلية دون الحاجة إلى إعلان، فإن هذا (الإصلاح) حوَّل الجامعة إلى مصلحة حكومية، وملأها بالموظفين الذين يحملون درجات  الأستاذية، دون أن تكون لهم مقوماتها وخصائصها.

ذهب صاحبنا إلى الدكتور أحمد عزت عبد الكريم ليجده على علم بالتفاصيل عن طريق يحيى هويدى (عميد الكلية) ومحمد جمال الدين سرور (رئيس القسم). ونصحه الأستاذ بصرف النظر عن المطالبة بالتعيين بآداب القاهرة والانتظار إلى أبريل ( بعد ثلاثة شهور) ليتم الإعلان عن درجة مدرس بآداب عين شمس يتقدم لها، ويعود بعد ذلك إلى بيته العلمى بعد الاغتراب، فرفض صاحبنا التنازل عن حقه الذى كفله له القانون، وعندما سأله الأستاذ عن السبب، "هل لأن جامعة القاهرة لها قبة وجامعة عين شمس مالهاش؟" أجاب صاحبنا "أن ذلك يعنى عنده الإهانة والانكسار، وهو لا يقبل بهما". فعاد الأستاذ الجليل النبيل يلفت نظره إلى أن إصراره على التعيين سيؤدى فى النهاية إلى تعيينه، ولكن الإجراءات ستتأخر شهوراً طوال، فإذا عُين مدرساً سيبقى كذلك إلى الأبد، لأنهم لن يعلنوا له عن وظيفة أستاذ مساعد عندما يستحق الترقية. فقال صاحبنا لأستاذه: "سوف اتبع حكمة جحا عندما قبل مهمة تعليم الحمار الكلام" ضحك الرجل، وقال له (للمرة الأولى فى حياته): "يعجبنى فيك الاعتداد بالنفس، والتمسك بحقك، حاول معاهم فإذا لم توفق، مكانك محفوظ بآداب عين شمس". عاد صاحبنا لمقابلة رئيس قسم التاريخ بآداب القاهرة وأبلغه انه أقنع الدكتور عزت بوجهة نظره، ولذلك يطلب رداً مكتوباً على طلبه السابق، فوعده الرجل خيراً. وبعد أسبوع عُقدت الجلسة الشهرية لمجلس القسم واتخذت قرارها "بإنشاء" درجة مدرس، وأبلغه رئيس القسم شفهياً بالقرار. وعندما ذهب إلى إدارة شئون أعضاء هيئه التدريس للاستعلام عما تم أحالوه إلى مدير الميزانية (محمود غباشى) الذى أفهمه أن القرار يُقصد به تعطيل تعيينه لمدة عامين لأن إنشاء الدرجة يقتضى موافقة الجهاز المركزى للتنظيم والإدارة، وهى إجراءات تستغرق عاما، ولا يتم إنشاء الدرجة إلا فى ميزانية السنة التالية لها. أما القرار المناسب فهو "تدبير" درجة، لأن هناك 300 درجة مدرس بكل جامعة بقرار من جمال عبد الناصر منذ مؤتمر المبعوثين الذى عُقد بالإسكندرية فى منتصف الستينات ليتم الإعلان عن الدرجة فوراً عند عودة المبعوث أو حصول أحد المعيدين بالداخل على الدكتوراه. وبعدما استعلم مدير الميزانية من بعض المصادر الخاصة به عن سبب موقف القسم والكلية من هذا المعيد، وتأكد من أن المسألة مجرد الرغبة فى إذلاله، تعاطف معه وأعد مذكرة لرئيس الجامعة مستخدماً كلمة "تدبير" درجة، وحصل على موافقة رئيس الجامعة فى الحال، وحمل بنفسه خطاب الرد على طلب الكلية وسلمه بنفسه إلى العميد. استمر القسم فى لعبة المماطلة، فاتخذ بعد شهر قراراً بتخصيص الدرجة للتاريخ الحديث، وفى الشهر التالى له اتخذ قراراً بالإعلان عن الدرجة، وهى آلية التأخير المعتادة التى تحول قراراً يمكن اتخاذه فى جلسة واحدة، إلى ثلاثة قرارات. فإذا أضفنا شهراً للإعلان وشهرين للفحص استغرقت العملية كلها ستة شهور، وهى تتم اليوم فى ظل القانون الحالى فى شهر واحد. بعد سبعة شهور من الحصول على الدكتوراه عُين صاحبنا مدرساً، ولم يُتخذ القرار إلا بعد عودة محمد أنيس من الإعارة، وظل منبوذاً حتى سفره إلى اليابان فى مهمة علمية، فكان نصيبه من أعباء التدريس مادة واحدة (تاريخ مصر الحديث) لطلبة ليسانس المكتبات، وعندما عاد من اليابان قام بتدريس المادة ذاتها مدة عامين حتى أُعير إلى قطر. ولم ينل فرصته كاملةً للتدريس بالقسم إلا بعد عودته من الإعارة، وكان قد أصبح أستاذاً مساعداً.


[تحرير] فى بلاد الشمس

بعد مرور شهر واحد على حصوله على الماجستير تعرف صاحبنا إلى باحث يابانى كان يقضى عامين بمصر لجمع المادة العلمية والكتب والاتصال بالأساتذة، وكان نشاطه العلمى بالقاهرة تحت إشراف الدكتور محمد أنيس، الذي أعلمه برسالة صاحبنا ومن ثم فقد حرص على لقائه، ورتب اللقاء سيد سالم -أحد تلاميذ أنيس- فى بيته بالسيدة زينب، حيث دار حديث بالإنجليزية بين الطرفين على مدى ساعتين. أما الباحث اليابانى فهو إيتاجاكى يوزو الذى كان يعمل-عندئذ-بمعهد لغات وثقافات آسيا وأفريقيا التابع لجامعة طوكيو للغات الأجنبية، وقد انتهت مهمته العلمية بعد هذا اللقاء بثلاثة شهور (مارس 1967). فى أبريل (1969)، جاء باحث ياباني آخر إلى القاهرة فى مهمة علمية مدتها عامين هو هاياشى تاكيشى، وينتمى إلى "معهد اقتصاديات البلاد النامية" بطوكيو، وكانت لديه معلومات سابقة عن صاحبنا من زميله إيتاجاكى ولم يطل بحثه عنه، ففقد التقاه بصحبة محمد أنيس بمركز تاريخ مصر المعاصر. وتولى صاحبنا مهمة الإرشاد العلمى للباحث الزائر -الذى كان مهتماً بالتاريخ الاجتماعى- لمدة عام لأن مهمته العلمية كانت مقسمةً بين القاهرة ولندن يقضى فى كل منهما عاماً. وقبيل ختام مهمته بالقاهرة فاتح صاحبنا فى أمر دعوته زميلاً زائراً بمعهده لمدة عشرة أشهر للاشتراك فى حلقة بحثية لدراسة التطور الاقتصادى والاجتماعى فى مصر واليابان فى القرن التاسع عشر، يشارك فيها مجموعة من الباحثين اليابانيين المتخصصين فى تاريخ الشرق الأوسط وتاريخ اليابان. وطلب صاحبنا إرجاء الدعوة إلى ما بعد حصوله على الدكتوراه وشغله لوظيفة مدرس. وتلقى الدعوى فور حصوله على الدكتوراه فى يناير 1971 فطلب إرجاءها لمدة عام، وهو ما تم بالفعل، فسافر إلى طوكيو فى أبريل 1972 فى مهمة علمية مدتها عشرة أشهر.

كانت هذه المهمة العلمية فتحاً جديداً بالنسبة لصاحبنا بكل المعايير، ففضلاً عن كونها المرة الأولى فى حياته الذى يستخدم فيها ذلك الاختراع المسمى بالطائرة، وفى أطول الرحلات الجوية، والمرة الأولى الذى يحتك فيها بمجتمع أجنبى له ثقافته المتميزة، أتاحت له تلك المهمة العلمية فى "معهد اقتصاديات البلاد النامية" فرصة الاحتكاك بمجموعة من الباحثين للذين استضافهم المعهد ذلك العام، جاءوا من أمريكا، وبريطانيا، والبرازيل، وتايلاند، والهند، ولم يكن النقاش الذى يدور فى هذا المناخ العلمى المتميز يتناول الوظائف وأعمال الامتحانات، ونوادر الصراعات بين أجنحة الأقسام كما كانت عليه حال آداب القاهرة حين تركها، بل كان الحوار بين أولئك الباحثين بعضهم البعض يدور حول القضايا المنهجية، والتنمية بمختلف أبعادها فى العالم الثالث فى ظروف الحرب الباردة. ولما كان معظمهم من المتخصصين فى الاقتصاد والعلوم السياسية والاجتماع، وكان صاحبنا المؤرخ الوحيد بينهم، فقد كان النقاش الدائم مع الزملاء فى السمنارات ووقت تناول الغداء أو الشاى يفتح أمامه آفاقاً واسعةً جديدة، دعمها بالتوسع فى القراءة حول المنهج، والتنمية وقضاياها، وأحوال بلاد العالم الثالث من منظور مقارن. ولم يكن كل ما عرفه صاحبنا فى تلك البيئة العلمية الجديدة (بالنسبة له) جديداً على الحياة الأكاديمية العالمية بقدر ما كان جديداً بالنسبة له، فتكوينه المنهجى فى القاهرة كان قاصراً، مقيداً بحدود الوسط العلمى الذى تربى فيه، يقف عند ما وصل إليه الفكر العالمى فى هذا المجال عند نهاية الحرب العالمية الثانية ومطلع الخمسينيات، صحيح أن الفكر الماركسى عندما تعرف إليه فى مصر فتح له آفاقاً جديدة أفادته فى دراسته للدكتوراه، ولكنه تعرف إلى هذا الفكر بعمق فى طوكيو، كما تعرف إلى الفكر النقدى الماركسى كما قدمه موريس دوب، وحرص على نقل كتابه "دراسات فى تطور الرأسمالية" إلى اللغة العربية (نُشر بالقاهرة 1979). وتعرف إلى فكر كل من فيتفوجل حول تطور المجتمعات النهرية، وروستو حول "مراحل التطور الاقتصادى" الذي عارض بها الماركسية، كما تعرف إلى فكر ماكس فيبر. ولم يكن تعرفه إلى تلك الأفكار مجرداً، بل كان مقترناً بقراءة دراسات اهتمت بتطبيق بعض هذه الأفكار، وأخرى عنيت بنقدها. فحظى صاحبنا بقدر كبير من المعرفة، كان له أعمق الأثر فى تكوينه العلمى، وفي إنتاجه العلمى فى العقدين التاليين. لا عجب –إذن- أن يجيب صاحبنا على سؤال طرحه عليه زميل له بالقسم بعد عودته من اليابان عما كان يفعله هناك بقوله: "كنت أبذل الجهد لمحو أميتى المنهجية"، فضحك الزميل من أعماق قلبه وقال: "كويس إنك اعترفت بأميتك" وضحك ضحكةً بلهاء. ولكن شتان ما بين السائل والمسئول.

أما الحلقة البحثية التى دُعى من أجلها إلى طوكيو للمشاركة فيها بماله من خبرة (محدودة) بتاريخ مصر الاجتماعى، فكان إيتاجاكى يوزو وزميله ميكى واطارو (وهما من جامعة طوكيو) وراء تنظيمها، واشترك فيها أعضاء هيئه تدريس وباحثون من مختلف الجامعات ومراكز الأبحاث اليابانية عددهم نحو العشرين عضواً وباحثاً. وكانت استضافة "معهد اقتصاديات البلاد النامية" للحلقة وتبنيه لها تعود إلى توافر الموارد المالية الكافية لتحمل نفقات الخبير الأجنبى (صاحبنا) ونفقات سفر من يأتون من خارج طوكيو للمشاركة فى أعمال الحلقة، وكذلك مكافآت ثلاثة من كبار الأساتذة اليابانيين المتخصصين فى التطورات الذى شهدتها اليابان فى عصر مايجى ( 1868-1912). ولعب هاياشى تاكيشى دور المنسق والمقرر للحلقة بحكم كونه من كبار الباحثين بالمعهد المضيف. ولما كان موضوع الحلقة على مدى الشهور العشرة هو التطور الاقتصادى والاجتماعى فى مصر واليابان فى القرن التاسع عشر من منظور مقارن، فقد حرص صاحبنا فى الأسبوع الأول من مهمته العلمية أن يكثف قراءاته حول تاريخ اليابان فى تلك الفترة، مستعيناً ببعض الكتب المنشورة بالإنجليزية لتكوين قاعدة معرفية أولية تساعده على فهم ما يُطرح على مائدة البحث فى الاجتماع الأول. وانطلاقاً من تلك القاعدة المعرفية المتواضعة تشعبت قراءاته وتعمقت فى تاريخ اليابان فى القرن التاسع عشر، وتأصلت، حتى أثمرت أول دراسة علمية باللغة العربية كانت موضوع كتابه "المجتمع اليابانى فى عصر مايجى 1868-1912" الذى نُشر بالقاهرة 1980. كان نصيب اليابان كبيراً فى تكوين صاحبنا، وخاصةً أن المهمة العلمية امتدت ستة أشهر أخرى عندما أحس منظمو الحلقة البحثية بأهمية النتائج التى حققتها فى الأشهر العشرة، فقد نشر صاحبنا ثلاث ورقات بحثية بالإنجليزية فى سلسلة أعمال الباحثين الزائرين التى تصدر عن المعهد وبمجلة "الاقتصاديات النامية" التى يصدرها المعهد. ونشر كل عضو من أعضاء الحلقة بحثاً أو بحثين باليابانية، كما نُشر التقرير الأول عن أعمال الحلقة وما توصلت إليه من نتائج فى سلسلة تقارير المعهد (باللغة اليابانية) متضمناً إشارة بارزة إلى الدور الإيجابى الذى لعبه صاحبنا فى أعمال الحلقة موصياً بمدها ستة أشهر أخرى لاستكمال الدراسات الخاصة بالمشروع، على أن تتحمل جامعة طوكيو نفقات استضافته وعندما تمت الموافقة على مد عمل الحلقة، أصبح صاحبنا زميلاً زائراً بمعهد لغات وثقافات آسيا وإفريقيا التابع لجامعة طوكيو للدراسات الأجنبية، وأصبح أحد المشاركين فى المشروع العلمى لذلك المعهد عن "الإسلام والتحديث" وكتب فى إطاره ثلاث ورقات بالإنجليزية، تُرجمت ونُشرت باليابانية فى ثلاث دوريات علمية مختلفة، تناولت فكرة الإصلاح عند محمد عبده، وفكرة تحرير المرأة عند كل من الطهطاوى وقاسم أمين، والإصلاح الاجتماعى عند سلامة موسى، وساعده ثراء مكتبة المعهد وكذلك معهد اقتصاديات البلاد النامية بالمراجع العربية الأصلية، على إعداد الورقات الثلاث، ودُعى لإلقاء محاضرتين عامتين: واحدة بجامعة أوساكا، والأخرى بمركز دراسات الشرق الأوسط التابع للخارجية اليابانية، وذلك باللغة الإنجليزية، كانت إحداهما عن "أصول القضية الفلسطينية" والأخرى عن "اليهود فى مصر". ونشر بالإنجليزية دراسة مقارنة لأعيان الريف فى مصر واليابان فى القرن التاسع عشر. وهكذا كانت المهمة العلمية اليابانية انقلابا فى حياته العلمية، ففضلاً عن مساهمتها فى تكوينية المنهجى، وفى التاريخ المقارن، وتعمقه فى دراسة تاريخ اليابان فى القرن التاسع عشر، فإنها أكسبته مهارات بحثية جديدة، ومنحته فرصةً نادرةً للتعامل باللغة الإنجليزية فى المجال الأكاديمى، وفى الكتابة بها. كما أتاحت له فرصة الاحتكاك بالمجتمع اليابانى والتعرف إلى ثقافته، والإلمام بمبادئ لغته.

عندما وصل إلى اليابان فى أبريل 1972، كان المعهد قد حجز له فى فندق تابع "للمركز الآسيوى باليابان"، وهى هيئة شبه حكومية تتولى شئون الدارسين والمتدربين الأجانب. وكان الفندق سياحياً يجمع إلى جانب شباب الدارسين من مختلف شعوب آسيا وأفريقيا، شباباً من أوروبا وأمريكا اللاتينية، وخاصة فرق الفنانين التى تقدم عروضا بملاهى طوكيو لمدة تتراوح بين الأسبوعين والثلاثة أسابيع. وكان مطعم الفندق يقدم خدماته للنزلاء، وغيرهم ممن يرغب في ارتياده، وقد لاحظ صاحبنا وجود بعض الأفراد الأجانب من غير نزلاء الفندق يحضرون العشاء باستمرار رغم أن الأصناف المعروضة لا تتغير ولا تتبدل، ولا يتجاوز الاختيار بين أربعة أطباق لا خامس لها. وكان هناك شخص يحرص على التعرف إليه، قدم له نفسه باسم دافيد ولسون (أو جونسون) زعم أنه رجل أعمال أمريكى، وسأل صاحبنا عن سبب وجوده، فأفرغ ما فى جعبته أمامه (بحكم قلة الخبرة). وبعد حوالى ثلاثة أو أربعة لقاءات بدأ دافيد يسأله عن علاقته بالسفارة المصرية، وعما إذا كان له أصدقاء بين العاملين فيها، فاشتم صاحبنا رائحة التجسس فى حديث صاحبنا وفى نوع الأسئلة التى يطرحها عليه، فبادره بالسؤال عن علاقته بالسفارة الإسرائيلية، وحمل طبقه بين يديه وغادر المائدة ليجلس إلى مائدة أخرى، ولم ير بعد ذلك هذا الدافيد حتى غادر الفندق بعد أسبوعين. سئم صاحبنا الإقامة فى الفندق بعد شهر واحد، ففضلاً عن افتقاده الخصوصية، كان يمثل بيئةً أجنبيةً تماماً داخل اليابان، وكان معنى ذلك أنه لن تُتاح له فرصة الاحتكاك بالناس والتعرف إلى ثقافتهم عن قرب، ولذلك حزم أمره على الانتقال للسكنى مع أسرة يابانية. وعندما أبلغ سكرتارية المعهد بذلك، علم منهم أن اليابانيين ليس من عادتهم قبول إقامة أجنبى عندهم، كما إن البيت اليابانى محدود المساحة، لا تتوافر فيه التسهيلات والخدمات التى يجدها بالفندق. لكنه لم يفقد الأمل، وطلب منهم نشر إعلان صغير بصحيفة "أساهى" -كبرى الجرائد الصباحية اليابانية-على نفقته الخاصة يضم ما يخدم الهدف من نشره(أستاذ أجنبى يتحدث الإنجليزية يرغب فى الإقامة مع أسرة يابانية-اتصل بتليفون كذا)، ونُشر الإعلان صباح اليوم التالى، وتكلف ثمانين دولارا (20 ألف ين) ولدهشة سكرتارية المعهد، اتصلت إحدى العائلات فى العاشرة صباحاً تبدى استعدادها لقبول إقامة هذا الأستاذ عندها بشرط مقابلته أولاً ثم اتخاذ القرار بعد المقابلة، وتحدد الموعد فى الثالثة من بعد ظهر اليوم التالى. ذهب صاحبنا صحبة أحد أفراد السكرتارية فى الموعد المحدد ليجد البيت كبير الحجم يصل إلى ثلاثة أضعاف حجم البيت اليابانى المتوسط، مكوناً من طابقين (على شكل فيلا)، وصاحبته أستاذة اقتصاد منزلى متخصصة فى الطهى، لديها مدرسة صغيرة ملحقة بالبيت لتعليم الطهى للبنات المقبلات على الزواج، ولها سلسلة كتب منشورة (باليابانية طبعاً) عن صنوف الطهى فى العالم، كما كان لها برنامج تليفزيوني بإحدى القنوات الخاصة، يقيم معها بالبيت ولدان أحدهما مهندس متزوج، والآخر طالب هندسة على وشك التخرج. وفى حديقة المنزل كانت هناك فيلا صغيرة مكونة من دور أرضى للمعيشة وحجرتين نوم لسكنى ابنتها الوحيدة المتزوجة من مهندس كهرباء.

وقد ارتاحت الأستاذة أوكاماتسو كيوكو -ربة الأسرة- لصاحبنا لأنه مصرى (واليابانيون يعرفون عن مصر تاريخها القديم وجمال عبد الناصر)، ولأنه أستاذ جامعى (والأستاذ عند اليابانيين نصف إله). وعلم منها أن الحجرة التى سيقيم فيها هى حجرة زوجها الراحل (الذى مات قبل خمس سنوات)، وأن الهدف من قبول إقامته مع الأسرة، أنها تفكر فى زيارة الأسرة لأوروبا فى الصيف القادم، وأن وجوده بينهم سوف يساعدهم على الحديث بالإنجليزية يومياً بعض الوقت فى مناسبات تناول الطعام وغيرها من المناسبات المتاحة، وهكذا تم الاتفاق على قيمة الإيجار، وأسعار وجبة الإفطار، ووجبة العشاء (فى حالة تناولها مع الأسرة). وانتقل صاحبنا للإقامة مع عائلة أوكاماتسو اعتباراً من اليوم التالى لهذه المقابلة. وكانت الإقامة مع هذه العائلة نافذةً واسعةً أطل منها صاحبنا على الحياة الاجتماعية والثقافة اليابانية، وفرصةً نادرةً لمشاركة الأسرة نمط حياتها لما يزيد على العام. فمن خلال عائلة أوكاماتسو تعَرف على بعض العائلات الأخرى، وربطته بها علاقة صداقة امتدت سنوات، وزاره بعضهم عندما جاءوا إلى مصر لأسباب تتصل بأعمالهم. وعن طريق عائلة أوكاماتسو تعَرف إلى العادات والتقاليد اليابانية والمتاحف المختلفة والفنون الشعبية فى احتفالات المعابد الموسمية (التى تشبه الموالد عندنا). وأتيحت له زيارة بعض المعابد فى جبل فوجى، وكان أول أجنبى يُسمح له بدخولها، وشارك فى المناسبات العائلية التى لا يُسمح –عادةً- لغير أفراد الأسرة وأقربائهم بحضورها. كانت أم السيدة أوكاماتسو تقيم مع الأسرة، ولا تظهر إلا على مائدة الإفطار، وهى سيدة جاوزت الثمانين، وكانت تنحنى لتحية الضيف الأجنبى، وتتناول الإفطار مع الأسرة، وتحدثه عن بعض ذكرياتها عن عصر مايجى من خلال ترجمة الأسرة، ثم تعود إلى حجرتها، فلا يراها إلا صباح اليوم التالى، ويبدو أنها كانت تكتفى بوجبة الغداء، ثم تنام قبل الغروب. وذات صباح اجتمعت الأسرة حول مائدة الإفطار ومعهم صاحبنا، وكان مقعد "الجدة" خالياً، فسأل صاحبنا: "أين الجدة؟" فردت أوكاماتسو بابتسامة باهتة: "الجدة ماتت هذا المساء"، فسقطت الملعقة من يده، واغرورقت عيناه بالدموع. فاضطرب الجميع وقال له الابن المهندس وزوجته أنهم كانوا يدركون أنها سترحل لأنها امرأة عجوز، وعبَّروا عن أسفهم لما سببوه له من حزن لا مبرر له (من وجهة نظر الإبن الأصغر طالب الهندسة) لأنه ليس من أفراد العائلة. قال صاحبنا للأستاذة أوكاماتسو أنه لن يذهب إلى المعهد، وأنه سيبقى معهم للاشتراك فى تشييع جنازة الجدة، فأدهشه رفضهم الحاد لأنه لا يجب أن يحضر هذه المناسبة. وشرح له الابن الأكبر الأسباب، فليست هناك جنازة اليوم، بل ستظل الجدة فى فراشها حتى صباح اليوم التالى ، وسوف يُستدعى أفراد الأسرة من مختلف المدن لقضاء الليل حول سريرها وهى مسجاة فوقه يتذاكرون لها مواقفها معهم، وهم يشربون "الساكى" (نبيذ الأرز) ثم تُنقل إلى المعبد حيث تُحرق الجثة. وكلها إجراءات قصراً على أفراد الأسرة والأقارب لا يحضرها أى من الأصدقاء حتى اليابانيين منهم. فعرض عليهم أن ينتقل إلى فندق ليفسح مكانا للأقارب، لكنهم رفضوا تماماً لأن كل قريب عليه أن يتدبر أموره. ورجوه أن ينسى الموضوع برمته وأن يمارس حياته اليومية كالمعتاد. وعندما ذهب إلى المعهد، قص ذلك كله على زملائه اليابانيين، فاستغرقوا فى الضحك من موقفه، وقال أحدهم إن هذه الواقعة لو كتبها مؤلف يابانى فى سيناريو فيلم كوميدى للاقت نجاحاً كبيراً. وقالوا له إن الطريقة الوحيدة للعزاء هى شراء ظرف "الميمايكن" (وتعنى نقود المواساة) يضع فيه مبلغاً بسيطاً من أوراق النقد لا يكون أربعة أو يقبل القسمة على أربعة، لأن علاقة الأربعة بالتراكيب الصينية تعنى الفناء، فإذا قدم أحد نقود المواساة على هذا النحو كان ذلك تعبيراً عن شماتته بالميت ورغبته فى فناء روحه، فلا يُعاد خلقها من جديد.

إشترى صاحبنا الظرف ووضع بداخلة ثلاثة آلاف ين (12 دولار بسعر التحويل فى تلك الأيام) وذهب فى الثالثة من مساء اليوم التالى إلى مكان العزاء أمام منزل نجل المتوفاه، فوجد باقة ورد مستديرة كبيرة خلف منضدة صغيرة عليها صورة المتوفاه وإلى جانبيها طبقان بأحدهما بعض ثمار الفاكهة وبالآخر بعض الزهور. ووقف متلقى العزاء بجوار المنضدة التى وُضع عليها سجل للتوقيعات، واصطف مقدمو العزاء فى طابور طويل وجد صاحبنا لنفسه مكاناً فيه، حتى إذا جاء دوره، قلد الآخرين فانحنى أمام صورة المتوفاة واضعاً كفيه تحت ذقنه، ثم وقع فى سجل العزاء ووضع ظرف نقود المواساة فى العلبة التى وُضعت بجوار السجل لهذا الغرض، (وكان أحد أفراد السكرتارية بالمعهد قد تطوع بكتابة اسم صاحبنا على الظرف بالحروف اليابانية). ربطت مشاركة صاحبنا فى مراسم العزاء بينه وبين نجل المتوفاه "كانامورى" شقيق أوكاماتسو بروابط الصداقة لما يقرب من العشرين عاما، كان ضابطا مهندسا بالجيش اليابانى خلال الحرب العالمية الثانية، خدم بالصين ويجيد اللغة الصينية، ويفهم اللغة الكورية. وبعد استسلام اليابان تم حل الجيش، فأصبح بلا عمل، وذاقت أسرته الأمرين، وتقلب فى عدة أعمال حتى "التقط فرصته" (على حد تعبيره)، فاستفاد من صداقته لأحد الرأسماليين الكبار الذى أسس عدداً من الشركات الصغرى بأسماء أصدقائه حتى يتهرب من الضرائب التصاعدية، كانت إحداها باسم كانامورى الذى استطاع أن يشتريها منه بعد أربع سنوات. وبذلك أصبح منتجاً لبعض قطع الإلكترونيات التى يزود بها المصانع الكبرى، شأنه فى ذلك شأن غيره من صغار المنتجين، لأن الصناعات اليابانية الإلكترونية وشركات صناعة السيارات تعتمد على الصناعات الصغيرة فى سد حاجتها من آلاف القطع التى تدخل فى مكونات تلك الصناعات. كان كانامورى مهتماً بالثقافات الشرقية عامةً الثقافة الإسلامية خاصة، وكان يتناقش مع صاحبنا كثيراً حول هذا الموضوع، وحرص على أن يزور ماليزيا وإندونيسيا وباكستان فى شهر رمضان، وأن يخالط المسلمين هناك، وعجب لوجود اختلاف كبير فى طقوس الصيام، وما ارتبط به من تقاليد هنا وهناك، ولمح وجود تشابه بين بعض الممارسات الإسلامية، وما اعتاده البوذيون. لذلك كان لقاؤه مع صاحبنا حافلاً بالنقاش حول الإسلام، وذلك التلاحم الملحوظ بين حضارات آسيا وثقافاتها.

