مشيناها خطى
من معرفةالمصادر
مشيناها خطى تأليف دكتور رءوف عباس ، سيرة ذاتية.
[تحرير] إهداء
إلى الشباب عساهم يجدون فيه ما يفيد وإلى الذين يسممون أمامهم الآبار لعلهم يتعظون
[تحرير] استدعاء الماضى
جلس الشيخ فى حديقة منزله بعدما انقضى احتفال عائلى صغير بمناسبة وداع خمسة وستين عاما من عمره، ساده الصخب الذى تشهده مثل هذه المناسبات فى الأسرة المصرية، فتشابكت الأحاديث بين بعض الأطراف فى تقاطع مع أحاديث أخرى دارت بين بعض الأطراف الأخرى. موضوع واحد اشتركت فيه هذه الأحاديث على اختلاف مداخلها هو ما يذكره المتحدث أو المتحدثة من ذكريات عن المحتفى به. والشيخ يشارك فى الحديث تارةً ، ويكتفى بالمتابعة تارةً أخرى، مبحراً بفكره فى بحر الذكريات، حتى إذا فرغ البيت من المحتفين، وعاد السكون يرخى سدوله على المكان، وآوت الزوجة المتفانية التى قطعت مع الشيخ رحلة الأربعين عاما الأخيرة من عمره، آوت إلى فراشها طلبا للراحة بعد عناء خدمة الضيوف من الأهل. جلس الشيخ فى حديقة المنزل الذى سكنه منذ أربع سنوات فى مدينة العاشر من رمضان، بعدما تخفف من أعبائه الجامعية، وراح ينشد الهدوء بعيداً عن صخب العاصمة التى لم تعد مكاناً مناسباً للتأمل والإنتاج الفكرى، بعدما فقد حى مدينة نصر – الذي اقتطع ثلاثة عقود كاملة من عمره - هدوءه فى عصر "الانفتاح" أو "الانفلات"، فازدحم الحى (بالمولات) والمقاهى، وأصبحت شوارعه ساهرةً حتى الصباح، ولم يعد هناك أمل فى الراحة وسط هذا الصخب، ففضل الشيخ ترك القاهرة إلى مدينة لا تبعد عنها كثيراً، تتيح له ولزوجه أن يعيشها ما بقى لهما من عمر بمنأىً عن معاناة الحياة القاهرية.
راح الشيخ –فى جلسته تلك- يسترجع ما قطعه على طريق الحياة الطويل من خطوات لم تكن تمثل –دوماً- خطاً ممتداً على استقامته، أو خطاً صاعداً إلى هدف مرسوم معلوم، بل كانت خطاً فيه من التعاريج والانحناءات أكثر مما فيه من الاستقامة والوضوح. ولم تكن تلك الطريق ممهدةً خاليةً من العثرات إلا نادراً، كما لم يكن بين يديه دليل يحدد خطواته على تلك الطريق، فكان عليه أن يقطعه بما حباه به الله من خصائص جمعت بين العناد والإصرار والصبر، فاقت فى حجمها أحاسيس الإحباط والعجز، وخيبة الأمل.
وها هو ذا وهو يتأمل طريقاً قطعها على مر كل تلك السنين، يكاد يلمح آثار أقدامه على تلك الطريق التى اختلفت مواقعها، ولكنها تسجل تجربة الشيخ الذاتية بكل ما فيها من إيجابيات وسلبيات، وراء كل أثر منها قصة تُروى شهدها بعينى عابر السبيل تارة، وعينى رفيق الطريق تارة أخرى، وكان بطل القصة تارة ثالثة. وكثيراً ما كان يروى بعض تلك القصص لأهله، وذويه، وتلاميذه, وباقة الصحاب الذين ارتاح إليهم فى العقدين الأخيرين.
ولم تكن الرواية مقصودة فى ذاتها، ولكنها كانت دائماً تأتى استجابةً لتداعى الذكريات بمناسبة ما يدور بينه وبين هؤلاء وأولئك من أحاديث ذات شجون. وكثيراً ما ألح عليه أولئك الصحاب أن يسجل تلك الحكايات على الورق، لظنهم أنها لا تخلو من فائدة لمن يقرأها من أبناء الجيل التي لم يعش تلك الحياة التى عاشها صديقهم الشيخ، ولم يعرك تجربة ارتياد الطريق الذى ارتادها صاحبهم الذى ينتمى إلى جيل مخضرم تفتحت عيونه على الدنيا فى عهد الملك فاروق، واكتمل وعيه بهموم الوطن وهو-بعد- لم يبلغ الحلم ، وشهد مولد ثورة يوليو 1952، وعاصر صعودها، وانتصاراتها، وكبواتها وإخفاقاتها، وقدر له أن يمتد به العمر ليشهد أفول نجمها، وتصفية المشروع القومى العربى، وعودة الوطن العربى مرتعاً لأخطر أشكال الهيمنة والاستعمار.
تجربة غنية بمرها وحلوها رسمتها آثار أقدام صاحبهم الشيخ على طريق الحياة الممتدة المتعرجة، المليئة بالانحناءات ونقاط الصعود والهبوط، فكثرت مطالبتهم له بتدوينها، بل تبرع أحدهم: إيمان يحيى أستاذ الطب، المفكر عاشق التاريخ أن يلتمس فضلاً من وقته يجلس فيه إلى صديقه الشيخ، يستمع إلى حكاياته ويدونها بنفسه. وشارك فى تحريضه على الكتابة صديقه الكاتب الكبير عبد العال الباقورى، وصديق عزيز آخر هو المثقف المناضل الوطنى أحمد غزلان. لقد أفرط الصحاب فى حسن الظن بصاحبهم، وربما بالغوا-إلى حد ما- فى الاعتقاد بقيمة ما تركه الرجل من آثار أقدام على طريق الحياة.
طاف ذلك كله بذهن الشيخ وهو يسترجع آثار خطواته على طريق الحياة، وراح يستعيد مبررات إحجامه عن تدوين خلاصة تجربته معها: فلم يكن الرجل من ذوى السلطان، ولم يتصل بأهله يوماً ما من قريب أو بعيد، ولم يكن فى موقع ما فى أى حزب سياسى بما فى ذلك التنظيم السياسى فى عصر الثورة، والأحزاب التى خرجت من عباءته، أو قامت على أطرافه، ولم يكن عضواً بأى من التنظيمات السياسية الذى تعدها السلطة "خارجة عن إطار الشرعية"، بل كان الرجل مستقلاً، وإن كان بحكم انتمائه الفكرى أقرب إلى يسار الحركة السياسية، مؤمناً إيماناً لا يتزعزع بالقومية العربية. ولكن شتان بين من كان له دور فعال فى الحركة السياسية، ومن عاش على هامشها لا تتجاوز مشاركته فيها حدود ما كان متاحاً لغيره من المواطنين ممن ينتمون إلى "الأغلبية الصامتة".
ولكن الصحاب لم يقنعوا بتلك المبررات، وكثيراً ما أكدوا أن تجربته تروى قصه التحول الاجتماعى فى مصر فى نصف القرن الماضى-على أقل تقدير-كما تلقى أضواءً كاشفةً على بدايات تجربة القطاع العام، والجامعة، والعمل الأهلى. وهى النقاط الذى عبرت بها طريق حياته، وتركت أقدامه آثارها عليها. وأن ما عاناه من تجارب عند تلك المنعطفات لا يخلو من فائدة للجيل الجديد ممن يعنيهم أمر التحولات التى شهدتها مصر على يد ثورة يوليو، والحياة الجامعية بإيجابياتها وسلبياتها، ومصاعب العمل الأهلى فى مصر ومعوقاته. ورأى الصحاب فى تلك التجارب ما قد ينفع من ينشدون الخير لهذا الوطن، ومن يعنيهم أمر النهوض به. وخاصة أن صديقهم الشيخ يروى حكاياته لهم بشيء من التفصيل جعلهم يرون فيه "حكاءً" متميزاً، يستطيع أن ينقل المستمع-ومن ثم القارئ-إلى جو الزمن الذى تدور حوله حكايته، فلماذا يضن الرجل على أبناء أجيال لم يدركوا ما أدركه من ظروف وتجارب بالوقوف على رؤيته للحياة المصرية فى زمانه؟.
استعرض الشيخ ذلك كله فى تلك الأمسية الفريدة من شهر أغسطس من العام الخامس والستين من حياته، واستقر رأيه على أن يحدد على الورق آثار أقدامه على طريق الحياة، تلبيةً لرجاء أصدقائه واقتناعاً برأيهم، وأداءً لواجب نحو أجيال غاب وعيها بتاريخ وطنها، وتطور مجتمعها، لظروف لم يكن لهم يد فى صنعها. ولتكن قصة حياته واجبا يلتزم به أمام الشباب. عندئذ أحس الشيخ بالراحة، وآوى إلى فراشه، وقد عقد العزم على أن يروى حكايته، حكاية مواطن كان نتاجاً لتحولات مصر فى النصف الثانى من القرن العشرين، وحاول-ما وسعه الجهد-أن يكون نافعاً لوطنه وأمته. حكاية مصرى عاش أحداث وطنه العربى: آمالها وآلامها. ولم يكن مجرد "مراقب" لثورة يوليو، بل كان من صنائعها، وواحداً من جماهيرها.
وهو إذ يروى حكايته لا يتقيد إلا بما رآه، وسمعه، وعاشه، وكان شاهد عيان له، دون مبالغة فى الوصف، أو تزيين، أو تزييف، التزاماً منه بأمانة الكلمة مهما كانت دلالتها، ومهما كان وقعها.
[تحرير] على شط القناة
ولد صاحبنا فى الرابع والعشرين من أغسطس 1939 فى أحد مساكن عمال السكة الحديد ببورسعيد، وتقع بالقرب من كوبرى الرسوة الذى يعبر عنده الخط الحديدى ترعة الإسماعيلية عند طرفها الشمالى فى الطريق إلى مدخل محطة بور سعيد، والى الشرق من تلك المساكن يقع معسكر القوات البريطانية ببورسعيد، وتفصل بينه وبين مساكن عمال السكة الحديد مساحة واسعة طولها يزيد عن الكيلو متر وعرضها نحو النصف من ذلك، كانت تستخدم ساحة للتدريب على بعض الحركات العسكرية، ولممارسة الرياضة لجنود الاحتلال البريطانى.
كان هذا الوجود البريطانى فى منطقة القناة، فيما عرف "بقاعدة قناة السويس"، هو كل ما استطاع الساسة المصريون تحقيقه بعد مفاوضات مضنية دارت حلقاتها المتتابعة مع الإنجليز منذ حصلت مصر على استقلال اسمى فى تصريح 28 فبراير 1922، الذى اعترف بمصر دولة مستقلة ذات سيادة، وأبقى أمور الدفاع، والمواصلات، والأجانب والأقليات، والسودان لتكون موضوع مفاوضات تدور بين (الحكومة المصرية) وحكومة (صاحب الجلالة البريطانية) للتوصل إلى تسوية بشأنها. وانتهى المطاف إلى توقيع معاهدة 1936 التى عقدت (تحالفاً) بين البلدين، أصبحت مصر بموجبه ملزمة بالدفاع عن بريطانيا ومساعدتها ضد أعدائها فى حالة وقوع حرب، وتعهدت بريطانيا بأن تفعل مثل ذلك مع مصر، واتفق على أن يتركز الوجود البريطانى فى منطقة القناة بعد وفاء مصر بالتزاماتها لتيسير سبيل تركز الإنجليز بالقناة، وهى إنشاء معسكرات على حسابها وفق متطلبات القوات البريطانية لتنتقل القوات البريطانية إليها، وإنشاء شبكة طرق تربط قناة السويس بمصر لتسهيل حركة القوات البريطانية فى حالات الطوارئ. وقد ظل الوجود البريطانى العسكرى فى طول البلاد وعرضها حتى نهاية الحرب العالمية الثانية فتم تركيزهم فى منطقة قناة السويس بعد العام 1946.
وشاء القدر أن يولد صاحبنا فى هذا الموقع بالذات فى ظروف أزمة دولية أشعلت نار الحرب العالمية الثانية. وعندما أصبح شاباً كان يتندر بهذا التوافق الغريب بين مولده وقيام الحرب العالمية الثانية، ومولد والده فى أغسطس 1914 وقيام الحرب العالمية الأولى، وكثيراً ما كان يبدى إشفاقا على العالم من أن يتسبب زواجه وإنجابه فى وقوع الحرب العالمية الثالثة، وعندما رُزق بولده الوحيد فى 24 من أكتوبر 1966 ظل يعرب فى سخرية عن قلقه على مصير العالم، ولم تمض نحو سبعة شهور حتى وقعت هزيمة يونيو 1967، ولا يعنى ذلك أن عائلته كانت حقاً نذير شؤم على العالم ومصر. فلا علاقة بين مولد طفل برئ ووقوع حادث جلل بهذا الحجم المفزع، ولكنه يعبر عن حالة نفسية مزاجية تلخص معاناة السنوات الخمس والعشرين الأولى من عمره.
فقد ولد صاحبنا لأسرة فقيرة شأنها شأن السواد الأعظم من المصريين عندئذ. كان والده عاملاً بالسكة الحديد يشغل أدنى درجات السلم الوظيفى الخاص بالعمال، فى وقت كان فيه العاملون بالسكة الحديد ينقسمون إلى شريحة ضئيلة العدد من الموظفين، وقاعدة عريضة من العمال. وكان جده لأبيه عاملاً أيضا بالسكة الحديد، نزح من قريته بجرجا من صعيد مصر إلى القاهرة حوالى عام 1910 فى ظروف ظلت مجهولة، قيل إن أخاه الأكبر استولى على نصيبه من ميراث والده، فغضب وترك القرية والأسرة طلباً للرزق فى وقت كانت ظروف العمل فيه متاحة أمام من يعرف القراءة والكتابة فى السكة الحديد. وكان الرجل قد تعلم القراءة والكتابة وأتم حفظ القرآن فى كتَّاب القرية، فاستطاع أن يلتحق بالعمل فى السكة الحديد، ثم تزوج من قاهرية تنحدر عائلتها من المنيا، وكانت نتيجة هذه الزيجة مولد والد صاحبنا عام 1914 وشقيقة له عام 1916، ثم وضع الجد نهاية لهذا الزواج عندما طلق الجدة، وترك القاهرة، كما ترك قريته من قبل، ونُقل إلى بور سعيد وتزوج مرة أخرى، وترك ولده مع طليقته بالقاهرة التى تزوجت بدورها، فعانى الصبى (والد صاحبنا) ما يعانيه من كان مثله من الأطفال الذين يعيشون مثل تلك الظروف، فاضطر إلى ترك الكُتَّاب والنزول إلى سوق العمل ليعول نفسه، وانتقل للعيش مع والده ببورسعيد عندما بلغ السادسة عشر من عمره، فعانى من سوء معاملة زوجة الأب بأكثر مما عاناه من زوج الأم، حتى استطاع والده أن يلحقه بالعمل ضمن فئة العمال المؤقتين حوالى عام 1933، ولم يتم تثبيته فى العمل إلا عام 1936 الذى كان نقطة تحول فى حياته، كما كان نقطة تحول فى حياة مصر كلها.
فقد تزوج فى ذلك العام من أم صاحبنا، فتاة بورسعيدية من أصول دمياطية، يعمل والدها "بامبوطى" وهى مهنة معروفة فى بور سعيد، يشتغل صاحبها ببيع التذكارات الشرقية (من منتجات خان الخليلى) على ظهر قارب يسير بجوار السفن عند دخولها القناة، ويبيع بضاعته للركاب والبحارة بكل العملات المعروفة، ويتفاهم معهم بعدة لغات. نموذج مصرى تقليدى لزيجات الفقراء ممن يعملون بوظيفة حكومية دائمة، فيسعون للزواج من شريحة اجتماعية أحسن حالاً، وإن كانت تقع ضمن طبقه الفقراء. وأتاح الزواج لوالد صاحبنا حق الحصول على مسكن من مساكن العمال، وهى مساكن ذات نمط واحد يتكون كل منها من غرفتين وصالة، ومرحاض، لا يدفع العامل إيجاراً لها، ويرتبط بقاءه فيها باستمراره فى العمل. وجاء مولد صاحبنا فى واحد من تلك البيوت. واقتضت ظروف الحرب التوسع فى خدمة السكة الحديد للمجهود الحربى للحلفاء فى قناة السويس، فنُقل والد صاحبنا للعمل فى محطة العجرود بين الإسماعيلية والسويس، وظل هناك مع أسرته الصغيرة حتى عام 1943 عندما نُقل إلى القاهرة فلم تستطع الأسرة الحياة فيها بالراتب الضئيل الذى يتقاضاه الأب، الذى حُرم من السكن المجانى شأنه فى ذلك شأن من يعملون بالقاهرة، فسارع بطلب النقل إلى الريف، فكان من نصيبه العمل بمحطة أوسيم بمحافظة الجيزة عام 1944 على خط المناشى (مديرية التحرير فيما بعد). وظلت الأسرة هناك حتى عام 1951 عندما رُقى الأب إلى وظيفة "ملاحظ بلوك" ونُقل إلى طوخ-قليوبية. ومع هذه التنقلات تأثرت أحوال صاحبنا تأثراً شديداً. فمنذ أواخر عام 1943 عاش بالقاهرة مع جدته لأبيه. كان الأب يحس بالذنب تجاهها لتركه لها (رغم ما عاناه من زوجها) وخاصة أن طلاقها من زوجها الثانى جعلها فى حاجة إلى رعاية ولدها الوحيد لها، فقد كانت تكسب عيشها من الاشتغال بالخياطة لجيرانها من سكان المنطقة الشعبية التى كانت تقطنها بشبرا.