وعندما دُعى صاحبنا زميلاً زائراً بمعهد اقتصاديات الدول النامية مرة أخرى عام 1977 لمدة شهرين لتقديم دراسة أعدها بتكليف من المعهد، نُشرت ضمن سلسلة الزملاء الزائرين (بالإنجليزية)، كان موضوعها "قوانين العمل والملكية والتجارة فى دول الخليج العربية وأثرها فى الأوضاع الاجتماعية". وكانت الزيارة –هذه المرة- لعشرة أسابيع، أقام فى بيت كانامورى، لأن السيدة أوكاماتسو أصيبت بنزيف فى المخ تم إنقاذها منه، ولكنها كانت تمر بمرحلة النقاهة وكان بيتها مغلقاً لحين شفائها. تكررت إقامة صاحبنا ببيت كانامورى عندما دُعى عام 1987 أستاذاً زائراً لجامعة طوكيو لمدة شهرين، واستفاد كثيراً من هذا الرجل الذى يمثل الجيل الذى تفتح وعيه فى فترة ما بين الحربين وشارك فى صنع الإمبراطورية اليابانية، وشاهد سقوطها، وساهم مع غيره من مواطنيه فى إعادة بناء اليابان من جديد بعد الحرب. سأل كانامورى صاحبنا يوماً عن قضية ما يُسمى بالصراع العربى الإسرائيلى، وظل الرجل يستمع لشرحه ويستعين بابنته طالبة الماجستير بجامعة واسيدا لتترجم له بعض العبارات التى يستعصى عليه فهمها أثناء الشرح، أو تترجم سؤالاً عنَّ له يريد طرحه على صاحبنا. وبعد أن انتهى صاحبنا من الكلام، قام كانامورى إلى مكتبه وأخرج الأطلس، وطلب من صديقه أن يحدد له العالم العربى فى خرائط الأطلس، فلما حدده له قال: "ألا تستحون من أنفسكم؟!... إنكم لو زحفتم عليهم ستدوسونهم ... تقول إنكم حوالى 250 مليوناً؟... لو بقى منكم مليون أو مليونان من ذوى النخوة لأعادوا بناء المجد الحضارى القديم. أنظر إلينا... لقد هزمنا الأمريكان وأهانوا كرامتنا... فرحنا نبحث عن أسباب القصور عندنا وعالجنا معظمها ولا أقول كلها، ووجدنا أن ميدان الاقتصاد والتجارة هو الذى يمكننا من أن نكون أنداداً للأمريكان، بل ونتفوق عليهم... وقد حدث. إن فائض الاقتصاد اليابانى اليوم يغطى قيمة أراضى أمريكا –لو طُرحت للبيع- مرتين". وقد سمح كانامورى لصديقه بحضور مراسم خطبة ابنته استجابة لطلبه، وكان ذلك عام 1978. ولكن الأمر تطلب الحصول على موافقة أسرة العريس بعد شرح طويل لتبرير السماح لأجنبى بحضور مراسم تقتصر على أسرتى العروسين ولا يُسمح لأحد بحضورها غيرهم. فأفهمهم كانامورى أن الرجل أستاذ جامعى يدرس الثقافة اليابانية ويريد مراقبة الحدث كحالة للدراسة. ومرة أخرى وافقت أسرة العريس تقديراً لصاحبنا لأنه أستاذ ومن مصر. كان العريس باحثاً كيماوياً بأحد المراكز العلمية تقدم بمعلومات عنه إلى (الخاطبة) وكذلك تفعل العروس وغيرها من طلاب الزواج. فرغم الاختلاط على نطاق واسع بين الذكور والإناث، وعلاقات الصداقة التى تجمع البنات والشباب فى "فنادق الحب" التى توجد بكثرة حول الميادين الرئيسية والجامعات، لا يفضل الشباب الزواج إلا عن طريق "الخاطبة"، ثم أصبحت هناك شركات متخصصة فى الجمع بين الرءوس فى الحلال، تستخدم الكمبيوتر، فيتقدم راغب الزواج -ذكراً كان أم أنثى- بملخص لتاريخ حياته، وصور متعددة له بالكيمونو والملابس الغربية، والمايوه أيضاً. وتقوم الخاطبة أو الشركة المختصة بترشيح اثنين أو ثلاثة للمتقدم أو المتقدمة فإذا وقع القبول على أحدهم،تمت الاتصالات، ورُتب لقاء فى مقهى أو نادٍ يحضره كل طرف وأمه. فإذا حدث توافق بدأت عجلة المراسم التقليدية فى الدوران.

وهذا ما تم بالنسبة لكيكو بنت كانامورى، فبعد اللقاء غير الرسمى تحدد موعد طلب يد ابنته رسمياً. جلست العائلتان فى مواجهة بعضهما البعض على أرضية حجرة المعيشة (كما يجلس المسلمون فى وضع التشهد أثناء الصلاة)، الأب فى مواجهة الأب وخلف كل منهما بخطوة واحدة زوجته (الأم) وبجوارها العريس إلى يمينها، أما العروس فجلست متأخرة عن أمها بنصف خطوة إلى يمينها. ووضع والد العريس صندوقاً خشبياً صغيراً أمامه، ظنه صاحبنا علبة حلوى، أما والد العروس فلم يكن أمامه شئ، كانت هناك علبة أصغر حجماً أمام أم العروس. بدأ والد العريس الحديث مستعرضاً نسبه من أيام مايجى (القرن التاسع عشر)، ثم تحدث عن نفسه وزوجته وأولاده، وأهم الأحداث التى مرت على العائلة خيراً كانت أم شراً، ثم تحدث عن ابنه وأهم خصاله وعيوبه، وتدرجه الوظيفى ودخله. ويرد والد العروس بالنظام نفسه فى ترتيب عرض تاريخى للأسرة حتى يصل إلى الحديث عن ابنته، ويدعو أمها للحديث، فتحنى هامتها وتتكلم وهى مطأطأة الرأس تنظر إلى الأرض. وتعود الكلمة إلى والد العريس، فيطلب يد البنت لابنه وينحنى رافعاً العلبة التى أمامه إلى مستوى الرأس ثم يسلمها للأب الذى يفتحها وينظر إلى ما بداخلها (وهو سمكة واحدة من نوع معين من السمك المجفف المبروم طول السمكة حوالى عشرين سنتيمتر)، وينحنى ثم يستدير جانباً فيقدم العلبة للأم التى تنحنى وتتسلمها، ثم تتناول العلبة الأخرى التى أمامها وتقدمها للأب الذى يعود إلى جلسته الأولى ويسلمها إلى والد العريس، الذى يفتح العلبة وينظر إلى ما بداخلها (وهو سبيط مجفف)، ويتبادل الرجلان كلمة الشكر، ثم يتناول الجميع شراب "الساكى" الذى يحمل معنى الصفاء والود والمشاركة. كان الجميع قد ارتدوا الكيمونو (الزى اليابانى التقليدى)، وكان صاحبنا يجلس فى ركن قصى من حجرة المعيشة بنظام جلوس الأسرتين نفسه يرقب المشهد الغريب، والمغزى الجنسى الواضح فى الهديتين المتبادلتين الذى فٌسر له بعد الحفل بأنه يعنى أن ذكرنا يطلب أنثاكم، فيتسلم السبيط التى ترمز للأنثى، وتعنى قبول الطلب. وحضر صاحبنا مناسبة زفاف مرتين كان أصحابها من باحثى المعهد والجامعة، والحفل يُقام عادة ظهراً فى إحدى القاعات، ولا يزيد عدد الحضور عن ستين فرداً على الأكثر، ويختار العريس أحد أساتذته ليتولى المراسم، فيلقى كلمة عن مناقب العريس شبيهة بكلمات التأبين عندنا، وتتقدم بعده صديقة العروس (التى تُحدد مسبقاً) فتتحدث عن مناقب العروس، ثم تُعطى الكلمة للعريس، فيروى كيف عرف عروسه. وكانت إحدى الزيجتين عن حب، فذكر العريس كيف عرف العروس وعاشرها لمدة عامين دون أن يجمعهما سقف واحد، ولما كان المعهد سيوفده فى مهمة علمية إلى الهند اكتشف أنه لا يستطيع الاستغناء عنها فلم يجد مفراً من الزواج بها. ثم يطلب أصدقاء العريس الكلمة كل يتحدث فى حدود ثلاث دقائق، ويغنى الحضور أغانى شعبية ذات صلة بالمناسبة ويتناول الجميع الطعام ويشربون الساكى ثم ينفض الحفل بعد ساعتين لينصرف كل إلى حال سبيله، ويُقدم لكل مدعو وردة حمراء المفروض أن يقدمها لفتاة يرغب فى إقامة علاقة معها تمهيداً للزواج، أو تقدمها الفتاة من المدعوات للغرض نفسه. حصل صاحبنا على الوردة الحمراء فى أول حفل زفاف حضره، وحملها معه حتى ركب القطار (مترو الأنفاق) فى طريق العودة إلى مقر إقامته، وكانت هناك طفلة فى حوالى الثالثة من عمرها فقدم لها الوردة (دون أن يدرى مغزى ذلك فى التقاليد اليابانية) فإذا بكل ركاب العربة يضحكون، أما أم الطفلة فكادت تفطس من الضحك. وعندما عاد صاحبنا إلى الأسرة التى يقيم لديها شرح لهم ما حدث فانفجروا فى الضحك وشرحوا له مغزى إهداء وردة الزفاف، والمطب الذى وقع فيه.

كانت المهمة العلمية اليابانية –إذاً- متعددة المنافع من النواحى العلمية والاجتماعية، وقد فتحت الباب أمام تعاون علمى دام حتى مطلع التسعينيات بين صاحبنا وبين معهد اقتصاديات الدول النامية وجامعة طوكيو، ورشح صاحبنا للجهتين بعض المتميزين من زملائه لزيارة المعهدين، فتمت دعوة عاصم الدسوقى وعبد الرحيم عبد الرحمن معاً عام 1976 لمدة ثلاثة شهور، ودًُعى بعدهم بعض الزملاء من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، ومركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بجريدة الأهرام. كما توالى حضور شباب المتخصصين فى الشرق الأوسط إلى مصر فى مهام علمية، كان أبرزهم صديقه نوتاهارا نوبوواكى الذى تخصص فى الأدب العربى، وقدمه صاحبنا إلى زملائه بقسم اللغة العربية، عبد المنعم تليمة وجابر عصفور. وقد نقل إلى اليابانية عدة أعمال روائية مصرية وعربية منها "الأرض" للشرقاوى، و"تلك الرائحة" لصنع الله إبراهيم، و"عائد إلى حيفا" لغسان كنفانى وغيرها من الأعمال المهمة. وأقامت الحكومة اليابانية فى منتصف الثمانينيات مركزاً خاصاً بالقاهرة تابعاً لهيئة "التقدم العلمى" تولى رئاسته عدد ممن تتلمذوا على يد صاحبنا باليابان ومصر، حرص بعضهم على الاسترشاد برأيه فيما يتصل بنشاط المركز. لم يكن ذلك هو كل ما بذله صاحبنا من جهد لمد جسور التعاون الثقافى بين الهيئات العلمية اليابانية ومصر، بل لعب دوراً متواضعاً فى افتتاح قسم اللغة اليابانية وآدابها بكلية الآداب جامعة القاهرة، ولذلك قصة تُروى. فقد اعتاد صاحبنا أن يبدأ يومه بمعهد اقتصاديات الدول النامية بقراءة الصحف اليابانية التى تصدر بالإنجليزية للتعرف على ماجد من أمور المنطقة التى جاء منها، ويطلع على أمور اليابان والعالم. ولفت نظره ذات صباح خبر صغير نُشر على الصفحة الأولى بجريدة "جابان تايمز Japan Times" يفيد أن "مؤسسة اليابان" (وهى مؤسسة معنية بالتبادل الثقافى والتعريف بالثقافة اليابانية تتبع وزارة الخارجية) قد تلقت طلباً من جامعة تل أبيب لإقامة قسم للغة اليابانية بها بتمويل كامل من المؤسسة. وذكرت الجريدة أن الطلب موضع الدراسة، وأشارت إلى أن هناك قسماً للغة اليابانية والثقافة اليابانية موجود بالجامعة العبرية بالفعل، وأنه إذا افتتح القسم الجديد يصبح الثانى من نوعه.

كانت الدعاية الإسرائيلية المعادية للعرب تستثمر هزيمة 1967، وتأثيرها السلبى على النظرة إلى العرب فى اليابان، خير استثمار فكلفت (سراً) ثلاثة من أساتذة الأدب العبرى باليابان بإعداد كتاب نُشر باليابانية والإنجليزية معاً بعنوان "اليابانيون واليهود"، ونُسب إلى مؤلف وهمى يدعى أشعيا بن دعسان، وكان صاحبنا قد قرأ النسخة الإنجليزية عندما رآها بإحدى المكتبات. وقد جاء على لسان مؤلفها الوهمى الذى زعم أنه يعيش فى مدينة كوبى منذ ثلاثين عاماً قضاها فى تأمل التشابه الكبير بين اليابانيين واليهود من حيث القدرات الحضارية الفائقة والبراعة فى الأمور الاقتصادية، وبعد أن يشرح ما أصاب اليهود من "اضطهاد" بعد الشتات حتى استطاعوا أن يعيدوا دولتهم إلى الوجود فى فصلين متتاليين، يختتم الكتاب بأن القدر شاء بأن تكون كل من البلدين فى ركن بعيد فى آسيا، وأن رسالتهما نشر الحضارة فى ربوع آسيا المتخلفة، ومن ثم لابد من تعاونهما معاً على أداء رسالة خُلق الشعبان المتميزان من أجلها.

وكان مما يثير ضيق صاحبنا أن الطبعة اليابانية باعت ما يزيد على مائة ألف نسخة من الكتاب فى ثلاثة شهور. وكتب عندئذ مقالاً بعنوان "مصلحة اليابان مع من؟" ترجمه صديقه ايتاجاكى إلى اليابانية ونُشر بأكبر مجلة فى الشئون السياسية اليابانية تدعى "كوكساى مونداى" (الشئون الدولية)، انتهى فيه إلى دحض دعاوى بن عسان، وبين بالأرقام أن مصلحة اليابان مع العرب، وأن سياستها الخارجية يجب أن تستمد توجهاتها من المصالح الحيوية لليابان، ووجه اللوم إلى الحكومة اليابانية لشرائها البترول المصرى الذى سرقته إسرائيل. وقد عقب على المقال صحفى يابانى مغمور بمقال قصير بعنوان "نحن أدرى بمصالحنا" استنكر فيه دعوة "المهزوم" غيره إلى تغيير سياستهم، وكان الأولى ببلاده أن تعى درس الهزيمة، وتعرف قدرها. كان ذلك فى ربيع 1973، وجاءت حرب أكتوبر و"صدمة البترول"، لتغير من وجهة النظر اليابانية تجاه العرب، وتصحح تقويم الصراع العربى الإسرائيلى، وتكشف عمن كانوا وراء كتاب "اليابانيون واليهود"، وأن أشعيا بن دعسان اسم وهمى. على كل، كان الخبر الذى قرأه صاحبنا عن طلب جامعة تل أبيب إنشاء قسم للغة اليابانية والثقافة اليابانية تال لقراءته لكتاب بن دعسان المزعوم، وسابق على مقاله الذى نُشر باليابانية فى "الشئون الدولية". غلى الدم فى عروق صاحبنا عندما قرأ الخبر واتصل بصديقه ايتاجاكى الذى كان قريباً من الخارجية اليابانية وطلب منه ضرورة تدبير مقابلة له مع رئيس مؤسسة اليابان فى أقرب وقت ممكن،وذكر له السبب باختصار. فرتب له الرجل لقاء مع السفير وانى بوتشى رئيس المؤسسة فى اليوم التالى، على أن يكون مفهوماً أن اللقاء ودى، وغير رسمى، وفى الثالثة مساء وقت استراحة تناول الشاى. وعندما التقاه قال له أن إنشاء قسم ثان للغة اليابانية بإسرائيل لن يخدم المصالح الحيوية للشعب اليابانى التى تتطلب مد جسور التفاهم مع الشعوب العربية، وأن الثقافة هى المجال الأرحب لفهم الشعوب لبعضها البعض، وأن إنشاء القسم المطلوب بتل أبيب لن يفيد سوى حفنة من طلاب إسرائيل، بينما لو أُنشئ القسم بالقاهرة لكان مفتوحاً أمام جميع الطلاب العرب، ولأصبح نافذةً يطل منها العرب على الثقافة اليابانية. ورد السفير وانى بوتشى على صاحبنا بتذكيره مرةً أخرى أن هذا اللقاء ودى وغير رسمى لأنه بحكم كونه مدرساً بجامعة القاهرة لا يملك حق الحديث نيابة عن الجامعة، وعن حكومة بلاده. واستطرد قائلاً إنه شخصياً مقتنع بوجهة نظره التى طرحها أمامه، ولكن القرارات فى اليابان لا يصنعها شخص واحد كما هي الحال فى مصر، ولكن تصنعها مؤسسة، وكل ما يستطيع أن يفعله تأخير الرد على الطلب الإسرائيلى مدة شهر، فإذا وصله طلب مماثل من الحكومة المصرية، تم النظر فى الطلبين معاً وترجيح ما ترى فيه المؤسسة مصلحة اليابان. وذكره بأنه إذا تسرب خبر هذا اللقاء، فسيعلن أنه لم يره ولم يسمع شيئاً عن الموضوع، وأنه لا يستطيع أصلاً أن يقابل شخصاً غير ذى صفة رسمية، فطمأنه صاحبنا إلى أن "السر فى بير"، ووعده بأن يعمل على وصول طلب جامعة القاهرة قبل نهاية الشهر، وكان الزمن المحدد للمقابلة ربع الساعة فاستغرق نصف الساعة. كان وانى بوتشى صديقاً شخصياً لايتاجاكى، عمل مستشاراً بالسفارة اليابانية بالقاهرة، وكان قبل توليه رئاسة "مؤسسة اليابان" سفيراً فى ليبيا. ولذلك كان على معرفة طيبة بمصر والمنطقة، وأهم من ذلك كان يعلم بطء إيقاع صنع القرار فى مصر ولذلك قال لصاحبنا وهو يودعه "الله معك" (قالها بالعربية). فى التاسعة من صباح اليوم التالى، توجه صاحبنا إلى السفارة المصرية (لأول مرة) طالباً مقابلة السفير، وحاول الموظفون معرفة سبب اللقاء فرفض، وطلب منهم إبلاغه أن المذكور يريد لقاءه لمسألة تتعلق بالمصالح العليا للبلاد، وبعد نحو ربع الساعة قاده السكرتير الثانى (وكان يدعى أبو الغيط، وهو غير أحمد أبو الغيط وزير الخارجية الحالي) إلى مكتب السفير. كان السفير مصرياً نبيلاً يُدعى صلاح حسن ولا يذكر صاحبنا اسمه بعد تلك السنين، وكانت حرمه من عائلة "بدرخان" التى لها باع طويل فى صناعة السينما المصرية، وكان الرجل واسع الأفق، استمع له باهتمام وهو يعرض أمامه فكرة تقدمه نيابة عن الحكومة المصرية بالطلب إلى "مؤسسة اليابان". فرد الرجل بأنه يدرك تماماً أهمية إنشاء هذا القسم فى مصر وفى جامعة القاهرة، ولكنه لا يملك التقدم بأى طلب إلا إذا كان ذلك بناء على توجيه الخارجية وتعليماتها، تنفيذاً لطلب الجهة المعنية، وهى هنا وزارة التعليم العالى، وذكره بأنه لا شك يعرف أن وزارة التعليم العالى لا تتقدم للخارجية بطلب إلا بناء على قرار الجامعة، وان قرار الجامعة يستغرق شهرين على الأقل، وأن الوقت الذى قد يستغرقه وصول الطلب إلى السفارة قد يصل إلى شهرين أيضاً. هنا أبلغه صاحبنا بمقابلة الأمس مع السفير وانى بوتشى، وأن المقابلة كانت ودية بتوسط صديق أستاذ يابانى، وأن الرجل وعد بتأخير الطلب الإسرائيلى شهراً واحداً، فإذا وصله الطلب المصرى خلال الشهر، تم النظر فى الطلبين معاً..إلخ.

دُهش السفير صلاح حسن من جرأة صاحبنا، ولكنه امتدح (بصدق) وطنيته، وبُعد نظره وقال له إنه تقديراً له، مستعد أن يتقدم بطلب رسمى إلى مؤسسة اليابان إذا وصله خطاب رسمى من عميد آداب القاهرة يفيد طلب الكلية إنشاء قسم للغة اليابانية وآدابها. وسأل صاحبنا: "هل علاقتك جيدة بعميد الكلية حتى يستجيب لك ويرسل مثل هذا الخطاب دون الرجوع إلى الجامعة؟ إن الأمر يحتاج إلى عميد شجاع فهل الرجل لديه الشجاعة الكافية؟" ورد صاحبنا شاكراً السفير على حسن الاستجابة متهرباً من الإجابة. وعاد إلى المعهد ليكتب خطاباً إلى الدكتور السيد يعقوب بكر عميد الكلية، ولم يكن الرجل يعرفه معرفة شخصية، ولكنه التقاه مرة واحدة أثناء شغله لمنصب الوكيل، ولا يظن أن الرجل قد يتذكر حتى اسمه. كان عزاؤه الوحيد أن السيد يعقوب بكر من علماء فقه اللغات السامية البارزين، وأنه قد يكون أكثر من غيره تقديراً لأهمية الموضوع. كتب صاحبنا الخطاب بالتفصيل الكافى إلى العميد شارحاً له كل أبعاد الموضوع، ملمحاً إلى أن أحد رجال الخارجية قد يساعد فى دفع الموضوع بتوصية من أستاذ يابانى كبير، ونقل له حرفياً ما دار بينه وبين السفير المصرى، وطال الخطاب حتى وصل إلى ثلاث صفحات، وأرسله صاحبنا فى الحال إلى العميد، وهو يتمنى على الله أن يتسع صدر الرجل لقراءة تلك الرسالة الطويلة وأن يهتم بالرد عليها، ولو بالرفض. وبعد عشرة أيام تلقى صاحبنا خطاباً بديعاً من العالم الوطنى السيد يعقوب بكر عميد كلية الآداب وصفه فيه بعبارات جعلته يكاد يذوب خجلاً، ومع الخطاب الشخصى المكتوب بخط اليد، خطاب آخر رسمى على المحررات الرسمية للكلية موجه إلى سفير جمهورية مصر العربية بطوكيو، يحيطه علماً بأن مجلس كلية الآداب اتخذ قراراً بإنشاء قسم اللغة اليابانية وآدابها، وأنه يرجوه أن يبذل مساعيه لدى الحكومة اليابانية لتقديم العون العلمى والمادى اللازم لإنشاء القسم، وكان الخطاب ممهوراً بخاتم كلية الآداب الرسمى. لا يدرى صاحبنا كيف وصل بالخطاب إلى العميد، فقد أعمته دموع الفرح وهو ينتقل من مواصلة إلى أخرى حتى وصل إلى السفارة. وقابله السفير على الفور، وتسلم منه الرسالة، وطلب تحديد موعد لمقابلة رئيس مؤسسة اليابان (السفير وانى بوتشى) فتحدد الموعد بعد يومين، وذهب الرجل حاملاً طلباً رسمياً بموافقة جامعة القاهرة على إنشاء قسم للغة اليابانية وآدابها، ولم يفته الإشارة إلى أن وجود القسم بجامعة القاهرة يجعله فى خدمة طلاب جميع بلاد الجامعة العربية. وبعد شهر تقريباً اتخذت مؤسسة اليابان قراراً بإنشاء قسم للغة اليابانية وآدابها بكلية الآداب جامعة القاهرة (من حيث المبدأ) على أن يسبق ذلك دراسة حرة للغة اليابانية للتأكد من مدى الإقبال على دراسة هذه اللغة، ومن جدوى إنشاء القسم. بدأت الدراسة الحرة فى العام الدراسى 1973-1974 فأُرسل أحد المتخصصين فى دراسة الشرق الأوسط (كورودا) للتدريس لمعرفته باللغة العربية، وحاول هذا الرجل أن يؤخر تأسيس القسم رسمياً عاماً آخر يتيح له البقاء بالقاهرة عاما آخر، ولكن صاحبنا استطاع -بمساعدة ايتاجاكى وهاناوا (المستشار الثقافى اليابانى بالقاهرة)- أن يقنع "مؤسسة اليابان" بضرورة التحرك لفتح القسم، واقترح أن تقدم المؤسسة أربعة مدرسين منهم ثلاثة من المتخصصين فى الشرق الأوسط تاريخاً ولغةً وثقافة يتيح لهم عملهم بالقاهرة تعميق دراساتهم التخصصية، وواحد فقط من اللغويين لتدريس الكتابة الصينية (الكانجى). وتبنى هاناوا هذه الأفكار فى المذكرة التى رفعها إلى الخارجية اليابانية، فجاء عرض "مؤسسة اليابان" المُقدم إلى الكلية فى هذا الإطار ودارت العجلة، وافُتتح القسم فى العام الدراسى 1974-1975.

وعندما تم الاحتفال بمرور ربع قرن على إنشاء القسم دُعى كل من هب ودب للمشاركة فى الاحتفال، ولم توجه الدعوة إلى صاحبنا. ولم يُلَب طاب أستاذ يابانى جامعى جاء من بلاده لحضور الاحتفال، عندما سأل عميد الكلية عن صاحبنا، والتمس مساعدته فى الاتصال به،فعاد الرجل دون أن يتمكن من لقائه. لم يشعر صاحبنا بالمرارة من هذا النكران، فهو عندما ساهم هذه المساهمة المتواضعة فى حرمان جامعة تل أبيب من إنشاء القسم، كان يؤدى لبلاده خدمة لم ينتظر مقابلها شيئاً، بل كان البطل الحقيقى هو السفير المصرى الذى دفعته وطنيته إلى تحطيم الروتين وتحمل مسئولية تقديم الطلب الرسمى دون التقيد بالقنوات الدبلوماسية الرسمية. هذا البطل الحقيقى كان الأجدر بالتكريم فى تلك المناسبة إذا كان حياً، وكانت ذكراه جديرة بالتكريم. كذلك كان السيد يعقوب بكر (رحمه الله) عملاقاً شجاعاً ووطنياً بحق، فلولاه لضاعت الفرصة على مصر. ولكن أحداً لم يذكره بمناسبة الاحتفال ولو بكلمة واحدة، ولا شك أن الله جعل هذا العمل فى ميزان حسناته، فهو لا يضيع أجر من أحسن عملاً. وكان الاهتمام باليابان –عند صاحبنا- يمتد إلى مأساة استخدام السلاح الذرى ضد هيروشيما ونجازاكى فى ختام الحرب العالمية الثانية. فقد استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية اليابان وأهلها كحقل تجارب للوقوف على تأثير القصف النووى على البيئة والإنسان. ولا أدل على ذلك من وجود فريق طبى أمريكى كبير، أُعد خلال سنوات الحرب للقيام بهذه المهمة بعد تنفيذ الضربة النووية، دخل فى تدريبهم إتقان اللغة اليابانية، وكانوا فى طليعة القوات الأمريكية التى نزلت إلى هيروشيما ونجازاكى. حرص صاحبنا على زيارة هيروشيما بترتيب خاص مع قسم التاريخ بجامعتها، فبهره ما رآه فى "متحف السلام" المقام على حديقة السلام، والذى يعبر تعبيراً صادقاً عن هول الجريمة التى ارتكبتها "زعيمة العالم الحر" ضد شعب أنهكته الحرب، وكان يتفاوض من أجل الاستسلام، لمجرد اتخاذه معملاً لتجربة آثار السلاح الجديد.