رفضت الجدة أن تترك القاهرة وتعيش مع أسرة ابنها، فقد كانت تكره زوجته (أم صاحبنا) لأنها كانت من اختيار طليقها (والده)، فخصص لها نجلها ربع دخله المحدود، وأصرت على أن تحتفظ بصاحبنا (الطفل) معها ليلتحق بكَّتاب مشهور بشبرا بأرض البدراوى الذى تقع مقابل مدرسة التوفيقية على شارع شبرا. وكانت فاتحة الإقامة مع الجدة، سقوط صاحبنا (الطفل) من الطابق الثانى من فوق دَرَج البيت (الذى كان بلا سياج) ليهوى على رأسه فى صحن البيت. وظل صوت ارتطام رأسه بالأرض يدوى فى أذنيه عدة سنوات، وظل لمدة سنتين (بعد الحادث) يهب من نومه مذعوراً يبكى لساعات. ويذكر أن الجدة وجيرانها ترددوا به على عدد من المشايخ، كان آخرهم بمشتهر، صنع له "حجاباً" ظل معلقاً فى رقبته نحو العامين، ولم يعد يستيقظ بعدها فى منتصف الليل مذعوراً. وذات يوم دفعه الفضول لمعرفة ما يحتويه الحجاب، فمزق غلافه من القماش ليجد بداخل الكيس ورقة مطوية عدة طيات فيها حروف متفرقة، ورسم كهيئة الطير وسيف غُطى نصله بالكتابة، فمزق الورقة، وادعى لجدته أن الحجاب سقط منه دون أن يدرى.
ولم يكن الاستيقاظ فى منتصف الليل فى حالة هلع وذعر شديد هو كل ما ترتب على الحادث المروع من نتائج، فقد أصيب صاحبنا بكسر فى الفك الأيسر لم ينتبه إليه أحد إلا بعد نحو خمس سنوات من الحادث، ترتب عليه عدم استطاعته فتح فمه باتساع يزيد عن نحو واحد ونصف سنتيمتر. وأورثته هذه العاهة (التى لازمته حتى اليوم وستصحبه إلى قبره) متاعب نفسية شديدة فى فترة المراهقة على وجه التحديد. فكان لا يتناول طعاماً أمام غرباء عنه حتى لا يثير فضولهم السؤال عن سبب تناوله الطعام بطريقه غريبة عن المألوف. بل جعلته هذه العاهة يحرص على أن يكون آخر من يدخل مطعم المدرسة الابتدائية، ويتلكأ فى تناول وجبته حتى ينصرف من حوله على المائدة، عندئذ يسرع بالتهام الطعام. وأورثته تلك العاهة، وحياته بعيداً عن أسرته وإخوته الذين كان يزورهم يوم الخميس بعد انتهاء اليوم الدراسى، ويعود من عندهم مساء الجمعة، أورثته الميل إلى الانطواء، وحذراً شديداً فى الاختلاط مع أقرانه، وحرصاً شديداً فى اختيار من يتخذه صديقاً. وصاحبته الكثير من أعراض تلك الحالة النفسية حتى التحاقه بالجامعة، فبدأ يتخلص-تدريجياً-منها، فلم يبق منها إلا الحرص الشديد فى انتقاء الأصدقاء.
[تحرير] عزبة هرميس
كانت الجدة تقيم بعزبة هرميس، التى كانت تقع فى نهاية شارع الرافعى، الذى يعد امتداداً لشارع الجيوشى، المتفرع من شارع الترعة البولاقية بشبرا. ولم تكن عزبه هرميس التى وقعت عند سور مدخل الخط الحديدى إلى محطة مصر منطقةً زراعيةً بل كانت منطقة سكنية خاضعة للتنظيم من حيث التخطىًط إلى شارع رئيسى تتفرع منه حوارى وتتفرع منها دروب. وكان ارتفاع المبانى فيها لا يتجاوز الثلاثة طوابق، تشترك معظمها فى خلوها من المياه والصرف الصحى، فكانت هناك "حنفية عمومى" ضخمة أشبه ما تكون بصنبور الإطفاء (الآن) بجوارها "كشك" يجلس فيه العامل الذى يقوم بتحصيل مليم واحد على كل قربة ماء أو أربع صفائح مياه. وكان يتولى خدمة المنطقة سقاءان، لعلهما كانا كل ما بقى من حرفة قديمة فى تلك المنطقة. أما من لم يكن باستطاعتهم استئجار السقا، فكان عليهم أن يدبروا أمر الحصول على الماء بأنفسهم. وكان السقا يتقاضى من الجدة خمسة قروش شهرياً. وكان لكل بيت خزان خاص تحت الأرض يتجمع فيه الصرف حتى إذا امتلأ استأجر السكان عربة كسح لنقل محتويات الخزان لقاء أجر بسيط. أما الكهرباء فظلت اختراعاً مجهولاً لا يعرفه سكان العزبة، فكانت البيوت تنار بلمبات "الجاز". فإذا كان هناك عرس أو مأتم أضاءت "الكلوبات" الشارع الرئيسى حيث ينصب السرادق عادة. كان ملاك البيوت التى يتكون منها هذا المربع السكنى من أصحاب الحرف الذين حولوا مدخراتهم البسيطة إلى عقارات متواضعة، تؤجر بالغرفة الواحدة أو الغرفتين المتجاورتين المتصلتين ببعضهما البعض، أما الصالة التى تقع عليها تلك الغرف، فكانت مشاعاً للسكان، وكذلك المرحاض الذى يقع فى كل طابق من طوابق المبنى. أما الحمام فاختراع مجهول عند سكان الحى البائس، فالجميع يستحمون فى "الطشت" داخل غرفهم. وكان سكان تلك البيوت شركاء لملاكها فى السكن والفقر، فلم يكن الملاك أفضل حالاً من مستأجريهم، منهم من كان يشتغل بأحد المصانع أو بورش الصيانة التابعة للجيش البريطانى، واستطاع أن يبنى بيتاً يأويه وأهله، يؤجر بعض غرفه لطلاب السكن ليزيد من دخله. وعندما فقد أولئك أعمالهم بعد الحرب بسبب البطالة الناجمة عن إغلاق بعض المصانع التى ازدهرت زمن الحرب، وتسريح عمال ورش صيانة الجيش البريطانى، لم يعد لأولئك التعساء مصدر للرزق سوى ما يحصلونه من إيجار ممن يمرون بالظروف ذاتها.
وما يزال صاحبنا يذكر حوادث المشاجرات التى كانت تقع بين الملاك والمستأجرين، والتى يختلط فيها السباب بالعتاب، والتهديد بالطرد من السكن بالتذرع بالصبر انتظاراً لما يأتى به الغد، ولكن ذلك الغد لم يحمل معه الكثير من الأمل. فيضطر المستأجر إلى الاستدانة ليسدد للمالك جانباً من الإيجار، ليقينه أن تلك القروش المعدودة ضرورية لسد رمق عائلة المالك فى تلك الأزمة الخانقة.
وكانت الحياة فى تلك البيوت تقيم نوعاً من الروابط الاجتماعية بين سكان البيت الواحد، بل وسكان الحارة والحى، فهم يعرفون تفاصيل حياة بعضهم البعض، تنقل النسوة الأخبار من بيت لبيت، كما ينقلها حلاق الحى الأسطى عبد العظيم الذى كان ينحدر من أصل يمنى، وافتتح دكاناً على طرف العزبة، ولعب دور وكالة أنباء المنطقة فهو يجمع المعلومات عمن تشاجر مع جيرانه، ويعرف لماذا غضبت زوجة فلان وعادت لأهلها، ومن تعطل عن العمل، ومن بات فى الحبس بتهمة "التشرد"، إضافة إلى من خطبت ومن عُقد قرانها، ومن مرض، ومن تخرج من الحى ليلاً تحت أستار الظلام فلا تعود إلا فجراً، إلى غير ذلك من أخبار لم يكتف بجمعها من زبائنه، بل كان يستوقف المارة أمام محله ليستفسر منهم عن بعض التفاصيل التى غابت عنه.
كان سكان عزبة هرميس فى معظمهم من أهل الريف الذين نزحوا إلى القاهرة طلباً للرزق، وفراراً من الفقر إلى البؤس والشقاء. جاء معظمهم من قرى المنيا، ولابد أن يكون هناك من لعب دور الريادة فى اختيار المكان للسكنى، واجتذب وجوده بها أبناء جلدته وقريته، فتجمع المنياويون فى هذا المكان. ولعل أصول جدة صاحبنا المنياوية كانت وراء اختيارها الإقامة هناك حتى وفاتها عام 1963.
وكان سكان العزبة موزعين توزيعاً متساوياً بين الإسلام والمسيحية فى بعض البيوت، بينما كان المسلمون أقلية فى البعض الآخر من تلك البيوت. ولعل تجمع الأقباط المنياويين الفقراء فى هذا المكان يعود إلى قربه من كنيسة مارى جرجس التى تقع فى نهاية شارع الجيوشى. وكان فناء الكنيسة مرتعاً لأطفال العزبة من المسلمين والأقباط، فيذكر صاحبنا تلك الأيام التى شارك فيها أترابه اللعب فى فناء الكنيسة، وتناول معهم لقمة القربان من يد "أبونا" القمص. ويذكر "عمته" أم جرجس، جارة جدته التى كانت تناديها "يا أمى"، وكانت تخاطب والد صاحبنا عند زيارته لأمه "يا أخويا"، وظل صاحبنا حتى بلغ الثامنة من عمره، يعتقد أن "عمته" أم جرجس شقيقة لوالده وابنة لجدته، وخاصة أن أبا جرجس كان ينادى الجدة "يا حماتى"، وعندما كان يحدث سوء تفاهم بين أبوى جرجس كانت الجدة تعنف الزوج، فيسترضيها ويقبل رأسها.
لذلك كانت عزبة هرميس "مصر الصغرى"، عاش سكانها معاً وكأنهم أسرة واحدة يأكلون معاً من طبق واحد، فرغم فقرهم الشديد كانوا يتبادلون أطباق الطعام والحلوى. ولم تكن أيام صيام الأقباط العديدة عائقاً أمام استمرار هذه العادة، بل كان الجميع مسلمين وأقباطاً صائمين معظم العام بالمفهوم القبطى للصيام، لا تعرف "طباليهم" اللحوم إلا فى المواسم والأعياد. وكانت النسوة المسلمات والقبطيات يتبادلن إرضاع أطفال بعضهن البعض، بل ورعاية أطفال بعضهن البعض إذا اضطرت إحدى الأمهات إلى السفر إلى قريتها فجأةً لأمر طارئ. والجميع لا يفوته واجب عيادة المرضى، وتقديم التهانى فى الأفراح، والتعازى فى الأتراح.
ثلاثة بيوت فقط عاشت بمنأى عن هذا المجتمع الخاص لسكان عزبة هرميس، وقعت تلك البيوت على أطراف العزبة بشارع الرافعى أحدها بيت الشيخ الرافعى القاضى الشرعى الذى سُمى الشارع باسمه، وكان بيته من طابقين خصص لسكنى عائلته وأبنائه، لا يعرف سكان الحى عنهم شيئا، فهم يعيشون بمعزل تماماً عن أهل تلك الجيرة الفقيرة. وأقام الشيخ الرافعى بجوار منزله زاويةً كانت مقصد سكان الحى لأداء الصلاة، وكان صاحبنا يحرص على أداء الصلوات بتلك الزاوية، والاستماع إلى دروس الشيخ الرافعى بعد صلاة العصر فى رمضان حتى يُرفع آذان المغرب، فيفطر على تمر يوزعه الشيخ على المصلين، ويؤدى صلاة المغرب ثم يعود إلى البيت لتناول طعام الإفطار. أما البيت الثانى فكان بيت أبو خالد الشامى ويجاور بيت الشيخ الرافعى، ويعلو عنه طابقاً واحداً، صاحبه بقال فلسطينى نزح إلى مصر فى الثلاثينيات، وشيد البيت له ولأبنائه، وكان له محل واسع نسبياً أسفل البيت يبيع البقالة لسكان المنطقة بما فى ذلك سكان عزبة هرميس، يضع على باب المحل عبارة "الشكك ممنوع والزعل مرفوع والرزق على الله". وكانت هذه الأسرة تعيش بمعزل تماما عن أهل تلك الجيرة، فلا يعرف أحد شيئاً عنهما، حتى الأسطى عبد العظيم اليمنى الحلاق رغم مهارته الفائقة فى اصطياد المعلومات، كل ما استطاع التوصل إليه من أخبار أن أبا خالد الشامى افتتح محلاً أكبر بشارع الترعة البولاقية.
أما البيت الثالث فكان من طابق واحد، ويقع قبالة بيت الشامى، هو بيت المعلم محمد عمر، فنان الزجاج المعشق الذى ورث المهنة عن جده الرابع، وتعلمها منذ نعومة أظفاره، وصقلتها الموهبة عنده. كان بيته الوحيد الذى تظل سطحه سقيفة من اللبلاب، حَوَّلها الرجل إلى "أتيلييه" خاص يعد فيه نماذج مصغرة لنوافذ وأبواب وقباب المساجد والكنائس والقصور التى أُسندت إليه عمارتها. وكان صاحبنا يرتاد بيت المعلم محمد عمر صحبة جدته التى كانت صديقة الست دولت زوجة المعلم، ولم يرزق الزوجان أطفالا فتبنى المعلم ابنتى شقيقة زوجته التى ترملت فى "عز شبابها"، ثم تزوجت، وتركت البنتين لأختها. كانت أكبرهما "رشيدة" التى تكبر صاحبنا بعامين، أما الصغرى فكانت "خديجة". وكانتا تناديان المعلم "أبى" وخالتهما دولت "أمى" وأمهما الأصلية "خالتى".
واشتركت تلك البيوت الثلاثة فى حسن العمارة، والانتماء إلى العصر، فكانت مزودة بالماء والكهرباء والصرف الصحى لوقوعها عند آخر نقطة وصلتها تلك الخدمات بشارع الرافعى. ورغم دخول عزبة هرميس نطاق "التنظيم" الحضرى إلا أن فقر ملاك مساكنها جعلهم يعجزون عن توفير المال اللازم لمد تلك الخدمات إلى بيوتهم، فظلت النظرة إلى البيوت الثلاثة أشبه ما تكون بالنظرة إلى التخوم التى تفصل العزبة عن مجالها الحضرى.
كان لهذه البيئة الشعبية الفقيرة البائسة، أبلغ الأثر فى تكوين صاحبنا فقد عاش بعزبة هرميس حتى عام 1954 عندما قرر والده أن ينقله من مدرسة شبرا الثانوية إلى مدرسة طوخ الثانوية بسبب رسوبه فى الفرقة الأولى، وعاد إليها عام 1957- 1958 عندما التحق بالجامعة، وشهد ثلاثة أرباع العزبة يختفى من الوجود ليفسح الطريق لشق طريق أحمد حلمى المجاور للسكة الحديد. كان ذلك عام 1961 عندما نُزعت ملكية تلك البيوت الفقيرة وبدأت معاول الهدم تسويها بالأرض، من بينها البيت الذى أورثه عاهة مستديمة عندما سقط من طابقه الثانى، والبيت الذى انتقلت إليه الجدة (بعد الحادث)، وبيت ثالث انتقلت إليه الجدة بعدما رغب صاحبه فى الحصول على غرفتها لسكنى ولده المتزوج حديثا. هذه البيوت الثلاثة التي طويت تحت (أسفلت) طريق أحمد حلمى شهدت طفولة صاحبنا وصباه.
كان الكُتَّاب هو التعليم الذى حصَّله جده وأبوه، فقد حلم الجد والأب بالدراسة فى الأزهر، والحصول على "العالمية". فالأزهر كان المؤسسة التعليمية المتاحة للفقراء الذين تقعدهم رسوم الدراسة بالمدارس (التى لم تتوافر إلا للطبقة الوسطى) عن الالتحاق بالمدارس. وإذا كانت ظروف الجد والأب العائلية قد حالت دون تحقيق أى منهما آماله فى التعليم، فقد علق الأب أمله على صاحبنا ليحقق حلمه فى أن يصبح والداً لعالم من علماء الأزهر.