ووقع فى يد صاحبنا فى ركن بيع الكتب فى المتحف، الترجمة الإنجليزية ليوميات هاتشيا (مدير مستشفى المواصلات بهيروشيما) عن تلك التجربة الحزينة منذ يوم القصف حتى يوم تسلم الأطباء الأمريكان للمستشفى، كما حصل صاحبنا على كتيب بالإنجليزية يضم بعض شهادات من نجوا من الموت من سكان المدينة وعندما قرأ اليوميات والشهادات، اكتشف أن ما يقال عن آثار السلاح النووى على البيئة والإنسان، يتضاءل أمام حقيقة ما حدث. ولما كانت اليوميات والشهادات قد تُرجمت إلى 17 لغة حية، فقد اعتزم صاحبنا على أن يجعل العربية اللغة الثامنة عشرة التى تُنقل إليها، ليقينه أن القارئ العربى لابد أن يقف على حجم الجرم الذى ارتكبته أمريكا فى حق الإنسانية، وليساهم فى كشف الستار عن زيف الدعاوى التى يروجها البعض عنها فى الوطن العربى. وحرصاً على صدور الترجمة بصورة دقيقة ووافية، كرر صاحبنا زيارته لهيروشيما، وراح يتتبع المواقع التى ورد ذكرها باليوميات، وزار احد المراكز الطبية التى تؤوى الجيل الثانى من ضحايا الإشعاع الذرى. وانتهى من ترجمة الكتاب (اليوميات والشهادات) عام 1975، تم طبعها على نفقته الخاصة (1500 نسخةً). واختار أن يهديها: "إلى أصدقاء أمريكا... عظةً وعبرة". ولكن صاحب المطبعة نصحه بحذف الإهداء حتى لا تعترض الرقابة على صدوره. وبعد إتمام الطباعة تعاقد مع توزيع الأهرام على توزيعه. وحرص صلاح الغمرى مدير توزيع الأهرام أن يلفت نظره إلى أن الوقت غير مناسب لصدور مثل هذا الكتاب، فأصر على موقفه. بعد أسبوعين فوجئ صهر صاحبنا بعربة توزيع الأهرام تصل إلى منزله حاملةً النسخ كلها (فيما عدا 25 نسخة). وظل الكتاب يشغل غرفة من شقة صهره حتى عاد من قطر عام 1978، وراح يطوف على المكتبات يعرض عليها توزيع الكتاب، فاكتشف أن هناك تعليمات شفهية من المباحث العامة بعدم طرح الكتاب للبيع. وأخيراً دله صديقه عبد الرحيم عبد الرحيم على مكتبة الخانجى التى قبلت الكتاب لتصديره إلى "دول جبهة الرفض" (العراق- سوريا-ليبيا- الجزائر). وكانت القواعد المعمول بها تقتضى إرسال نسخة (أو عدد محدد من النسخ) إلى البلد المعنى للحصول على موافقة الرقابة. ومن عجب أن الرقابة فى البلاد الأربعة رفضت السماح بدخول الكتاب، فطلب محمد الخانجى (صاحب المكتبة) من صاحبنا أن يسحب الكتاب معتذراً عن عدم استطاعته طرحه فى السوق. وهكذا وجد صاحبنا نفسه من "ضحايا" هيروشيما، واكتشف زيف تشدق النظم العربية "التقدمية" بشعارات معاداة الإمبريالية، ومدى ارتباط أجهزتها الأمنية بالولايات المتحدة الأمريكية. ولكن صاحبنا ظل يتذرع بأمل العثور على موزع يقبل الكتاب، فسلمه لدار الثقافة الجديدة، وقال لصاحبها (محمد الجندى) إنه يريد أن يصل الكتاب إلى الناس، ولا تهمه المادة. وانتهت صلته بالكتاب الذى كان يُعرض على استحياء فى ركن الدار بمعرض الكتاب، ولكنه حزين لأن الرسالة التى قصدها من وراء هذا الجهد لم تصل لأصحابها. ولعل أهم ما بهر صاحبنا فى اليابان، ذلك التلاحم الوطنى الغريب بين أبناء الشعب على اختلاف مواقعهم الاجتماعية، دفاعاً عن المصالح اليابانية، وذلك التضامن التام فى اتخاذ المواقف الحاسمة والالتزام الكامل بالمقاومة السلمية (الموجعة) للضغوط الأمريكية على بلادهم. ففى العام الأخير الذى قضاه صاحبنا أستاذاً زائراً بجامعة طوكيو (1989- 1990)، كانت اليابان تتعرض لضغوط شديدة من جانب الولايات المتحدة لإصلاح الميل الشديد فى الميزان التجارى بين البلدين لصالح اليابان، الذى خلف عجزاً كبيراً جعل أمريكا مدينة لليابان بعدد هائل من مليارات الدولارات. وألحت أمريكا على الحكومة اليابانية للتوقف عن إنتاج الأرز اكتفاءً باستيراده من أمريكا لسد جانب من العجز فى الميزان التجارى، وكذلك التوسع فى استيراد المصنوعات الأمريكية. وبرغم من الخزانة اليابانية تتحمل مبالغ طائلة لدعم زراعة الأرز فتزود الفلاحين من زراع الأرز بدعم يعادل نصف تكلفة الإنتاج، رغم ذلك كان سعر بيع الأرز للمستهلك مرتفعاً. وعندما ازداد الضغط على الحكومة اليابانية، فتحت الباب لاستيراد الأرز الأمريكى فى مطلع العام 1990، فظهرت فجأة بالأسواق كميات هائلة منه كان سعرها يقترب من نصف سعر الأرز اليابانى.

وعندما كان صاحبنا وزوجه يشتريان مئونتهما من أحد محال البيع بطوكيو، تنبهت الزوجة إلى وجود الأرز الأمريكى ماركة "أنكل رين"، فقد سبق لهما استخدامه أيام الإقامة فى قطر، فحمل صاحبنا كيساً منه وضعه على عربة المشتريات، وبدأ التحرك فى اتجاه ركن آخر من المحل، عندما اعترضت طريقه سيدة يابانية مسنة، وسألته باليابانية: "أيها الأجنبى .. من أى البلاد جئت؟" فأجابها بلغتها، وقدم لها نفسه باعتباره أستاذاً زائراً بجامعة طوكيو فقالت: "أنت تفهم اليابانية وتتكلمها، وأستاذ بجامعة طوكيو، معنى ذلك أنك صديق لليابان، ومصرى من بلد عبد الناصر، فكيف تأكل أرزاً أمريكياً؟!". كاد الخجل أن يقطع أنفاس صاحبنا، فاعتذر للسيدة زاعماً أنه لم يكن يدرك ذلك، وأعاد الكيس اللعين إلى الكومة الهائلة التى حمله منها، والتقط كيساً من الأرز اليابانى وضعه على عربة المشتريات، فإذا بكل زبائن المحل يصفقون تصفيقاً حاراً وينحنون تحيةً. عجيب أمر هذا الشعب الذى نظم مقاطعةً صامتةً للبضائع الأمريكية، حرصاً على مصالح بلاده الوطنية، دون أن يتوقع أمراً من أحد، ولكن ربات البيوت فى مختلف الأحياء كن وراء هذه المقاطعة التى كان لها أثرها البالغ فى دعم موقف حكومتهم.


[تحرير] بين القاهرة والدوحة

فضل صاحبنا أن تكون عودته من طوكيو إلى القاهرة عبر لندن، ليتوقف هناك أسبوعين يطلع فيهما –لأول مرة- على الوثائق البريطانية بدار المحفوظات العامة هناك، ولكنه تبين له أن الاطلاع موقوف حتى منتصف أكتوبر لإضافة الوثائق التى رُفع عنها حظر الاطلاع وخرجت عن نطاق السرية إلى فهارس الوثائق التى تُتاح للاطلاع. فقضى أسبوعاً واحداً، صرفه فى زيارة المتاحف والاطلاع على مكتبة المتحف البريطانى وجامعة لندن، ثم عاد مساء 5 أكتوبر 1973 لتتغير أحوال المنطقة، ويهتز العالم كله بعد أقل من 24 ساعة من عودته إلى أرض الوطن بقيام حرب السادس من أكتوبر، العاشر من رمضان، يوم العيد الكبير عند اليهود "عيد الغفران" (يوم كيبور). وتمنى لو كان فى اليابان عندئذ لاستطاع أن يخدم بلاده فى هذا الظرف التاريخى بدلاً من وقوفه موقف المتابع والمتفرج وهو بالقاهرة مكتوف اليدين. عاد إلى الجامعة فى فترة رئاسة الدكتور محمد أنيس للقسم ليجد نفسه ما يزال منبوذاً مهمشاً، أُسندت إليه مهمة تدريس مادة واحدة فقط بقسم المكتبات، وظل اسمه مجهولاً عند طلاب قسم التاريخ. ولذلك اقتصر حضوره على يوم واحد أسبوعياً هو يوم تدريس المادة التى أُسندت إليه يوم الاثنين من كل أسبوع، وكان اختياره لذلك اليوم يعود إلى كونه يوم انعقاد الجلسة الشهرية لمجلس القسم حتى لا يتحمل عناء الحضور خصيصاً يوم اجتماع القسم. وذلك برغم من تعليمات الجامعة كانت تقضى بضرورة الحضور أربعة أيام على الأقل أسبوعياً. وعندما نبهه رئيس القسم إلى ذلك مهدداً باتخاذ إجراء ضده، طلب منه أن يسرع باتخاذ هذا الإجراء حتى تُتاح له فرصة إعلان موقفه من تركه بلا عمل، وانتهى الموضوع عند هذا الحد. وزاد من حدة توتر العلاقة مع رئيس القسم الدور الذى لعبه صاحبنا فى الكشف عن قيام مدرس مساعد بالقسم بسرقة المراجع الهامة والنادرة من مكتبة القسم، وبيعها للباحثين الأجانب، وكشف التحقيق الذى أجرته الجامعة مع ذلك المدرس أنه كان يعرض على أولئك الطلاب الأجانب تقديم خدمات جنسية، وانتهى الأمر بصدور قرار مجلس التأديب بفصله من الجامعة. وكان صاحبنا عندما اكتشف الموضوع قد لجأ إلى رئيس القسم طالباً اتخاذ إجراء فأهانه، واتهمه بأنه إنما ينفذ "تكليفاً" من "المباحث" باعتباره "عميلاً" لها، لأن المشكو فى حقه "تقدمى". فلم يجد صاحبنا مفراً من اللجوء إلى العميد (السيد يعقوب بكر) ودارت عجلة التحقيق الذى انتهى بفصل المدرس المساعد.

سافر الدكتور محمد أنيس بعد هذا الحادث بشهور إلى العراق مُعاراً إلى جامعة بغداد، ثم انتقل منها إلى اليمن للتدريس بجامعة صنعاء، ثم إلى أبو ظبى مستشاراً لمركز الدراسات التاريخية هناك. وتخلل ذلك فترة عام ونصف العام قضاها بالقاهرة أستاذاً غير متفرغ بقسم التاريخ عندما كان صاحبنا رئيساً للقسم. وانتقل أنيس إلى رحاب الله عام 1986 دون أن تُتاح لصاحبنا فرصة إقناع الرجل بسلامة موقفه. ولعل أحداً لم يحزن على الرحيل المبكر لهذا الأستاذ الكبير مثلما حزن هو، فألقى محاضرةً بنادى أعضاء هيئة التدريس بالجامعة بين فيها فضله على الدراسات التاريخية فى مصر وعلى صاحب المحاضرة وأبناء جيله. كما كان فى مقدمة المتحدثين فى الحفل التأبينى الذى أقامته كلية الإعلام تكريماً لذكراه وذكرى أحمد حسين الصاوي، مبرزاً دور الفقيد فى تكوين بعض أعضاء هيئة التدريس بكلية الإعلام، منوهاً بما له من فضل عليه، وتم تكوين مجموعة من تلاميذه لإعداد كتاب يُنشر على شرف الفقيد إحياءً لذكراه، وأُسند التحرير إلى محمد جمال الدين المسدى، فلم يكن الاختيار موفقاً، لأنه لم ينجز ما أُسند إليه، برغم من إصراره على القيام به. بدأ العام الدراسى التالى للعودة من اليابان (1974-1975)، وصاحبنا ما يزال منبوذاً مُهمشاً، ولكنه كان مشغولاً بأمر أخيه صلاح الذى كان معيداً بالمعهد الصناعى بالمنيا ثم نُقل إلى المعهد الفنى بشبرا، وعندما أوشك على الانتهاء من إعداد رسالته للماجستير فى الهندسة الميكانيكية هاجر المشرف إلى كندا، وتعنت رئيس القسم بهندسة عين شمس معه، ورفض نقل الإشراف إلى مشرف آخر، وطالبه بإعداد موضوع جديد، ولما كانت مدة الخمس سنوات التى لابد أن يحصل المعيد على الماجستير قبلها قد أوشكت على الانتهاء. كان لابد من البحث عن مخرج حتى لا يفقد وظيفته الأكاديمية ويتحول إلى وظيفة فنية. ونجح فى الحصول على قبول من جامعة ليستر ببريطانيا للدراسة على نفقته الخاصة، على أمل أن يأتى الله بالفرج عندما يذهب إلى هناك، فيجد عملاً يساعده على تغطية نفقات الدراسة. وتقدم بطلب إلى وكيل وزارة التعليم العالى لشئون المعاهد للحصول على إجازة بدون مرتب للدراسة بالخارج.

طلب وكيل الوزارة ما يثبت وجود مصدر للإنفاق على الطالب أثناء وجوده بالخارج، وضرورة أن يكون لأحد أقارب الدرجة الأولى حساب بالعملة الصعبة، ولما كان صاحبنا -بعد عودته من اليابان- من أصحاب الحسابات بالعملة الصعبة، فكان لديه حساب به ألف ومائتا دولار بالتمام والكمال، فقد زود أخاه بسند من البنك يفيد ذلك، غير أن وكيل الوزارة لم يقتنع وطلب أن يكون للقريب مصدر دائم بالعملة الصعبة، كأن يكون مُعاراً بالخارج. وأُسقط فى يد صاحبنا وأخيه، ثم اتضح أن الموافقة يمكن أن تتم لو تم دفع خمسمائة جنيه لسعادة وكيل الوزارة، وهو ما لم يكن متوافراً لديهما. وسط الانشغال بهذه "المعضلة" تلقى صاحبنا استدعاءً من عميد الكلية (السيد يعقوب بكر) فذهب إلى مقابلته، وبادره العميد بعتاب أبوى، لأنه تعاقد مع قطر للعمل بكلية التربية دون أن يُعلمه بذلك. فدهش صاحبنا لأنه لم يتقدم بأى طلب إلى أى جهة بهذا الخصوص، وبالتالى لم يتعاقد مع أحد، وقال للعميد إن المعلومات التى وصلته غير دقيقة، فربما كان المقصود شخصاً آخر. فأطلعه العميد على خطاب موجه إليه من وزير التعليم بقطر يطلب إعارة صاحبنا لكلية التربية بالدوحة على وجه السرعة. وظن صاحبنا أن أستاذه أحمد عزت عبد الكريم ربما كان وراء تزكيته لأنه كان عضواً بلجنة ثلاثية من مديرى الجامعات المصرية، كلفتها حكومة قطر بإعداد مشروع إقامة جامعة، وقد نصحت هذه اللجنة حكومة قطر بأن تكون البداية إنشاء كلية للتربية، ولكن عندما استعلم من أستاذه عما إذا كان قد رشحه للعمل هناك، نفى الرجل ذلك تماماً. قال صاحبنا للعميد أنه لا يفكر فى الإعارة، ولا يعرف عن قطر سوى موقعها على خريطة الخليج، وليس حريصاً على الذهاب إلى هناك. فسأله العميد عما إذا كان لديه أبناء، فأجابه بأن له ولداً واحداً، فقال له "يبقى ده رزق ابنك، وعلى العموم إنت تشرف الجامعة فى أى مكان". وكان مجلس الكلية سوف يُعقد فى اليوم نفسه، فحمل العميد الخطاب معه وحصل على موافقة رئيس القسم (أحمد السيد دراج) وعُرض الموضوع على المجلس وتمت الموافقة عليه. وتبقى الحصول على موافقة الأمن على الإعارة (وكانت أساسية)، وقد تستغرق ما يزيد على الشهر (كما حدث عند سفره إلى اليابان)، ولما كانت الإعارة قد سعت إليه فى وقت دقيق حرج بالنسبة لتحديد مستقبل أخيه، فقد اعتبرها صاحبنا حلاً إلهياً لمشكلة وقف أمامها عاجزاً محبطاً، وتذكر صديقه عادل غنيم الذى كان مديراً لمكتب مدير جامعة عين شمس، ثم أصبح مديراً لمكتب وزير التعليم العالى (إسماعيل غانم)، فتوجه إليه حتى يساعده فى الحصول على موافقة الأمن فى أقصر وقت ممكن. وحكى لصديقه سبب الحاجة إلى العجلة، فروى له قصة أخيه مع وكيل الوزارة لشئون المعاهد العليا. استمع عادل غنيم إلى القصة كلها، دون أن يبدى رأياً، وعندما استأذن صاحبنا للانصراف، وعده أن يبذل جهداً لدفع إجراءات الأمن، وطلب منه العودة بعد أسبوع. وعندما ذهب إليه فى الموعد أبلغه صديقه أن موافقة الأمن سُلمت بالفعل للكلية منذ يومين وأنه يستطيع السفر متى شاء. وأطرق ملياً ثم ابتسم قائلاً: "وموضوع المهندس صلاح خلص أيضاً ويمكنه السفر متى شاء"، وقص عليه أنه نقل ما دار على لسانه إلى الوزير الذى استدعى وكيل الوزارة وأمره بالموافقة على الطلب، ثم نحاه عن موقعه كمسئول عن المعاهد، وجعله مستشاراً.

وهكذا فرج الكرب، وكانت أبواب السماء مفتوحةً على مصراعيها، فجاء خطاب الإعارة فى وقت الشدة، وكانت الخدمة التى أداها الصديق عادل غنيم له ولأخيه عملاً لا يقدم عليه إلا من كان على هذا المستوى من الخلق الكريم. وبعد أسبوع واحد سافر صاحبنا إلى قطر، وبعده بنحو أسبوعين، سافر صلاح إلى بريطانيا بعد استكمال الإجراءات. كانت الدوحة –عندئذ- قريةً حضرية، قريبة الشبه ببعض مراكز الأقاليم بمصر، ولا تصل إلى مستوى بنها أو طنطا، أو المنيا، أو أسيوط من الناحية العمرانية، ليس فيها من معالم "الدولة" سوى الديوان الأميرى والوزارات، وقصر الأمير. وكانت جميع شوارعها الفرعية غير مرصوفة. ولم يكن بها من الفنادق سوى فندق الخليج (خمس نجوم) وفندق الواحة (ثلاث نجوم)، وفندق الدوحة (نجمتان). أما "كلية التربية للمعلمين والمعلمات"، فكانت تقع فى مواجهة حى شعبى يسكنه غالبية من الفلسطينيين يسمى "فريق غزة" يقع على بعد 12 كيلو متراً من مدينة الدوحة على طريق الشمال، وتتكون الكلية من مبنى مدرستين إعداديتين (فى الأصل) إحداهما للبنين والأخرى للبنات تقع على بعد كيلو مترين من المبنى الأول على طريق فرعى يؤدى إلى كلية البنات وينتهى عندها. وكانت الإدارة ومكاتب الأساتذة بكلية البنين ومكاتب عضوات هيئة التدريس بكلية البنات، ولكن كان أعضاء هيئة التدريس من الذكور يقومون بالتدريس بكلية البنات، ولهم فيها غرفة استراحة، ولم يكن هناك مرحاض خاص بالرجال. وقد تغير هذا الوضع تدريجياً، فأصبحت هناك مكاتب للأساتذة بكلية البنات، وخُصص لهم مرحاض لاستخدامهم. التقى صاحبنا عميد الكلية الدكتور محمد إبراهيم كاظم (الذى أصبح مديراً للجامعة فيما بعد). وعلم منه أن الذى رشحه له هو صلاح العقاد (أستاذ التاريخ الحديث بكلية البنات) عندما اتصل به تليفونياً لهذا الغرض يسأله أن يدله على عضو هيئة تدريس لا توجد عوائق قانونية تحول دون موافقة جامعته على إعارته، ولم تمض 48 ساعة على هذا اللقاء حتى اصطدم بالعميد، ولذلك قصة تُروى. ذهب صاحبنا لإلقاء محاضرته الأولى على الطالبات مرتدياً بدلةً كاملةً ورباط عنق (تنفيذاً للتعليمات) رغم حرارة الجو فى نوفمبر. وكان عدد الطالبات حوالى 24 طالبة قدم لهن نفسه، ثم بدأ إلقاء درسه الأول، فإذا بالطالبات يتهامسن ويضحكن وهن ينظرن إليه، فظن صاحبنا أن ثمة عيباً فى هندامه، فولى وجهه شطر السبورة وتأكد من أن الأمر لا علاقة له بهندامه، فقال للطالبات: "هل هذا صف طالبات قسم العلوم الاجتماعية؟" فأجبن بالإيجاب، فقال صاحبنا: "ظننت أنى دخلت حمام السيدات بطريق الخطأ، ما هذه الوقاحة؟ إن قاعة الدرس لها قداسة قاعة الصلاة، ومثل هذا التصرف يجعلنى أنظر إلى أصحابه نظرة احتقار". ساد السكون التام حتى انتهى الدرس. وانتقل بعد ذلك إلى كلية البنين لإلقاء درسين آخرين وانتهى اليوم.

فى صباح اليوم التالى، فوجئ صاحبنا بسكرتير العميد ينتظره أمام الكلية، ويخبره بأن العميد يطلبه، فذهب إلى مكتب العميد الذى كان جالساً إلى مكتبه، وإلى جانبه يجلس محمد الشبينى (مدير مشروع اليونسكو)، فألقى التحية عليهما، فإذا بالعميد لا يرد التحية، ويقول له بحدة "عملت ايه امبارح فى كلية البنات؟"، فقص عليه ما حدث حرفياً، فثار وقال إن هذا التصرف غير لائق وغير مقبول، وإذا تكرر سيكون له شأن آخر. وهنا أحس صاحبنا أن كرامته قد جُرحت فقال للعميد إنه لا يقبل منه هذا الكلام، ولا يشرفه الاستمرار فى العمل معه، وأنه لم يتقاض مليماً من الكلية بعد، ويطلب تزويده بتذكرة سفر للعودة إلى القاهرة حيث ينتظره هناك طلاب يحرصون على حضور محاضراتهم، قصر فى حقهم بقبوله العمل فى مكان لا يعرف الفرق بين الجامعة والكُتَّاب. وطلب من العميد أن يدبر أمر إصدار التذكرة فى موعد أقصاه ظهر الغد، وأنه لن يحضر إلى الكلية إلا لتسلم التذكرة. واتجه صاحبنا إلى باب المكتب، فهب محمد إبراهيم كاظم واقفاً، وكذلك فعل محمد الشبينى، وطلبا منه الجلوس (ولم يكن قد طُلب منه ذلك من بداية المقابلة)، واعتذر العميد عما يكون قد أُسئ فهمه من كلامه، وسأل صاحبنا عن مكان السكن الذى أُعطى له، وقال له إنه سيزوره الساعة الرابعة بعد الظهر، فأكد صاحبنا أنه متمسك بموقفه، وأنه يفضل ألا يكلف العميد نفسه عناء الحضور إليه، وأن يكتفى بإرسال التذكرة فحسب، وسوف يقدم لحاملها تعهداً بسداد قيمتها بسفارة قطر بالقاهرة. كان صاحبنا قد استقر رأيه على العودة فعلاً، فجو العمل بالكلية لا صلة له بالجو الجامعى من قريب ولامن بعيد، والطلاب ضعاف المستوى، ومناخ البحث العلمى ملبد بالغيوم، كما إنه لا يقبل أن يُعامل معاملة الخدم. جمع أغراضه فى حقيبته، وقرر مغادرة الشقة فى الثالثة حتى يقطع على العميد فرصة الضغط عليه إذا جاء لزيارته فى الرابعة، فيكون رد فعله تجاهه جارحاً. وما كاد يخرج من باب العمارة حتى وجد العميد بسيارته المرسيدس أمامه، وقال له تفضل يا دكتور، فاعتذر صاحبنا له لارتباطه بموعد آخر، فابتسم الرجل وقال له إنه على استعداد لتوصيله. ركب إلى جانبه، وكرر الرجل اعتذاره عن سوء التفاهم الذى حدث فى الصباح، ثم وجده يتوقف أمام الفيلا سكنه ويدعوه إلى الدخول، وقدمه لزوجته أستاذ علم النفس الدكتور صفاء. ودعاه لتناول العشاء مع الأسرة فى الخامسة بعد ساعتين من حديث ودى، شرح له فيه ظروف قطر، والوضع الحساس لمجرد وجود كلية جامعية للبنات، خاصةً موقف وزير التعليم الشيخ جاسم بن حمد آل ثان (شقيق الأمير الشيخ خليفة) الذى لم يقبل أن يتولى الرجال التدريس للبنات إلا بصعوبة بالغة، وأن من الحكمة أن تُراعى هذه الظروف الاجتماعية، ونضعها فى الاعتبار. ولعبت الدكتور صفاء دوراً فى تطييب خاطره، وأعاده العميد إلى مقر سكنه مؤكداً له إنه يسعده أن يتعاون مع رجل مثله. وفى صباح اليوم التالى كان موعد محاضرة البنات، فاستهلها صاحبنا بأن موقفه لن يتغير مع أى محاولة للإخلال بنظام الدراسة، وأنه ليس حريصاً على التدريس لمن لا يستحقون أن يبذل جهد معهم. فوقفت إحدى الطالبات لتعلن له أن طالبات الصف يعتذرن له، وأن من قدم الشكوى ثلاث من الطالبات الفلسطينيات، أبلغن رئيسة القسم كوثر عبد الرسول فطلبت منهن إعداد شكوى مكتوبة وسلمتها إلى العميد. كانت تلك الطالبة مريم بنت خليفة بن حمد (كريمة الأمير).

وطوال السنوات الأربع التى قضاها صاحبنا فى التدريس بكلية التربية بقطر، حظى بتقدير احترام تلاميذه وتلميذاته واحترامهم، وخاصةً أنه كان –كعادته دائماً-يعطى لكل ذى حق حقه، فلا يكيل الدرجات لمن لا يستحق من أبناء الأسرة الحاكمة وبناتها، كما كان يفعل بعض زملائه، كما كان يترفع فى تعامله معهم ومع غيرهم من أبناء وبنات كبار التجاروبناتهم فى وقت كان بعض زملائه يتملقونهم ويلاحقونهم بطلبات عقود العمل للأقارب والمعارف، وغير ذلك من الطلبات التى كانت مثار ضيق العميد الذى اضطر أن يلغى إعارة اثنين من أعضاء هيئة التدريس لهذه الأسباب. كان عبء التدريس بسيطاً، وقدرة الطلاب على التحصيل محدودة، ولذلك كان لدى صاحبنا متسع من الوقت للبحث، فأعد الجزء الأول من مذكرات محمد فريد للنشر، كما أعد كتاب "الحركة العمالية فى ضوء الوثائق البريطانية" للنشر كذلك، طبعه على نفقته فى إجازة صيف 1975، ونشر خلال عامين ثلاثة بحوث عن تاريخ اليابان بالمجلة التاريخية المصرية ومجلة مركز دراسات الشرق الأوسط التابع لجامعة عين شمس، وكانت هذه الأعمال وغيرها من بين ما تقدم به من أعمال للترقية إلى وظيفة أستاذ مساعد بآداب القاهرة عام 1976. وفى صيف 1976 ذهب صاحبنا بأسرته الصغيرة إلى لندن حيث قضى إجازة الصيف فى الإطلاع على الوثائق البريطانية (لأول مرة) على نفقته الخاصة وصور منها مجموعة بالميكروفيلم والميكروفيش كانت أساساً للمزيد من البحوث التى أعدها فى السنوات التالية، إضافة إلى ترجمته لكتاب موريس دوب "دراسات فى تطور الرأسمالية" وكتاب "يوميات هيروشيما" لهاتشيا. وبذلك حول فترة الإعارة إلى ما يشبه "الإجازة الدراسية"، فأنتج خلالها من الأعمال التى نُشرت بالعربية والإنجليزية ما أتاح له التقدم إلى الترقية لدرجة أستاذ مساعد، ثم لدرجة أستاذ بمجموعة من الدراسات والأبحاث المبتكرة، بفضل استثماره الجيد لفترة الإعارة. فنشر آخر ما أعده من أبحاث أثناء تلك السنوات عام 1980 بعد عودته من الإعارة بعامين، وحصل على درجة الأستاذية –بجدارة- فى ديسمبر 1981.

وعندما عاد من الإعارة عام 1978 كانت حال قسم التاريخ بآداب القاهرة تدعو إلى الرثاء، فقد خرج معظم أساتذة القسم فى إعارات إلى الكويت والسعودية واستقال بعضهم من خدمة الجامعة حتى يستطيع التغلب على قواعد الإعارة والبقاء إلى ما شاء الله فى تلك البلاد، واضطر هؤلاء أن يعينوا على عجل بعض من لم يكتمل تكوينهم العلمى بعد مثلما فعل أستاذ العصور الوسطى للتغلب على مشكلة نسبة الإعارة، فكلف مدرساً بمساعدة المعيد على صياغة ما لديه من مادة خلال شهر، وناقش الرسالة، وحصل على الدكتوراه، وهو لا يعرف المبادئ المنهجية للبحث العلمى، وتدرج فى السلك الأكاديمى حتى وصل إلى الأستاذية دون أن يحسِّن مستواه العلمى، ودون أن يقدم عملاً مبتكراً، بل كانت كل أعماله إعادة إنتاج لموضوعات قُتلت بحثاً. وهكذا جنى الأساتذة على القسم بعدم اهتمامهم بتربية الكوادر لدعم تخصصاتهم، وعندما تركوا القسم، وسعوا فى مناكب الجامعات الخليجية أصبح القسم قاعاً صفصفاً، فكان لا وجه للمقارنة بينه وبين قسم التاريخ بجامعة عين شمس ولا نظيره بجامعة الإسكندرية. ولم يكن بالقسم –عند عودته- سوى أستاذ واحد للتاريخ الحديث يتولى رئاسة القسم (السيد رجب حراز) وأستاذ مساعد للعصور الوسطى نُقل من معهد الدراسات الإفريقية(محمد محمد أمين) لإتاحة فرصة الإعارة لزميل آخر وأستاذ تاريخ إسلامى (محمد أمين صالح) وأستاذ مساعد تاريخ قديم (السيد الناصرى)، ولم يكن به سوى معيدتين. مارس صاحبنا صلاحياته كأستاذ مساعد كاملةًً من حيث التدريس لمرحلة الليسانس وللدراسات العليا، وتولى رئاسة لجنة امتحان الفرقة الرابعة عام 1979- 1980، ولجنة رصد الدرجات، وعند إعلان النتيجة ثار رئيس القسم لوجود ثلاثة أوائل حصلوا على تقدير جيد جداً، ولام صاحبنا على إظهاره النتيجة على هذا النحو، وعدم إبلاغه قبل إعلانها، وعندما استفسر منه عما كان يمكن عمله، طالما أن الطلاب استحقوا هذه التقديرات بجهدهم، كشف رئيس القسم" المستور" فقال إن رئيس لجان الرصد فى السنوات السابقة (أستاذ مساعد العصور الوسطى الذى أُعير إلى السعودية) كان ينبهه دائماً فى حالة وجود طلاب يستحقون النجاح بتقدير جيد جداً، بأن يتم إنقاص درجات أعمال السنة بالقدر الذى يحول دون حصول أولئك الطلاب على تقدير يؤهلهم للتعيين فى وظيفة معيد. وتساذج صاحبنا، وسأل رئيسه عن الحكمة فى هذا الغبن، وحرمان الطلاب من حقهم، قال إن مستواهم العلمى لا يؤهلهم ليكونوا معيدين، فرد صاحبنا بأن ذلك يعنى أن ثمة خطأً ما فى التدريس أو التنظيم أو هما معاً، ولكن ذلك لا يعنى حرمان هؤلاء من فرصة إثبات قدراتهم، وفى قانون تنظيم الجامعات ما يكفل التخلص من المعيد الذى لا يستطيع المضى قدماً فى طريق الدراسات العليا، والمعيد –كطالب دراسات عليا- مجرد خامة يستطيع الأستاذ الجاد أن يصنع منه باحثا إذا توفر لديه الاستعداد لذلك. فقال رئيس القسم: "دول ولاد كلب خسارة التعب معاهم"! وهكذا شمر صاحبنا عن ساعديه لخوض غمار معركة جديدة فى هذا القسم التعيس، فقدم طلباً لرئيس القسم لعقد جلسة عاجلة لمجلس القسم للنظر فى تكليف المعيدين، فاستجاب له وعقد الجلسة، ولكن بعد أن رتب أموره مع الأعضاء. وعند طرح الموضوع اتجه إلى طرح سؤال على صاحب كل تخصص عما إذا كان فى حاجة إلى معيد؟ وكان الرد بالرفض، ولما كان رئيس القسم هو أستاذ التاريخ الحديث فقد أعلن أيضاً عدم حاجة التخصص لمعيد، كان صاحبنا يرقب الموقف ويعانى من الغيظ والاشمئزاز، وعندما تكلم طلب من رئيس القسم أن يثبت بالمحضر تحفظه على قرار عدم تكليف معيدين من خريجى الدفعة، واحتفاظه بحقه فى تقديم مذكرة بهذا الشأن إلى عميد الكلية وإلى رئيس الجامعة.

أُسقط فى يد رئيس القسم الذى عُرف عنه تملق الرؤساء والخوف منهم، فاتخذ النقاش وجهةً أخرى وتحول إلى مساومة، فأبدى استعداده لتعيين اثنين بشرط أن تُكلف الأولى فى الترتيب فى فرع التاريخ الإسلامى، عندئذ لا مانع عنده من تكليف الثانى معيداً للتاريخ الحديث. وبعد تمنع لعدة دقائق، هدد فيها صاحبنا بأنه على استعداد لخوض المعركة إلى النهاية، وفضح أسلوبهم ونشر القديم والجديد على الملأ، تم اتخاذ القرار بتكليف الاثنين، وصرف النظر عن تكليف الثالث فى الترتيب الذى حصل على فرصة للتعيين بآداب المنيا من خلال الإعلان. كان هذا الحدث على بساطته بادرة تحول فى مسيرة القسم. فعندما مات رئيس القسم فجأة فى أبريل 1982، أصبح صاحبنا رئيساً للقسم. وتولى خلال السنوات الست النى تولى فيها هذا المنصب العلمى إعادة بناء القسم بالكامل بفضل تعاون محمد محمود الجوهرى (عميد الكلية) معه، وتوفير كل ما طلبه من درجات، فتم تعيين خمسة مدرسين من حملة الدكتوراه بطريق الإعلان، وثلاثة عشر معيداً منهم اثنان بطريق الإعلان، وتم نقل أستاذ تاريخ إسلامى من آداب المنيا، وأستاذ مساعد تاريخ إسلامى من فرع الجامعة بالخرطوم. ودعم التاريخ القديم بعضو بعثة عاد من بريطانيا عام 1980. وتغلب صاحبنا على تعسف أستاذ التاريخ القديم، فسمح لمن عينهم معيدين بالتسجيل للدراسات العليا بآداب عين شمس. وتصادف أثناء رئاسته للقسم أن قرر مجلس الكلية تطوير لائحة الدراسة، فوضع برنامجاً جديداً لقسم التاريخ اهتم بإعداد الطالب إعداداً عصرياً، فتم التركيز على العلوم الإنسانية اللازمة لتكوين طالب التاريخ: الاقتصاد، والاجتماع، وفلسفة التاريخ، وأعطى المنهج اهتماماً خاصاً، كما تم تحديد المقررات التاريخية بما يحقق التكامل والتواصل بمختلف فروع التخصص. وكان هذا البرنامج يتسق تماماً مع المبادئ العامة التى أقرها مجلس الكلية، وطلب من الأقسام مراعاتها عند إعادة النظر فى مقرراتها الدراسية. وكان صاحبنا عضواً باللجنة المنبثقة عن مجلس الكلية لهذا الغرض والتى تولت مراجعة مقترحات الأقسام وصياغة مشروع اللائحة على مدى ما يقرب من نصف العام. ولكن معظم رؤساء الأقسام لم يرتاحوا لتلك اللائحة التى أنقصت من عدد ساعات التخصص لتفسح مكاناً للمواد المساعدة، واعتبر المغرضون من أعضاء هيئة التدريس أن ذلك عدوان مبين على سلطات الأقسام، واستُخدم "العلم" و "المستوى العلمى" كلمتى حق قُصد بهما باطل، فأعيد النظر فى اللائحة عام 1989 أثناء وجود صاحبنا أستاذاً زائراً لجامعة طوكيو لمدة عام انتهى فى 1990. فألغيت كل المواد المساعدة وقُلصت المواد المنهجية، وحلت محلها مواد وضعت لتخدم المصالح الشخصية لأعضاء هيئة التدريس وتضمن لهم توزيع كتبهم ومذكراتهم. ولم يراع أحد (بالنسبة لقسم التاريخ على الأقل) مبدأ التكوين العلمى لطالب التاريخ. وهى لائحة يتحمل وزرها وكيل الكلية –عندئذ- حسنين ربيع. وحاول صاحبنا أن يوجد لقسم التاريخ مكاناً فى الوسط الأكاديمى الوطنى والعربى والدولى، ويقضى على ظاهرة "الدكاكين" و"الشلل" التى سادت قسم التاريخ على مر السنين، فوضع خطة ذات اتجاهين: أولهما، تنظيم "سيمنار للتاريخ" يجمع بين مختلف فروع التخصص على صعيد واحد، يعقد مرتين فى الشهر، ويُدعى للاشتراك فيه باقة من أصحاب الاختصاص بمختلف الجامعات، ويُدعى له كذلك الزائرون الأجانب والعرب، ويشجع شباب الباحثين على المشاركة فيه. وعندما حقق السيمنار قدراً ملحوظاً من النجاح، أصبح أسبوعياً. أما الاتجاه الثانى فعقد ندوة على مدى ثلاثة أيام كل عامين، كانت أولاها عن "مصر وعالم البحر المتوسط" حضرها مشاركون من أوروبا والوطن العربى، وكانت الثانية أوسع وأكبر حجماً عن "العرب فى إفريقيا" شارك فيها عدد أكبر من العرب والأجانب إضافةً إلى نخبة متميزة من المصريين، أما الموضوع الثالث فكان "العرب وآسيا" وتم عقد الندوة بعد ترك صاحبنا لرئاسة القسم بشهور. وتم نشر أعمال ندوة البحر المتوسط، وندوة العرب فى إفريقيا فى كتابين ضم كل منهما البحوث التى قدمت إلى الندوتين.

وقبل إنهاء مدة رئاسته الثانية للقسم، أصدر مجلة "المؤرخ المصرى"، وصدر العدد الثانى منها قبل نهاية مدة رئاسته للقسم. التى كانت نهاية لسيمنار التاريخ، لأن خلفَه فى رئاسة القسم لم يرتح لهذه "البدعة"، التى تمثل تبديداً للجهد "دون عائد مادى"!! واختفت الندوات السنوية بعدما أصابها الهزال، واستخدمت لتملق السعوديين والخليجيين ووُجهت لخدمة المصالح "المادية" الشخصية لمنظمها. ولكن حافظ رئيس القسم على مجلة "المؤرخ المصرى" بعدما تحولت إلى مصدر للكسب، تُنشر فيها بحوث أعضاء هيئة التدريس السعوديين والخليجيين مقابل مبالغ معينة تُدفع بالدولار. كما أصبحت المجلة تُفرض فرضاً على الطلاب، وتدهورت قيمتها العلمية بعدما أصبح التحكيم فيها شكلياً. واهتم صاحبنا أثناء رئاسته للقسم برعاية المعيدين وشباب الباحثين، ومعاملتهم معاملة أبوية، وبث قيم التنافس والتعاون العلمى بينهم، والاعتزاز بالكرامة، والتمسك بالتقاليد العلمية الجامعية المتعارف عليها، والحرص على التعبير عن الرأى بحرية حتى أن بعض زملاءه اتهمه بخرق القاعدة الذهبية التى تقول بضرورة الاحتفاظ بمسافة واسعة بين الأستاذ وتلاميذه، وحذره من سوء عاقبتها على "هيبة الأستاذية"!. ولكن صاحبنا شعر بالأسى والأسف، لأن معظم أولئك الذين رباهم على تلك القيم قبلوا أن يُعاملوا بامتهان وإذلال دون احتجاج، واتخذ معظمهم موقعه فى لعبة التشرذم والتحزب التى عادت إلى القسم فى عهد خلفه، حتى من كَوَّنهم فى تخصصه لم يحقق الكثير منهم أمله فيهم، فتحولوا إلى باعة للمذكرات والملخصات، وملخصات الملخصات، ونماذج الأسئلة والإجابات، برغم من أن بعضهم قضوا سنوات طوالاً فى الإعارة كفتهم مئونة الحاجة إلى التكسب عن طريق مجاراة الفساد.

فالعبرة –على ما يبدو- بالمناخ الذى عاشته الجامعة فى العقد الأخير من القرن العشرين، وخاصة النصف الثانى من ذلك العقد، من حيث تردى مستوى الأداء بين أعضاء هيئة التدريس، وتفكك الروابط الجامعية، وتحول الجامعة إلى "مدرسة" عليا، واختلال معايير تقييم أعضاء هيئة التدريس بلجان الترقيات. أو بعبارة أخرى، انعكاس الفساد الذى تفشى فى المجتمع على الجامعة، هذه كلها عوامل بددت حلم صاحبنا فى أن يقدم للجامعة كوادر من نوع جديد، قادرة على مواكبة التطور العلمى فى عالم سريع التغير، فقد شدت منظومة التخلف الذى عانته الجامعة أولئك الكوادر إلى دائرتها المفرغة، وغلب نداء المصالح الشخصية الآنية على مبدأ الصالح العام، بل اختلطت الأوراق فأصبح العمل من أجل المصلحة الشخصية يُبَرر باعتباره "خدمةً" للصالح العام. قليل ممن دخلوا القسم على يديه تنزهوا عن الغرض، وسلموا من وباء الانتهازية، وتمسكوا بالقيم الجامعية الأصيلة، والتفانى فى خدمة وطنهم من خلال أدائهم لرسالتهم الجامعية، على رأسهم عُبادة كُحيلة. ولكن هؤلاء عانوا من الاغتراب فى مناخ ملوث بالفساد، وصبروا على ما تعرضوا له من متاعب، وكافحوا من أجل الإصلاح، وخسروا الكثير من المزايا المادية التى جناها المنافقون الانتهازيون الذين حددوا مواقفهم حسب البوصلة التى تحدد اتجاه العناصر التى أدارت القسم والكلية والجامعة. لم يكتف صاحبنا بإعادة هيكلة القسم فى السنوات الست التى أدار فيها شئونه، بل استعان ببعض الأساتذة البارزين بالجامعات الأخرى للتدريس فى السنوات الأولى من فترة رئاسته لسد الفراغ الناشئ عن تقلص هيئة التدريس للأسباب سالفة الذكر. وكان الحرس القديم الذى ترك القسم مستقيلاً للعمل بجامعات الخليج، والذين تجاوز غياب بعضهم خمسة عشر عاماً، استبد بهم القلق لما شهده القسم من بناء جديد لهيكله الأكاديمى، فقد كان أملهم أن يلعب القسم بالنسبة لهم دور المؤخرة التى يتقهقرون إليها عندما تستغنى تلك الجامعات عن خدماتهم، بحجة وجود "حاجة" شديدة إليهم لعدم وجود أعضاء هيئة تدريس بالقسم يكفى لتحمل أعباء التدريس به. ولذلك حاولوا –غير مرة- إحباط مساعى صاحبنا لاختيار بعض العناصر التى كان القسم فى أمس الحاجة إليها، ولكنه نجح –فى معظم الحالات وليس كلها- فى إحباط مساعيهم. برغم من ذلك لم يغلق أبواب القسم أمام من عاد منهم طالباً التعيين كأستاذ غير متفرغ، فسارع إلى تلبية طلباتهم، وحرص على أن ينال كل منهم الاحترام الواجب. وتحمل بصبر جميل التصرفات غير اللائقة التى بدرت من بعضهم. فقد كان يدرك تماماً أن عجلة التطور قد دارت إلى الأمام، ولا يملك أحد إيقافها. وبرغم من كل السلبيات التى بدت بعد تركه لرئاسة القسم، وعودة الأمراض القديمة مرة أخرى بمساعدة الحرس القديم، إلا أن شكل القسم تغير –نسبياً- بصورة واضحة. وهكذا كانت جهود صاحبنا لإعادة بناء الهيكل العلمى للقسم تلقى درجات مختلفةً من المعارضة الصريحة والخفية على حد سواء، أى محاولة وضع العقبات أمام صنع القرار فى مجلس القسم، أو حشد بعض العناصر من أعضاء مجلس الكلية لإعاقة اتخاذ المجلس لقرار أفلت من حصارهم فى مجلس القسم نتيجه موافقة الأغلبية عليه، وهى صعاب أكسبت صاحبنا قدرةً على المناورة التى وظف فيها معرفته الدقيقة بالقوانين واللوائح الجامعية، واستخدام السوابق المناظرة حتى لو قدم بها العهد.

ولكن أغرب ما واجهه صاحبنا المعارضة المستميتة من جانب بعض عناصر الحرس القديم لانتداب أستاذ مرموق فى تخصصه للتدريس بالقسم هو الدكتور يونان لبيب رزق لكونه قبطياً، وبلغ الاعتراض حد الصدام بين صاحبنا ومحمد محمد أمين الذى هاج وقال لصاحبنا إن الله لن يغفر له هذا الجرم، لأن الأستاذ سوف يكيل الدرجات للمسيحيين على حساب المسلمين. وكان صاحبنا شديد الصرامة فى مواجهة عنصرية هذا الزميل ومن كان يسانده من طرف خفى، على طريقة "وماله ... مفيش داعى نعكر جو القسم.. فيه غيره كثير... ليه نخسر بعض على مسألة زى دى"، فأعلن صاحبنا لهما بوضوح أنه لا يقبل التمييز بين المصريين، وأنه مستعد أن يخسر القسم كله، ولا يضحى بمبادئه التى تربى عليها. وفى نهاية العام الدراسى، حرص محمد محمد أمين على المطالبة بأن تُسند إليه لجنة رصد درجات الامتحان للفرقة التى قام يونان لبيب بالتدريس فيها، وعندما فرغت اللجنة من عملها، جاء إلى صاحبنا معتذراً عما بدر منه من اعتراض على انتداب الأستاذ، لأنه اكتشف أن معيار تقييم الطلاب عنده لم يختلف عنه عند غيره. ولم يقبل صاحبنا الاعتذار، بعدما لقن الرجل درساً فى الأخلاق. وتكررت المشكلة نفسها بصورة أخرى، فقد كان بين أوائل الخريجين بدفعة 1986 طالبة قبطية كان ترتيبها الثانى بين ثلاث خريجات حصلن على تقدير جيد جداً. وكان صاحبنا يتولى التدريس للفرقتين الأولى والرابعة، فيهتم فى الفرقة الأولى باكتشاف العناصر المبشرة بين الطلاب من خلال مناقشاتهم معه، وأدائهم. واعتباراً من الفرقة الثانية يتابع كلاًمنهم، فمن استمر واعداً فى الفرقة الرابعة يهتم بتشجيعه ورعايته. وكانت الخريجات الثلاث من بين من تابعهم ورعاهم من طلاب الدفعة، واطمأن إلى أنهن يمثلن خامة جيدة تصلح للتكوين العلمى، فتقدم إلى مجلس القسم باقتراح تكليف الطالبات الثلاث معيدات بالقسم، على أن تكون الأولى والثانية فى فرع التاريخ الحديث والثالثة فى فرع التاريخ الإسلامى.

وهنا اعترض حسنين ربيع (أستاذ تاريخ العصور الوسطى ووكيل الكلية عندئذ) على تعيين معيدتين بالتاريخ الحديث طالباً الاكتفاء بواحدة، وعندما نبهه صاحبنا إلى أنه أستاذ التخصص وهو الأدرى بحاجته، انفعل ربيع وقال إن القسم تخلص من هؤلاء قبل ما يزيد عن خمسين عاماً، فلا يجب أن يُسمح لهم بدخوله على يدى صاحبنا، وكان يقصد التخلص من عزيز سوريال عطية عام 1944، بنقله إلى آداب الإسكندرية وعندما ضاقت به السبل هناك، هاجر إلى أمريكا، وأصبح من أعظم علماء العالم ويعد برنارد لويس (أستاذ ربيع) نكرةً مقارنة بعزيز سوريال عطية. ولم يكن باستطاعة صاحبنا أن يدع الأمور تأخذ هذا المجرى دون وقفة حازمة بين فيها مدى الخسارة التى لحقت بالقسم نتيجة التخلص من عزيز سوريال عطية، وتدهور التخصص على أيدى من خلفوه. وأن المعروض تعيين معيدة يحتاج إعدادها إلى ما قد يصل إلى عشر سنوات لتصبح مدرسة بالقسم، وانه لو وجد أستاذاً قبطياً يرغب فى النقل إلى القسم سوف يحارب من أجل ضمه للقسم إذا كان على درجة كافية من الكفاءة. وعند التصويت على قرار التكليف وافق الجميع ولكن ربيعاً لزم الصمت، فلم يعترض ولم يوافق. تحسَّب صاحبنا لموقف ربيع، فهو يعرفه جيداً منذ وطأت أقدامه القسم معيداً بالماجستير، وكان ربيع –عندئذ- مدرساً عاد لتوه من البعثة بلندن، ويعرف أيضاً طرقه فى الدس، وحشد بعض من هم على شاكلته من أعضاء مجلس الكلية لإحباط مساعى صاحبنا لتطوير القسم. وكان يدرك –تماماً- أنه بحكم موقعه كوكيل للكلية سوف يدبر مكيدة ما لمنع قرار تكليف الطالبة القبطية. وقبل انعقاد مجلس الكلية بيوم واحد اتصل صاحبنا بمديرة مكتب عميد الكلية يسألها عن جدول أعمال المجلس، وعما إذا كان قد أدرج فيه تكليف المعيدين، فردت بالإيجاب، فسألها عن أسماء من رشحهم قسم التاريخ، فذكرت اسمين فقط، ليس من بينهما الطالبة القبطية، ولما سألها عن سبب عدم إدراج اسمها تنفيذاً لقرار القسم المبلغ رسمياً للعميد، قالت أن الدكتور ربيع ذكر أن القسم يرجئ ترشيحها للمزيد من دراسة الموضوع، فاستجاب العميد له. كان هذا التصرف من جانب العميد مخالفاً تماماً للقانون ، لأن قرار مجلس القسم يجب عرضه على مجلس الكلية كما هو دون تغيير أو تبديل، ولمجلس الكلية وحده سلطة الاعتراض مع بيان أسباب موضوعية لذلك، كما إن التقاليد الجامعية تقتضى بأن يراجع العميد رئيس القسم إذا شاء فى أى قرار يصله من القسم فإذا تمسك رئيس القسم بقرار القسم، وجب عرضه على مجلس الكلية كما هو. كان الموقف دقيقاً للغاية، فإذا مرت جلسة مجلس الكلية دون تكليف الطالبة المعنية، كان من الصعب تدارك ذلك فى جلسة أخرى بعشرات الحجج، منها ما أثاره ربيع بمجلس القسم من الاكتفاء بمعيد واحد فى التخصص، فتضيع القضية المبدئية التى يراها أساسية، وتختفى العنصرية والتعصب وراء ستار "الصالح العام". هنا قرر صاحبنا أن يلقن العميد (عبد العزيز حمودة) درساً قاسياً، فكتب على الفور خطاب استقالة "من خدمة جامعة مبدأها التمييز بين المصريين على أساس الدين، ودينها التعصب الأعمى" وأوضح أن استقالته إنما جاءت احتجاجاً على تلك الواقعة، وطلب من العميد رفع الاستقالة إلى السلطات الجامعية. وأرسل خطاب الاستقالة إلى مكتب العميد دون وضعه فى ظرف، ليُسلم على "السركى". وكان القصد من ذلك أن يقرأه كل من هب ودب قبل أن يقرأه العميد نفسه، وأن تُطَيِّر "وكالة أنباء النميمة" الخبر بين ربوع الكلية. فإذا رفعت الاستقالة إلى السلطات الجامعية لا يمكن قبولها –بحكم القانون- إلا بعد إجراء تحقيق فى الأسباب الواردة بها. بدأ صاحبنا يجمع أوراق مكتبه استعداداً لمغادرته، ولم تمض أكثر من نصف الساعة حتى وجد عبد العزيز حمودة أمامه وبيده خطاب الاستقالة، وقال لصاحبنا "إنت عاوز تودينى فى داهية، أنا مالى ... إن شاء الله تعين عشرة أقباط، أنا ما عنديش مانع" ومزق خطاب الاستقالة، وذكر له أنه فهم كلام ربيع معه عن هذه الحالة أنه تطور تال لقرار القسم، وأنه تحدث بناء على تكليف من صاحبنا.

ومر الموضوع بمجلس الكلية، وأصبحت هناك معيدة قبطية بقسم التاريخ لأول مرة فى تاريخه، أصبحت مدرساً بالقسم بعد حصولها على الدكتوراه بعدما بذل صاحبنا جهداً فى تكوينها وإعدادها. ورغم أن ربيعاً تسلق مناصب الجامعة، فكان عميداً للكلية ثم نائباً لرئيس الجامعة، إلا انه لم ينس لصاحبنا ما فعله بالقسم من "تشويه" (من وجهة نظره)، وظل يتخذ دائماً فى كل مسألة الموقف المعارض له. فعندما فضح صاحبنا حامد زيان، وضغوطه على أعضاء هيئة التدريس أثناء رئاسته للقسم لتحصل ابنته على أعلى الدرجات ويتم تعيينها معيدة، كان الموقف الطبيعى لربيع فى صف الفساد، ولعب الدور الأكبر فى الحيلولة دون فتح تحقيق فى الموضوع الذى كانت أدلته واضحة، مستغلاً فى ذلك صلته الشخصية بنجيب الهلالى جوهر رئيس الجامعة الذى اتخذ منه مستشاراً له، فتم تعيين ابنة رئيس القسم، ولم يعد أمام صاحبنا والعناصر الشريفة من أساتذة القسم سوى اللجوء إلى القضاء. كذلك حرص ربيع على إعادة ترتيب أقدميات الأساتذة بما يمكنه من الهيمنة على القسم من خلال من ساق إليها التلاعب بالأقدميات رئاسة القسم. فاستغل رئاسته للجنة العلمية لترقيات الأساتذة والأساتذة المساعدين، وكانت لجنة سباعية عين أعضاءها وحدد شخص رئيسها وزير التعليم العالى. من ذلك تعطيل البت فى ترقية عُبادة كُحيلة إلى درجة أستاذ (رغم ورود تقارير الفاحصين بجدارته للترقية) عدة أشهر بحجة استيفاء شرط النشر لأحد الأبحاث المقدمة، وهي حجة غير صحيحة حتى تمت ترقية ليلى عبد الجواد التى تقدمت بعده بما يزيد على الشهر، وبذلك أصبحت الأقدم وتأهلت لرئاسة القسم. على حين حُرم عُبادة كُحيلة من حقه الطبيعى ظلماً وعدواناً، بفضل تواطؤ بعض أعضاء اللجنة مع ربيع، وسلبية البعض الآخر.

[تحرير] موعد مع الرئيس

كان صاحبنا من أبناء الجيل الذى عاصر احتضار العصر الملكى، وعاش ثورة يوليو العظيمة بوعيه التام. شارك وهو بالمدرسة الثانوية فى مظاهرات 1954 المطالبة بالديموقراطية، وتطوع فى الحرس الوطنى مرتين: أيام عدوان 1956، وعشية هزيمة يونيو 1967. وشارك فى المظاهرات المعادية للأحلاف والمؤيدة للحياد الإيجابى أيام الدراسة بالجامعة، ومظاهرات التأييد للوحدة المصرية السورية، والمظاهرة الكبرى التى شهدتها القاهرة عشية الانقلاب على الوحدة، وهى التى سار فيها على الأقدام من شبرا إلى جامعة القاهرة، ووقف عبد الناصر يخطب فى الطلاب على سلم مدخل إدارة الجامعة، وكان من حظ صاحبنا أن موقعه كان لا يبعد عن الزعيم الصامد سوى ثلاثة أمتار تقريباً. ومشى مع الجماهير التى فجعت بهزيمة 1967 وتنحى الرئيس، مظاهرات 9، 10 يونيو 1967، فسار من شبرا إلى مجلس الشعب، وكان من المبتهجين باستجابة الرئيس لنداء الجماهير، بقدر ما أصابه الهم والحزن عندما بدأت المحاكمات تكشف القصور الخطىًر فى القوات المسلحة، فضلاً عن سوء إدارة الأزمة التى أدت إلى وقوع مصر فى فخ الهزيمة. ولم يحزن على أقرب الناس إليه مثلما حزن على وفاة عبد الناصر. وتابع بقلق شديد سياسات السادات الداخلية والخارجية، وانتشى فرحاً بما حققته القوات المسلحة من ثأر لهزيمة 1967، بقدر ما اكتأب عندما وقعت الثغرة. واستشرف الخطر وهو يتابع الطريقة التى أدار بها السادات الأزمة، وتمنى لنفسه الموت قبل أن يرى رئيس مصر معتلياً منصة الكنيست بالقدس، واضعاً (99% من أوراق اللعبة) بيد القوة الإمبريالية المساندة للصهيونية.

لم يكن صاحبنا نموذجاً فريداً فى ذلك كله، فهو شأنه شأن غيره من السواد الأعظم من الشعب المصرى من الفلاحين والعمال، كان صنيعة ثورة يوليو، ومن أصحاب المصلحة الحقيقية فى نجاح برنامجها. ولكنه لم يكن من "دراويش" الثورة الذين ينخرطون فى "أذكار" المناقب، بل كان ممن ينظرون نظرة نقدية إلى الممارسات السياسية، فيقدر ما كان إيجابياً منها. وتوجس خيفة على إنجازات الثورة، والاستفتاءات التى حولت هذه الآلية الديموقراطية إلى مهزلة حقيقية، وتعاظم دور الأجهزة الأمنية وتعددها، وكبت كل صوت ناقد باعتباره معارضاً خارجاً على النظام. والزج بالفصائل السياسية المعارضة فى المعتقلات حيث تهدر آدميتهم، وتشرد عائلاتهم.