التحق الطفل ابن الرابعة بكتَّاب يحمل اسم "مدرسة الفتوح الجديدة الأولية" يقع فى شقة بالدور الأرضى بأرض البدراوى التى تقع فى ظهير شارع شيكولانى المتفرع من شارع شبرا أمام مدرسة التوفيقية الثانوية (وقد أصبح اسم الشارع مستشفى كتشنر، ثم "المستشفى" بعد الثورة)، وكانت الشقة مكونة من حجرتين وصالة، تقيم صاحبة المدرسة (أم جلال) بإحدى الغرف، وهى أرملة صاحب الكُتَّاب، تولت إدارته بعد رحيل زوجها، واستعانت باثنين من الفقهاء من قراء القرآن الذين حصَّلوا تعليماً دينياً محدوداً لا يرقى إلى مستوى الأزهر، كان أحدهما الشيخ محمد أبو السعود نصف كفيف أو نصف مبصر، والآخر الشيخ محمد حسان. كانت مهمة الأول تحفيظ القرآن، وكانت مهمة الآخر تعليم الصبية القراءة والكتابة ومبادئ الحساب, أما أم جلال فكانت تتولى تعليم الأبجدية للتلاميذ الجدد، برغم من أميتها، فلم تكن تعرف سوى الأبجدية.
ويذكر صاحبنا يومه الأول بالكُتَّاب، عندما سأله الشيخ عن اسمه، فقال: "رؤوف" ففزع الشيخ واستعاذ بالله، وأمره أن يفتح يده ليضربه بقطعة من جريد النخل، ثم قال له: "الرؤوف هو الله ...أما اسمك فعبد الرؤوف... اسمك إيه" فرد الطفل بصوت خنقه البكاء: "عبد الرؤوف"
كانت البداية منفرة، جعلت الطفل يكره الكُتَّاب. لم يجد الطفل صعوبةً فى تعلم القراءة والكتابة وقواعد الإملاء والحساب فى السنوات الثلاث التى قضاها بالكُتَّاب، ولكنه وجد صعوبةً بالغةً فى حفظ آى الذكر الحكيم. كان التلاميذ يجلسون أمام الشيخ يرددون وراءه الآيات التى عليهم حفظها ويتم "التسميع" فى اليوم التالى، الشيخ يجلس أمام التلاميذ وقد افترش الجميع الحصير، وفى يده عصاه التى قُدَّت من جريد النخل، تهوى كيفما اتفق على التلميذ الذى يخطئ فى"تسميع" الآيات، وقد تهوى العصا على رأسه أو كتفه، فإذا كرر الخطأ تم مده؛ فيجلس على "دكة" خاصة لذلك مُسنداً ظهره إلى الحائط ماداً رجليه على الدكة، ويجلس تلميذ آخر أكبر سناً وأثقل وزنا على ركبتى المعاقب ويكتف يديه، وينهال الشيخ على القدمين بجريدته حتى يدميهما.
مر صاحبنا بهذه التجربة المريرة أربع مرات، كانت اثنتان منهما عقاباً له لخلطه بين الآيات، أما الأخريان، فكان عقابهما أشد، لأنه تجرأ وقال للشيخ إنه لا يستطيع الحفظ إلا إذا فهم معنى ما يحفظ، فعد الشيخ ذلك "جدالاً فى كلام الله" وسام الطفل سوء العذاب. وكانت النتيجة مرور ثلاث سنوات لم يستطع خلالهما سوى حفظ "العشر الأخير" من القرآن الكريم.
لم يقتصر الأمر على ما لقيه الطفل من عذاب على يدى الشيخ، بل كان والده يقرعه كل أسبوع عندما يراه لا يحقق التقدم المأمول فى الطريق إلى حفظ القرآن واستظهاره تمهيداً لدخوله الأزهر، وكانت جدته تروى لجيرانها قصه "خيبة الأمل اللى راكبة جمل"، فأحس الطفل بالكراهية للشيخ ولأهله، بل ولنفسه، وزاده ذلك إحساسا بالاغتراب وميلاً إلى الانطواء، والانزواء بعيداً عن أقرانه.
كان للأب زميل فى العمل وصديق يدعى محمد أبو زيد وكان رجلاً طيباً لم يُرزق أبناء، كما كان فناناً مرهف الحس يجيد العزف على العود. وعندما ضاق الأب ذرعاً بخيبة الأمل فى ولده، عبر لصديقه عن رغبته فى أن يدفع بولده إلى إحدى الورش عساه يتعلم "صنعة تنفعه" طالما كان لا يصلح للتعليم. فهال ذلك الأمر صديقه محمد أبو زيد وطلب منه أن يتذرع بالصبر ويعطيه فرصةً لسماع وجهة نظر الطفل، فقبل الأب على مضض.
جلس محمد أبو زيد، وإلى جانبه زوجته نعيمة، وأمامهما صاحبنا الذى رفض تناول الكعك الذى قدماه له رغم سيل اللعاب الذى يبتلعه بين الحين والآخر، فقد تحكمت فيه عقدة عدم تناول الطعام فى حضور الآخرين، و"دندن" عمه أبو زيد على العود قليلا ثم سأل الطفل عن الأسباب التى جعلت شيخ الكُتَّاب يجأر منه بالشكوى، ولماذا لم يحقق تقدماً فى حفظ القرآن، فأجابه بأنه يريد أن يفهم معنى ما يحفظه، وأن يحس بأنه يُعامل معاملة البشر وليس معاملة الحمير، فيُضرب كلما طالب الشيخ بشرح معانى الآيات.
نصح محمد أبو زيد والد صاحبنا بأن يصرف النظر عن حكاية الأزهر، وأن يعطى ولده فرصةً أخيرةً قبل أن يزج به إلى إحدى الورش، فيتيح له فرصة التقدم لامتحان القبول بإحدى المدارس الابتدائية، فإذا نجح فى الامتحان، شق طريقه فى التعليم العام، وإذا لم يوفق كان من حق الوالد أن يحدد مسار مستقبله كيفما شاء. قبل الوالد النصيحة، وقدم أوراق ابنه لمدرسة السيدة حنيفة السلحدار الابتدائية التى تقع بشارع زنانيرى أمام المحكمة الشرعية بأول شارع شبرا. وجاء اختياره لهذه المدرسة، وليس مدرسة شبرا الابتدائية الأقرب موقعاً من عزبة هرميس حيث يقيم مع الجدة، لأن لمدرسة السيدة حنيفة السلحدار وقفاً خاصاً للإنفاق على المدرسة التى خصصتها صاحبة الوقف لتعليم أبناء فقراء المسلمين، فكان الاختيار مرتبطاً بما توفره هذه المدرسة من ميزة تحمل الوقف الخاص بالمدرسة لثلثى رسوم الدراسة.
أدى صاحبنا امتحان القبول فى الحساب والإملاء، وذهب إلى المدرسة برفقة والده لاستطلاع النتيجة عند سكرتير المدرسة، فعلم منه أن النجاح كان من نصيبه، وأنه قُبل بالمدرسة، ولكن القبول لا يعد نهائياً إلا إذا أحضر "كارت" توصية من أحد "البكوات" موجهاً إلى "حضرة صاحب العزة محمد بك الكاشف ناظر المدرسة". خرج الوالد من المدرسة مكتئباً، يائسا، يصب جام غضبه -طوال الطريق إلى باب الحديد، وطوال رحله القطار إلى أوسيم- على ولده المسكين قائلاً: "أدى آخرة كلام عمك أبو زيد... فاكرك بنى آدم. ماله الكُتَّاب... ده من توبنا... لكن تقول إيه للخيبة... تقدر تقوللى أجيب لك كارت (بك) إزاى؟! لازم ترجع الكُتَّاب وتحفظ القرآن فى سنة واحدة... أو أبعتك ورشة تتعلم صنعة ما دمت فقرى".
هذه الجمل، وتقاسيم أخرى تتصل بسياقها كانت سهاماً تدمى فؤاد الطفل البائس الحائر ابن السابعة الذى نجح فى امتحان القبول، وبقى التحاقه بالمدرسة المناسبة لوضعه الاجتماعى مرهوناً بعملية "الفرز" الاجتماعى التى قد تتيح لأبناء العمال تجاوز حدودهم الطبقية، أو تحول بينهم وبين ذلك. كان صاحبنا مطأطأ الرأس طوال الوقت، ينتابه إحساس عميق بالظلم من والده جعل الدموع تحتبس فى مآقيها. وعندما وصل صحبة والده إلى محطة أوسيم، كان من واجب الوالد صرف تذاكر السفر للركاب. أجلسه معه بمكتب التذاكر، وراح يتسلى بتوبيخه بما لا يخرج عن السياق سالف الذكر، وهو يبيع التذاكر للجمهور. ودخل المكتب فجأة شيخ معمم مهيب الطلعة، استقبله الأب بالترحاب، كان الشيخ عمدة قرية سقيل القريبة من محطة أوسيم على خط المناشى "مديرية التحرير الآن". وعاد الأب إلى معزوفة التوبيخ فى حضرة العمدة فسأله الرجل عن السبب، وعندما علم أن "كارت" توصية من بك يحل المشكلة، نصح الأب بحسن معاملة ولده، وسأل عن اسم الولد واسم ناظر المدرسة. كان العمدة فى طريقه لمقابلة البك صاحب العزبة فى قريته، ورغم أنه لم يذكر ذلك لوالد صاحبنا عندما سمع منه القصة كاملةً، عاد مساء اليوم نفسه حاملاً كارت التوصية. وبذلك وجد صاحبنا نفسه تلميذاً فى مدرسة السيدة حنيفة السلحدار، وبدأ النحس الذى لازمه منذ الرابعة من عمره ينقشع، وتحول الكُتَّاب وقسوة الشيخ، وساديته فى تعذيب التلاميذ إلى مصاف الذكريات الحزينة.
وإذا كان النحس قد فارقه عند هذا المنعطف من حياته، فإن ذلك لم يضع نهايةً لعقده النفسية، فمنذ وعى، كان يسمع جدته تختتم صلواتها (التى تحرص عليها) بالدعاء على أمه سائلةً الله أن "يحرق قلبها على أولادها" وكانت تعامله بجفاء شديد، فتمنعه من الخروج من الغرفة محدودة المساحة إلى الشارع، ولم يستطع أن يتمتع بما يتمتع به أترابه من حرية اللعب إلا بعد التحاقه بالمدرسة، فكان لا يعود إلى البيت كل يوم إلا قبيل الغروب، يتوقف أثناء العودة بملاعب التوفيقية الثانوية للفرجة على تدريبات الملاكمة والمصارعة والجمباز، ثم يتوقف فى فناء كنيسة مارجرجس.
وحرصت الجدة على أن تكلفه بأمور لا تفسير لها سوى إرهاقه انتقاماً من أمه فى شخصه، فلا ترتاح إلا إذا أرسلته إلى حقول منية السيرج ليقطع المسافة فى ساعتين ذهاباً وإياباً ليشترى من هناك بخمسة مليمات الملوخية والطماطم ويحصل على الفجل والجرجير (فوق البيعة)، حتى إذا عاد من تلك الرحلة المضنية، صبت عليه وعلى أمه اللعنات لأنه تأخر فى مشوار هو مجرد "فركة كعب". وإذا احتاجت لشراء الخبز أرسلته إلى مخبز يقع على مسيرة ساعة ذهاباً وإياباً برغم توفر الخبز عند بقال الحى. وكانت ترى أن وجبة العشاء مضرة ولا تنفعه لأنه صغير وتناول العشاء قبل النوم يؤثر على قدرته على الفهم، وتتناول وحدها العشاء وهو يرقبها حتى تَعَوَّد على ذلك، فحذف من قاموسه مصطلح العشاء. وإذا طبخت لحماً أكلته وحدها (لأنها مريضة والحكيم وصفه لها)، وعندما تجرأ وأكل –سراً- قطعة من اللحم ظناً منه أنها لن تكتشف الأمر، اتضح أنها تحمل معها (محضر الجرد) فاكتشفت السرقة، ولعنته وأمه لأنه (مفجوع) مثلها، وتوعدته أن ينال من الله جزاء السارق، فيَصلى ناراً موقدة. أما الإفطار فلا مكان له سوى أيام الكُتَّاب، أما بعد الالتحاق بالمدرسة فلم تعد هناك حاجة إليه لأن المدرسة تقدم وجبةً ساخنةً أيام السبت والأحد والثلاثاء والأربعاء، ووجبةً جافةً يومى الإثنين والخميس، وتناول وجبة الإفطار يؤثر على قدرته على التحصيل. فكان عليه أن يذهب إلى المدرسة فى الصباح سيراً على الأقدام لمدة ساعة يومياً، دون أن يتناول طعاماً منذ ظهر اليوم السابق.
غير أن تطوراً خطىًراً عوضه عن الحرمان من الإفطار، فقد رفع والده مصروفه اليومى من مليم واحد (أيام الكُتَّاب) إلى خمسة مليمات دفعةً واحدة عندما التحق بالمدرسة، وكانت الجدة ملزَمةً بإعطائه المصروف يومياً لأن والده يعطيها أمامه مصروف الشهر ويحدد قيمة مصروفه اليومى، فكان يصر على الحصول على الخمسة مليمات يومياً، يشترى بها سندوتش أحياناً، ويشترى بها مجلة "البعكوكة" أسبوعياً، وعندما اكتشف وجود مجلة "سندباد" كان يشتريها من بائع الصحف بالتقسيط، فيدفع له خمسة مليمات لمدة أربعة أيام متتالية، وظل يشترى "البعكوكة"، وبذلك لم يتبق له إلا مصروف يوم واحد. شكا حاله لأمه يوماً عند زيارته لأسرته فى نهاية الأسبوع، فبكت وهى تستمع إلى شكواه، وحرصت على أن تعطيه (سراً) ثلاثة قروش أسبوعياً حتى يشترى مجلاته المحببة، ويحتفظ بالمصروف اليومى لشراء سندوتش ولكنها لم تنقل الشكوى للأب الذى كان يتقمص فى البيت شخصية "سى السيد" التى أجاد تصويرها نجيب محفوظ. ولم تجرؤ على البوح بما يتعرض له ولدها من سوء المعاملة إلا عندما رسب بالفرقة الأولى الثانوية، وفكر الأب فى إنهاء تعليمه عند هذا الحد، فيلحقه بعمل حتى يبلغ الثامنة عشر، عندئذ يسعى إلى تعيينه بالسكة الحديد بوظيفة كتابية، فانفجر غضب الأم الصبور المطيعة دوماً، وحكت للأب كل ما يعانيه ابنه، وتعرض الولد لاستجواب طويل من جانب الأب الذى كان يجهل تماماً حقيقة ما يجرى لولده، وعلى ضوء ذلك قرر نقله إلى مدرسة طوخ الثانوية (حيث كان يعمل هناك)، فأحس صاحبنا لأول مرة بدفء الحياة الأسرية، وتعَرَّف على إخوته واندمج بينهم، وفُتحت بذلك صفحة جديدة من حياته، كان لها أثرها فى تكوينه النفسى، فتلاشى الشعور بالاضطهاد الذى لازمه طوال حياته بعزبة هرميس، وتخلص تدريجياً من الانطواء، وتحسن أداؤه الدراسى كثيراً، كما تحسنت أحواله الصحية. ولكنه لم يتخلص من كراهيته للجدة رغم اضطراره لزيارتها مرة كل أسبوع تنفيذاً لأوامر أبيه، ويحرص على العودة فى اليوم نفسه بعدما تُسمِعه معزوفتها المعتادة فى نقائص أمه، وتنعى عليه ما أصابه من زيادة الوزن مما يدل على أن أمه (تحشر) له الطعام، فيؤدى ذلك إلى (تخن) مخه وخيبته فى الدراسة (بإذن واحد أحد) !!
لم يعد الفتى يلقى بالاً لهذا الهراء، طالما كانت الزيارة قصيرةً روتينية. وعندما طلب منه والده ان يقضى إجازة الصيف مع جدته بعزبة هرميس، جرؤ –لأول مرة- على رفض طلب أبيه، ولكنه برر ذلك برغبته فى العيش مع إخوته لأنه يشعر أنه يُعامَل معاملة (المنبوذ) دون مبرر. واكتفى الأب بتسديد نظرة قاسية نحوه، وقد كست ملامح الغضب وجهه، ولكنه لزم الصمت. وانتهى الأمر عند هذا الحد.