ورغم ما كان يكنه من إعزاز وتقدير لعبد الناصر كزعيم وطنى، ومناضل عظيم ضد الاستعمار، وبطل للتحرر الوطنى، هاله مفهوم عبد الناصر للحرية السياسية والذى طرحه فى خطابه الذى ألقاه بمناسبة المظاهرات الطلابية والعمالية التى قامت احتجاجاً على أحكام الطيران، ونادت بالحرية السياسية "عاوزين حكومة حرة ... العيشة بقت مرة"، وذلك بعد اقل من عام على مظاهرات 9، 10 يونيو التى خرجت فيها الجماهير نفسها تعلن تمسكها بعبد الناصر. فقد استنكر الزعيم فى خطابه المطالبة بالحرية، واعتبر أن الحرية تعنى تكافؤ الفرص، وإتاحة فرصة التعليم والعمل والسكن أمام المواطنين، أى إنه ليس من شأن الجماهير مناقشة أى قرار سياسى فضلاً عن أن يكون لهم حق المشاركة فيه. وكان صاحبنا يرى أن عبد الناصر أهدر ظرفاً تاريخياً جلبته الهزيمة كان باستطاعته الاستفادة منه بإجراء إصلاح سياسى حقيقى تتخلص فيه البلاد من فساد التنظيم السياسى، والمؤسسات البيروقراطية، وتوحش أجهزة الأمن، ويصحح مسار التجربة كلها.

لقد كان عبد الناصر منحازاً انحيازاً تاماً للفقراء، وقدم لهم من المنجزات ما لم يتحقق فى تاريخ مصر من قبل ولا من بعد. ولكنه كان شديد الحذر من الاعتماد السياسى على الجماهير، وتنظيمها سياسياً ومشاركتها فى صنع القرار، مكتفياً بما له من شعبية عندهم، وهى وحدها لا تكفى لحماية النظام وقت الخطر، وهى نفسها الثغرة التى نفذ منها السادات لتصفية ثورة يوليو وإهدار إنجازاتها التنموية، وإثارة مناخ التعصب الدينى الناجم عن إفساح الساحة أمام التيار الإسلامى السلفى الرجعى الذى عرض الوحدة الوطنية للخطر، وأهدر أو كاد ما حققته الوحدة الوطنية من منجزات منذ ثورة 1919.

ورغم انتماء صاحبنا إلى ثورة يوليو قلباً وقالباً، وإلى الطبقة الاجتماعية التى ردت لها الثورة اعتبارها، وحفظت كرامتها، وفتحت أمامها أبواب الحراك الاجتماعى، إلا أنه عزف عن الانتماء إلى تنظيماتها السياسية من "هيئة التحرير" مروراً "بالاتحاد القومى" إلى "الاتحاد الاشتراكى العربى"". فقد رأى رأى العين العناصر الوطنية الشريفة التى كانت على أتم استعداد للتضحية بحياتها دفاعاً عن الثورة تتعرض للعزل السياسى، وتفقد حقوقها فى المشاركة فى العمل السياسى والنقابى بسبب التقارير التى كان يكتبها الانتهازيون الذين لبسوا لباس حماة الثورة، وكانوا –فى حقيقة الأمر- معاول هدم لها. وهكذا غلب على التنظيم السياسى مواكب النفاق والانتهازية من القاعدة إلى القمة. ولا أدل على ذلك من اشتراك هذه العناصر ذاتها فى تصفية منجزات الثورة على مر العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين. وهكذا كان صاحبنا يتخذ لنفسه مكاناً بين "الأغلبية الصامتة"، ولكنه يخرج عن صمته فى محاضراته إلى تلاميذه وفى بعض المقالات التى كان يكتبها هنا وهناك، ناقداً لسياسة القطاع العام، أو معبراً عن رأيه فى القضايا العامة، أو محذراً من المساس بالوحدة الوطنية، القاعدة الصلبة للشخصية المصرية، والضمان القوى لتماسك المجتمع المصرى. وكان له شرف الاشتراك مع نخبة من كبار المثقفين فى تأسيس "الجمعية المصرية للوحدة الوطنية" فى أواخر الثمانينيات من القرن العشرين. ولم يقدر لصاحبنا الاحتكاك بأهل السلطة إلا فى عهد السادات، وكانت نتيجة ذلك الاحتكاك سلبية. فبعد عودته من قطر، وذات صباح من منتصف نوفمبر 1978، تلقى مكالمة تليفونية بقسم التاريخ بآداب القاهرة قدم له المتحدث نفسه على أنه من رئاسة الجمهورية، وأخبره أنه "مكلف" بحضور اجتماع بعد غد له صفة سرية، وأن عليه أن يحضر معه ما يكفيه من ملابس لمدة ليلتين أو ثلاث ليال. وعندما قال صاحبنا لمحدثه إنه قد لا يتمكن من الحضور لمشاغل وارتباطات أخرى، قال محدثه أن التعليمات التى لديه عدم قبول أى اعتذار، وانتهت المكالمة. دُهش صاحبنا من هذه المكالمة، وخاصةً أنه لا صلة له بمؤسسات السلطة، كما كان غائباً عن البلاد لمدة أربعة أعوام، ولم تكن له روابط بأى "شلة" داخل الجامعة أو خارجها. وقدر أن المكالمة ربما كانت مقلباً سخيفاً دبره شخص ما على سبيل الدعابة "السخيفة"، واستعرض فى ذهنه أسماء الأصدقاء الذين قد يكون صاحب المكالمة منهم فلم يجد بينهم من يقدم –فى تقديره- على مثل تلك الصغائر. وهداه تفكيره إلى الاتصال بصديقه الدكتور جمال زكريا قاسم عميد آداب عين شمس، ليستعلم له عن الموضوع عن طريق صهره الذى كان ضابطاً برتبة لواء فى الحرس الجمهورى. وعندما اتصل بجمال زكريا، اتضح أنه تلقى مكالمةً مماثلة، وأنه –أيضاً- يتشكك فى صحتها.

فلما اقترح عليه صاحبنا الاتصال بصهره لاستطلاع جلية الأمر، أعجبته الفكرة وقام بتنفيذها، وعاود الاتصال بصاحبنا ليبلغه بصحة الأمر وجديته، واحتمال أن يكون هناك اجتماع بالإسماعيلية، أما موضوعه فغير معروف. عندما وصل صاحبنا إلى مكان التجمع بمعهد الدراسات الاشتراكية بمصر الجديدة فى الثامنة صباحاً وجد حشداً من أساتذة الجامعات فى تخصصات: الاجتماع والعلوم السياسية والاقتصاد، والتخطىًط، والتاريخ الذى كان يمثله جمال زكريا ومحمود متولى وصاحبنا. وبرغم من وجوهاً كثيرة بين الحضور كان لا يعرفها صاحبنا، إلا أنه ادرك أن الاختيار كان –على ما يبدو- عشوائياً، روعى فيه التركيز على من لم تكن لهم صلات بالاتحاد الاشتراكى، وإن كان اختيار محمود متولى ضمن هؤلاء يشى بعدم دقة المعلومات لدى من قام بالاختيار. فقد كان الرجل من العناصر التى هوت التسلق على كل تنظيمات الثورة، وله كتاب ضخم نُشر فى منتصف الستينيات بعنوان "الاتحاد الاشتراكى وعاء الديموقراطية"، وكان زملاؤه يفضلون دائماً أن يستبدلوا بكلمة"وعاء" كلمة "طشت" كلما ورد ذكر الكتاب على لسان أحد، وكان رجلاً بريئاً من شبهة "القدوة" فكان وجوده (على ما هو معروف عنه) يوحى بعدم الاطمئنان إلى من لا يعرفهم صاحبنا وصديقه جمال زكريا بين ذلك الحشد، الذين اتضح –بعد قليل- أن نصفهم تقريباً كانوا من ضباط المخابرات الذين دسوا بين أعضاء هيئة التدريس المدعوين.

شُحن القوم فى ست سيارات ميكروباص تتبع إحدى شركات السياحة (تبين أنها تابعة للمخابرات)، وكان بكل سيارة شخص بادر الركاب بتحية الصباح معلناً انه "مندوب الرياسة" وأن وجهة الركب الإسماعيلية. وعندما وصل الركب إلى الإسماعيلية وجدوا أنفسهم أمام المبنى القديم لإدارة شركة قناة السويس، وكان فى استقبالهم عثمان أحمد عثمان، ومنصور حسن (وزير الثقافة) الذى كان من أمناء الحزب الوطنى الديموقراطى الذى أسسه السادات بديلاً للحزب الذى أسسه فى إطار تحويل الاتحاد الاشتراكى إلى منابر ثم أحزاب، وحمل اسم "حزب مصر العربي الاشتراكى"، ثم عندما أسس السادات "الحزب الوطنى الديموقراطى" هرع أعضاء حزب مصر الاشتراكى إلى حزب الرئيس، وتركوا حفنة من الأعضاء يحملون لافتة حزب مصر الاشتراكى ممن كان انضمامهم بدافع مبادئهم وليس نفاقاً لحامل صولجان السلطة.

صافح عثمان أحمد عثمان ومنصور حسن المدعوين ورحبوا بهم، وعندما دخلوا وجدوا أنفسهم فى قاعة اجتماعات تتسع لحوالى ثمانين شخصاً، صفت مقاعدها فى نحو ثمانية صفوف بكل منها عشرة مقاعد، تتصدرها منصة عريضة بجوار المدخل، تتسع لأربعة أو خمسة أفراد. واتخذ المدعوون مقاعدهم، ولاحظ صاحبنا أن جيب سترة الجالس بجواره بها جهاز لاسلكى ينقل إشارات متبادلة مع الأمن، وضع الرجل فمه داخل الجيب الداخلى للسترة للرد عليها. وسرعان ما اكتشف أن الجلوس رُتب على أساس أن يجلس فى كل صف ستة من أعضاء هيئة التدريس بينهم أربعة من ضباط المخابرات، واحد منهم على كل طرف، واثنان بين الجلوس. وبعد نصف ساعة تقريباً دخل السادات القاعة يتبعه محمد حسنى مبارك (نائب الرئيس)، واتجه السادات عبر الممر الجانبى للقاعة إلى الصف الأخير وصافح الجميع فرداً فرداً (بما فى ذلك ضباط المخابرات) حتى وصل إلى الصف الأول ثم جلس إلى المنصة وعن يمينه نائب الرئيس، وعن يساره عثمان أحمد عثمان يليه منصور حسن. وخلت القاعة من رجال الصحافة والتليفزيون وكاميرات التصوير، فقد حرص منظموه على عدم وصول أخباره إلى الإعلام. ساد الصمت القاعة بعدما اتخذ الرئيس مجلسه وكانت أنظاره متجهةً إلى سقف القاعة، أما النائب فكان نظره على القاعة، وقد ضم يديه إلى بعضهما البعض فوق المنصة، وظل كذلك حتى نهاية الاجتماع، بينما كان عثمان أحمد عثمان مبتسماً يتبادل حديثاً هامساً مع منصور حسن. وقطع الرئيس الصمت قائلاً: "فين الغليون بتاعى؟"، فقام أحد الجلوس فى الصف الأول ليقدم للرئيس غليونه والطباق، وأخذ الرئيس يحشو غليونه بالطباق باسترخاء وهدوء، ثم أشعله وأذن لمنصور حسن فى الكلام.

غادر منصور حسن المنصة إلى ميكروفون كان موضوعاً على بعد مترين فى مواجهتها إلى الجانب الأيسر منها، وبدأ كلمته بالإشارة إلى أنه بناء على توجيهات الرئيس، جمع له هذه المجموعة من أساتذة الجامعات الذين روعى فى اختيارهم التميَّز العلمى، والوطنية المتدفقة، وأنهم جاءوا ليستمعوا إليه، وهم على استعداد تام لأداء واجبهم الوطنى الذى يكلفهم به الرئيس. وبدا هذا الكلام غريباً لا يبعث على الطمأنينة، بل يوحى (لصاحبنا) أنه فى طريقه للتورط فى عمل يحدده السادات، وأصبح همه التفكير فى مخرج من المأزق. ولاحظ أن منصور حسن رفع الكلفة تماماً بينه وبين الرئيس، فلا يستخدم عبارات جرى العرف على استخدامها فى مثل هذه المناسبات، فيقول له: "أنت طلبت كذا" و"أنت كلفتنى بكذا"، وكأنه يخاطب زميلاً أو رجلاً فى مستواه نفسه. وأعلن فى ختام كلمته القصيرة إن "الكلمة الآن للسيد الرئيس". صفق الحضور وساد القاعة صمت مطبق من جديد حتى سحب الرئيس عدة "أنفاس" من غليونه، ثم تنحنح، وبدأ الكلام بحديث طويل عن الكفاح الوطنى ضد الإنجليز، واشتراك الشباب فيه، وارتفاع مستوى الوعى السياسى عندهم، وأن مبعث قلقه على مصر أن الشباب أصبح سلبياً لا يأبه للمشاركة فى العمل العام، لأن مراكز القوى فى الاتحاد الاشتراكى المنحل لم يقدموا له القدوة والمثل، كما أن الكتاب ورجال الصحافة لم يهتموا بالشباب، وبذلك لا يبقى للعمل العام سوى جيله هو وجيل الوسط، وهما جيلان "أصابهما العفن"، ولا أمل فيهما فى إعادة بناء مصر التى يحلم بها. وضرب مثلاً بمصطفى أمين، فقال إنه يعلم تماماً أنه "وسخ" وأنه أخرجه من السجن، وأعاده إلى العمل بالصحافة ليتصدى "للأوساخ" الذين يسمون أنفسهم "الناصريين" وعبد الناصر برئ منهم، فهم ينسبون إليه أفكاراً لم تدر بخلده. ولكنه صُدم عندما كتب ذلك "الوسخ" مقالاً بعنوان "أهلاً بالوفد". تحشرج صوت الرئيس عند هذا الحد، وقال: "ماشفتوش وساخة أكثر من كده؟!"، فضجت القاعة بالتصفيق! صمت الرئيس برهة، ثم قال بنبرة حازمة وهو يلوح بسبابته إلى الحضور "علشان كده جمعتكم، لأنكم نجوتم من (الوساخات)، ولأنكم (فخر) مصر، علشان تربوا لمصر جيل (نظيف) قوى يعيد لها مجدها الذى أضاعه (أصحاب الشعارات). عاوز شباب وطنى مستعد لفداء الوطن بروحه، شباب قادر على حمل المسئولية فى المستقبل، على أن تكون الوطنية والسمعة الطيبة هى معيار اختيار هؤلاء الشباب، الذين سيتم تنظيم دورات تثقيفية لهم "بمعهد الدراسات الوطنية" الذى كان يسمى " معهد الدراسات الاشتراكية "، يتعلم فيه الشباب (الكلام الحنجورى)، والآن يريد أن يعلمهم حب مصر". وأنه اختارهم ليكونوا هيئة التدريس بهذا المعهد، وسوف يلقاهم بعد ظهر الغد ليطلعوه على برنامج الدراسة، الذين عليهم إعداده الليلة، ليُعرض عليه فى الصباح قبل حضوره الاجتماع.

وبعد انصراف الرئيس وصحبه، استبقى منصور حسن المدعوين فى مقاعدهم، ووقف مرة أخرى ليؤكد أن الأمل معقود عليهم، ويبلغهم بمكان اجتماعهم مساءً لوضع برامج الدراسة، والأسس التى يجب مراعاتها عند وضع مواد الدراسة فى أقسام المعهد الأربعة: التاريخ، والاجتماع، والاقتصاد، والعلوم السياسية. كان هم صاحبنا وصديقه جمال زكريا البحث عن مخرج لهذه الورطة، وقاما بوضع تصور لمواد الدراسة. وكانت ليلة حالكة السواد بالنسبة لصاحبنا، لم يطرق النوم فيها جفونه إلا عند الفجر. وهرع الجميع إلى نادى المحافظة حيث الموعد الذى اتفق عليه فى المساء لطرح البرامج على منصور حسن، وتسليم مسوداتها له لتُكتب بشكل لائق قبل تقديمها للرئيس. وحوالى الثانية بعد الظهر انتقل الجميع إلى مبنى شركة قناة السويس القديم للالتقاء بالرئيس فى مكان اجتماع الأمس، وبدأت مراسم الاجتماع بنفس الطريقة من حيث ترتيب الجلوس فى القاعة بين ضباط المخابرات وعلى المنصة، وطلب الغليون وتعبئته وإشعاله، ثم إعطاء الكلمة لمنصور حسن الذى أعلن للرئيس أن الجميع أدركوا المهمة التى كُلفوا بها، وأنهم بدأوا اجتماعهم المسائى باستلهام الأفكار الأساسية -التى وضعوها نبراساً أمامهم- من خطابه، ثم أعطى الكلمة لكل من رؤساء الأقسام الأربعة الذين تم اختيارهم مساء اليوم السابق، فألقى جمال زكريا كلمة رئيس قسم التاريخ، مشيداً "بالحس التاريخى عند الرئيس" مستعرضاً عناوين المقررات، واعداً بموافاة المعهد بتفاصيلها وأسماء من يقترحهم للتدريس. وفعل بقية رؤساء الأقسام الشئ نفسه، ثم ختم الرئيس الاجتماع بكلمة قصيرة (حوالى ربع ساعة) هنأ فيها الجميع على "الإنجاز الرائع" الذى حققوه فى زمن قياسى، وأن فكرة دعوتهم إلى الإسماعيلية كانت فكرةً صائبة حتى يُتاح لهم التفرغ للمهمة بعيداً عن أعباء أعمالهم. بعد انصراف الرئيس وبطانته، استبقى منصور حسن الحضور فى أماكنهم، ليعلن ضرورة تسليم جداول الدراسة وأسماء من يتم اختيارهم للتدريس له شخصياً بمكتب وزير الثقافة بالزمالك فى تمام السابعة مساء السبت (أى بعد 48 ساعة)، على أن يحضر هذا الاجتماع رؤساء الأقسام الأربعة، فاعتذر جمال زكريا للوزير عن عدم الحضور لأن لديه اجتماعاً آخر بالجامعة لا يستطيع التخلف عن حضوره، وأنه يفوض صاحبنا لحضور الاجتماع نيابةً عنه، فوافق الوزير.

ذهب صاحبنا إلى مكتب الوزير فى الموعد المحدد، ليجد الدكتور       عبد الملك عودة الذى اختير رئيساً لقسم العلوم السياسية قد سبقه إلى هناك بدقائق، وكان الوزير جالساً إلى مكتب صغير (نسبياً) وبجواره رجل متوسط القامة يهمس للوزير بحديث بدا من رد فعل الوزير أن هذا الرجل قد يكون سكرتيره أو أحد صغار موظفى مكتبه. وفضل الوزير أن يرى ما فى جعبة الرجلين اللذين حضرا فى الموعد بادئاً بقسم التاريخ، فعرض صاحبنا المواد، وأسماء من يقترح القسم إسناد تدريسها إليهم.وكان من بين من ذكرهم يونان لبيب رزق، واسحق تاوضروس عبيد، وكل منهما كان حجة فى الموضوع الذى اختير من أجله.

ما كاد صاحبنا يصل إلى ذكر الاسمين حتى قاطعه الرجل الجالس بجوار الوزير قائلاً: "مش لازم دول شوفوا حد تانى.. الأساتذة كثر". فرد عليه صاحبنا بقوله: "لا شأن لك بهذا، فأنا لا أوجه الحديث إليك وإنما إلى سيادة الوزير". فتدخل منصور حسن قائلاً: "الله.. هو انت متعرفش الدكتور مصطفى السعيد، ده زميلك فى جامعة القاهرة، ثم لماذا الإصرار على هؤلاء؟" هنا لاحت لصاحبنا فرصة ذهبية للخروج من مأزق التعاون مع نظام السادات، فرد على الوزير قائلاً" "يظهر سيادتك نسيت الدرس العظيم اللى قدمه لنا الرئيس من يومين بس.. الرجل قال إنه يريد إعداد شباب جديد لمصر، يتدفق بالوطنية، وأكد على ألا يكون هناك تمييز، وكلام سيادتك غريب ومتناقض مع ما تعلمناه من الرئيس. هل معنى هذا أن من يُختارون للدراسة لن يكون بينهم أقباط؟". فنفى الوزير ذلك، واستطرد صاحبنا: "إذا كان كلامك صحيح، وإن كانت الشواهد تدل على غير ذلك، فما معنى الاعتراض على اثنين من الأساتذة الأكفاء الوطنيين المصريين بدون سبب سوى ديانتهما؟، إننا نتمسك بما قدمناه من أسماء". وهنا قال الأستاذ الفاضل الدكتور عبد الملك عودة "وأنا انضم إلى قسم التاريخ فى هذا الموقف فلدى زميلان من الأقباط اخترتهما للتدريس ولست على استعداد لاستبدال أى منهما بآخر، لأنهما حجة فى مجالهما." فقال الوزير: "على العموم يأخذ الدكتور مصطفى السعيد الجداول منكم للنظر فيها وسوف يتم الاتصال بكم فيما بعد".

ولم يتلق صاحبنا ولا عبد الملك عودة اتصالاً من أحد، وتأخر افتتاح برنامج تدريب الشباب بالمعهد نحو ستة شهور، ليتم على أيدى عناصر أخرى غير تلك التى سيقت لمقابلة السادات بالإسماعيلية على ذلك النحو الغريب. ويكشف موقف منصور حسن وتابعه مصطفى السعيد من المنزلق الذى قاد السادات مصر إليه، فليس من المنطقى أن يكون موقف الوزير مغايراً للتعليمات التى يتلقاها من الرئيس، بل كان خطاً عاماً التزمه النظام، والدليل على ذلك التجربة المريرة التى مر بها صاحبنا نفسه، وكان له فضل فضحها أمام الرأى العام.

فقد كان صاحبنا يضع امتحانات الثانوية العامة فى السنوات 1982- 1987 لمادة التاريخ، وكان حريصاً على أن يكون الامتحان فى مستوى الطالب المتوسط، مع جعل نصيب الأسئلة التى تحتاج إلى تفكير لا تسميع لا يقل عن 60%، كما كان حريصاً على الإفلات من النمطية حتى لا تتحول الأسئلة إلى شكل ثابت يساعد مافيا الدروس الخصوصية على "توقع" ما تأتى به كل عام، حتى ضاق صاحبنا ذرعاً بما تسبب له هذه المهمة من توتر وقلق، فاعتذر عن عدم وضع أسئلة عام 1988 بحجة أن ابنة أخيه بالثانوية العامة ذلك العام، ورفض أن يضع امتحان السودان أو امتحان غزة، ونفض يديه من هذه المهمة المزعجة.

وعندما كان معاراً للجامعة الأمريكية بالقاهرة، اتصل به عام 1992 مستشار المواد الاجتماعية بوزارة التربية والتعليم يستأذنه فى أن يتولى وضع امتحان الثانوية العامة ذلك العام، فاعتذر صاحبنا عن عدم القبول لأن جدوله لا يسمح له بفراغ يجتمع أثناءه باللجنة الثلاثية ليرجع إلى رأيها، ثم يضع الامتحان وحده، ولا يسمح لهم إلا بوضع توقيعاتهم فى المكان المخصص لذلك مبالغةً فى الحفاظ على السرية، كما درج على ذلك طوال السنوات السابقة التى وضع فيها الامتحان. وبعد ترجٍ وتمنٍ سأله مستشار المواد الاجتماعية أن يرشح له أحد الأساتذة لوضع الامتحان، فاقترح على الفور اسم يونان لبيب رزق، فضحك الرجل على الطرف الآخر من الخط وقال: "هوه سيادتكم مش عارف إن الأمن مانع أهل الذمة من وضع الامتحانات؟"، فاستنكر صاحبنا ذلك، وأرجع ذلك إلى موقف شخصى من محدثه فأقسم "بتربة أبوه" أن تلك تعليمات معروفة للجميع، ولا يملك أحد الخروج عنها. وطلب اسماً آخر، فرشح له صاحبنا عاصم الدسوقى، فقال: "لأ لأ ما هو ده اللى عمل مشكلة للوزارة السنة اللى فاتت لأنه وضع امتحان التاريخ وجاب فيه سؤال عن فلسطين". وعندما استغرب صاحبنا أن يكون الجزء الخاص عن فلسطين فى المقرر قد حُذف، فرد عليه بأنه موجود، ولكن اتفاقيات التطبيع تمنع ذلك، وأن وجود سؤال عن فلسطين فى العام الماضى "وضع الوزارة فى موقف بالغ الحرج". هنا لم يملك صاحبنا سوى أن يلعن آباء محدثه وجدوده، ويتهمه بالعمالة، ويتوعده بأن يبلغ ذلك للوزير. الغريب أن الرجل تلقى الإهانة برحابة صدر ولم يقل أكثر من "الله يسامحك يا بك.. وزير إيه؟ إنت فاهم الوزير يقدر يكسر كلام الأمن؟".

فكر صاحبنا فى أن يكتب للوزير طالباً المقابلة، أو أن يكتب له مذكرةً تفصيلية بما حدث من محمد فوزى مستشار المواد الاجتماعية (الذى لا يعرفه معرفة شخصية). ولكنه استعاد كلام الرجل معه، وقلَّبه على مختلف الوجوه، فوجد أن رجلاً فى هذا المركز الذى يعادل وكيل وزارة أول لا يمكن أن يورط نفسه فى حديث من هذا النوع، إلا إذا كان واثقاً من أن يد الوزير لن تطوله، لأن المسألة تتعلق بالأمن. واستقر رأى صاحبنا على فضح ذلك العفن الذى أصاب الإدارة المصرية، بكتابة خطاب مفتوح للوزير يُنشر بالأهرام. فأعد الخطاب موجهاً للوزير كزميل (بحكم كونه أستاذاً) باعتبار أن الأستاذية هى الأبقى وأن الوزارة عرض زائل، لا يبقى منه إلا ما قدمه الوزير لبلاده، وبعد تناول القضية، أُعتبر الوزير مسئولاً أمام الرأى العام عن إيضاح أسباب هذا التردى الذى وقعت فيه الوزارة بضرب الوحدة الوطنية والتنكر لقضية فلسطين خدمة للتطبيع. اتصل صاحبنا بالمسئول عن صفحة الرأى فى الأهرام يسأله عن إمكانية النشر، وعندما علم الرجل بالموضوع اعتذر عن عدم إمكانية ذلك بحجة أن "تقاليد" الأهرام تمنعه من ذلك. وكان صاحبنا على موعد اللقاء الأسبوعى مساء كل سبت مع صديقه جلال السيد ومجموعة من الأصدقاء، على رأسهم عبد العال الباقورى الذى كان (عندئذ) رئيساً لتحرير الأهالى. وعندما استعلم الأصدقاء من صاحبنا عن سر تجهمه أخبرهم بالأمر، فأبدى عبد العال الباقورى استعداده لأن ينشر المقال على الصفحة الأولى بالأهالى، وقد كان. وبمجرد صدور الأهالى صباح الأربعاء، طلب حسين كامل بهاء الدين اجتماع لجنة التعليم بمجلس الشعب، فاجتمعت اللجنة على عجل، ووقفت منى مكرم عبيد تهاجم صاحبنا وتتهمه "بالعبث" بالوحدة الوطنية! وهو موقف فهمه صاحبنا جيداً لأنه كان مشرفاً مشاركاً لمحمد محمود الجوهرى على رسالة منى مكرم عبيد للدكتوراه فى منتصف الثمانينيات وقام وزميله بإسقاط قيدها لعدم جديتها فى الدراسة، فرأت فى القضية مناسبةً لتوجيه ضربة لصاحبنا، ومجاملة الوزير. واتخذت اللجنة قراراً بالتحذير من اتخاذ التعليم أداة للصراع السياسى!. نُشر قرار اللجنة بصفحة أخبار الدولة بالطبعة الأولى بجريدة الأخبار، وأُسقط من باقى الطبعات، كما لم يرد له ذكر بالأهرام ولا غيره من الصحف القومية وغيرها، فقد صدرت تعليمات شفوية من سلطة السيادة بمنع إثارة موضوع قرار لجنة التعليم، ورد وزير التعليم فى الأسبوع التالى موجهاً اللوم لصاحبنا لأنه "وهو المؤرخ لم يتحر الدقة"، وأخذ كلام شخص غير مسئول مأخذ الحقيقة. فرد عليه صاحبنا بمقال فند فيه مزاعمه، ولامه لإسقاط النقطة الخاصة بقرارات التطبيع من رده، وأكد له أن لديه معلومات تؤكد أن تعليمات منع الأقباط من وضع الامتحانات تمتد إلى تأليف الكتب الدراسية أيضاً، وأنه إذا لم تكن هناك يد أعلى من يده فى الوزارة فعليه أن يفسر ذلك أمام الرأى العام.