[تحرير] تلميذ بين أربع مدارس
كان أول عهد صاحبنا بالمدارس التحاقه بمدرسة السيدة حنيفة السلحدار الابتدائية الأميرية على نحو ما سبق ذكره، وأتاح له تردده اليومى على المدرسة فرصة التعرف على شبرا بتكوينها المختلط الغريب، مقارنةً بعالمه المحدود فى عزبة هرميس، بل كان الانتقال من البيت إلى المدرسة بمثابة ارتياد كوكب آخر من بيئة تختلف تماماً عن بيئة عزبة هرميس. كانت المدرسة تقع فى شارع زنانيرى بأول شارع شبرا من ناحية النفق العتيد. وكان على التلميذ الجديد أن يقطع المسافة من البيت إلى المدرسة سيراً على الأقدام فى نحو الساعة، فيغادر البيت فى السادسة صباحاً حتى يصل إلى المدرسة فى السابعة ليحظى بفرصة اللعب فى فنائها مع أقرانه حتى يدق الجرس مؤذناً ببداية اليوم الدراسى بطابور الصباح. وكان يقطع فى مسيرته الطويلة تلك من البيت إلى المدرسة شارع مستشفى كتشنر من طرفه الشرقى عند السكة الحديد إلى مصبه غرباً فى شارع شبرا، ثم يتجه جنوباً فى شارع شبرا حتى يصل إلى المدرسة.
كانت شبرا عندئذ تعكس واقع مصر كلها، فكان شارع شبرا الرئيسى حيث خط الترام وكذلك شارع مستشفى كتشنر، وجانب من شارع الترعة البولاقية، مقر إقامة الأجانب فى العمارات الواقعة على جانبى هذه الشوارع، وهم جميعاً من الطبقة المتوسطة الصغيرة ومن العمال وباعة المحلات الكبرى. كان اليونانيون يمثلون الأغلبية بين الأجانب من سكان شبرا يليهم الأرمن (تقريباً)، نظراً لتناقص حجم الجالية الإيطالية أثناء الحرب العالمية الثانية، وإن بقى لهم وجود ملموس فى مهن ميكانيكا السيارات والكهرباء، ونجارة الأثاث. وكان الأرمن يشتغلون بالتجارة والمهن الفنية وبعض الحرف، فكان منهم الترزى والساعاتى والإسكافى وغيرهم من أرباب الحرف. وكانت محال شبرا تحمل لافتات باللغة الفرنسية، وقليلاً ما كانت تُجمع إليها العربية، ويكتسى شارع شبرا حلة من الزينات التى تقيمها المحلات على جانبى الشارع احتفالاً بعيد الميلاد المجيد، فتضع المحال تماثيل صغيرة أو كبيرة لبابا نويل، وعبارات "عام سعيد" "عيد ميلاد سعيد" باللغة الفرنسية غالباً وباليونانية والأرمنية فى بعض الأحيان ولم تكن تضاف إليها العربية إلا فى المحلات القليلة التى كان يملكها مصريون (معظمهم من الأقباط). وكانت المحال ترفع على أبوابها –بهذه المناسبة- أعلامها الوطنية وإلى جانبها (أحياناً) علم المملكة المصرية الأخضر يتوسطه الهلال الأبيض والنجوم الثلاثة البيضاء.
وكان بشارع شبرا خمسة أو ستة محال جزارة مخصصة للحم الخنزير، كما كانت هناك نحو الأربع حانات، تَمَثل الوجود الوطنى إلى جانبها فى محل كبير لصناعة "البوظة" وبيعها على شارع شبرا فى مواجهة شارع على بك النجار الذى يقع لديه مدخل المدرسة، وكانت "البوظة" تجتذب حشداً كبيراً من الزبائن منذ الصباح، وقد تسمر صاحبنا فى مكانه عندما رأى ذات يوم "عربجى" حنطور يجلس على حافة رصيف الشارع، وبين يديه "قرعة" (وعاء) البوظة يشرب منه ويسقى الحصان معه من الوعاء نفسه.
أما الوجود المصرى بين سكان شارع شبرا وشارع مستشفى كتشنر، والمدخل الجنوبى لشارع الترعة البولاقية، فكان يقع فى ظهير الشوارع الرئيسية، وكان التباين كبيراً بين الطرز المعمارية على الشوارع الرئيسية وتلك التى تقع فى ظهيرها. كما كانت الخدمات المتاحة لسكان "الشوارع الخلفية" محدودة، وخاصةً إضاءة الشوارع ليلاً بمصابيح الغاز، فتجد الجزء الملاصق للشوارع الرئيسية مناراً لمساحة لا تزيد عن خمسين مترا، ثم يسود الظلام بقية الشارع. وكان شارع شبرا يتمتع بأكبر نصيب من النظافة، فيُكنس وتغسله تماماً "عربات الرش"، بينما الشوارع الخلفية تبدو وكأنها فى قارة أخرى. وكنت ترى فقراء الأجانب يطوفون شوارع شبرا وغيرها من أماكن سكنى الأجانب يلعبون "البيانولا" ويؤدون بعض الألعاب الهزلية، ويمر المهرج بالبيوت يلتقط فى الدف الذى يحمله بين يديه قطع العملة الفضية التى يقذفها "الخواجات" من الشرفات إليه. أما ألعاب الحواة وعروض الأراجوز فى الشوارع الجانبية فكانت وقفاً على المصريين.
كان صاحبنا يتأمل هذا العالم الغريب فى رحلة الإياب من المدرسة، لأن معظم المحلات لا تفتح أبوابها قبل الثامنة أو التاسعة صباحاً فيما عدا مخبزين "أفرنجى"، كان يشترى من أحدهما "سميطة" بمصروفه اليومى وينتحى جانبا ليأكلها قبل أن يستأنف الرحلة إلى المدرسة. أما عند الانصراف عصراً فكان يتسكع أمام المحلات يتفرج على معروضاتها وعلى هذا الخليط الغريب من البشر، ويتفرج على لاعب "البيانولا" وغير ذلك من مظاهر الحياة التى لا تمت بصلة إلى عالمه المحدود. وكان يدخر (أحياناً) مصروفه اليومى (نصف القرش) فلا يفطر يوماً ليشترى بها "الآيس كريم" من محل أحد "خواجات" شارع شبرا ليستمتع بمذاق هذه البدعة التى تختلف تماماً عن "الجرنيدة" التى كان يسرح بها بائع متجول يمر بعزبة هرميس. وشتان بين ما كان يدفع فيه مليماً واحداً، وما يدفع فيه خمسة مليمات بالتمام والكمال من حيث الكم والنوع والمذاق.
بدعة أخرى لفتت نظره هى دور السينما، فلم يكن حتى دخوله المدرسة (عام 1947) قد شاهد فيلماً سينمائياً، وهكذا كان يطيل الوقوف لدى مدخل سينما "دوللى" يتفحص الصور المعروضة فى المدخل للقطات من الفيلم المعروض، وغَيَّر طريق العودة خصيصاً ليمر بشارع الترعة البولاقية، ويشاهد دور سينما "روى" (وكانت تعرض الأفلام الأجنبية)، وسينما "فريال" ثم "شبرا بالاس" فيتفحص مجموعات الصور هنا وهناك. ورأى أن الفرجة من الخارج لا تجدى نفعاً، فقرر يوماً أن يستثمر بعض القروش الثلاثة التى تعطيها له أمه فى نهاية الأسبوع (سراً، بعدما تقتصد هذا من مصروف البيت)، فاختار حفلة بعد الظهر بأحد أيام الاثنين حيث تنصرف المدرسة فى الواحدة والنصف، واشترى تذكرة "ترسو" (درجة ثالثة) بخمسة عشر مليماً بالتمام والكمال، وتفرج على أول فيلم فى حياته، لعله كان أحد أفلام فريد الأطرش ومعه (فى العرض نفسه) فيلم أمريكى آخر. وشغل ذهنه فى طريق العودة للبيت بالبحث عن مبرر لهذا التأخير الشديد غير المعتاد ليرويه لجدته، ولكنه لم يحتج لذلك لأنها كانت فى زيارة لبعض أقاربها، وعادت إلى البيت بعده، ولم تهتم بسؤاله عما كان من شأن يومه. فنام ليلتها قرير العين منتشياً بما حقق من أمل، وكأنه "جاب الديب من ديله".
آفاق أخرى أتيحت له، تمثلت فى حركة الطلبة وإضرابات المدارس، التى كانت تبدأ من التوفيقية الثانوية ثم تزحف على بقية مدارس الحى، تحاصرها، وتطلب مشاركتها، وكان ناظر مدرسة السيدة حنيفة السلحدار يخشى ما قد يترتب على رفض السماح لتلاميذ المدرسة بالخروج للمشاركة فى المظاهرة من قذف الطلاب (الكبار) للمدرسة بالطوب من الخارج، فيتحطم زجاج النوافذ وتلحق الإصابات ببعض التلاميذ، كما حدث ذات مرة. لذلك كان يسارع بفتح أبواب المدرسة وصرف التلاميذ قبيل وصول المظاهرة الكبرى إلى المدرسة، مع توصية التلاميذ بالعودة إلى منازلهم. فكان صاحبنا يقضى سحابة اليوم مشاركاً فى المظاهرات، فتفتح وعيه منذ حرب فلسطين (1948) على هموم الوطن شأنه شأن غيره من أطفال مصر من أبناء ذلك الجيل الذى أنضجته هموم الوطن قبل الأوان. وأضافت المظاهرات منطقة قلب القاهرة إلى عالمه، فعرف –لأول مرة- الطريق إلى قصر عابدين، وحى الدواوين حيث رئاسة مجلس الوزراء والبرلمان. فقد كان المتظاهرون يوجهون الترام وجهةً أخرى فى الاتجاه إلى ميدان الإسماعيلية (التحرير الآن)، ومن هناك تتحرك المظاهرات إلى مقصدها حتى يشتتها جنود "بلوكات النظام" بعصيهم الغليظة، فيهرب الطلاب إلى الشوارع الجانبية حتى إذا انفض الجمع، عاد صاحبنا من قلب القاهرة إلى عزبة هرميس سيراً على الأقدام ليصل إلى هناك بعد الغروب، فتستقبله جدته باللعنات لأنه يسير فى طريق الضياع باشتراكه فى المظاهرات مع "العيال البطالين" وتتوعده بإبلاغ أبيه. وكان حاضراً ذات مرة وهى تقص على الأب ما حدث من ولده، فاستمع الأب إلى القصة ثم قال لولده: "أهم حاجة عندى إنك تأخذ الابتدائية، وبعدها كله بأمر الله". فاعتبر هذا تصريحاً من والده بالموافقة (ضمناً) على اشتراكه فى المظاهرات، وخاصة أن الأب كان وفدياً حتى النخاع، ويرى أن النحاس باشا "زعيم الأمة" بلا منازع، ويعتز بمصافحته للزعيم على رصيف محطة بور سعيد عام 1936، وحضوره بعض المناسبات التى خطب فيها.
كانت مدة الدراسة بالمرحلة الابتدائية أربع سنوات، أما المرحلة الثانوية فكانت خمس سنوات. وتنتهى المرحلة الابتدائية بالحصول على شهادة الابتدائية التى تحشر صاحبها فى زمرة "الأفندية"، أما الثانوية فلها شهادتان أولاهما بعد الرابعة هى شهادة الثقافة وهنا يستطيع من لا يملك أسباب الالتحاق بالجامعة أن ينهى دراسته، حاملاً مؤهلاً متوسطاً يؤهله للعمل بوظيفة إدارية، قد توصله إلى أعتاب الإدارة العليا إذا حصل على فرصة للترقى عن طريق المحسوبية أو الرشوة، وكانتا وسيلتين معتمدتين للترقى فى وظائف الدولة. أما من يواصل الدراسة الثانوية حتى نهايتها فيحصل على "التوجيهية"، وكانت تنقسم إلى شعبتين: أدبى وعلمى، عندئذ يستطيع التقدم بأوراقه إلى الكلية التى يرغب الالتحاق بها بالجامعة.
كان بمدرسة السيدة حنيفة السلحدار الابتدائية ثمانية فصول: فصلان لكل فرقة من الفرق الأربع يضمها جميعاً القصر (الذى تحول إلى مدرسة) إضافةً إلى مكتب الناظر وحجرة الموسيقى، واحتلت حجرة الأشغال مكاناً تحت شرفة الدور الأول للقصر تم تحويله إلى حجرة بقواطع وفواصل خشبية ذات نوافذ زجاجية. أما بدروم القصر فتحول إلى مطعم للتلاميذ. واقتطع جانب من الفناء أقيمت فيه حجرة الرسم ومكتب السكرتير، وحجرة "ضابط المدرسة" وهو مدرس التربية الرياضية. واحتل ملعب كرة السلة فناء المدرسة، أما شرفة القصر فوضعت بها طاولتان لكرة المضرب (البنج بونج). وفى ركن قصى من الفناء المطل على شارع زنانيرى كانت هناك مزرعة للدواجن حيث الدجاج والبط والأوز والأرانب.
كان عدد تلاميذ الفصل الواحد فى الفرقة الأولى 32 تلميذاً وعندما وصل صاحبنا إلى الفرقة الرابعة كان عدد تلاميذ فصله 24 تلميذاً، وكان عدد تلاميذ المدرسة لا يصل إلى 250 تلميذاً. وشملت برامج الدراسة بالإضافة إلى اللغة العربية والحساب والتاريخ والجغرافيا والعلوم للفرقتين الأولى والثانية يضاف إليها الإنجليزية للفرقتين الثالثة والرابعة، شملت برامج الدراسة الرسم حيث ينتقل الفصل إلى حجرة الرسم، فيشرح المدرس قواعد الرسم ويمر على التلاميذ ليوجههم ويصحح أخطاءهم، ويولى اهتماماً بمن يلمس لديه بعض الاستعداد فينمى موهبته، وجرت العادة على إقامة معرض فى نهاية العام لرسوم التلاميذ. ويحدث الشىء نفسه فى حصة الأشغال فيتعلم التلاميذ تشكيل الطين الصلصال، والزخرفة بمواد مختلفة، والأعمال الخشبية ويهتم المدرس –أيضاً- بذوى المواهب الخاصة من التلاميذ ليزدان بإنتاجهم معرض نهاية العام. أما حصة الألعاب فكانت تربيةً بدنيةً بحق. وكانت حجرة الموسيقى بها بيانو وآلات وترية وطبول، وكان التلاميذ يُدَرَبون على النوتة الموسيقية تدريباً جدياً، ويختار من بين الطلاب الموهوبين فريق الموسيقى الذى يعزف فى طابور الصباح أثناء إلقاء النشيد الوطنى، وكذلك فى الحفل السنوى فى ختام العام الدراسى.
ولم يكن للمدرسة زى موحد، ولكن اشتُرط ارتداء البنطلون القصير (شورت) والجورب الطويل الذي يصل إلى ما تحت الركبة، مع ضرورة لبس الطربوش الذى تسبب فى تعرض صاحبنا للعقاب فى الأسبوع الأول من الدراسة، عندما نسيه فى الفصل ونزل إلى "الفسحة" عارى الرأس فلمحه الناظر، وأمر الفراش "بعبطه" ثم ضربه على مؤخرته عدة ضربات بكرباجه الصغير.
كان الضرب أساسياً فى عملية التعليم، وكان المدرس يدخل الفصل حاملاً خيزرانة، وانفرد مدرس اللغة العربية بحمل "مقرعة" عبارة عن يد جلدية كيد الكرباج تتفرع منها نحو خمسة سيور جلدية صغيرة. ولكن المقامات الاجتماعية كانت تُراعى عند توقيع العقاب؛ فالمدرس يحرص فى بداية العام على سؤال كل تلميذ عن "وظيفة" والده، فإذا كان موظفاً اهتم بالسؤال عن درجته، فإذا كان ولى أمر التلميذ موظفا "محترما" حظى بعقاب متوسط، وإذا كان الوالد برتبة "بك" اكتفى المدرس بقرص أذنه، أما غالبية التلاميذ من أبناء العمال والحرفيين فكانوا يُضرَبون ضرب الإبل. وكان صاحبنا من تلك الفئة التى يُشبع المعلمون فيهم ميولهم السادية. ويبلغ عقاب التلميذ ذروته عندما يُستَدعى ولى أمره ليتولى عقابه بنفسه أمام جميع طلاب المدرسة فى طابور الصباح، فيعلن ناظر المدرسة ما ارتكبه التلميذ من جرم، ثم يتولى ولى الأمر مراسم العقاب بقسوة بالغة، بل قال أحدهم لناظر المدرسة "أرجِعه لى مكسوراً فى قفة وأنا مسئول عن تجبيره، وأعيده لك مرة أخرى لتكسر عظامه مرة أخرى"!
كانت المدرسة أشبه ما تكون بثكنة عسكرية تقوم على النظام والانضباط التام. وكان المدرس مهاباً، يحظى بقدر كبير من الاحترام، فلم تكن هناك دروس خصوصية خارج المدرسة، وكان التلميذ الذى يدبر له أهله دروساً خصوصية خارج المدرسة على يد أحد مدرسى المدارس الخاصة، يخفى ذلك عن زملائه، ولا يبوح به إلا لصديق حميم، لأن التلاميذ كانوا "يعايرون" من يتلقى دروساً خصوصية، ويعتبرونه نموذجاً للغباء.
وهكذا تمتع صاحبنا فى مدرسة السيدة حنيفة السلحدار بتربية لم تكن لتتاح له فى غيرها، وكان يحصل دائماً على درجات متوسطة لأنه كان يعتمد تماماً على المدرسين، وكان يفضل أداء واجباته المنزلية فى طريق العودة إلى المنزل فى ركن من حديقة مدرسة شبرا الابتدائية المتسعة الجميلة. فلم يكن هناك ما يحفزه على بذل جهد أكبر، لأن والده كرر عدة مرات أمامه أنه لن يستطع تحمل مصروفات المدرسة الثانوية حتى بعد أن قررت وزارة الوفد مجانية التعليم، وكان التلاميذ يدفعون فقط رسوماً رمزية بلغت فى التعليم الثانوى نحو الثلاثة جنيهات وهو يتجاوز القدرات المالية لوالده.
وأثناء وجوده بالفرقة الرابعة، أُقتطع جانب من فناء المدرسة أقيمت عليه بناية ضمت تسعة فصول وزعت على ثلاثة طوابق لتصبح المدرسة ابتدائية ثانوية، ولذلك عندما حصل على الابتدائية عام 1951، نُقل مباشرة إلى الفرقة الأولى بالقسم الثانوى، وعندما وصل إلى الفرقة الثانية (العام الدراسى 1952/ 1953) كان العهد قد تغير، وتولى إسماعيل القبانى وزارة المعارف فى أول وزارة فى عهد الثورة، وتقرر "إصلاح" نظام التعليم –على الطريقة الأمريكية- ليتكون من ثلاث مراحل: الابتدائى (الأساسى) ومدته ست سنوات، والإعدادى ومدته ثلاث سنوات، والثانوى ومدته ثلاث سنوات، وتحول تلاميذ الفرقة الثانية الثانوية بالنظام القديم إلى طلاب الشهادة الإعدادية وتحولت مدرسة السيدة حنيفة السلحدار إلى مدرسة إعدادية. ولم تلتزم حكومة الثورة بشروط الوقفية، فقبلت المدرسة تلاميذ من الأقباط لأول مرة عام 1952/ 1953 كما عُين للتدريس بالمدرسة مدرسان قبطيان أحدهما للرياضة والآخر للغة الإنجليزية. واختفى محمد بك الكاشف ناظر المدرسة الذى اتسم بالصرامة والشدة، وجاء ناظر آخر بدلاً منه.
وبعد الحصول على الإعدادية عام 1953، نُقل صاحبنا وجميع زملائه بالسيدة حنيفة السلحدار إلى مدرسة شبرا الثانوية المقامة بقصر الأمير عمر طوسون بآخر الشارع المسمى باسمه والمتفرع من شارع شبرا، ليجد نفسه فى بيئة تعليمية جديدة تماماً، تختلف عن بيئة السيدة حنيفة السلحدار. كانت مدرسة السيدة حنيفة السلحدار صغيرة الحجم، وكانت فصولها محدودة وكذلك عدد تلاميذها والتعليم فيها نموذجياً، والنشاط الرياضى والفنى والثقافى يشارك فيه جميع التلاميذ، حتى الرحلات العلمية إلى المتاحف والآثار كانت جزء من الدراسة تغطى تكاليفها الوقفية الخاصة بالمدرسة.
كذلك كانت تلك المدرسة –عند صاحبنا- نافذةً أطل منها على عالم أوسع، فقرأ فى مكتبتها كتباً مختلفة مثل أعمال جرجى زيدان وخاصة رواياته فى تاريخ الإسلام، كما قرأ لسلامة موسى، وطه حسين، وبعض أعمال عبد الرحمن الرافعى فى تاريخ الحركة الوطنية، وشارك فى المظاهرات التى شهدتها القاهرة فى أواخر الأربعينيات وبلغت ذروتها فى فترة الكفاح المسلح فى قناة السويس، وخاصة المظاهرة الكبرى التى شهدها ميدان عابدين فى25 من يناير 1952، وهتف فيها المشاركون بسقوط الملك فاروق، وهى التى تكررت فى اليوم التالى فى غضون حادث حريق القاهرة. وشارك فى المظاهرة الكبرى التى شهدها الميدان نفسه بعد عودة محمد نجيب إلى السلطة أثناء أزمة الصراع عليها فى مارس 1954، والتى شاركت فيها كل القوى المؤيدة للديموقراطية. كانت شبرا الثانوية مدرسةً كبيرةً بها ما يزيد على العشرين فصلاً، وعندما نُقل إليها الناجحون فى الإعدادية من السيدة حنيفة السلحدار كان عددهم 32 تلميذاً، بُعثروا على ثلاثة فصول من فصول الفرقة الأولى ثانوى وكان موقع صاحبنا بالفصل الخامس مع أربعة فقط من زملائه السابقين. وكانت نوعية تلاميذ شبرا الثانوية (عام 1953/ 1954) مختلفة تماماً من حيث الأصول الاجتماعية، جاءت غالبيتهم من الشرائح المتوسطة والدنيا من الطبقة الوسطى: أبناء تجار، وأطباء ومحامين ومحاسبين وموظفين من مختلف درجات الإدارة العليا والوسطى بالحكومة، وكان أبناء الكادحين الفقراء يمثلون أقليةً ضئيلة الحجم فى تلك المدرسة عندئذ، مما جعل صاحبنا يشعر بالغربة هناك.
نوعية المدرسين أيضاً كانت مختلفة، فبعد أن كان المدرس يعرف أسماء تلاميذه فى السيدة حنيفة بعد أسبوع واحد من بداية العام الدراسى نظراً لصغر حجم الفصول. كانت فصول الفرقة الأولى السبعة بشبرا الثانوية لا يقل عدد الطلاب فى كل منها عن 48 طالباً، ولم يكن هناك اهتمام من جانب المدرس بمتابعة أداء كل تلميذ، على نحو ما كانت عليه الحال فى السيدة حنيفة. وكان أصعب ما واجهه صاحبنا دروس الرياضة واللغة الفرنسية. كان أمين قسطندى مدرس الرياضة يبدأ الدرس بشرح بعض النماذج للمسائل، ثم يكتب على السبورة رؤوس المسائل الخاصة بواجب الحصة التالية، حتى إذا جاءت تلك الحصة بدأها بكتابة حل مسائل الواجب على السبورة، ويطلب من التلاميذ أن يصححوا كراساتهم بالرجوع إلى السبورة، ثم يجمع الكراسات ويضع على كل مسألة علامة صح، ثم يضع توقيعه الكريم. ولم يكن يقبل أن يسأله التلاميذ، وعندما تجرأ صاحبنا وقال له إنه لم يفهم شيئاً مما شرحه سخر منه أمام زملائه قائلاً: "يكفى أن يكون بالفصل أربعة حوائط.. لا حاجة لنا إلى حيطة خامسة" وطرده من الفصل، فلم يعد إليه طوال العام، وكان يترك درس الرياضيات، ويتسلى بالفرجة على تدريبات التنس والجمباز. فقد كان الانضباط منعدماً فى تلك المدرسة الكبيرة، لا يُسأل الطلاب فيها عما يفعلون. أما مدرس الفرنسية فكان المسيو ميشيل الفرنسى الجنسية، ضعيف الشخصية لا يستطيع السيطرة على الفصل، يرجمه بعض أشقياء التلاميذ بنبال الورق على قفاه كلما استدار للكتابة فينفجر بالشتائم بالفرنسية، وقد يغادر الفصل احتجاجاً. وكان معظم تلاميذ الفصل يلجأون إلى الدروس الخصوصية فى مادتى الرياضيات واللغة الفرنسية أو يعتمد الفقراء منهم على بعض أقربائهم لمساعدتهم في فهم المادتين أو إحداهما، وهو ما لم يتوافر لصاحبنا، فقد سدد أبوه بالكاد (280 قرشا) قيمة رسوم الدراسة، وكان يعطيه ربع جنيه شهرياً كمصروف شخصى، ويدفع لجدته مصروفاً قدره أربعة جنيهات شهرياً كانت تعادل ثلث راتبه –عندئذ- فلم يكن بوسعه تحمل نفقات الدروس الخصوصية، وهو الذى تورط فى إدخاله التعليم الثانوى لأن مدرسة السيدة حنيفة نقلت من حصلوا على الإعدادية منها إلى شبرا الثانوية، وكان يفضل إلحاقه بمدرسة متوسطة فنية أو بمعهد المعلمين (كانت مدة الدراسة به خمس سنوات بعد الإعدادية) لذلك كله لم يستطع صاحبنا أن يجد حلاً لمشكلته إلا بالاستعانة المحدودة ببعض زملائه. وكان من الطبيعى أن يرسب فى المادتين فى نهاية العام، وتطوع بعض المتعاطفين معه من معارف والده لمساعدته على اجتياز امتحان الملحق دون جدوى، فقد رسب فى الملحق، وأصبح باقياً للإعادة. وكان هذا الرسوب نقطة تحول فى حياته، فقد نقله الأب إلى مدرسة طوخ الإعدادية- الثانوية لينعم للمرة الأولى بجو الحياة الأسرية بين اخوته ووالديه.
كانت مدرسة طوخ بالقرب من محطة السكة الحديد، تقع مقابل مساكن عمال المحطة، فلا يفصلها عن تلك المساكن سوى شريط القطار. وكانت بها ثلاثة فصول للفرقة الأولى الثانوى لم يزد عدد التلاميذ فى كل منها عن 36 تلميذا، وكانت إدارة المدرسة حازمة تحرص على الانضباط، أما المدرسون فكانوا على مستوى عال من الكفاءة. ولما كان صاحبنا (باقياً للإعادة)، فقد كان لامعاً بين تلاميذ فصله فى معظم المواد، حتى الرياضة تعلمها جيداً على يد مدرس كان بارعاً فى شرحه للدرس، لا يترك نقطة دون أن يتأكد من فهم الجميع لها، ويجمع كراسات الواجب ليصححها بنفسه، ويحدد لكل تلميذ موطن الخطأ عنده، ويكلفه بواجب إضافى ليتأكد من استيعابه التام للدرس، تماماً كما كان يحدث فى مدرسة السيدة حنيفة السلحدار، فاستطاع الأستاذ محمد حسن أن يصلح ما أفسده أمين قسطندى. أما الأستاذ ملاك عبد المسيح معلم الفرنسية فكان –أيضاً- على درجة عالية من المقدرة على جذب التلاميذ إلى تلك اللغة الجديدة عليهم، لا يمل تكرار تصويب نطق الكلمات وشرح قواعد اللغة، وأولى صاحبنا عنايةً خاصةً عندما ذكر له تجربته السابقة مع المدرس الفرنسى، فاستطاع أن يحوله إلى محب للغة الفرنسية، فحصل على درجة عالية فيها فى امتحان آخر العام.
وعندما نُقل إلى الفرقة الثانية كان عليه اختيار شعبة التخصص، فاختار القسم الأدبى، لأنه كان ميالاً إلى الدراسات الأدبية وإلى علم التاريخ على وجه الخصوص استكمل قراءة جميع ما كتبه عبد الرحمن الرافعى فى تاريخ الحركة الوطنية فى مكتبة مدرسة طوخ، كما قرأ بعض مؤلفات سليم حسن فى تاريخ مصر القديم. وكان مستواه فى اللغة الإنجليزية فوق المتوسط بفضل الأستاذ محمد شمس الدين أول من علمه الإنجليزية بمدرسة السيدة حنيفة السلحدار، فكان نظيراً لمعلمه ملاك عبد المسيح فى طريقة التدريس والاهتمام بسلامة النطق وتدريب التلاميذ على القراءة والكتابة وقواعد اللغة. وهكذا اختار صاحبنا القسم الأدبى تخصص تاريخ، فكان يدرس طلاب كل تخصص مادة إضافية فيه لعلها كانت فى الفرقة الثانية مادة تاريخ الشرق الأدنى القديم، وكان اختياره للتخصص فى التاريخ تعبيراً عن عشق لهذا العلم وتأثره البالغ بما كان يقرأ فى الصحف –عندئذ- عن اكتشاف عالم الآثار أحمد فخرى هرم سنفرو، وتمنى أن يصبح يوما واحداً من علماء الآثار، ولذلك اهتم بقراءة أعمال سليم حسن وبعض الأعمال المترجمة التى وجدها بمكتبة المدرسة.
كان تلاميذ مدرسة طوخ الإعدادية- الثانوية أقرب إلى تلاميذ السيدة حنيفة السلحدار من حيث الأصول الاجتماعية، فأغلبيتهم جاءت من أبناء الفلاحين وصغار الملاك والحرفيين والعمال، وكان بينهم أقلية ضئيلة من أبناء التجار الكبار وأبناء الموظفين. وجاء معظم التلاميذ من قرى مركز طوخ، يأتون إلى المدرسة سيراً على الأقدام، ويحرصون على الدرس والتحصيل. وكان النشاط الرياضى والفنى والثقافى بالمدرسة متواضعاً، فمعظم المدرسين يقيمون بالقاهرة ويحضرون إلى المدرسة بالقطار يومياً، واليوم الدراسى الكامل ينتهى الساعة الثانية والنصف بعد الظهر، فيعود المدرسون إلى القاهرة وتتجه مجموعات التلاميذ كلٍ إلى قريته، فلا تجد بها أحداً بعد الثالثة مساء. ولكن صاحبنا كان حريصاً على المشاركة فى النشاط الثقافى، فيلقى من حين لآخر كلمة قصيرة بالإذاعة المدرسية عن الفراعنة مينا، ورمسيس الثانى، وإخناتون، وعن أحمد عرابى ومصطفى كامل ومحمد فريد، إضافةً إلى "حكمة اليوم". وشجعه مدرس اللغة العربية محمد البيجرمى على إصدار مجلة حائط سماها "الضياء" صدرت منها نحو الخمسة أعداد، كان يحرر معظم مادتها، ويجتهد فى إخراجها ورسمها.
لقد أكسبه ما حققه من نجاح بمدرسة طوخ الثقة بالنفس، وخلصه من عقده النفسية القديمة، فأصبح أكثر ميلاً للاندماج مع زملائه، ومناقشة المدرسين الذين كانوا لا يصدونه أو يسفهون أفكاره، بل يوجهونه ويشجعونه. وما كاد ينجح فى الفرقة الثانية، وينتقل إلى الفرقة الثالثة حتى نُقل والده إلى قرية طنوب مركز الشهداء منوفية، وانتقلت الأسرة إلى طنوب، والتحق صاحبنا بمدرسة الشهداء الإعدادية الثانوية.
كانت مدرسة الشهداء أدنى مستوىً من مدرسة طوخ من حيث مستوى التدريس ونظام الدراسة. وجاء العدوان الثلاثى عام 1956 فى مطلع العام الدراسى، فشغل صاحبنا بهذه القضية وتطوع فى الحرس الوطنى، وأتم التدريب السريع على استخدام البندقية الآلية والمدفع الرشاش واستخدام القنابل اليدوية. وبعد انتهاء التدريب قابل قائد المعسكر طالباً منه إرساله إلى بور سعيد للاشتراك فى الدفاع عنها ضد العدوان، فقال له القائد (وكان من ضباط الاحتياط): "يابنى انت واخد الحكاية جد؟ دا الحكومة عايزة تلهى الشباب بالتدريب" فمادت الأرض تحت قدميه، وانفجر فى الضابط يتهمه بالخيانة والعمالة للاستعمار، وأكد له أنه سيرسل برقيةً إلى عبد الناصر بما دار معه من حديث. انزعج الرجل ومعه ضابط صغير برتبة ملازم وباشجاويش المعسكر فالتفوا حول المتطوع الغاضب يتحدثون معه بأسلوب لين، فذكر الضابطان أنهما مدرسان فى الأصل، وأنهما يعاملانه كأحد أبنائهماٍ، والحكومة لاشك تقدر للشباب حماسه وحرصه الدفاع عن الوطن, ولكن ما تلقاه الشباب من تدريب لا يكفى لإرسالهم إلى قتال عدو مدجج بالسلاح، وأنه عندما ذكر القائد ما ذكر إنما أراد أن يعبر عن عدم وجود تعليمات لديه بإرسال المتطوعين إلى بور سعيد. ولم يكتف الرجل بذلك، بل علم من المدرسة مكان عمل والده، واتصل به تليفونياً طالباً تدخله لمنع ابنه من التهور وتقديم شكوى ضده للرئيس.
وإذا كان صاحبنا قد عدل عن شكوى قائد المعسكر، فقد أحس فى أعماق نفسه بالهزيمة، ذلك الإحساس الذى لازمه كلما رأى جنود الاحتلال البريطانى يتدربون فى ساحة الجولف أمام مساكن عمال محطة بور سعيد (حيث ولد) ويجوسون خلال المدينة، عندما كان يزور أخواله فى إجازة الصيف صحبة أسرته، ومضت فترة الأزمة وهو مهموم بالبحث عن سبيل للتسلل إلى بور سعيد، والبحث عن الفدائيين الذين علم بنشاطهم من الصحف، وحسدهم على نيلهم شرف الدفاع عن الوطن. وعندما استؤنفت الدراسة، كانت متابعة الأحداث السياسية تطغى عليه معظم الوقت، وتمنى لو أنه كان بالقاهرة لوجد السبيل لأداء الواجب نحو وطنه.