كانت جهة "سيادية" قد نبهت على "الأهالى" بالوقوف بالموضوع عند هذا الحد، ويؤكد ذلك أن ناراً كانت وراء الدخان، وخاصة أن صاحبنا تلقى رسالتين من اثنين من قادة الأقباط فى المهجر يمتدحان موقفه، ودفاعه عن "زميله القبطى"، فرد عليهما صاحبنا على الفور مبيناً أن القضية تتعلق بالمبادئ لا بالأشخاص، وذكر لهم موقف منى مكرم عبيد ضده فى لجنة التعليم بمجلس الشعب، وأن 90% ممن اتصلوا به مؤيدين كانوا مصريين مسلمين، وأن الحرص على مصر كان وراء كل ما حدث. نجا صاحبنا من ورطة التعاون مع نظام السادات وحزب خدم السلطان، ليواجه مأزقاً جديداً، عندما دُعى للعمل خادماً لآل بيت السادات. فقد استدعاه عميد الكلية يوماً لمقابلته، وعندما التقاه انتحى به جانباً وقال له: "السيدة جيهان السادات عاوزة تشوفك". فسأل صاحبنا عن السبب، فقال العميد إنه يبدو أنها تريد استشارته فى مسألة تاريخية تتصل بدراستها، وأن بعض من تثق بهم زكاه لها، ولذلك عليه الحضور لمقابلتها يوم الثلاثاء (وهو اليوم الذى تلقى فيه درساً فى اللغة العربية على طلاب الفرقة الأولى قسم اللغة الألمانية بحكم كونها معيدةً بقسم اللغة العربية). رد صاحبنا على العميد بأنه لا يحضر إلى الكلية إلا أيام السبت والاثنين والأربعاء، وأنه أستاذ مساعد يجب أن يسعى المعيد إليه لا أن يسعى هو إلى المعيد، وأن السيدة جيهان إذا كانت بحاجة إلى استشارته تستطيع مقابلته فى مكتبه فى أحد تلك الأيام الثلاثة كما يفعل غيرها من المعيدين، وأدار ظهره للعميد وانصرف.

كان لقاؤه بالعميد يوم السبت، وكرر العميد استدعاءه يوم الأربعاء، ففهم أن لذلك علاقة بالموضوع الذى حدثه بشأنه، فذهب للقاؤه. استبقاه العميد حتى صرف من كان بحضرته، ونبه على السكرتارية وساعى المكتب بعدم السماح لأحد بالدخول، حتى إذا خلا الجو، راح العميد يكرر ما قاله من قبل، مضيفاً إليه أنه أبلغ السيدة جيهان بتعذر حضوره لمقابلتها يوم الثلاثاء، واستعلم منها عن الموضوع الذى تريد الاستعانة به فيه (لاحظ الفرق بين "الاستشارة" و"الاستعانة") فاتضح أن الأمر يتصل بابنتها التى تدرس الماجستير فى تاريخ الشرق الأوسط بالجامعة الأمريكية، وأنها تنتظر منه أن يحدد اليوم موعداً يزور فيه بيت الرئيس برفقة أحد رجال الرياسة الذى سيحضر بسيارته لاصطحابه من الجامعة إلى هناك، فرفض صاحبنا ما طرحه عليه العميد، وكرر ما قاله له من قبل أنه على استعداد للقاء من يريد استشارته فى مكتبه بالقسم فى الأيام التى يتواجد فيها بالكلية، وأدار ظهره -مرةً أخرى- للعميد وانصرف. وفى يوم السبت التالى استدعاه العميد فى الحادية عشرة، وعندما دخل إلى مكتب العميد، كانت هناك فتاة سمراء نحيفة القوام قدمها له "السيدة نهى السادات"، ثم غادر حجرة المكتب وتركهما معاً. قالت ابنة الرئيس إنها تدرس الماجستير بالجامعة الأمريكية، وأنها تعد بحثاً عن "حزب الوفد" وأنها بحاجة إلى استشارة أستاذ متخصص، والجامعة الأمريكية ليس فيها من يمكن اللجوء إليه، وأنها استشارت بعض معارفها فأوصوها باللجوء إلى صاحبنا باعتباره صاحب الاختصاص فى الموضوع. فقال لها إن المعلومات التى وصلتها خاطئة، لأنه متخصص فى التاريخ الاجتماعى وليس السياسى، وأنه ينصحها باللجوء إلى عبد العظيم رمضان أو يونان لبيب أو هما معاً، فهما المختصان بهذا المجال. وراح يعدد لها كتب ودراسات الأستاذين. فسكتت برهة، ثم قالت إنها متأكدة أنه أنسب المتخصصين لمساعدتها. فاعتذر لها عن عدم إمكانية قيامه بهذا، وأوصاها بالاستعانة بوالدها "لأنه الوحيد فى مصر الذى يعرف حقيقة حزب الوفد". وتركها فى حجرة العميد وانصرف. وبعد نحو ساعتين، بينما كان يتأهب للانصراف، استدعاه العميد، وذهب للقائه، فوجد الغرفة خالية (على غير العادة) إلا منه، وشكره العميد على لقائه بالسيدة نهى (الذى لم يكن هناك مفراً منه)، وتردد قليلاً قبل أن يقول على استحياء، إن اختيارها لك يعود إلى أنك الوحيد الذى له كتابات بالإنجليزية، وأنها فى حاجة إلى من يكتب لها البحث.

هب صاحبنا واقفاً من هول ما سمع، وانفجر فى العميد قائلاً: "إنت عارف قاعد فين، قاعد على كرسى طه حسين، وبتشتغل نخاس، بتبيع أساتذة الكلية فى سوق العبيد"!! وخرج من الغرفة صافعاً الباب خلفه. حدث هذا فى ربيع 1981، وكان صاحبنا يتأهب لتقديم أوراقه للجنة الترقيات للحصول على درجة الأستاذية. وكان قياس الأمور بمعايير "المصلحة" الشخصية يسوقه إلى مداهنة العميد، وليس إهانته إلى هذا الحد، وخاصةً أن زميله حسن حنفى تأخرت ترقيته لما يقرب من العامين لأنه اعترض فى مجلس الكلية على حصول جيهان السادات على درجة الليسانس بتقدير ممتاز، رغماً عن أنها لم تظهر بقاعات الدرس إلا أياماً معدودة طوال العام الدراسى. ولكن شيئاً من هذا لم يدخل فى حسابه، فقد أحس هو نفسه بذروة الإهانة عندما طلب منه العميد أن يكتب البحث لبنت الرئيس.

ومضت الشهور، وجاء سبتمبر 1981، ونُكبت كلية الآداب بنقل عدد من خيرة أساتذتها خارج الجامعة فى هجمة سبتمبر الشهيرة. وفى أول مجلس كلية يُعقد بعد هذه الكارثة بأسبوع واحد، عُرض على مجلس الكلية طلب مقدم من السيدة جيهان أنور السادات (البنت الصغرى للرئيس) المعيدة بكلية التربية فرع الفيوم- قسم اللغة الإنجليزية، تطلب فيه نقلها إلى قسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب "لقربها من مكان منزلى". فاستشاط صاحبنا غضباً (وكان عضواً بالمجلس عن الأساتذة المساعدين)، وقال للعميد إن عرض هذا الموضوع فيه امتهان للمجلس وأعضاء هيئة التدريس بالكلية، واستفزاز لمشاعرهم، والأحرى بالمجلس أن يرجئ النظر فيه لأجل غير مسمى، فرد العميد بأن مجلس قسم اللغة الإنجليزية وافق على الطلب، ونحن أمام حالة روتينية متكررة، ولا يجب أن تزر وازرة وزر أخرى. فأصر صاحبنا على طرح الموضوع للتصويت وفى مثل هذه الحالة تؤخذ أصوات الموافقين أولاً، ثم يليهم غير الموافقين، ففوجئ صاحبنا بموافقة الأغلبية على الطلب!! كانت أوراق ترقية صاحبنا إلى الأستاذية بين يدى اللجنة المختصة، وكانت هناك شائعة قوية بأن هناك قراراً آخر سيصدر بعد احتفالات السادس من أكتوبر بإبعاد آخرين خارج الجامعة، وأضحى صاحبنا يعانى الحسرة والاكتئاب، ويرى أن جو الجامعة قد سممه الفساد، والتذلل للسلطة، وأنه لو بقى بالجامعة أو طُرد منها سيان، وإذا رُقى أو لم يرق، فلن يغير ذلك من الحقيقة المرة شيئاً. اغتيل السادات فى السادس من أكتوبر، وعاد الزملاء المُبعدون إلى أعمالهم، واستقالت –فيما بعد- جيهان السادات وابنتها من الكلية، وبدأت العناصر الانتهازية تعيد ضبط مواقفها على بوصلة الحاكم الجديد، فأصبح هناك جو صالح نسبياً. وحصل صاحبنا على الأستاذية فى ديسمبر واختاره العميد نفسه رئيساً للقسم فى أبريل 1982 بعد وفاة رئيس القسم رغم كونه أحدث الأساتذة الثلاثة الموجودين بالقسم، لاعتبارات رأى فيها الرجل أن من مصلحة القسم أن تُسند أموره إليه.

وبعدما ترك الرجل العمادة، جمعته بصاحبنا فرصة لقاء منفرد، عندما استجاب لطلب العميد الجديد فخصص لسلفه مكتباً بقسم التاريخ، وكان فى استقباله عند وصوله إلى المكتب مرحباً، وقدم له سكرتيرة القسم وقال له إنها فى خدمته أولاً، ثم فى خدمة القسم إذا توافر لها فضل من وقت. وفى هذه المناسبة انفرد الأستاذ الجليل بصاحبنا وقال له إنه مدين له بالاعتذار عن واقعة بنت الرئيس، فرد صاحبنا بأنه هو الذى يجب أن يعتذر عن الطريقة التى رد بها عليه. وظلت علاقته بالأستاذ الجليل وديةً إلى أبعد الحدود.


[تحرير] تحت القبة وهم

كانت الجامعة عند صاحبنا حلماً وردياً، بعد أن قُدر له أن يكون من طلابها، وكانت صورة الجامعة عنده هى تلك التى عرفها فى آداب عين شمس: الاهتمام بتكوين الطلاب علمياً، ورعايتهم. كان مثله الأعلى أحمد عبد الرحيم مصطفى الأستاذ القدير الذى يصادق تلاميذه، وأحمد عزت عبد الكريم الذى يعامل تلاميذه معاملة الأبناء، ويرعاهم، ويوفر الحماية لهم. حقاً كانت هناك نماذج أخرى مختلفة إلا أنها كانت خروجاً على القاعدة، فقد كان أساتذة عين شمس –عندئذ- يحرصون على أن يرقوا بمستوى خريجيهم، فى تنافس واضح مع جامعتى القاهرة والإسكندرية. وعندما داعبت صاحبنا أحلام الانتماء إلى هيئة التدريس بالجامعة، كانت صورة المناخ العلمى بآداب عين شمس هى النموذج الذى يتوقع وجوده بالجامعة. ولكن التحاقه بقسم التاريخ بآداب القاهرة، وما واجهه من مناخ مغاير تماماً، هز صورة الجامعة عنده. فاهتمامات الأساتذة فى جلساتهم الخاصة بالنميمة، وتناقل أخبار "معسكر الأعداء" داخل القسم هى السائدة. أما القضايا العلمية والمنهجية، فلم يجدها إلا فى مجلس محمد أنيس، وكان ذلك نادراً.

كذلك أدى استوزار الثورة لأساتذة الجامعات، والتركيز على جامعة القاهرة فى هذا الصدد، إلى تآكل استقلال الجامعة، نتيجةً تملق أعضاء هيئة التدريس للسلطة، وقبولهم لما فرضه القانون الخاص بالجامعات من ضوابط قيدت الحريات، وأخضعت الجامعة لسلطان أجهزة الأمن، فكان طه ربيع مدير إدارة الأمن بوزارة التعليم العالى يمارس نفوذاً على الجامعات يفوق سلطات الوزير نفسه، وتسابق المنافقون لتملقه، فهو الذى يملك السماح لهذا بالسفر، وتعطيل سفر ذاك، ويملك تبديد فرصة الإعارة لمن يشاء. وبلغ التملق ذروته عندما حصل الرجل على درجة الدكتوراه من إحدى كليات الآداب. وتكرر نموذج "دكترة" مدير أمن التعليم العالى، بل ومديرى أمن الجامعات. هان الأساتذة على النظام، عندما هانت عليهم أنفسهم. فلم يستطع الحريصون على استقلال الجامعة وتقاليدها تنظيم حركات احتجاجية على ما يجرى للجامعة. وإذا لم يكن هذا المناخ محسوساً بآداب عين شمس، فليس معنى هذا أن جامعة عين شمس سلمت من هذا التلوث، فسرعان ما انتقلت إليها العدوى بعد تشكيل الاتحاد الاشتراكى. وبدأت منذ ذلك الحين تظهر حمى التنافس فى غير المجال العلمى. فتملق قيادات التنظيم السياسى، والتطوع للتعاون مع أجهزة الأمن (كتابة التقارير عن الزملاء) كانت الطريق التى سلكها الانتهازيون للحصول على المكافآت: مناصب المستشار الثقافى بالسفارات المصرية بالخارج، ومناصب الهيئات الدولية، وانتظار "حلول الدور" لتولى منصب "الوزير". ولن ينسى صاحبنا حرص أساتذة بعينهم على التواجد بالكلية أيام التعديل الوزارى، وتعليقاتهم بعد تشكيل الوزارة الجديدة، فهم عند كل تعديل يحاولون فى أحاديثهم استشفاف ما قد يكون لدى الطرف الآخر من معلومات، وخاصةً إذا بدت عليه علامات الاطمئنان. وحد ث يوماً أن أسر أستاذ مساعد بقسم التاريخ بآداب القاهرة لطالب دراسات عليا من تلاميذه، أنه حظى بلقاء طويل مع الرئيس عبد الناصر، أصر فيه الرئيس على توليته وزارة التعليم العالى، وأنه ظل يتمنع حتى أقنعه الرئيس بأنه الأنسب لتولى المنصب، ولما كان ذلك الطالب قريباً لأحد محررى أخبار اليوم، فقد أسر إليه بما سمع من أستاذه، فلم يتحر الصحفى الدقة، وسارع بنشر الخبر فى مكان بارز. وتعمد صاحبنا الحضور إلى الكلية يوم نشر الخبر، فقوبل استقبال الفاتحين، وحظى بوصلات تملق، وهو يرد عليها بالتأكيد أنه فوجئ مثلهم بما نُشر. ولم يكن الرجل مرشحاً، ولم يكن هناك أساس للقصة كلها.

حدث يوماً أن ذهب صاحبنا إلى القسم بعد التشكيل الوزارى الذى جاء فيه عبد العزيز حجازى وزيراً للمالية، فوجد تجمعاً من الأساتذة الذين يحتلون مواقع بالتنظيم السياسى، وهم يعبرون عن غضبهم لأن الرجل الذى نال الوزارة "ليبرالى رجعى" لا علاقة له بالاتحاد الاشتراكى، كما أنه أحدث منهم عهداً بالحصول على الدكتوراه. وأضاف أحدهم فى تعداده لمبررات ما حدث من "تجاوز"، بأن عبد العزيز حجازى كان لا يعرف شيئاً عندما وصل إلى لندن مبعوثاً للحصول على الدكتوراه، وأنه (المتحدث) كان على وشك الحصول على الدكتوراه، فكان لا يحسن التصرف إلا بمساعدته، وأنه كان ضعيفاً فى اللغة الإنجليزية، فاستعان بموظف إنجليزى بالمكتب الثقافى المصرى لكتابة الرسالة له، فكيف يستطيع من كان مثله أن يدير مالية البلاد؟!. والعجيب أن الجلسة انتهت بكتابة كل منهم برقية تهنئة للوزير "بالثقة الغالية" وأرسلوا ساعى القسم إلى مكتب التلغراف لإرسالها! وشهد صاحبنا ما حدث أثناء الحملة الانتخابية لوحدة الاتحاد الاشتراكى بالكلية، عندما وقف أحد المرشحين من الأساتذة على السلم الرئيسى المؤدى إلى مكتب العميد، يعرض برنامجه فى خطبة عصماء (ركز فيها على المطالبة بتحسين الأوضاع المادية لأعضاء هيئة التدريس) وأنهى خطابه بتحذير "الزملاء" من إعطاء أصواتهم لعميد الكلية يحيى هويدى، لأن أخاه (أمين) كان رئيساً للمخابرات. ورد عليه العميد من الشرفة المطلة على السلم قائلاً بصوت جهورى "يا دكتور (فلان) أنا لى الشرف أن يكون أخى رئيس المخابرات، لكن تحب أقول للناس دى مين اللى بيكتب تقارير عن زمايله للمخابرات وغيرها من أجهزة الأمن؟!". ولم ينبس صاحبنا ببنت شفة، واختفى عن الأنظار.

وبلغ تملق أعضاء هيئة التدريس للسلطة مداه فى عصر السادات، فعُدلت قواعد القبول بالجامعات لتسمح لحملة ال GCE وهى شهادة التعليم العام البريطانية التى تعادل الإعدادية (من حيث المستوى العام) حتى يتسنى لزوجة الرئيس وبناتها الالتحاق بالجامعة، فكانت الآداب وجهتهن، وكال الأساتذة الدرجات لهن. وكانت رسالة الماجستير التى تقدمت بها زوجة الرئيس، فصلاً محزناً فى تاريخ الجامعات المصرية. أُذيعت المناقشة كاملة بالتليفزيون المصرى، وأُعيدت إذاعتها مرةً أخرى، فقد حضرها الرئيس. وجاء على لسان أحد أعضاء اللجنة (بعد أن ألقى قصيدة مدح من نظمه) أن الرسالة تستحق عن جدارة درجة الدكتوراه وليس الماجستير، ونعى على القانون قصوره فى هذه الناحية، واضطرت سهير القلماوى أن تتدارك الموقف، وتفسر ما قاله الأستاذ المنافق بأنه شكل من أشكال التعبير عن الإعجاب بالرسالة. كانت جيهان السادات بعد تخرجها بامتياز قد عُينت معيدةً بقسم اللغة العربية، وكانت تدرس مادة اللغة العربية لطلبة الفرقة الأولى بقسم اللغة الألمانية وتخصصت إحدى عضوات هيئة التدريس (وكانت بدرجة أستاذ مساعد) من قسم اللغة الألمانية فى استقبالها عند حضورها إلى الكلية، وإعداد القهوة لها بنفسها، وكوفئت بعد ذلك على تلك "المهمة الوطنية" بتولى منصب المستشار الثقافى بسفارة مصر بألمانيا. وتسابق أعضاء هيئة التدريس فى تقديم الالتماسات إلى المعيدة "السيدة الأولى"، فهذا يطلب تعيين ابنته فى وظيفة مهمة، وذاك يطلب "شقة" لكل من ولديه، إلى غير ذلك من طلبات. وتولى بعض أساتذة قسم اللغة العربية التدريس لها فى منزل الرئيس، وكوفئ منهم من كوفئ بمناصب المستشار الثقافى، والمراكز الرئيسية فى حزب السلطة. ولكن ذلك لا يبلغ ما بلغته مكافأة عميد الكلية الذى صعد إلى منصب نائب رئيس الجامعة، ثم كان أول رئيس لمجلس الشورى، وكوفئ رئيس الجامعة بتوليه رئاسة مجلس الشعب. وعندما حصلت جيهان السادات على الماجستير عُينت مدرساً مساعداً، وكان الإجراء المتبع فى الجامعات المصرية تطبيقاً لقانون الجامعات هو اعتماد الدرجة العلمية بمجلس القسم ومجلس الكلية، ثم اتخاذ قرار التعيين بالجلسة التالية (بعد شهر)، ولكن تم تغيير الإجراء فى الجامعة كلها، فأصبح اعتماد الدرجة يتم فى البند الأول من جدول أعمال المجلس، ثم يتم التعيين فى البند الأخير بالجلسة نفسها، وأصبحت تلك البدعة الإجرائية هى الإجراء المتبع حتى اليوم فى تعيين المدرسين المساعدين والمدرسين.

ولعل جيهان السادات لم تطلب ذلك، فأغلب الظن أنه جاء بمبادرة من جانب العميد، أقرها رئيس الجامعة. ولا أدل على ذلك مما لقيه العالم الجليل حسن حنفى من تنكيل الرجلين (العميد ورئيس الجامعة) به لمجرد اعتراضه على حصول جيهان السادات على درجة "ممتاز" فى الليسانس، واحتجاجه على فساد ذمم من كالوا لها الدرجات، فتأخرت ترقية الرجل (رغم أن تقرير اللجنة العلمية أوصى بترقيته عن جدارة) حتى رحل عميد الكلية ورئيس الجامعة ليتربعا على مقاعد المجلسين النيابيين. فقام الدكتور إبراهيم بدران بعرض التقرير على مجلس الجامعة، بعدما أفهمه بعض الشرفاء من أساتذة الجامعة حقيقة الموقف. وشتان بين هذا الرجل وسلفه، فقد كان عالماً جليلاً منصفاً، لا يخشى فى الحق لومة لائم. ولم يكن الأخذ بمبدأ انتخاب العميد (الذى نص عليه قانون تنظيم الجامعات وأُلغى فيما بعد) أداةً فعالة للإصلاح ولتمتع أعضاء هيئة التدريس بحق اختيار رئاستهم العلمية. يرجع ذلك إلى النص على أن يختار رئيس الجامعة من بين الثلاثة الأول من يُعين عميداً. ولم يُنص على مبدأ الترشيح، بحيث يتقدم من يرغب فى ترشيح نفسه للعمادة بطلب بهذا المعنى، فتكون هناك فرصة لأعضاء هيئة التدريس للاطلاع على برنامج كل مرشح والمفاضلة بين المرشحين حسب تاريخهم الشخصى، وما يمكن أن يؤديه كل منهم للكلية. وقيل فى تبرير ذلك أن الترشيح سيؤدى إلى تراشق المرشحين بالكلمات وكشف عورات كل منهم أمام أعضاء هيئة تدريس الكلية، مما يجعل موقف من يقع عليه الاختيار ضعيفاً. واقتصر على أن يشترك أعضاء مجلس الكلية والأساتذة فقط من غير أعضاء مجلس الكلية فى اختيار العميد. أى أن القاعدة العريضة من أعضاء هيئة التدريس (المدرسين والأساتذة المساعدين) لا صوت لهم فى ذلك الانتخاب.

ولكن كان من يرغب فى المنصب يتصل بهذه الدائرة المحدودة من أصحاب الأصوات فرداً فرداً، ويعد هذا بأن يستبعد فلاناً من بين من يختاروهم لمنصب الوكيل (لأن صاحب الصوت على خصومة معه)، أو يعد شخصاً بعينه (قد يكون صاحب الصوت أو من يزكيه للمنصب) ليصبح أحد الوكيلين. ووصل الأمر إلى حد زيارة البيوت، وطلب القَسم على المصحف للتأكد من الحصول على الأصوات. وهى مهزلة بكل المعايير لا علاقة لها بالديموقراطية من قريب ولا من بعيد. فقد كان من له حق التصويت أن يختار ثلاثة أسماء من بين القائمة التى تضم أسماء أساتذة الكلية حسب أقدميتهم، ثم تُحصر الأصوات، ليكون هناك فى النهاية ثلاثة أسماء يُبيَن أمام كل منها عدد ما حصل عليه من أصوات، وتُرتب أسماء الفائزين ترتيباً تنازلياً (أول- ثان- ثالث) ثم تُرسل إلى رئيس الجامعة ليختار واحداً منهم ويصدر القرار بتعيينه، وهو (عادة) ما يختار من لا يعترض الأمن على اختياره. فقد كانت لأجهزة الأمن الكلمة العليا فى الترشيح للمناصب الإدارية الجامعية عامةً، ومنصب العميد خاصةً، نظراً لأهمية منصب العميد فى تحديد أسلوب التعامل مع الطلاب، و"طبخ" انتخابات اتحاد الطلاب على مستوى الكلية التى كانت دائماً قضية "أمن" بالدرجة الأولى. لذلك وقع اختيار رؤساء الجامعات -فى بعض الحالات على- من جاء فى الترتيب الثالث وحصل على أصوات لا تزيد على 10% من مجموع أصوات الناخبين. ناهيك عن حرص المتطلعين إلى المنصب على حسن تقديم أنفسهم للأمن (من خلال من لهم صلة بالأمن من مؤيديهم). ولما كان منصب العميد بداية الصعود إلى مناصب القيادة بالجامعة (نائب الرئيس والرئيس) وهى مناصب لا ينالها إلا من لا يعترض عليه الأمن، فقد كان معظم العمداء المنتخبين يبنون علاقةً "حميمة" مع أجهزة الأمن، تبدأ بحسن الأداء فى عملية "طبخ" انتخابات اتحاد الطلبة، والاستجابة لطلبات الأمن بهذا الخصوص لمنع طلاب بعينهم من الترشح. وهنا تتجلى قدرات العميد الهمام، فيُحيل الطلاب (الذين يطلب الأمن إبعادهم) إلى التحقيق بأى تهمة، ولكن تهمة "الإخلال بنظام الدراسة" هى أبرز تلك التهم، ويمتد التحقيق إلى انتهاء موعد الترشيح، وحبذا لو استمر إلى ما بعد الانتخابات، ثم توقع على الطلاب عقوبات تافهة بعد أن ينتهى الغرض الذي حولوا للتحقيق من أجله.

أما العميد "العُقر" الخادم المخلص للأجهزة الأمنية، فيوحى إلى أعضاء هيئة التدريس بالإعلان لطلابهم أنه لن تكون هناك محاضرات يوم الانتخابات، فإذا امتنع أحدهم عن القيام بذلك، فهناك عشرات من زملائه يتمنون رضا العميد عنهم لتسهيل مصالحهم الشخصية. وتكون النتيجة عدم وجود الحد الأدنى من الناخبين يوم الانتخاب، مما يعطى الحق القانونى للعميد الهمام أن يعين أعضاء اتحاد الطلبة. وقائمة الأمن جاهزة دائماً. فإذا رفض العميد الاستماع إلى "النصائح الملزمة" التى يقدمها له رجال الأمن، فإنه بذلك يغامر بمستقبله الإدارى، فعليه أن لا يتوقع ترشيحه لمنصب نائب رئيس الجامعة الذى يضعه كل عميد نصب عينيه أثناء أدائه لعمله. كما أن مطالب الكلية –فى عهده- لن تلقى استجابةً من رئيس الجامعة (إذا لم يكن على شاكلة إبراهيم بدران). فلا يستجيب رئيس الجامعة لطلبات الكلية فى المسائل المالية ولا الإدارية، وتتعثر قرارات مجلس الكلية فى الاعتماد من رئيس الجامعة أو من مجلس الجامعة. فإذا أصبح العميد نائباً لرئيس الجامعة، وضع نصب عينيه التربع على "الكرسى الكبير" أى رئاسة الجامعة، فيزيد من إبراز "ولاءه" لأجهزة الأمن بتقديم "خدمات" عامة أو خاصة فى مجال اختصاصه. ولكن الأمل الأكبر هو "الكرسى العالى" أى الوزارة، التى تتطلب تحركات من نوع آخر خارج الجامعة، مع المتنفذين من رجال حزب الحكومة، ومع من يتيح له قربه من الرئيس اقتراح بعض من يُختارون لمناصب الوزارة. أما اختيار رئيس الجامعة فيتم من خلال تزكية أجهزة الأمن لأحد المرشحين الثلاثة الذين يتقدم وزير التعليم العالى بأسمائهم إلى الرئيس. وأحياناً يأتى القرار بتعيين شخص لم يرد اسمه بين المرشحين، كما حدث عند تعيين مفيد شهاب رئيساً لجامعة القاهرة. لذلك كان رئيس الجامعة أحرص الجميع على التفانى فى خدمة أجهزة الأمن، ولا يرفض لأحد من كبار ضباطها طلباً "شخصياً". وتجاوز أحدهم حدود إبداء الولاء للأمن بعدم تطبيق القاعدة القانونية التى جرى اتباعها، وهى بقاء من يتولى منصباً إدارياً من الأساتذة فى ممارسة أعمال منصبه حتى نهاية العام الدراسى (آخر يوليو) فى حالة بلوغه سن الستين قبل هذا التاريخ. فقام رئيس جامعة القاهرة بتعيين عميد للتجارة بديلاً للعميد القديم فور بلوغه الستين (فى منتصف العام الدراسى) لأنه رفض طلب الأمن الذى أبلغه له رئيس الجامعة بالعمل على استبعاد مجموعة من الطلاب من الترشح لانتخابات اتحاد الطلاب. ولما نبهه رئيس الجامعة إلى أنه "موظف حكومى" وأن عليه أن يطيع "أوامر الحكومة"، رد عليه الرجل بأنه "أستاذ جامعى –أولاً وأخيراً- وأن ضميره لا يسمح له بأن يتردى إلى هذا المستوى فى التعامل مع طلابه".