وبعد أن استقرت الأمور واقترب موعد الامتحان جلس إلى والده للتعرف على رأيه فى الخطوة التالية بعد حصوله على الثانوية العامة، فقال له والده إن ما حصّله من تعليم حتى هذه الفترة كاف تماماً لتحديد مستقبله، فهو يستطيع الحصول على وظيفة بالكادر المتوسط بالدرجة الثامنة الكتابية، وهى درجة لا يحلم أبوه بالوصول إليها. وذكره ان عبء إعالة الأسرة التى أصبحت مكونة من الوالدين وثمانية أبناء (هو أكبرهم) قد ناء به كاهله، وأنه آن الأوان لكى يؤدى صاحبنا دوره فى مساعدة والده على تربية إخوته حتى يبلغوا ما بلغ، وعندما قال له صاحبنا إنه يعلم أن نزوله إلى ميدان العمل مسألة ضرورية للأسرة، ولكنه يتمنى أن ينتسب إلى الجامعة إلى جانب العمل حتى يحقق أمله فى أن يصبح عالم آثار. اعترض الأب على ذلك بأسلوب منطقى (وإن كان صاحبنا لم يرتح له عندئذ) وذكره بأن الجامعة قد تستنزف جانباً كبيراً من راتبه لتغطية مصاريف الدراسة والكتب مما يجعله غير قادر على تقديم مساهمة ذات قيمة فى إعالة الأسرة. وحذر الأب ابنه من الإفراط فى التطلع إلى ما "ليس من ثوبه" وأن "القناعة كنز لا يفنى" و"للضرورة أحكام".
لم يُصدم صاحبنا لهذا الموقف من جانب الوالد فهو يقدر تحمل الرجل له كل تلك السنوات، ويعلم أن مرتبه الضئيل لا يكفى لتوفير مستلزمات الحياة الضرورية لأسرة كبيرة العدد، ويعلم أن من واجبه أن يرد الجميل لأبيه، ويساعد اخوته على تحقيق ما عجز هو عن تحقيقه، وليترك مسألة الانتساب إلى الجامعة لما تأتى به الأيام. غير أن همته فترت فى السعى للحصول على مجموع مناسب للالتحاق بكلية الآداب شانه شأن زملائه، فماذا يجدى المجموع إذا كانت الطريق إلى الجامعة لا تتقاطع مع طريقه فى الحياة الذى رسمه له وضعه الاجتماعى؟! فلم يهتم كثيراً سوى بالنجاح والحصول على "الشهادة". وهكذا حصل على الثانوية العامة القسم الأدبى بمجموع بلغت نسبته 61,5% وكان أول الخريجين قد حصل على 76%، فلم تكن المجاميع الفلكية التى صاحبت تدنى مستوى التعليم معروفة فى ذلك الحين، وكان طبيعياً أن تحمل الجريدة المسائية التى دأبت على نشر نتيجة الشهادات أسماء العديد من المدارس وتحتها عبارة "لم ينجح أحد". وكان ترتيب صاحبنا بهذا المجموع الصغير رقم 996 من مجموع الناجحين بالقسم الأدبى الذين تجاوزوا المائة والعشرين ألفا.
[تحرير] التسلل إلى الجامعة
شغل من حصلوا معه على الثانوية العامة عام 1957 بالتقدم إلى مكتب التنسيق (الذى كان من جهود ثورة يوليو الإصلاحية لضمان عدالة توزيع الطلاب على الجامعات) فلم يعد القبول مرهوناً بالوساطة والمحسوبية كما كانت الحال فى العصر الملكى. أما صاحبنا فأعد كل أوراقه لغرض آخر: البحث عن عمل، فإلى جانب شهادة الثانوية العامة وشهادة الميلاد، هناك شهادات أخرى لابد من تجهيزها أيضاً هما شهادة الجنسية المصرية وشهادة حسن السير والسلوك، وهما توقعان من اثنين من الموظفين لا يقل مرتب كل منهما عن عشرين جنيهاً، ولما لم يكن والده يعرف أحداً من أصحاب هذه الرواتب (الكبيرة)، لجأ إلى البديل وهو عمدة قرية طنوب الذى تولى مهمة إعداد الشهادتين من مركز كفر الزيات عن طريق المأمور. هذه الأمور التى تبدو تافهة اليوم، لا مبرر لها، كانت من المعضلات التى تواجه الفقراء فى تلك الأيام.
كانت البلاد تمر –عندئذ- بفترة ركود اقتصادى فلم تكن هناك وظائف متاحة بالحكومة. سأل الوالد كل معارفه بالسكة الحديد والتلغراف، فكانت الوظائف المتاحة تتطلب سلامة الإبصار (6/ 6) أما قوة إبصار صاحبنا فكانت (6/ 18)، وكان يستخدم نظارة طبية منذ العاشرة من عمره، وبذلك لا يصلح للالتحاق بمدرسة الحركة والتلغراف التى كانت تابعة لمصلحة السكة الحديد، ومدة الدراسة بها تسعة شهور، يُعين الطالب بعدها بوظيفة معاون محطة أو معاون تلغراف. فلم يتبق إلا البحث عن العمل بإحدى الشركات. ودل بعض أهل الخير الوالد على موظف بشركة مصر للتأمين يقيم بحى العباسية بالقاهرة، فتوجه صاحبنا لزيارته بمنزله فى أقرب يوم جمعة. كان عبد الحكيم أفندى رجلاً طيباً عنده خمسة أولاد حصل أكبرهم على الثانوية العامة القسم الأدبى فى العام نفسه بمجموع نسبته 52%، وعندما القى نظرة على استمارة النجاح فى الثانوية العامة الخاصة بصاحبنا، قال له: "يا بنى خسارة تضيع فرصة دخول الجامعة، دا انت مكانك فيها مضمون"، وراح يشرح له الظروف الاقتصادية الراهنة، وكيف أن الشركات "توفر" الموظفين، وأنه نفسه فى وضع غير مستقر (على كف عفريت)، ونصحه بتقديم أوراقه إلى مكتب التنسيق يوم السبت، قبل أن يغلق أبوابه يوم الإثنين فتضيع الفرصة من يده ربما إلى الأبد. أما الحصول على عمل فسوف يستغرق وقتاً طويلاً بسبب الأزمة، ويمكنه مواصلة البحث عن عمل أثناء الدراسة وتغيير حالته من طالب نظامى إلى طالب منتسب عندما يحصل على عمل.
وراح صاحبنا يشرح للرجل ظروفه العائلية البائسة التى تجعل حصوله على عمل هدفاً أساسياً، وأنه إذا قُبلت أوراقه بالجامعة، فمن أين يستطيع أن يدفع مصروفات الجامعة التى كانت تبلغ ثمانية عشر جنيهاً ونصفاً، فهو مبلغ يزيد عن راتب والده بحوالى خمسة جنيهات، ثم إن ما معه من نقود يقل عن الجنيه الواحد، فكيف يدبر الجنيهات القليلة لرسوم التقديم والدمغات وكان يقترب من الثلاثة جنيهات؟! أطرق الرجل ملياً، وحوقل عدة مرات، ثم قام من مجلسه وترك الغرفة، وعاد بعد دقائق ليضع فوق أوراق صاحبنا مظروفاً صغيراً فيه ثلاثة جنيهات، فرفض صاحبنا قبول المبلغ، وهب للانصراف كمن لدغه ثعبان، فسد الرجل الباب بظهره وهو يردد: "صدقة .. تقول إنك لا تقبل الصدقة، هذا قرض حسن أقدمه لك اليوم لترده لى حين ميسرة"، وأقسم بالطلاق ألا يسمح له بالانصراف إلا إذا قبل "القرض"، فاضطر للقبول، وانصرف حزيناً باكياً، غارقاً فى إحساس عميق بالعجز وقلة الحيلة، يؤنب نفسه لتخاذله أمام الرجل وقبول "قرض" لا يعرف متى يرده إلى صاحبه وكيف .
بات ليلته بعزبة هرميس، فلم يطرق النوم جفنيه إلا قبيل الفجر، فقد انتابته الهواجس طوال الليل، ألا يعنى تقديم أوراقه غداً لمكتب التنسيق توريطاً لوالده العاجز عن تدبير ضرورات الحياة لأسرته، وما فائدة التقدم إلى الجامعة وهو يعلم أن مصروفاتها بعيدة عن متناول أيدى أمثاله من أبناء الفقراء، حتى لو حصل على عمل فلن يتجاوز راتبه عشرة جنيهات، فكيف يساعد والده ويعيش ويغطى نفقات الدراسة فى الجامعة؟! ثم يستعيد حديث عبد الحكيم أفندى معه، وهكذا حتى نام نوماً قليلاً لسويعات محدودة. وفى الصباح الباكر ركب ترام 30 من شارع شبرا فى الطريق إلى الجيزة حيث مكتب التنسيق، واشترى الدمغات والاستمارات وقدم أوراقه، وعاد إلى باب الحديد ليركب القطار إلى منوف ومنها إلى طنوب حاملاً معه إيصال مكتب التنسيق، وطوال الطريق يفكر فيما يكون من رد الفعل عند أبيه.
بدأ حديثه مع والده بما دار بينه وبين عبد الحكيم أفندى من حديث الأزمة الاقتصادية وتعذر العثور على عمل فى المنظور القريب، ثم انتقل إلى حديث الرجل حول ضرورة تقديم الأوراق إلى مكتب التنسيق ثم يبحث عن عمل، فقاطعه الأب : "قصره، قدمت ورقك للجامعة؟" فهز رأسه بالإيجاب، فقال الأب: "إن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها .. لا شأن لى بك، حسبى الله ونعم الوكيل (كررها ثلاث مرات)".
كانت ليلة حزينة فى البيت تداخلت فيها أسباب الحزن، فالأم ومن يعى من الأخوة حزانى لموقف الأب دون إدراك لحقيقة بؤسه التى كان صاحبنا يعيها جيداً، ويقدر للأب موقفه، أما الإخوة الصغار فهم حزانى لأن جو البيت تسوده الكآبة بمجرد غضب الأب على أحد أفراد الأسرة. ونام صاحبنا ليستيقظ فزعاً على حلم مفزع رأى فيه الأب يسقط بين يديه ميتا، وهو يندب حظه العاثر. قرر بينه وبين نفسه أن يلتحق بأى عمل مهما كان شأنه ليعول نفسه حتى يجد عملاً ثابتاً يستطيع مساعدة والده عن طريقه فى تحمل أعباء الأسرة. وفى صباح اليوم التالى طلب من أمه أن تخبر أباه اعتزامه السفر إلى القاهرة (وكان يحمل أبونيه مجانى يُصرف لأبناء العاملين بالسكة الحديد)، فقد جرت العادة أن يقاطع الأب من يغضب عليه عدة أيام. فلم يرد الأب بما يفيد الرفض أو الموافقة، بل نظر إليها ولزم الصمت، واعتبر صاحبنا أن هذا السكوت لا يعنى الرفض على أقل تقدير، فسافر تواً إلى القاهرة وراح يبحث عمن يقرضه من أقاربه حتى يجمع المبلغ المطلوب لرسوم الدراسة فلم يجد ترحيباً من أحد، حتى من كان باستطاعتهم مساعدته منهم امتنع بحجة عدم جدوى ذلك لأن أمامه مرحلة طويلة، والبلد حالتها الاقتصادية سيئة والبطالة تتزايد، فلا أمل لمن يتعاون معه فى استرداد ما دفع، سيدة واحدة هى ابنة خالة أبيه قدمت له خمسة جنيهات كاملة، وطلبت منه أن يبقى الأمر سراً بينهما لأن تلك الجنيهات من مبلغ ادخرته للزمن لا يعرف عنه أحد شيئاً، فكانت هذه مكرمةً لم ينسها أبداً لها حتى رحلت عن عالمنا فى أوائل التسعينيات.
كان المجموع الذى حصل عليه صاحبنا فى الثانوية العامة يكفل له الالتحاق بكلية الآداب جامعة القاهرة، وكانت جامعة القاهرة تتميز بقبول الطلاب الأعلى مجموعاً تليها جامعة عين شمس ثم جامعة الإسكندرية، فلم يكن هناك سوى هذه الجامعات الثلاث فى مصر، وكانت جامعة أسيوط فى مرحلة الإنشاء. ولكنه اختار آداب عين شمس رغبة أولى تليها آداب القاهرة، ولم يذكر أى كلية أخرى. وعندما أعلنت نتيجة القبول وجد اسمه الثالث بين المقبولين بآداب عين شمس، وجاء اختياره لجامعة عين شمس مرتبطاً بظروفه الشخصية، فكلية الآداب كانت فى شبرا، وبذلك يستطيع السفر يومياً إلى الجامعة بالأبونيه المجانى، ويصل إلى الكلية سيراًُ على الأقدام حتى لا يضطر إلى الإقامة مع جدته مرة أخرى لذلك كانت سعادته بالغةً عندما قُبل بآداب عين شمس.
عندما ذهب إلى الكلية لأول مرة فوجئ بأن من حق من يحصل على 60% فما فوق من غير القادرين على سداد المصروفات أن يتقدم بطلب للحصول على المجانية مشفوعاً ببحث اجتماعى عن حالته من وحدة الشئون الاجتماعية التابعة لمحل إقامته، فقام بإعداد الأوراق المطلوبة وتقديمها، وأُعلنت كشوف أسماء من حصلوا على المجانية بعد ثلاثة أسابيع، فلم يدفع سوى 360 قرشاً رسوماً للقيد بدلاً من المصروفات التى كانت تبلغ ثمانية عشر ونصف جنيهاً فيما يذكر. ولم تكن مجانية التعليم قد امتدت إلى التعليم العالى إلا فى يوليو 1963،ورغم ذلك بنت حكومة الثورة سياستها على التوسع فى منح المجانية لمن يطلبها، وكان المستند الوحيد الذى يبرر الإعفاء (البحث الاجتماعى) يتم بمجرد تقديم الطلب، فيسأل الطالب عن وظيفة أبيه وراتبه الشهرى، وعدد أفراد الأسرة، دون مطالبته بأى مستندات دالة على صحة البيانات، ويتم تحرير البحث الاجتماعى وتسليمه لطالبه بعد ختمه بخاتم الدولة. وأغلب الظن أن أولئك الموظفين بالشئون الاجتماعية كانت لديهم تعليمات بالتساهل مع طلاب المجانية، فكان عدد من يُعفون من المصروفات بالكلية سنوياً يزيد قليلاً عن نصف جملة عدد الطلاب، وكان الاحتفاظ بالمجانية يقتضى الحصول على تقدير "جيد" على الأقل كل عام، وهو ما حصل عليه صاحبنا. واستطاع عن طريقه متابعة الدراسة حتى التخرج بفضل القواعد التى وضعتها ثورة يوليو للقبول بالجامعات التى ركزت على التحصيل الدراسى، وأسقطت من اعتبارها الخلفية الاجتماعية للطالب، وبفضل التوسع فى منح المجانية لغير القادرين على سداد المصروفات. ففتحت باب التعليم الجامعى أمام فئات اجتماعية لم تكن تحلم فى عهد الملكية بالوقوف أمام باب الجامعة فضلاً عن الالتحاق بها. وكان صاحبنا من ضمن هؤلاء.
كانت السنوات من 1957 (تاريخ التحاقه بالجامعة) حتى 1961 (تاريخ تخرجه) سنوات عجاف فى تطور مصر الاقتصادى، فبرغم من الإغراءات التى قدمتها حكومة الثورة لرأس المال من خلال الدراسات الجاهزة التى أتاحها المجلس القومى للإنتاج والمجلس القومى للخدمات من مشروعات استثمارية فى المجالين، وبرغم من تقديم ظرف تاريخى نادر وملائم للتنمية الرأسمالية عندما صدرت قرارات تمصير الشركات والبنوك الأجنبية الإنجليزية والفرنسية والبلجيكية وغيرها من الشركات التى سيطرت على الاقتصاد المصرى، وطُرحت أسهمها للمصرين، لم يقبل رأس المال الوطنى على الاستثمار، كما لم تكن تلك الخطوة مشجعة لرأس المال الأجنبى. وكانت تلك الأزمة الاقتصادية الخانقة التى لم تجد الحكومة مخرجاً منها إلا بالتحول نحو القيام بأعباء التنمية بنفسها، فكانت قرارات يوليو 1961 (الاشتراكية).