رئيس الجامعة هذا طلب من عميد الآداب فى اليوم الأول لتوليه منصبه رفع اسم أحد أساتذة قسم التاريخ (وكان رئيساً سابقاً للقسم) من جدول التدريس بمرحلة الليسانس، ولما كان قرار تعيين ذلك العميد أول ما اتخذه الرئيس الجديد من قرارات فقد وعده خيراً. وعندما اطلع صاحبنا على طلب رئيس الجامعة (وكان صاحبنا وكيلاً للدراسات العليا) حذر العميد من التورط فى هذا العمل غير القانونى، لأنه لا يجوز وقف عضو هيئة تدريس عن العمل إلا بناء على قرار سلطة التحقيق فى حالة ارتكابه مخالفة جسيمة من تلك المنصوص عليها بالقانون. ولما كان الأستاذ المطلوب رفع اسمه من جداول الدراسة يتعرض بذلك للوقف عن العمل دون مبرر، فإن ذلك يعرض العميد نفسه للمتاعب من جانب أعضاء هيئة التدريس بالكلية، كما أنه يعطى للأستاذ المعنى الحق فى مقاضاته شخصياً، لأنه يتحمل وحده وزر منع زميله من العمل دون أن يكون هناك قرار رسمى مكتوب من رئيس الجامعة بهذا الصدد. وقع العميد الجديد فى حيص بيص، ثم اقترح على صاحبنا وزميله (وكيل شئون الطلاب) أن يصحباه لمقابلة رئيس الجامعة وتسوية الأمر معه. وذهب ثلاثتهم إلى المكتب الذى كان غاصاً بالمهنئين، فطلب صاحبنا من رئيس الجامعة أن ينتحى بهم جانباً لأمر هام، وعندما استجاب الرجل، سأله صاحبنا عن أسباب طلب منع الأستاذ إياه من التدريس، فأجاب رئيس الجامعة: "ده عامل قلق للدولة المصرية" فقال صاحبنا: "هل رسب عنده أحد أبناء أو بنات مسئول فى المخابرات؟". فرد الرئيس "طب ما انت عارف أهو.. أنا قلت ما يدرسش يعنى ما يدرسش" قال صاحبنا للرئيس: "سيادتك تجلس الآن على كرسى أحمد لطفى السيد، مدير الجامعة الذى رفض المساس باستقلالها، ولا يجب أن تقدم على تصرف مخالف للقانون". فقال: "ما وجه المخالفة للقانون"، فشرح له حكم القانون فى وقف عضو هيئة تدريس عن العمل. ونصحه باستشارة المستشار القانونى للجامعة (وكان عميداً لكلية الحقوق)، فإذا أيد موقفه، فعليه أن يصدر قراراً مكتوباً يوجه لعميد الكلية للعمل بموجبه. وانصرف الثلاثة، واتصل رئيس الجامعة بالعميد فى صباح اليوم التالى، ليعلمه بعدم وجود داع لرفع اسم الأستاذ من الجدول، وأن يبقى الحال كما هو عليه. وهذه الواقعة بالغة الدلالة على مدى تفانى بعض رؤساء الجامعات فى إرضاء نزوات كبار ضباط الأمن.

ولعل أبرز دليل على اختلال معايير اختيار رؤساء الجامعات، ما اكتشفه صاحبنا بعد عدة شهور، من أن رئيس الجامعة نفسه الذى ذكّره بأنه يجلس على كرسى أحمد لطفى السيد، لم يكن يعلم من هو أحمد لطفى السيد الذى كانت قاعة اجتماعات مجلس الجامعة تحمل اسمه! فقد كان صاحبنا عضواً بلجنة موسعة شكلها رئيس الجامعة للإعداد لاحتفالية ضخمة بالعيد التسعين لجامعة القاهرة، ضمت معظم عمداء الكليات ونواب رئيس الجامعة وبعض وكلاء الكليات، وبعض الأساتذة الذين لتخصصاتهم علاقة بالاحتفالية. وكانت اللجنة تنعقد مرة كل أسبوعين برئاسة رئيس الجامعة لمدة عام دراسى كامل، فقد كان رئيس الجامعة حريصاً على أن يجعل من المناسبة "حملة علاقات عامة" يروج فيها لنفسه تطلعاً إلى "الكرسى الكبير" (الوزارة). وفى أحد تلك الاجتماعات كان صاحبنا يعرض على اللجنة قائمةً كُلف بإعدادها عن رؤساء الجامعة السابقين ليتم تكريم الأحياء منهم بهذه المناسبة وتكريم ذكرى من رحلوا منهم. وكانت هناك نسخة من القائمة بيد كل عضو من أعضاء اللجنة يتصدرها اسم "أحمد لطفى السيد" تليه أسماء من تولوا رئاسة الجامعة بعده، وقد سبقت أسماؤهم المختصر الدال على "أستاذ دكتور (أ.د.)"، ففوجئ صاحبنا برئيس الجامعة يستوقفه ويقول: "لقد وجدنا غلطة لفلان بك... من فضلكم ضعوا أ.د. أمام اسم أحمد لطفى السيد". فإذا بالكل يشرعون أقلامهم ويضعون الإضافة، مما أصاب صاحبنا بالانزعاج، فقد يكون رئيس الجامعة يجهل أحمد لطفى السيد، فهل شاع الجهل بين العمداء والوكلاء ونواب الرئيس، والأعضاء من الأساتذة، أم أنه النفاق؟ واعترض صاحبنا بقوله: "يا ريس، أحمد لطفى السيد لم يحمل الدكتوراه، ولم يحصل على درجة الأستاذية، فقد كان أعلم ممن حملوا الدكتوراه، وكان أستاذاً لأجيال متعاقبة من المصريين"، فضحك الرئيس (وضحك لضحكه الجميع)، وقال موجهاً الكلام لصاحبنا: "يعنى عملوه مدير جامعة لأن ما كانش عندهم غيره" !!! ولا تعليق. استن النظام منذ عهد السادات سنةً قُدر لها أن تدوم، وهى اختيار عناصر منتقاة معروفة بولائها للنظام أو محسوبة على أحد أركانه لتتولى رئاسة كل مؤسسة من القطاع العام إلى الوزارات إلى الجامعات، واعتبار معيار الولاء هو المحدد الأساسى فى الاختيار، وترك كل من يتولى أمر مؤسسة يديرها وكأنها "عزبته" الخاصة، يفعل بها ما يشاء دون حسيب أو رقيب. بل لم يعد للأجهزة الرقابية تلك الهيبة التى كانت لها قبل عهد السادات، فالعبرة برسوخ أقدام المسئول، وقوة الشخصية التى يستند إليها، أو يُعد من محاسيبها. وانعكس ذلك على اختيار رؤساء الجامعات فى معظم الحالات فإذا أفلت أحد ممن اختير رئيساً لجامعة من تلك المواصفات، وأوقف جهده لإصلاح شأن الجامعة دون اعتبار لضغوط أجهزة الأمن ومحاسيب النظام، كان عرضةً للإزاحة من منصبه، كما حدث مع محمد محمود الجوهرى الذى كانت عمادته لكلية الآداب عهد إصلاح وإعادة هيكلة الأداء الأكاديمى بالكلية، وعندما أصبح نائب رئيس جامعة القاهرة لشئون فرع الفيوم، حمل على عاتقه –بأمانة- مهمة استكمال منشئات الفرع ووضع هيكله الأكاديمى، وعندما أصبح رئيساً لجامعة حلوان، قدم نموذجاً يُحتذى لبناء جامعة من بين كليات ومعاهد متناثرة، ويضع هيكلها الأكاديمى، ويدعم هيئة التدريس بأكثر العناصر كفاءة، ويكمل منشئات الجامعة بأنسب الشروط فى زمن أصبح الفساد فيه هو القاعدة والمصلحة العامة هى الاستثناء. ولكن أداء الجوهرى كان "نشازاً" وسط جوقة أصحاب "العزب"، فتناهشته الذئاب، وأُزيح عن منصبه لعجزه عن إرضاء مصالح صُناع الفساد ونزواتهم.

ولم يكن أسلوب اختيار القيادات الجامعية وحده أبرز مظاهر الفساد الجامعى الذى بدأ مع عهد السادات،وترعرع بعده واستشرى واستوحش، فقد ابتدعت فى العقدين الأخيرين من القرن العشرين آليات للفساد هى: دعم الكتاب الدراسى، والصناديق الخاصة، ولجان الممتحنين. ودعم الكتاب الجامعى يبدو أمراً إيجابياً وحيوياً، وخاصة أن النظام قد قطع شوطاً طويلاً فى إلغاء الدعم على السلع التى يستهلكها السواد الأعظم من الشعب، فالإبقاء على دعم الكتاب الجامعى يُعد-من هذه الناحية- استثناءً إيجابياً. غير أن تمويل دعم الكتاب الجامعى تقدمه هيئة المعونة الأمريكية، وهى –على أرجح الأقوال- صاحبة الفكرة، تتخذها سلاحاً ذا حدين، تهدئة الأمور بين الطلاب لمصلحة النظام، فيكون دعم الكتاب -على هذا النحو- بمثابة صمام الأمان، وإثارة المتاعب للنظام –من ناحية أخرى- فى حالة التوقف عن تمويل دعم الكتاب الجامعى فجأةً كسلاح للضغط السياسى. على كلٍ، مبدأ دعم الكتاب الجامعى له جانبه الإيجابى، وخاصة إذا وصل الدعم لمستحقيه، ولكن ما يحدث فعلاً هو تحديد عدد محدد من الكتب تُعطى للطلاب بنسبة تخفيض عالية، يتم اختيارها بما يخدم مصالح أساتذة بعينهم فى كل قسم لضمان توزيع كتبهم فى زمن قصير، وتحصيل عائدها المادى. هذا فضلاً عن الحالة المتردية التى وصلت إليها الكتب الجامعية (فى معظمها) من حيث المحتوى وأسلوب المعالجة، والتخلف عن مواكبة الجديد فى التخصص، واتخاذها سبلاً للتكسب على حساب طلاب طحنتهم وذويهم الأزمة الاقتصادية. ويجد الطالب نفسه مضطراً إلى شراء كتاب لا نفع فيه بسبب الأساليب الدنيئة التى يتبعها معظم أعضاء هيئة التدريس لضمان تصريف الكتب والمذكرات. بل أصبح بعضهم يبيع المذكرة، ثم ملحقاً لها يضم بعض الأسئلة النموذجية وإجاباتها، ثم يطرح للبيع قبيل الامتحان ملخصاً للمذكرة التى تعد –فى حد ذاتها- عرضاً ملخصاً للمادة. وترتب على ذلك انحطاط المستوى الدراسى بالجامعة من ناحية، وخلل العلاقة بين الأستاذ والطالب من ناحية أخرى، حين يتحول الأستاذ إلى شخص يتطلع إلى ما فى جيوب تلاميذه، ولا يعنيه أمر ما قد يكون فى عقولهم. ولو كانت المصلحة العامة هى المعيار، لاستخدم دعم الكتاب الجامعى فى تحسين مستوى التأليف، والتشجيع على التأليف الجماعى لمراجع معتمدة فى المقررات الدراسية، مقابل مكافأة محددة، على أن يتولى قسم النشر بالجامعة (المطبعة) نشر تلك الكتب وبيعها بأسعار معتدلة. كما يمكن أن يتم تزويد مكتبة الكلية بنسخ كافية منها ليستعيرها غير القادرين على اقتناء الكتب. والبدعة الثانية "الصناديق الخاصة" وهي لا تقل أهمية عن دعم الكتاب الجامعى من حيث الشكل، ولكنها أكثر فساداً من حيث المضمون. فلما كان التعليم مجانياً بجميع مراحله وفقاً للدستور، اخترع المجلس الأعلى للجامعات مبدأ أن يكون بكل كلية "صندوق خاص" يتم تمويله من مبالغ إضافية يدفعها كل طالب إلى جانب الرسوم المحددة بحكم القانون. وأُطلق العنان لتحديد المبالغ الإضافية التى قد تصل إلى ما يتراوح بين 30- 50 ضعفاً من قيمة رسوم القيد. ووزعت هذه المبالغ بشكل يضمن حصول إدارة الجامعة على حوالى الربع وتحتفظ الكلية بالباقى الذى يصل إلى ما يقرب من عشرة ملايين جنيهاً فى الكليات ذات الأعداد الكبيرة، من المفروض أن تُصرف على الخدمات التعليمية، أى توفير ما تحتاجه الكلية من وسائل تعليمية وأجهزة وأدوات معملية إلى غير ذلك من مستلزمات، كما يتم منها رعاية الطلاب. ولما كانت هذه المبالغ التى تمول الصناديق الخاصة، لا تُعد من موارد الخزينة العامة للدولة لأنها لم تُفرض بقانون باعتبارها "رسوماً"، فهى لا تخضع للرقابة المالية التى تخضع لها حسابات الجهات الحكومية، ولا تُدرج فى الميزانية الخاصة بالكليات أو الجامعة باعتبارها أموالاً "خاصة" وليست "عامة". ولذلك لا يراجعها أو يراقبها "الجهاز المركزى للمحاسبات"، كما أن الصرف منها من سلطة العميد (على مستوى الكلية) ورئيس الجامعة على مستوى الجامعة.


كان من الممكن أن تُستخدم هذه الأموال الطائلة لدعم البحث العلمى، وتمويل مشروعات بحثية فى مختلف التخصصات، أو دعم المعامل بأحدث الأجهزة العلمية، وإنشاء ما ليس موجوداً منها. كذلك كان من الممكن استخدامها فى دعم النشاط الثقافى والرياضى للطلاب. غير أن هذه الأموال صارت تُستخدم –فى الغالب- لخدمة مصالح من لهم حق التصرف فيها، وليس سراً أن الكثير من رؤساء الجامعات يمنح مكافآت شهريةً من تلك الصناديق لبعض المحاسيب من الأساتذة الذين تُقدم لهم مبالغ شهرية تحت مُسمى "مكافأة مستشار"، ولرئيس الجامعة الحق المطلق فى تحديد أرقام تلك المكافآت، وينال بعض الصحفيين منها نصيباً تحت مختلف المسميات لزوم "تلميع" صورة رئيس الجامعة على صفحات صحفهم، كما تُمول منها الهدايا العبثية التى يقدمها رئيس الجامعة فى بعض المناسبات للشخصيات التى يبنى الجسور معها، والكثير من رؤساء الجامعات يتعامل مع الصناديق الخاصة وكأنها إيراد "العزبة" يبعثره كيف شاء. حقاً استخدم بعض العمداء هذه الأموال فى تجديد المبانى وترميمها وتجهيزها بالوسائل السمعية وتزويد المدرجات بأجهزة التكييف، ولكن ذلك كان يتم أيام أن كان "الحزب الوطنى الديموقراطى" يعقد مؤتمره السنوى بحرم الجامعة، فيتم إيقاف الدراسة بالجامعة لمدة أسبوع، وتُعد المدينة الجامعية لسكنى الأعضاء، فيتم تجديدها وتزويدها بوسائل الراحة، التى حُرم منها الطلاب، على حساب الطلاب أنفسهم من أموال الصناديق الخاصة. واتجه بعض العمداء إلى تجديد أثاث مكاتبهم فاستبدلوا به أثاثاً "مستورداً"، إلى غير ذلك من مظاهر تبديد تلك الأموال التى لا حسيب عليها ولا رقيب، والتى تُعد باباً واسعاً للفساد والإفساد.

أما الآفة الثالثة، فهى "لجان الممتحنين" وهى آلية تقرر العمل بها فى أوائل التسعينيات من القرن العشرين، تعطى للعميد حق تشكيل لجنة برئاسته أو رئاسة وكيل الكلية لشئون الطلاب، للنظر فى نتيجة المادة التى يقل مستوى النجاح فيها عن 50%ن فتقرر اللجنة إضافة رقم محدد من الدرجات إلى الدرجة التى حصل عليها كل طالب فى تلك المادة، بما يكفل رفع نسبة النجاح إلى ما يصل إلى 50% أو يتجاوزها قليلاً. وأخذاً فى الاعتبار لمناخ الفساد السائد فى تلك الجامعة، يبدو أن تلك "البدعة" وُضعت لخدمة أبناء بعض أهل الحظوة الذين تعثروا فى بعض المواد، لأن تطبيقها فى السنوات التى عاصرها صاحبنا كان الهدف منه خدمة أبناء بعض الأساتذة، أو المسئولين الكبار، أو كبار ضباط الأمن. وقيل فى تبرير تلك الجريمة أن رسوب الطلاب فى مثل تلك المواد يؤدى إلى اكتظاظ الكلية بالطلاب المتخلفين، وتوجد صعوبة فى تدبير أماكن لهم بلجان الامتحان. تتم هذه العملية فى الغالب دون الرجوع إلى أستاذ المادة إذا كان من ذوى المكانة، فتتم من وراء ظهره، أما إذا كان صاحب المادة ممن يسهل الضغط عليهم فإنه يقوم بإجراء التعديل بنفسه حتى لا يغضب العميد، فيضع العقبات فى طريق إعارة أو ترقية ينتظرها، وهو لا يتأخر عادة عن الاستجابة للطلب، طالما كان من حق العميد أن يعدل النتيجة عن طريق "لجنة الممتحنين". أخطر ما فى الأمر، أن الدرجات تضاف لجميع الطلاب فلا تساعد الراسب فقط على النجاح، ولكنها ترفع تقدير الناجح ليصبح "جيد جداً" بدلاً من جيد أو "ممتاز" بدلاً من "جيد جداً"، فيؤثر هذا التعديل على فرص خريج معين فى التعيين فى وظيفة معيد. وهو ما يتم عادةً لصالح طلاب بعينهم، ويفسر المستوى المتدنى للخريجين عامة والمعيدين خاصة. وامتد الفساد ليتناول تعديل شروط الإعارة للجامعات الأخرى المنصوص عليها فى قانون تنظيم الجامعات. كان القانون السابق عليه يجيز الإعارة لمدة ثلاث سنوات كحد أقصى، فجاء القانون الحالى ليجعلها لمدة عامين قابلة للتجديد مرة واحدة (أى أربع سنوات)، ولعضو هيئة التدريس الحق فى الإعارة لمدد تبلغ مجموع سنواتها عشر سنوات خلال مدة الخدمة. وحدث أن كانت سيدة تشغل درجة الأستاذية بإحدى كليات جامعة القاهرة معارة للسعودية، وطلبت مد إعارتها لمدة ثالثة (ست سنوات)، ولما كانت تلك السيدة شقيقة رئيس الوزراء، فقد حصل حسن حمدى رئيس الجامعة على موافقة مجلس الجامعة على إعارتها برغم من رفض مجلس الكلية لذلك، واستند رئيس الجامعة إلى فتوى فصَّلها له المستشار القانونى للجامعة باعتبار أن تقدير مدى ضرورة مد الإعارة من صلاحيات رئيس الجامعة وحده. وظن رئيس الجامعة أن المسألة ستتوقف عند هذا الحد، ولم يدر أنه –بمجاملته لرئيس الوزراء وكسره القانون- قد وضع سابقة لا فكاك منها. فقد شاع خبر المد الاستثنائى لمدة عامين إضافيين بين المعارين فى السعودية والخليج، وحصل الكثير منهم على موافقات من جهة الإعارة على المد عامين آخرين، أو حتى عام واحد (خامس). وأُمطرت مجالس الأقسام بطلبات المد، فكان يتم رفضها، ثم تُعرض على رئيس الجامعة فيوافق عليها. وعندما تفاقمت الظاهرة حولها مجلس الجامعة إلى قاعدة عامة، فأصبح من حق كل مُعار أن يتغيب عن الجامعة ست سنوات كاملة، بل تفنن بعضهم، وبحث لزوجته عن عقد عمل، ليستمر موجوداً فى الجامعة التى يعمل بها بحجة "مرافقة الزوجة"، ليظل بذلك عشر سنوات بعيداً عن الجامعة، يتم ترقيته خلالها إلى الدرجات الجامعية الأعلى، وقد يعود إلى الجامعة أستاذاً بعد أن تركها مدرساً.

وامتداد الفساد إلى تعديل شروط الإعارة بالمخالفة للقانون مسئول عن تردى المستوى العلمى لأعضاء هيئة التدريس، واختلال معايير تقييم أعمال المتقدمين للجان الترقيات نتيجة خراب ذمم بعض مقررى وأعضاء تلك اللجان، وسهلت قواعد عمل هذه اللجان، بما حوته من ثغرات، حصول الكثير من المتقدمين على ترقيات لا تؤهلهم لها الأعمال التى يتقدمون بها للترقية، مما ينعكس سلبياً على أدائهم الجامعى: تدريساً وإشرافاً. فإذا كان المتقدم للترقية إلى درجة جامعية أعلى من أهل الحظوة أو من أصحاب "النفحات" اختار له أصحاب الذمم الخربة من بعض المسيطرين على لجان الترقيات، لجنة ثلاثية لفحص أعماله، تناسب المقام (ممن هم على شاكلتهم)، فتجعل من التبن تبراً، ومن الحصى لؤلؤاً. أما إذا كان من غير هؤلاء، اختيرت له لجنة ثلاثية من الأساتذة "المتشددين" (وهو المصطلح الذى يطلقونه على الأساتذة الشرفاء)، ولما كان هؤلاء أساتذة بحق، فهم لا يرقون إلا من كانت أعماله تؤهله للدرجة المتقدم إليها. فإذا تقدم عالم رفيع القدر فى تخصصه، تحظى أعماله العلمية باعتراف دولى، لوظيفة الأستاذية من خارج الجامعة، حرصوا على إبعاده عن الجامعة، حتى لا يغطى وجوده عليهم، ويكشف حقيقة مستواهم العلمى. حدث هذا مع العالم الجليل أيمن فؤاد سيد عندما تقدم إلى وظيفة أستاذ فى التاريخ الإسلامى أعلنت عنها جامعة حلوان. وكانت اللجنة العلمية (عندئذ) مكونة من سبعة أعضاء كان رئيسها وأربعة على الأقل من أعضائها من فصيلة الموظفين بدرجة أستاذ ذوى الإمكانيات العلمية المتواضعة، فاختاروا له لجنة فحص من أناس لا يصلحون للتتلمذ على يديه، رأوا عدم صلاحيته للأستاذية. وبعد ست سنوات من التقاضى رد القضاء العادل له حقه، ولكن بعد أن حُرمت الجامعة من وجوده فيها طوال تلك السنوات. ولا يمكن أن يتوقع المرء أن يكون أداء الدراسات العليا فى جامعة غالبية أساتذتها من الموظفين الذين يحملون درجة الأستاذية، والقلة منهم هم أساتذة بحق على مستوى يليق بأم الجامعات العربية، أو يكون مستوى البحوث فيها (فى قطاع الإنسانيات على الأقل) مواكباً للتطور العالمى فى مجالات تلك العلوم. فلا توجد مشروعات بحثية عند أساتذة التخصصات، يوجهون تلاميذهم إلى اختيار نقاط البحث فى إطارها حتى إذا تكاملت محاور المشروع، كان إضافةً علميةً معرفيةً لها قيمتها. بل يُترك الأمر للصدفة، ولمدى قدرة الطالب على الاختيار أو استعانته (من وراء ظهر أستاذه) بأحد الأساتذة المتميزين ليساعده على الاختيار. وهَم الأستاذ (من أولئك الموظفين بدرجة أستاذ) أن يجمع تحت إشرافه أكبر عدد من الرسائل حتى وصل العدد عند بعضهم 25 رسالة (فى أحد فروع الطب) ناهيك عن الدراسات الإنسانية التى زاد عدد الرسائل المُسجلة عند البعض إلى أكثر من أربعين رسالة. وإن دل ذلك على شئ، فإنما يدل على الابتذال والفوضى، فلا يظن صاحبنا أن ذاكرة الأستاذ تتسع لمثل هذا العدد من أسماء الطلاب المسجلين تحت إشرافه، ناهيك عن موضوعات رسائلهم التى لابد أن يكون كل منها "قضيةً" فى حاجة إلى متابعة دقيقة من الأستاذ، خاصةً فى مرحلة الكتابة، ولابد أن يكون الأستاذ عبقرى زمانه حتى تسع ذاكرته ذلك الكم الهائل من "القضايا"، فما بالنا لو كان تكوينه العلمى هشاً على نحو ما تقدم!

نتج عن ذلك أن تعامل الأساتذة مع الطلاب باعتبارهم مجموعة من الأقنان. كان أحد أساتذة التاريخ (ممن تسلقوا مناصب الإدارة العليا) يعامل المعيدين معاملة الخدم، يكلف أحدهم مثلاً بالوقوف فى طابور خزينة كلية الهندسة ليسدد الرسوم بدلاً من نجله، ويكلف المعيد بجمع مادة علمية لطلاب سعوديين يعملون تحت إشرافه، ويبقى المعيد فى كل رسالة سبع سنوات وربما أكثر بينما لا تستغرق المدة التى يحصل فيها الطالب الخليجى معه أكثر من عام بالنسبة للماجستير من تاريخ التسجيل وعامين بالنسبة للدكتوراه. فإذا سُئل عن أسباب تأخر المعيد، زعم أنه بذلك يريد "إنضاج" المعيد خدمةً للتخصص. وهو-فى حقيقة الأمر- ينشد إذلاله، وإبقاءه مطية له لأطول فترة ممكنة. ولن ينسى صاحبنا تلك المعركة التى دارت بين أستاذين بقسمه تنافسا على الإشراف على طالب تقدم لتسجيل للدكتوراه من آل ثان (حكام قطر)، وعندما وجه أحد أهل التخصص انتقاداً لمشروع الرسالة الذى تقدم به الطالب، صرخ أحدهما قائلاً: "يكفينا أن سعادته اختار قسمنا للدراسة فيه... شرف كبير والله العظيم". وعندما وضعت مجالس الدراسات العليا بالجامعات حداً أعلى لعدد الرسائل التى يشرف عليها الأستاذ جعلتها جامعة القاهرة عشر رسائل، ثم فُتح باب الاستثناء لخمس أخرى. وجعلتها عين شمس خمسة عشر رسالة مع إمكانية الاستثناء بحجة "ندرة" التخصص. فعندما كان صاحبنا وكيلاً للكلية للدراسات العليا وعضواً بمجلس الدراسات العليا بالجامعة، عُرض على المجلس النظر فى استثناء أستاذ بطب القاهرة لديه 25 رسالة من قيود التسجيل حتى يمكن أن يسجل رسائل لتسعة طلاب جدد من الطلاب العرب بحجة ندرة التخصص. وعندما اتجه المجلس إلى رفض الطلب لتجاوزه الحد المسموح بخمس عشر رسالة فإذا سجل التسعة أصبح التجاوز 24 رسالة، أرجأ رئيس المجلس (نائب رئيس الجامعة) التصويت إلى الجلسة التالية (بعد شهر). وفى بداية الجلسة الموعودة، أُخطر الأعضاء أن رئيس الجامعة (الذى تولى بعد ذلك منصب وزارة التعليم العالى) قد اقتنع بما قدمه الأستاذ من حجج، ووافق له وأن هذا من حق رئيس الجامعة!!

وعندما كان صاحبنا وكيلاً للدراسات العليا، أقنع مجلس الكلية بضرورة تطوير الدراسات العليا بالكلية، وشُكلت لجنة لهذا الغرض استمر عملها عدة أشهر. ووضعت مشروعاً يضع من الضوابط والقيود ما يكفل رفع مستوى الدراسات العليا، ومواكبتها لإيقاع التطور فى المجال الأكاديمى العالمى بقدر الإمكان. ولقى مشروع اللجنة عند العرض على مجلس الكلية من الحذف والإضافة ما أفقده 50% من قيمته، وعندما أُجيز بعد عام آخر، كان هم الأقسام الأساسى التحايل للالتفاف حول الضوابط التى وضعنها اللائحة الجديدة، ولم يرتح لهم بال إلا بعد إلغاء العمل بها عام 2003. هذا غيض من فيض عايشه صاحبنا تحت قبة الجامعة، التى ظنها يوماً مثالاً للنزاهة والنقاء خلت من الآفات التى يعانيها المجتمع. كان يظن أن الجامعة "بيت الحكمة"، العقل المفكر الذى يرسم للأمة خطاها، فاكتشف أنه كان واهماً، وتبين له أن الجامعة خلية من خلايا المجتمع، تتأثر بما يصيب بقية الخلايا من عطب، ومن أمراض. وأدرك أن الجامعة مرآة تنعكس على صفحتها صورة المجتمع بما فيه من تناقضات، وما تعانيه من علل وأوجاع.


[تحرير] خارج الجامعة

امتدت ساحة النشاط العلمى لصاحبنا خارج الجامعة، فكان له دور أساسى فى أبرز المراكز البحثية منذ عام 1979 (تاريخ عودته من الإعارة إلى قطر). ويأتى "مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام" فى مقدمة تلك المراكز. تلقى صاحبنا خطاباً رقيقاً من السيد يس (مدير المركز) يدعوه للانضمام إلى أسرة المركز (فبراير 1979) وتولى رئاسة وحدة الدراسات التاريخية به، فلبى الدعوة، وأعد مشروعاً مبدئياً لدراسة تطور المجتمع المصرى، على أمل تكوين "مجموعة بحثية" تشتغل به على مراحل، بحيث ينتهى العمل فى بحر ثلاث سنوات، مستفيداً فى ذلك من خبرته بالتجربة اليابانية فى تنظيم المجموعات البحثية وإدارتها. ولكنه لم يضع فى حسبانه أن صيغة العمل فى إطار "الفريق" غريبة على المجال الأكاديمى المصرى، وخاصة فى العلوم الإنسانية، فلم يلق استجابة جادة ممن اتصل بهم من الزملاء لتكوين المجموعة البحثية. الغريب أن أحداً لم يرفض الانضمام، ولكن لم يلتزم أحد بالترتيبات والتكليفات التى تم اقتراحها. ولذلك صرف صاحبنا جهوده إلى إعداد كتاب صدر عام 1981 بمناسبة الذكرى المئوية للثورة المصرية التى سُميت "بالعرابية" حشد له أقلام المتخصصين من ثلاثة أجيال: جيل أساتذته، وجيله، وجيل تلامذته، واختار له عنوان "مصر للمصريين- مائة عام على الثورة العرابية"، ولم يشأ أن يضع اسمه كمحرر على غلاف الكتاب حياءً، لأن أستاذه أحمد عبد الرحيم مصطفى كان فى مقدمة المشاركين.

وتوالت بعد ذلك المشروعات البحثية ذات الموضوع المحدد التى يسهل حصر من يصلحون للمشاركة فيها وتكليفهم بكتابة فصولها مثل: " المصريون والسلطة"، وهو كتاب ضاعت أصوله بالمركز. ولم تكن لدى صاحبنا نسخة منها، و"الحركة الوطنية فى مرحلتها الأخيرة"، و"الأحزاب السياسية المصرية"، و"حرب السويس بعد أربعين عاماً"، "ثورة يوليو بعد أربعين عاماً"، وكلها كتب طُبعت فى مطلع التسعينيات، أما مشروع البحث فى "الثقافة السياسية فى مصر" فلم ير النور بعد.

ولما كان المركز يولى جمع وثائق مصر بالأرشيف البريطانى أهميةً خاصة، وكان حسن يوسف باشا قد بدأ جمعها لتغطية الفترة السابقة على الحرب العالمية الثانية، فقد حرص السيد يس على استكمال هذا العمل، فأوفد صاحبنا فى مهمتين علميتين لحساب المركز للإطلاع على الأرشيف البريطانى بلندن وتصوير مجموعة مختارة من الوثائق، التى تم ترتيبها ترتيباً زمنياً وموضوعياً ، واستخدم بعضها فى البحوث سالفة الذكر، وكانت حجر الزاوية فى تكوين المكتبة الوثائقية التى أضافت إليها هدى جمال عبد الناصر مجموعة الوثائق الأمريكية عن الفترة ذاتها عندما تولت تأسيس وحدة تاريخ الثورة ورئاستها. كانت اجتماعات مجلس خبراء المركز -أيام رئاسة السيد يس- جلسات خصبة من حيث طرح الموضوعات، وما يدور حولها من حوار، شارك فيها خبراء المركز من هيئة التدريس بالجامعة: على الدين هلال، محمد السيد سليم، سعد الدين إبراهيم، وصاحبنا. إضافةً إلى الخبراء من شباب الباحثين بالمركز: محمد السيد سعيد، وعبد المنعم سعيد، ومجدى حمادة، وأسامة الغزالى حرب، ونبيل عبد الفتاح. وكان السيد يس يدير الحوار بكفاءة واقتدار، وشهدت تلك الاجتماعات طرحاً جريئاً لأفكار وتحليلات سياسية لا تجد منبراً لها فى الوسط الأكاديمى المصرى سوى مركز الدراسات السياسية، وكان يحضر بعض تلك الاجتماعات بطرس غالى لمناقشة عملية التفاوض مع إسرائيل، وأسس السلام المرتقب. ويذكر صاحبنا أن شباب الخبراء كانوا يحاجون بطرس غالى بقدر كبير من "الحدة والتطرف" معبرين عن التحسب لما قد يترتب على هذا الاتجاه من تبديد الأمانى القومية، وتآكل دور مصر الإقليمى. وكان أكثر هؤلاء تشدداً من أصبحوا بعد ذلك من مهندسى "مجموعة كوبنهاجن" ومؤسسى "جمعية القاهرة للسلام" التى ماتت فى المهد، وسبحان مغير الأحوال.

وعندما ترك السيد يس رئاسة المركز ليتولى أمانة منتدى الفكر العربى بعمان، حافظ أسامة الغزالى حرب (الذى قام بعمل الرئيس) على الوحدة التاريخية وكان عوناً لصاحبنا على نشر ما تأخر نشره من أعمال، وعلى إصدار الدراسة الخاصة بثورة يوليو ولكن بعد أن صدرها بمقدمة تضمنت "ضمناً" الاعتذار عما ورد بالكتاب من إنصاف للثورة، فعد هذه الدراسات تمثل "وجهة نظر" تقابلها وجهات نظر أخرى، رغم أن الكتاب لم يغفل تحليل السلبيات وإبرازها. وضعفت علاقة صاحبنا بالمركز عندما أصبح عبد المنعم سعيد رئيساً له، وخاصةً بعد مسألة "كوبنهاجن"، ولاحظ صاحبنا من بعض المؤشرات أن رئيس المركز لا يفسح مكاناً لوحدة الدراسات التاريخية التى ما تزال موجودة على الورق، ومازال اسم صاحبنا يُذكر على موقع المركز بالشبكة الدولية للمعلومات (الإنترنت) كرئيس للوحدة التاريخية. ساحة أخرى شهدت جانباً من النشاط العلمى لصاحبنا هى "دار الكتب والوثائق القومية" التى ارتبط بها ارتباطاً وثيقاً بحكم اهتمامه بإصلاح شأن دار الوثائق القومية لترقى إلى المستوى العالمى للأرشيفات التاريخية، بحكم كونها مستودع ذاكرة الأمة، فكتب العديد من المقالات بالصحف ومجلة "الهلال"، مطالباً بالحفاظ على الوثائق، وحمايتها وجعل دار الوثائق هيئة قائمة بذاتها تتبع سلطة السيادة، لتعزيز صلاحياتها القانونية فى التعامل مع الجهات المنتجة للوثائق. وكان لدور صاحبنا بدار الوثائق القومية ثلاثة أبعاد: أولها رئاسة "لجنة الضم والاستغناء" وهى لجنة بالغة الأهمية تضم فى عضويتها أحد أساتذة الوثائق ومستشاراً من مجلس الدولة، ورئيس دار الوثائق، ومدير إدارة الضم. وتُعرض على اللجنة القوائم الواردة من مختلف الوزارات والهيئات الحكومية والتى تتضمن الوثائق التى انتهت مدة حفظها بتلك الجهات وفق لائحة المحفوظات الحكومية، وتقوم اللجنة بفحص نماذج منتقاة من تلك الوثائق، فإذا رأت أن فى بعضها قيمةً تاريخية، قررت ضمها للدار، وإذا رأت غير ذلك، رخصت للجهة المعنية بالاستغناء عنها، وعادةً ما يتم ذلك ببيعها لشركة صناعة الورق لإعادة تدويرها. وهنا تكمن خطورة هذه اللجنة وضرورة اتخاذها القرار المناسب، وإلا تم إهدار وثائق مهمة فى حالة الاستغناء عنها، أو ازدحام مخازن الدار بمجموعات من الوثائق ليست لها قيمة تاريخية. وقد استمرت رئاسة صاحبنا لهذه اللجنة قرابة العشرين عاما.

ونظراً لهذه الخبرة بالوثائق، والمعرفة بأحوال دار الوثائق القومية، اختير صاحبنا عضواً بلجنة مصغرة شكلها رئيس الهيئة (محمود فهمى حجازى) للنظر فى تطوير دار الوثائق وتحديثها، وإعداد مشروع قانون جديد للمحافظة على الوثائق وحمايتها. ومارست اللجنة عملها لمدة 18 شهراً وضعت خلالها مشروعاً متكاملاً لتطوير الدار، كما وضعت مشروعاً لقانون حماية الوثائق استرشدت فيه بدراستها لقوانين الأرشيفات: الإنجليزى، والفرنسى، والإيطالى، وقرارات المجلس الدولى للأرشيف، وقوانين الوثائق ببعض الدول العربية. ولكن عندما قدمت الحكومة مشروع القانون -بعدما يزيد على العامين- لمجلس الشعب، جاء المشروع مخيباً للآمال، فقد قام "ترزية" القوانين بحذف بعض المواد المهمة التى جاءت بمشروع لجنة التطوير، وعُدلت بعضها الآخر بالقدر الذى بدد الهدف الذى قصدته اللجنة من ورائها. كذلك تولى صاحبنا الإشراف على مركز تاريخ مصر المعاصر التابع لدار الكتب المصرية عندما تولى جابر عصفور رئاسة الهيئة إلى جانب موقعه كأمين عام للمجلس الأعلى للثقافة مدة ستة شهور. وكان المركز تحت إشراف عبد العظيم رمضان لعدة سنوات لم ينتج فيها شيئاً سوى ما كان ينشره من مذكرات سعد زغلول التى كان يتولى أحد موظفى المركز كتابتها على الآلة الكاتبة نقلاً عن الأصل الذى كتبه سعد زغلول بخطه (وهو خط تصعب قراءته)، فكان ذلك الموظف (محمد حجازى) يجتهد فى قراءة النص، ويتولى رمضان كتابة مقدمة لكل جزء بعدما أعاد ترتيب المادة بصورة تختلف عن الأصل، وتخل بقواعد التحقيق والنشر. كما توقفت على يديه السلسلة التى تولى الإشراف عليها يونان لبيب بعنوان "مصر المعاصرة" وكانت تنشر بحوثاً دون خطة محددة، فكل من لديه بحث يسعى لنشره يلجأ إلى المشرف على السلسلة، فيختار من بينها ما يمكن نشره. وكانت علاقة الباحثين بعبد العظيم رمضان على درجة كبيرة من السوء بسبب ترك معظمهم بلا عمل، وحرمانهم من بعض المزايا العينية لمجرد معارضتهم له فى الرأى.

لذلك كله، كلف جابر عصفور صاحبنا بالإشراف على المركز، فأعاد تنظيمه، ووضع خطة بحثية وافق عليها مجلس الإدارة، من بينها مشروع تجميع المقالات السياسية لطه حسين ونشرها، ومشروع إحياء سلسلة بحوث المركز مع توجيهها لتغطية قضايا محددة، ومشروع إصدار مجلة تهدف إلى نشر الثقافة التاريخية، تخاطب الشباب وتعمل على تنمية وعيه بالتاريخ القومى. ما كادت فترة التنظيم تنتهى، ويبدأ العمل بصورة متوازية فى المشروعات البحثية التى وافق عليها مجلس الإدارة، حتى انتهت مدة إشراف جابر عصفور على دار الكتب والوثائق القومية وعُين ناصر الأنصارى رئيساً لها. فانتظر صاحبنا ما يقرره الرئيس الجديد بشأن من يفضل التعاون معهم، وامتنع عن متابعة عمله بالمركز ودار الوثائق. وبعد شهر كامل استدعاه الأنصارى، وطلب منه الاستمرار فى الإشراف على المركز بعد أن استمع منه إلى تقرير عما تم فى الشهور السابقة، وقدم له مجموعة الأساتذة الذين أسند إليهم الإشراف على مشروعات بحثية بالمركز. وبعد حوالى شهر كان صاحبنا فى حاجة لعرض بعض الأمور المتصلة بالعمل على ناصر الأنصارى لضرورة الحصول على قرار منه بتذليل بعض الصعوبات التى كانت تعترض فريق العمل فى جمع مقالات طه حسين السياسية، فاتصل بمكتب رئيس الهيئة طالباً مقابلته، فأمهله السكرتير نصف ساعة للرد. وعندما اتصل بالسكرتير بعد ساعة، كرر الاعتذار لأن الرئيس لديه ضيف من ضباط البوليس (زملائه القدامى)، وأنه أمر بألا يزعجه أحد. استاء صاحبنا، وانصرف من المركز وأثناء خروجه من باب دار الكتب التقى ليلى حميدة رئيسة الإدارة المركزية لدار الكتب عائدةً من مكتب ناصر الأنصارى، وعلم منها أن الرئيس الجديد وضع تعليمات تقضى بأن يتقدم من يريد مقابلته من مسئولى الدار بطلب المقابلة وموضوعها قبل الموعد المطلوب بثلاثة أيام على الأقل، ويترك لمكتب "الباشا" الحق فى استدعائه للمقابلة (السامية) عندما يقرر "الباشا" ذلك. ولما كان هذا الأسلوب لا يتفق مع متطلبات العمل فى مجال البحث، وخاصةً أن الرئيس الجديد لا يفرق بين الموظفين والأساتذة الذين يخدمون الهيئة بدافع وطنى وليس نفعياً (ولم يكن صاحبنا قد تقاضى أية مكافآت لمدة سبعة أشهر، كما لم يطالب بتحديد مكافأة له)، قرر صاحبنا أن ينسحب من الإشراف على المركز بعد تلقين الأنصارى درساً فى الأخلاق، فأرسل له رسالة بالفاكس فى اليوم نفسه جاء فيها: "احتجاجاً على أسلوبك غير اللائق فى التعامل مع الأساتذة ذوى القامات العلمية العالية، لا يشرفنى استمرار التعاون معكم مشرفاً على مركز تاريخ مصر المعاصر وغيره من أعمال".

بعد إرسال الفاكس بنحو ربع الساعة، تلقى صاحبنا اتصالاً تليفونياً من سكرتير الأنصارى يخطره فيه أن "معاليه" على استعداد للقائه، فقال له إن علاقته بالهيئة انتهت، وأن قراره بهذا الصدد نهائى. وتسرب خبر استقالة صاحبنا من الإشراف على مركز تاريخ مصر المعاصر إلى مجلة روز اليوسف فنشرته فى مكان بارز، واتصل حلمى النمنم بصاحبنا ليتأكد من الخبر فأكده له وأبلغه بنص الفاكس، فنشره بالمصور، بعدما أضاف إليها ما صرح له به ناصر الأنصارى من أن الدكتور (فلان) قُبلت استقالته لأنه لم ينجز شيئاً! ومن المفارقات المحزنة والغريبة أن صاحبنا فوجئ بصديقه الحميم يونان لبيب رزق يبلغه أن ناصر الأنصارى دعاه للقائه، وكلفه بالإشراف على مركز تاريخ مصر المعاصر، وأنه قبل المهمة على أن يتم تشكيل لجنة علمية يتولى رئاستها لهذا الغرض، وعرض على صاحبنا التعاون معه عضواً باللجنة "حرصاً على المركز من التعرض للانهيار"! طبعاً رفض صاحبنا، وتعجب من قبول صديقه التعاون مع الأنصارى فى هذه الظروف، فلو كان الوضع معكوساً، ودُعى صاحبنا ليتولى مسئولية لفظها يونان دفاعاً عن كرامته، لما قبل هو ما لم يقبل به صديقه. ومضت الشهور، وقفز الأنصارى إلى منصب مدير معهد العالم العربى بباريس، وتولى سمير غريب رئاسة دار الكتب والوثائق القومية. وبعد نحو الشهر من توليه المنصب الذى صاحبته ضجة أثارتها "الأخبار" حول هذا التعيين، تلقى صاحبنا مكالمة تليفونية من سمير غريب (ولم يكن له به سابق معرفة) يستأذنه فى اللقاء به، ويطلب منه أن يحدد المكان والزمان. فاعتذر صاحبنا بحجة انشغاله بارتباطات طوال ساعات النهار، فقال له سمير: "على كل المساء أفضل، تحب أقابل سيادتك فين؟"، فلم يجد صاحبنا مفراً من الموافقة على لقائه بمكتب رئيس دار الكتب فى الثامنة من مساء اليوم نفسه.

كان اللقاء ودياً، علم من سمير غريب أنه بدأ عمله بقراءة ملفات أعمال لجنة التطوير، وتبين له أهمية دور صاحبنا فى اللجنة وعمق خبرته بالوثائق، كما تبين له أن لجنة الضم والاستغناء لم تجتمع منذ قطع علاقته بالدار، وأن رئيس الإدارة المركزية للدار عرض عليه مذكرةً يطلب فيها تعيين رئيس بديل للجنة، فاطلع على جداول أعمالها وأدرك أهمية عملها. لذلك يرجوه أن يكون مستشاره فيما يتصل بشئون دار الوثائق، فاعتذر صاحبنا بعدم قبوله الارتباط بعلاقة إدارية مع رئيس الدار، ويذكر أن سمير غريب قال له أثناء محاولة إقناعه بالقبول أنه لديه قدرات إدارية كبيرة ولكنه فى حاجة إلى من يرشده إلى الطريق السوى، وهو لا يجد هذا الإرشاد إلا من أهل الخبرة من كبار الأساتذة، لذلك يحتاج إلى عونه. فقبل صاحبنا أن يستأنف عمله بلجنة الضم والاستغناء على الفور، وهنا قال له سمير غريب إنه يرجوه أيضاً أن يقبل الانضمام إلى اللجنة العلمية لمركز تاريخ مصر المعاصر، ليتولى استئناف الإشراف على مشروع جمع المقالات السياسية لطه حسين ونشرها، فقبل ذلك أيضاً. بعد بضعة شهور من هذا اللقاء شكل سمير غريب اللجنة العلمية لدار الوثائق القومية برئاسة صاحبنا وعضوية بعض الزملاء الذين أوصى بضمهم إلى عضوية اللجنة. كذلك لجأ إليه سمير غريب لترشيح أستاذ تاريخ أو وثائق يتولى رئاسة الإدارة المركزية لدار الوثائق فرشح له الدكتور محمد صابر عرب الذى أسندت إليه المهمة بالفعل، كذلك طلب من صاحبنا أن يرشح له أستاذاً من كلية العلوم، له معرفة بالعلوم الإنسانية ليتولى رئاسة الإدارة المركزية للمراكز العلمية التى تضم تحقيق التراث، ومصر المعاصر، ومركز الترميم، ومركز الطفولة، فرشح له الدكتور حامد عبد الرحيم عبيد، وتولى هذه المهمة حتى تركها ليشغل منصب المستشار الثقافى بالمغرب. وهكذا نجح سمير غريب بأسلوبه الجميل وإدارته الذكية في أن يستثمر خبرة صاحبنا استثماراً جيداً، ولم يحدث أن رفض له اقتراحاً من الاقتراحات التى قدمها له. وعندما حصل صاحبنا وزميله محمود فهمى حجازى على جائزة الدولة التقديرية عام 2000، لم تحتفل بهما كلية الآداب التى أعطاها كل منهما خلاصة جهده، ولكن كرمهما سمير غريب فى احتفال مهيب فى دار الكتب تقديراً منه لفضلهما على الدار. واختار سمير غريب صاحبنا مقرراً للندوة الدولية التى ظل يعد لها نحو ثمانية شهور احتفالاً بالعيد الذهبى لثورة يوليو، وكان غريب صاحب فكرة الاحتفال بهذه المناسبة الجليلة على المستوى القومى. فشكل لجنة للإعداد ضمت بعض كبار الأساتذة والباحثين، عملت طوال تلك الشهور على إخراج الندوة على المستوى اللائق. وترك سمير غريب رئاسة دار الكتب قبل انعقاد الندوة، فتمت فى عهد رئاسة صلاح فضل لدار الكتب، ولم يحضرها سمير غريب، ولم يرد له ذكر إلا فى الكلمة الافتتاحية للندوة التى ألقاها صاحبنا بالمسرح الصغير بالأوبرا، والكلمة التى كتبها فى مقدمة الكتاب الذى نُشر ليضم أبحاث الندوة التى يُعزى الفضل فى إقامتها إلى ذلك "الغريب" فى زمانه. ولم يكن صلاح فضل أقل تقديراً له، وتعاوناً معه من سمير غريب، فقد ساند مشروعاته البحثية فى إطار اللجنة العلمية لدار الوثائق القومية، وكذلك مشروع المجلة العلمية لدار الوثائق القومية التى صدر المجلد الأول منها "الروزنامة" فى أواخر عهده برئاسة الهيئة.

كذلك امتد النشاط  العلمى لصاحبنا إلى مركز الدراسات القانونية والاقتصادية والاجتماعية (CEDEJ) الفرنسى بالقاهرة، فشارك فى ندواته، وفى موسمه الثقافى محاضراً أكثر من مرة، ونظم سمناراً استمر ثلاث سنوات حول "منهجيات البحث التاريخى" فى إطار التعاون بين المركز والجمعية المصرية للدراسات التاريخية.

أما عن المجلس الأعلى للثقافة، فنشاطه فيه يمتاز بالتنوع ولكنه يتم فى إطار التعاون مع أمانة المجلس وليس "لجنة التاريخ" التى يرأسها "عبد العظيم رمضان" منذ سنوات، ورغم تعدد الكفاءات فيها، وأدها رئيس اللجنة، فتحولت اللجنة على يديه إلى ذيل قائمة لجان المجلس من حيث النشاط العلمى والثقافى، كما تحولت إلى "مكلمة" يمضى الأعضاء فيها الوقت فى الاستماع إلى "أمجاد" رئيس اللجنة الذى يحشر فى كل مناسبة حديثاً مزعوماً دار بينه وبين رئيس الجمهورية، بما يُشعر المستمع بمدى قرب رئيس اللجنة من رئيس الجمهورية الذى يستمد الحكمة منه دائماً. فإذا تقدم أحد الأعضاء بفكرة لا تروق له بديلاً لاقتراح تقدم به هو، حرص على التمسك برأيه. لذلك لم يطق صاحبنا صبراً فكان يحاجى رمضان دائماً، حتى وجد أن من العبث تضييع الوقت فيما لا يفيد. فكتب إلى جابر عصفور معتذراً عن عدم الاستمرار فى عضوية اللجنة ما بقى عبد العظيم رمضان رئيساً لها.

لذلك يقتصر تعاون صاحبنا مع المجلس الأعلى للثقافة على الأمانة العامة للمجلس سواء فى تنظيم الندوات والمشاركة فيها، أو المساهمة فى المشروع القومى للترجمة، أو غير ذلك من الأنشطة العلمية والثقافية المتعددة التى يقوم بها المجلس الذى أصبح قاعدة للعمل الثقافى فى الوطن العربى بفضل جهود جابر عصفور، وفريق العمل المتميز من الشباب الذى يتعاون معه. بالإضافة إلى نشاطه العلمى وعلاقاته بالجامعات اليابانية التى امتدت عشرين عاماً أو نحوها، اتسع مجال النشاط العلمى لصاحبنا فى الخارج ليمتد إلى غرب أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، فدعاه دومينيك شيفالييه للحديث فى سمناره بجامعة باريس الرابعة (السوربون)، كما دعاه الكسندر شولش للتدريس لمدة ثلاثة أسابيع بجامعة إسن Essen بألمانيا، ونظم له جولة محاضرات غطت جامعات كييل وهامبورج وفرايبورج، إضافة إلى جامعة برلين الحرة. وتكررت دعوته لكل من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا عدة مرات للمشاركة فى ورش العمل والندوات والمؤتمرات التى قدم فيها بحوثاً نُشرت بالإنجليزية، وتُرجم أحدها إلى الألمانية ونُشر بها. وفى أواخر 1989، تلقى صاحبنا من "جمعية دراسات الشرق الأوسط بأمريكا الشمالية" (MESA) وهى أكبر الجمعيات العلمية المتخصصة فى الغرب، تلقى ما يفيد أن مجلس إدارة الجمعية قد اختاره "ضيف الشرف" فى مؤتمره السنوى الذى يُعقد فى سان أنطونيو بولاية تكساس فى نوفمبر 1990. وكانت الجمعية قد قررت توجيه الدعوة إلى أحد الأساتذة البارزين ليكون ضيف الشرف فى المؤتمر السنوى كل عام، تتحمل الجمعية نفقات سفره وإقامته، ويتم تكريمه على هامش المؤتمر الذى يُدعى لحضوره، وتُنظم له جولة محاضرات ببعض الجامعات الأمريكية التى تقبل استضافته. وكان أول الضيوف برنارد لويس، ثم جاك بيرك، ثم ألبرت حورانى، وكان صاحبنا الرابع فى سلسلة ضيوف الشرف، والأول من بين من ينتمون إلى الشرق الأوسط. وعلم فيما بعد أن بعض أعضاء مجلس إدارة "جمعية دراسات الشرق الأوسط بأمريكا الشمالية" اقترح اسمه، بينما اقترح آخرون اسم أمنون كوهين المؤرخ الإسرائيلى المتخصص فى تاريخ فلسطين فى العصر العثمانى، وأن نتيجة التصويت بمجلس الإدارة حول من تُوجه إليه الدعوة جاءت لصالحه بفارق ثلاثة أصوات عن عدد الأصوات التى ساندت دعوة أمنون كوهين.

لذلك كان حضور صاحبنا المؤتمر يعد انتصاراً لمن فضلوه على كوهين، ولم يحضر الحفل الذى أُقيم له فى سان أنطونيو أحد من المدعوين اليهود، ولاحظ وجود عشرة على الأقل من أعضاء هيئة التدريس العرب بالجامعات الأمريكية بين من حضروا المحاضرة التى ألقاها بالمؤتمر عن "عوامل قيام الحركة الإسلامية السياسية بمصر". وإضافةً إلى أيام المؤتمر الأربعة، نظمت الجمعية له جولة محاضرات غطت أربع جامعات بكاليفورنيا وجامعتى ستانفورد وجورجيا على مدى أسبوعين أُرهق فيهما صاحبنا إرهاقاً شديداً، فلم ير خلال الأسبوعين سوى أسفلت الطرق السريعة وممرات المطارات، وقاعات المحاضرات. ولكن سعادته بما لقى من تكريم على هذا المستوى الدولى، وتقديراً لجهده المتواضع فى مجال تخصصه، شحنه بقوة معنوية كبيرة أعانته على تحمل مشاق الرحلة. برغم عما يُفترض أن يضفيه الحصول على جائزة الدولة التقديرية فى العلوم الاجتماعية على صاحبنا من شرف، إلا أنه لم يشعر عند حصوله على الجائزة عام 2000 بذلك القدر من السعادة الذى شعر به عندما حظى بشرف اختياره كأول أستاذ من الشرق الأوسط ليكون "ضيف الشرف" فى المؤتمر العلمى لجمعية دولية مرموقة. وخاصةً أن حصول بعض من لا يرقى عطاؤهم العلمى إلى مستوى جائزة الدولة التقديرية على هذه الجائزة أضر ضرراً بالغاً بمن حصلوا عليها عن جدارة واستحقاق، كما أضر بالقيمة الأدبية للجائزة. لذلك يحرص صاحبنا على ذكر تكريم "جمعية دراسات الشرق الأوسط بأمريكا الشمالية" له فى سيرته العلمية، ويتعمد إهمال ذكر حصوله على جائزة الدولة التقديرية فى العلوم الاجتماعية.


[تحرير] ميلاد جديد للجمعية التاريخية

انضم صاحبنا إلى عضوية الجمعية المصرية للدراسات التاريخية عام 1966، عندما استقر بالقاهرة بعد تركه العمل بكفر الزيات وتفرغه للدراسة فى مرحلة الدكتوراه، وكانت الجمعية تعيش عصرها الذهبى فى ظل رئاسة الدكتور أحمد عزت عبد الكريم الذى خلف أحمد بدوى. وكان بدوى مشغولاً عن الجمعية بإدارته للجامعة، فترك أمورها للدكتور مصطفى زيادة الذى لم يستطع إدارة النشاط العلمى والثقافى للجمعية على نحو ما كانت عليه الحال أيام محم