كان لهذا الركود أثره البالغ طوال السنوات الأربع على سوق العمل، فكانت الفرص محدودةً، ويحتاج الحصول عليها إلى وساطة، وكان التعيين فى الحكومة مركزياً يتم من خلال مسابقات ديوان الموظفين التى كانت تكلف المتقدم نحو العشرة جنيهات، ثم يتم ترتيب الناجحين، ويتم التعيين بالدورمن بين الناجحين في المسابقة حسب الترتيب، ومن لم يصبه الدور فى السنة المالية التى دخل فيها المسابقة؛ كان عليه التقدم للمسابقة الجديدة. وكانت إعلانات ديوان الموظفين قصراً على حملة الشهادات المتوسطة، فاضطر حملة المؤهلات العليا إلى التقدم إلى هذه المسابقة للحصول على وظيفة كتابية أو فنية أملاً فى تسوية أوضاعهم وفق مؤهلاتهم العليا فيما بعد. ولم يزد عدد من يحصلون على فرصة التعيين بالحكومة (المجال الوحيد المتاح) عن 20- 25% من جملة عدد الناجحين فى تلك المسابقة.
انعكس ذلك كله على صاحبنا، فلم يوفق فى الحصول على فرصة العمل التى تعلقت بها آمال أسرة كاملة، ولم تتوافر له الأسباب المادية للمغامرة فى التقدم إلى مسابقات ديوان الموظفين، وكان بعض زملائه بالجامعة يتقدمون لها كل عام ولكن لا يصيبهم الدور للتعيين، ولم ينل بعضهم تلك الفرصة إلا فى الشهور القليلة السابقة على تخرجه بعد طول انتظار. وظل صاحبنا يبحث عن عمل دون كلل، وكاد يحقق أمله مرتين: الأولى وهو بالفرقة الثالثة عندما ساعده أحد المعارف فى الحصول على وظيفة بأسوان، فلم يقبلها لأنها كانت وظيفة مشرف مقيم بإصلاحية الأحداث، تبدد أمله فى التخرج، والوظيفة الثانية كانت مؤقتة فى قسم التسويق بإحدى شركات التأمين، يُحدد الأجر فيها تبعاً للإنتاج، وهو قدرته على بيع بوالص التأمين فى ظل اقتصاد راكد، فمضى شهر ونصف الشهر دون أن يتمكن من بيع بوليصة واحدة وترك العمل (الذى لم يكن عملاً جدياً). استطاع صاحبنا أن يسترضى والده عن طريق وساطة بعض أهله وأصدقائه، فقبل الرجل بأمر واقع لا يملك له دفعاً. وحرص على أن لا يكلف الرجل أكثر مما يطيق فكان يمارس بعض الأعمال فى إجازة الصيف يوفر منها مبلغاً محدوداً استطاع أن يسدد منه ديونه فى السنة الأولى، وأن يدفع رسوم الدراسة البسيطة فى كل عام ويشترى مستلزمات الدراسة من الكشاكيل والأقلام، والقليل والضرورى مما يحتاجه من ملابس.
كان لابد له من قضاء العام الدراسى الأول بعزبة هرميس عند جدته، ولكنه اتخذ من المكان مهجعاً فكان يظل بمكتبة الكلية حتى موعد إغلاقها فى السادسة مساءً أو يقضى اليوم بدار الكتب المصرية بباب الخلق، ويكتفى من الطعام بما يقيم الأود. وكان اضطراره للإقامة مع الجدة مرةً أخرى يعود إلى صعوبة الوصول إلى القاهرة من طنوب يومياً قبل الظهر، مما يعنى حرمانه من المحاضرات الصباحية وكان عليه (فى حالة السفر يومياً) مغادرة القاهرة الساعة الثالثة بعد الظهر، مما يعنى حرمانه من المحاضرات المسائية. وهيأ القدر لضيقه بهذا الوضع مخرجاً فنُقل الوالد -ومعه الأسرة- فى العام التالى إلى محطة الحامول منوفية، فاستطاع السفر يومياً، وكان يضطر إلى السير على الأقدام من الحامول إلى محطة منوف مسافة خمسة كيلو مترات للحاق بالقطار السريع القادم من شبين الكوم والمتجه إلى القاهرة (وكان لا يتوقف بالحامول) ويغادر محطة منوف فى السابعة صباحاً. ولما كان هذا القطار يمكنه من حضور المحاضرات الصباحية التى تبدأ فى التاسعة، كان عليه أن يلحق به مرتين أسبوعياً (على الأقل)، وكان يضطر للعودة بالقطار الذى يغادر القاهرة فى السادسة والنصف مساء مرة واحدة (على الأقل) أسبوعياً فيصل إلى منوف فى الثامنة إلا ربعاً، ثم يقطع صاحبنا مسافة الخمسة كيلومترات ليصل إلى البيت حوالى التاسعة مساءً. أما كل تنقلاته بالقاهرة من باب الحديد إلى الكلية بشبرا، أو إلى أماكن البحث عن عمل، فكانت تتم سيراً على الأقدام. واستمر على هذه الحال حتى تخرجه عام 1961، دون أن يضيق بواقعه البائس، أو يجعل أحداً من زملائه يعرف عنه شيئاً، بل كان حريصاً على أن لا يبدو مظهره مختلفاً عن زملائه. وجاءت ملامحه الصارمة وجديته فى الدراسة لتجعل زملاءه الذين يقتربون منه أو يقترب منهم يعاملونه بقدر ملحوظ من الاحترام، وخاصة أنه كان لا يتوانى عن تقديم العون العلمى لكل من يلجأ إليه من الزملاء.
كان اختياره لآداب عين شمس –الذى دفعته إليه الظروف- اختياراً موفقاً بكل المعايير لأنها تميزت عن جامعة القاهرة فى كل شئ: برامج الدراسة، أسلوب التدريس، نظم الامتحانات وتقييم الأداء. افتتحت الجامعة عام 1951 باسم "جامعة إبراهيم باشا الكبير"، بعد نحو ستة أعوام من افتتاح جامعة الإسكندرية التى حملت اسم "جامعة فاروق الأول". ولعبت جامعة القاهرة (جامعة فؤاد الأول عندئذ) دوراً هاماً فى تزويد الجامعتين الوليدتين بالأساتذة. وكان هناك نوعاً من الحافز (فى الحالتين) لتشجيع أعضاء هيئة التدريس على الانتقال إلى جامعة الإسكندرية أو جامعة عين شمس هو إمكانية شغل كراسى الأستاذية المنشأة حديثاً بتلك الجامعات بالنسب للأساتذة المساعدين الذين كان عليهم الانتظار سنوات لا يُعلم عددها إلا الله للترقية إلى درجة أستاذ عندما يخلو الكرسى برحيل شاغله إلى رحاب الله أو بلوغه سن المعاش، فحظيت كل من الجامعتين الوليدتين بعناصر متميزة من هيئة التدريس بجامعة القاهرة، انتقلت برغبتها، أو أجبرت على الانتقال للتخلص من جو الصراعات التى كانت الغيرة المهنية (وليس التنافس العلمى) أبرز أسبابها، وأبرز مثال لذلك حالة الدكتور عزيز سوريال عطية الذى اقتلع من جامعة القاهرة ونُقل إلى الإسكندرية، ليلمع هناك ويكون مجموعة من أبرز المتخصصين فى العصور الوسطى فأثار على نفسه غيرة زملائه فسمموا الآبار أمامه، واضطر الرجل إلى الهجرة إلى أمريكا، وذاع صيته فى الغرب وكون مدرسةً كبيرةً هناك. وحالة عزيز سوريال عطية ليست فريدة فى نوعها، فتاريخ جامعة القاهرة مملوء بنزيف الكفاءات العلمية بسبب فساد الجو الأكاديمى فى تلك الجامعة العريقة. اجتذبت جامعة عين شمس من أساتذة التاريخ القديم الدكتور إبراهيم نصحى بك الذين كان أول عميد لكلية الآداب وقد عزلته الثورة من العمادة بسبب صلاته بالقصر الملكى، فقد كان أخوه حسن حسنى باشا سكرتيراً للملك فاروق، وظل إبراهيم نصحي رئيساً لقسم التاريخ والآثار حتى أحيل إلى المعاش عام 1966، وظل يدرس بالجامعة حتى وفاته عام 2004 عن عمر يناهز الثامنة والتسعين. وكان الدكتور أحمد بدوى –أيضاً- ممن كسبتهم جامعة عين شمس من أساتذة التاريخ القديم، وقد أعادته الثورة إلى جامعة القاهرة مديراً للجامعة. وشغل الدكتور عبد الهادى شعيرة كرسى تاريخ العصور الوسطى، كما شغل الدكتور أحمد عزت عبد الكريم كرسى التاريخ الحديث. وكل واحد من هؤلاء الأساتذة وضع نصب عينيه أن يحقق فى الجامعة الجديدة ما لم يتح له أن يحققه فى الجامعة الأم، ولم تختلف الأقسام الأخرى كثيراً عن قسم التاريخ والآثار.
وإلى جانب من تم نقلهم من الأساتذة المساعدين وترقيتهم إلى الأستاذية، أوفدت الجامعة الوليدة بعثة من أوائل خريجى جامعتى القاهرة والإسكندرية من حملة الماجستير إلى لندن وباريس للحصول على درجة الدكتوراه، وعاد هؤلاء لتولى مهمة التدريس بالجامعة عامى 1956، 1957 وكان من بين هؤلاء بقسم التاريخ والآثار الدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفى مدرس التاريخ الحديث، والدكتور حسن حبشى مدرس التاريخ الوسيط وزميله الدكتور عبد المنعم ماجد، أما الدكتور زينب عصمت راشد أستاذ التاريخ الحديث المساعد فكانت من بين من نُقلوا من جامعة القاهرة.
وكانت برامج الدراسة بآداب القاهرة تختلف عنها فى آداب عين شمس، فهى تقدم للطالب خليطاً غير متناسق من مواد من مختلف عصور التاريخ، وضعت تلبيةً لرغبات ومصالح أساتذة التخصص فى تاريخ كل عصر من تلك العصور، فتحدث مزاحمة بالمناكب من أجل زيادة حصة كل عصر على حساب الآخر، بلغ هذا التزاحم ذروة المأساة عندما قُسم تاريخ العصور الوسطى إلى كرسيين (أى تخصصين) الإسلامى والعصور الوسطى. وبلغت المأساة ذروتها عندما شغل كرسى التاريخ الإسلامى وكرسى التاريخ الوسيط متخصصان فى تاريخ المماليك، مما يعنى غلبة المصالح الشخصية على الهدف الأسمى وهو التكوين العلمى للطالب.
أما فى جامعة عين شمس فقد صاغ الأباء المؤسسون برامج الدراسات على نسق السوربون بباريس، فأخذت بنظام "الشهادات" الذى يبدأ بشهادة إعدادية، يدرس الطالب فيها اللغات والمنهج ومقررات تمهيدية فى العصور القديمة والوسيطة والحديثة. وكان من المنطقى أن تخصص الشهادة الأولى فى التخصص للعصور القديمة، ولكن نظراً لكون أستاذ التخصص يشغل وظيفة رئيس القسم وعميد الكلية، فقد أرجئت إلى الفرقة الرابعة دون مبرر علمى لذلك، كما تسبب فى عجز قسم التاريخ عن تخريج من يحصلون على تقدير "جيد جداً" ويصلحون للتقدم لوظيفة "المعيد"، على عكس الأقسام الأخرى بالكلية نفسها التى أفرزت كوادرها الأكاديمية من بين خريجيها. وهكذا جاءت "شهادة العصور الوسطى" تاليةً للشهادة الإعدادية (الفرقة الثانية) و"شهادة العصر الحديث" فى الفرقة الثالثة.
ولم تعرف آداب عين شمس –الستينات- المذكرات والكتب الدراسية، فقد تأخر وصول هذا الوباء إليها إلى أوائل الستينات، فكان الأستاذ يعرف الطلاب فى محاضرته الأولى على مكونات المقرر، ويحدد ما يتولى تغطيته فى المحاضرات، وما يتركه ليعده الطلاب بأنفسهم بالرجوع إلى قائمة المراجع التى يزودهم بها، فإذا لم يجدها الطالب فى مكتبة الكلية كان عليه أن يبحث عنها بدار الكتب المصرية. وكان الكثير من المراجع الأساسية بالإنجليزية، مما يجعل الطالب ملزماً باستخدامها. وكان الاهتمام كبيراً بالجانب التطبيقى، فعلى الطالب أن يعد ما لا يقل عن بحثين فى الفصل الدراسى الواحد على يد من يتولى تدريس "مادة البحث"، وكانت تلك المادة تؤخذ من جانب الأساتذة مأخذ الجد، فهناك متابعة أسبوعية لمدى تقدم الطالب من إعداد المقال العلمى الذى كلفه به الأستاذ، وهناك تصحيح دقيق لكل مقال، وإلزام الطالب بإعادة كتابته إذا لم يكن مناسباً، وهناك حد زمنى معين على الطالب الالتزام به وعدم تجاوزه لتقديم المقال، ومعنى ذلك أن الطالب يُدرب على كتابة مقال علمى فى تخصص معين (عصر محدد) أربع مرات فى العام الدراسى الواحد، وكانت نتيجة "أعمال السنة" تعلن قبل موعد الامتحان التحريرى بأسبوعين، ويحرم الراسب فيها من دخول امتحان الفصل الدراسى. فكان الرسوب فيها يعنى الرسوب فى أربع مواد مما يعنى وضع مصيره فى كف القدر فإذا لم يحصل على درجات مناسبة فى الفصل الدراسى الآخر تؤهله للحصول على تقدير "ضعيف"، فُصل من الجامعة، لأن اللائحة كانت تنص على فصل كل من يحصل على تقدير "ضعيف جداً"، أما من يحصل على تقدير "ضعيف" فله حق الإعادة فيما رسب فيه.
وهكذا كانت مكتبة الكلية مكتظة بالطلاب طوال اليوم من التاسعة صباحاً إلى السادسة مساء، وانتشر طلبة آداب عين شمس فى قاعات دار الكتب المصرية. أما طلاب الانتساب. فكانوا يكلفون بدراسة موضوع معين فى كل فصل دراسى يحدد له أربعة مراجع على الأقل، يؤدون فيه امتحاناً تحريرياً قبل موعد الفصل الدراسى بشهر، فإذا لم ينجح الطالب المنتسب فى تلك المادة حُرم من دخول امتحان الفصل الدراسى وتعرض لما يتعرض له الطالب المنتظم من مخاطر.
ولا عجب أن تجد طلاب الفرقة الأولى عام 1957 (الذين كان من بينهم صاحبنا) يبلغون نحو 275 طالباً (200 منتظما + 75 منتسباً) تتم تصفيتهم ليصبح عدد خريجى قسم التاريخ عام 1961 (الدفعة العاشرة التى ينتمى إليها صاحبنا) 68 خريجاً فقط. مما يعكس مدى جدية الدراسة، ودقة تقويم أداء الطلاب، ونوعية تكوين الخريج. ويكفى للدلالة على ذلك كله أن أربعة من بين خريجى هذه الدفعة تابعوا دراستهم العليا حتى حصلوا على الدكتوراه، واحتلوا مكانهم ضمن هيئات التدريس بالجامعات، كان صاحبنا واحداً منهم.
وكان من بين شباب الأساتذة (عندئذ) الذين درس عليهم صاحبنا: مصطفى الشكعة فى الأدب العربى، وحسين مجيب المصرى فى اللغة الفارسية، ويوسف أبو الحجاج ودولت صادق ومحمد رياض فى الجغرافيا، وحليم تادرس فى اللغة الإنجليزية (وكان منتدباً من خارج الكلية). ومن بين أعضاء هيئة التدريس بآداب الإسكندرية درس تاريخ الشرق الأدنى القديم على رشيد الناضورى، والنظم اليونانية وحضارة مصر فى العصر البطلمى على محمد عواد حسين، ومن أعضاء هيئة التدريس بآداب القاهرة درس تاريخ اليونان ومصر فى عصر الرومان على عبد اللطيف أحمد على، وتاريخ مصر الفرعونية على أحمد فخرى، وتاريخ أوروبا فى العصور الوسطى على سعيد عاشور. وقد ترك بعض هؤلاء أثراً ملحوظاً فى تكوينه، ومر آخرون منهم فى حياته مروراً عابراً دون أن يتأثر بهم. وكان هم أحد السكندريين بيع كتابه يحمله معه من الإسكندرية فى حقيبة كبيرة، يوزعه بنفسه على طالبى الشراء (وكان هذا غريباً على جامعة عين شمس) أما الآخر، فكان يملى المحاضرات على الطلاب ببطء شديد، كلمة كلمة على طريقة مدرس اللغة العربية بالمدرسة الابتدائية بعبارات إنشائية مليئة بالمترادفات، فكان صاحبنا يجلس (على غير عادته) فى الصف الأخير من قاعة المحاضرات ويستمع إلى ما يمليه الأستاذ ثم يقوم بكتابة الأفكار الرئيسية التى جاءت بالمحاضرة، ويهرع إلى المكتبة بعد المحاضرة ليراجع الموضوع بأحد المراجع الإنجليزية مسترشداً بالنقاط التى جاءت بمحاضرة الأستاذ، ويصوغ لنفسه نصاً آخر، وكان من عادة الأستاذ المرور بين صفوف مقاعد الطلاب أثناء إملائه للنص الهزيل بصوت جهورى، فلمح صاحبنا جالساً فى آخر القاعة لا يكتب، فاقترب منه وسأله: "لماذا لا تكتب يا ولد؟" فرد عليه بقوله : "إننى استوعب ما يرد بالمحاضرة من معلومات اكتفى بتلخيصها". وتناول الرجل الكشكول ليجد أن ما كتبه الطالب حوالى عشرة سطور بعدما يزيد على ساعة ونصف من الإملاء، فقذف الكشكول فى وجهه، وطرده من الفصل، ولم يشأ صاحبنا أن يعود إلى حضور محاضرات هذا الرجل مرة أخرى. فقد عُرف بقسوته فى معاملة الطلاب وتنكيله بمن يجرؤ على مناقشته. وكان صاحبنا فى الفرقة الرابعة على وشك التخرج، فكان الاحتكاك بهذا الرجل فيه خطر شديد على مستقبله، لذلك فضل الاختفاء من قاعة الدرس، فلم يكن يستفيد شيئاً من ذلك الأستاذ على كل حال.
وهناك آخر من آداب القاهرة كان له كتاب يفرضه على الطلاب (وهو أمر شائع فى آداب القاهرة)، ويحفظ الكتاب عن ظهر قلب، ومحاضرته عبارة عن استظهار (تسميع) للكتاب الذى يحفظ نصه عن ظهر قلب، وكأنه من وحى السماء. استمع إليه صاحبنا مرتين فقط، ثم فضل أن يستثمر وقته فى قراءات حول الموضوع بالمكتبة واكتشف –مصادفةً- أن فصول الكتاب عبارة عن ترجمة لبعض فصول موسوعة كامبردج فى تاريخ ذلك العصر!! مدرس شاب أثر تأثيراً بالغاً فى صاحبنا هو الدكتور احمد عبد الرحيم مصطفى، ابن سوهاج، الذى كان عائداً لتوه من البعثة التى حصل بها على الدكتوراه من جامعة لندن، درس عليه مناهج البحث بالفرقة الأولى، ولم يدرس عليه مرةً أخرى سوى فى الفرقة الثالثة، ولكنه ارتبط به منذ المحاضرة الأولى التى سمعها منه، فهذا المدرس الشاب كان يحث التلاميذ على التفكير، ونبذ المسَلَمات ما لم يقم الدليل العقلى على صحتها، وأن الحقيقة التاريخية ليست كاملة، وأن الموضوعية مسألة نسبية. كان هذا الكلام جديداً على صاحبنا لا فى موضوعه فحسب، بل وفى طريقة طرحه، وأسلوب عرضه. وبعد المحاضرة سار صاحبنا بجوار أستاذه الشاب يناقشه فى بعض ما سمعه منه، وطرح عليه سؤالاً معيناً، فإذا به يفاجأ بالرجل يقول له إنه ليس متأكداً تماماً من الإجابة، واقترح على التلميذ أن يبحث عن الإجابة فى كتاب معين، وأن يلتقى به إذا وجد نفسه فى حاجة إلى الإيضاح أراد بذلك أن يعود التلميذ المبتدئ على البحث عن المعلومة بنفسه أولاً قبل الرجوع إليه . كان صاحبنا عندما اختار الالتحاق بقسم التاريخ والآثار يظن أنه يستطيع التخصص فى الآثار، ويحقق حلمه فى أن يصبح من علماء الآثار. ولكنه علم بعد فترة وجيزة من التحاقه بالقسم أن شعبة الآثار لم تفتح بعد، فاستقر رأيه على أن يتخصص فى التاريخ القديم. غير أنه لم يجد فيمن درسوا له بالفرقة الأولى من مدرسى التاريخ القديم من يحفزه على اختيار هذا التخصص، أو يقدم له القدوة المناسبة التى تجعله يختار السير على الدرب.
وعندما جلس إلى أحمد عبد الرحيم مصطفى وجد فيه القدوة التى ينشدها، واتخذه مثلاً أعلى له، وتمنى (بينه وبين نفسه) أن يصبح مثله. ومنذ ذلك اليوم حدد هدفه الأساسى فى الحياة، وهو العمل على أن يتخصص فى التاريخ الحديث، وأن يتعلم على يد هذا الرجل. كان الأساتذة يحرصون على ترك مسافة واسعة بينهم وبين الطلاب، حفاظاً على "هيبة" الأستاذ، القليل منهم يسمح للطلاب بمناقشته فى أضيق الحدود، وغالبيتهم لا يسمحون بذلك، ويضيقون ذرعاً بمن يطرح سؤالاً أثناء المحاضرة. أما أحمد عبد الرحيم مصطفى فكان إنساناً عظيماً، ومربياً عبقرياً، قبل أن يكون أستاذاً. التحم بتلاميذه، ولم يترك مسافةً بينه وبينهم. ذهب صاحبنا يوماً إلى لقائه بحجرة الأساتذة بالكلية، وكانت قاعةً واسعةً بها مكتبة، ومكاتب كل من عبد المنعم ماجد، وزينب عصمت راشد، وحسن حبشى، وأحمد عزت عبد الكريم. وكانت هذه الغرفة أشبه ما تكون بقدس الأقداس فى المعبد الفرعونى، لا يدخلها إلا أعضاء هيئة التدريس. ولذلك عندما صرح له أحمد عبد الرحيم مصطفى بالحضور إلى المكتب متى شاء إذا احتاج لسؤاله عن شئ، أحس بالرهبة وتردد قليلاً، ثم طرق باب الغرفة، وفُتح الباب، فإذا بعبد المنعم ماجد ينهره، ويطلب منه إغلاق الباب، فتراجع خطوةً إلى الوراء ليسمع صوت أحمد عبد الرحيم مصطفى يأمره بالدخول ويجلسه على كرسى بجوار مكتبه، ويستمع إليه، ويتناقش معه دون اعتبار لضيق ماجد وزينب عصمت راشد التى تصادف وجودها، بما يُقدم عليه هذا المدرس من خرق للتقاليد.
وعن طريق احمد عبد الرحيم مصطفى عرف صاحبنا الطريق إلى الجمعية المصرية للدراسات التاريخية فيما بعد، فكان يلتقيه (بعد التخرج) هناك، أو فى نادى أعضاء هيئة التدريس، أو فى منزله بشبرا، وكانت مكتبة هذا الأستاذ متاحةً له، يعيره صاحبها المراجع الإنجليزية التى لا يجدها فى مكتبة الجامعة، ويفيض عليه بعلمه الغزير، فيفتح له أفاقاً معرفيةً جديدة، فتبعه كما يتبع المريد شيخه. أما أحمد عزت عبد الكريم فقد تأثر به فى مرحلة الدراسات العليا، وليس قبلها، ولعب هذا الأستاذ العملاق دوراً بارزاً فى تكوينه، ولا غرابة فى ذلك، فقد كان أستاذاً لأحمد عبد الرحيم مصطفى فى مرحلتى الليسانس والماجستير بجامعة القاهرة قبل أن يوفد فى بعثة لحساب جامعة عين شمس، ويُعين مدرساً بها. كان أحمد عزت عبد الكريم محاضراً متميزاً يستقرئ المادة التى يقدمها فى صورة تساؤلات يستخلص منها الإجابات المحتملة، جاعلاً من موضوع المحاضرة قضيةً، يتفحص شواهدها مع طلابه، ويبحث معهم عن دلالاتها. يسمح بالمناقشات فى حدود إذا كان السائل يطرح سؤالاً وجيهاً يعكس درجة استيعابه لما سمعه من الأستاذ، ولكنه كان يحرص على اتساع المسافة بينه وبين طلاب مرحلة الليسانس. وبدأ الأستاذ ينتبه إلى صاحبنا من أسئلته خلال الدرس، فقد وعى جيداً نصائح أستاذه أحمد عبد الرحيم مصطفى، فكان يعد نفسه للمحاضرات قبل حضورها بقراءات مركزة فى المراجع المهمة ويجهز أسئلته، وبعدما يستمع للمحاضرة يبحث عن إجابة للتساؤلات التى لم تجب عليها المحاضرة، أو يسأل الأستاذ رأيه فيما قدمه الآخرون من تفسير لبعض النقاط. وعندما درس على أحمد عزت عبد الكريم مادة "نصوص تاريخية بالإنجليزية"؛ بدأ الأستاذ درسه الأول بتكليف أحد الطلاب قراءة النص، فهاله حجم الأخطاء فى النطق الصحيح لمخارج الألفاظ، وأسكت القارئ بأسلوب جارح غاضب، وطلب غيره ممن يجيد القراءة، فتقدم صاحبنا، وقرأ النص قراءةً صحيحةً، فكلفه الأستاذ بأن يقرأ النص فى كل محاضرة حتى نهاية الفصل الدراسى، فكان يقرأ النص ويتولى الأستاذ شرحه من حيث المصطلح والمضمون. وكان الفضل فى تميز صاحبنا على أقرانه ما لقيه من حسن التربية على يد مدرس الإنجليزية فى المدرسة الابتدائية، وما حظى به من حسن التدريب على يد مدرس الإنجليزية بمدرسة طوخ الثانوية، كذلك حرصه على اتباع نصائح أساتذته بالجامعة باستخدام المراجع الإنجليزية. وبلغ من حرصه على تنمية مهارته اللغوية التفكير فى ترجمة كتاب اشتراه من سور الأزبكية بقرشين عن أبراهام لنكولن الرئيس الأمريكى الذى حرر العبيد، وواجه الحرب الأهلية، وأطلع أستاذه أحمد عبد الرحيم مصطفى على الكتاب فامتدحه وزكى ترجمته، ووعده بمراجعة الترجمة. ولما كان الكتاب يقع فى حوالى 400 صفحة، فقد اقتسمه مع زميله وصديقه الحميم عاصم الدسوقى، واتفقا على الانكباب عليه فى إجازة الصيف (1960). ورغم انشغال صاحبنا بأعمال شاقة يكتسب منها بعض الجنيهات لتعينه على التركيز على الدراسة فى الفرقة الرابعة، إلا أنه استطاع أن يترجم حوالى مائة صفحة، وعاد من إجازة الصيف ليلتقى بزميله فى بداية العام الدراسى، ويكتشف أنه صرف النظر عن الموضوع، فلم يترجم شيئاً.
ومن الأساتذة الذين أثروا فى صاحبنا، ولعبوا دوراً غير مباشر فى تكوينه عبد اللطيف أحمد على أستاذ كرسى علم البردى وكرسى التاريخ القديم بكلية الآداب جامعة القاهرة ورئيس قسمى التاريخ والدراسات القديمة بها، ثم عميد الكلية فيما بعد. درس عليه التاريخ اليونانى والحضارة اليونانية، وتاريخ مصر فى عصر الرومان. كان محاضراً رائعاً يشرح الدرس بأسلوب مسرحى، فيجعل الطالب يكون صورة ذهنية درامية للأحداث التى يعرضها الأستاذ؛ فيسمع قعقعة السلاح، وتنابذ الخطباء، ويرى مجتمع أثينا ومناقشات مواطنيه، ويشهد غبار المعارك يخيم على الجيوش. فالأستاذ يقدم وصفاً لا يقتصر على الكلمات بل يلوح بيديه، ويعبر عن الحدث بقسمات وجهه، يبتسم عندما يقع طرف فى فخ نصبه له الآخر، ويقطب جبينه وهو يتحدث عن حيرة طرف من كيفية التعامل مع طرف آخر. ويظل الطلاب مشدودين إليه، يستمعون بانتباه دون ملل مدة ساعتين كاملتين. وبهذه الطريقة الفريدة يستطيع الطالب النابه أن يستفيد كثيراً من شرح الأستاذ، ومناقشته لآراء المؤرخين، ونقده لها. أما الطالب الذى يركز على حركة الأستاذ جيئةً وذهاباً وحركات ذراعيه وتعابير وجهه متسلياً بها فيخرج صفر اليدين. ومن هؤلاء الأساتذة الذين لعبوا دوراً غير مباشر فى تكوينه عالم الآثار العظيم أحمد فخرى الذى در س عليه تاريخ مصر الفرعونية. كان أحمد فخرى هو الأستاذ الوحيد الذى عرفه صاحبنا قبل أن يجلس إليه جلسة التلميذ من الأستاذ، فقد بهرته كشوفه الأثرية التى كانت تتحدث عنها الصحف عندما كان تلميذاً بالمدرسة الثانوية، وقُدر له أن يراه عن قرب، ويتعلم على يديه، كان كتابه "مصر الفرعونية" بسيطاً بديعاً، ولكنه حذر الطلاب من الاعتماد عليه وحده وحثهم على قراءة العديد من المراجع. وكان أسلوبه فى المحاضرة تقديم الشواهد الأثرية، وبناء تصوره للحدث التاريخى استناداً إليها بعدما يفند آراء غيره من العلماء؛ فيرجح رأياً معللاً لأسباب هذا الترجيح، ويستبعد رأياً آخر عارضاً أسباب الاستبعاد، ولكن حديثه يشى دائماً بعشق نادر لمصر القديمة، واعتزاز بمساهمتها فى الحضارة الإنسانية، وخاصةً فى الفكر الدينى. برغم من مكانته العلمية الرفيعة لم يتردد فى الموافقة على اصطحاب طلاب الفرقة الرابعة فى زيارة لمنطقة سقارة. وبمجرد وصول الطلاب إلى هناك ووجوده بينهم، هرع تلاميذه من مفتشى الآثار مرحبين به، عاتبين لأنه لم يبلغهم "بتشريفه" وعرضوا أن يتولوا عنه الشرح للطلاب، فرفض وصرفهم إلى أعمالهم، وحظى الطلاب بأندر وأعظم شرح لآثار المنطقة على يد هذا العالم الجليل.
غاب أحمد فخرى عن محاضرته الأسبوعية على غير عادته وتكرر غيابه فى الأسبوع التالى، سألوا إدارة الكلية عن سبب الغياب، فقيل لهم إن الأستاذ مريض، فقرر أربعة منهم (كان صاحبنا أحدهم) التوجه إلى بيت الأستاذ حاملين معهم باقة ورد صغيرة اشتروها بقروش معدودة، وذهبوا هكذا دون موعد أو اتصال تليفونى شأنهم فى ذلك شأن القرويين البسطاء من آبائهم، وطرقوا باب الشقة التى تقع فى عمارة على شارع النيل بالجيزة بالقرب من كوبرى الجامعة، ففتحت الباب سيدة أجنبية طويلة القامة فسألوها عن الأستاذ، فاقتادتهم إلى حجرة المكتب، حيث كان العالم الجليل مسترخياً على أريكة، يقرأ كتابا، رحب الأستاذ بتلاميذه بأبوة حانية، وقدم لهم زوجته الألمانية، وشكرهم على حرصهم على زيارته, وجاءت الزوجة بالشاى والكعك، وأفاض الأستاذ فى حديث ممتع عن تجاربه فى الحفائر الأثرية التى سببت له حساسية فى الصدر تحولت إلى الربو الذى يلزمه البيت من حين إلى آخر، وامتد الحديث إلى نحو الساعتين، كلما استأذن الطلاب فى الانصراف استبقاهم، مؤكداً أنه شُفى تماماً عندما رآهم، وعند انصرافهم اعتذر لهم عن عدم قدرته على توديعهم، وصَحبتهم زوجته إلى الباب مكررةً الشكر.
خرج الطلاب الأربعة مبهورين بأبوة الرجل وإنسانيته, ولم يستطيعوا إغفال المقارنة بينه وبين أستاذهم إبراهيم نصحى (بك) رئيس قسمهم، وأول عميد لكلية الآداب، كان إبراهيم نصحى يعامل الطلاب بتأفف واشمئناط، يبدأ محاضرته فى التاسعة صباحاً بنظرة يمسح بها وجوه الحضور ذات اليمين وذات اليسار، ثم يرسم على وجهه علامات التقزز، ويقول: "الجامعة برطشت"، ويبدأ بعد ذلك الدرس. مراسم تتكرر فى كل محاضرة، وكأنها مقدمة للعرض. والويل لمن يجرؤ على طرح سؤال على الأستاذ الذى يسرف فى توبيخه، ويمسح الأرض بكرامته. كان "الاتحاد القومى" (التنظيم السياسى للثورة) ينظم مظاهرات طلابية فى بعض المناسبات، فيجمع الفراشون سيارات التاكسى سعة الخمسة راكب من شارع شبرا، وتقدم إدارة رعاية الطلاب 25 قرشاً لكل خمسة من الطلاب بعد ركوبهم التاكسى، على أن يتوجه الجميع إلى ميدان التحرير حيث تبدأ المظاهرة. فكان الطلاب عادةً ما يدفعون لسائق التاكسى خمسة قروش بعد الخروج من الكلية ببضعة أمتار، ويقتسمون الباقى فيما بينهم أو يصرفونه فى المقهى. أما الكلية فكانت تعطل الدراسة فيها تماماً وتغلق المكتبة أبوابها فى مثل هذا اليوم. حدثت واحدة من تلك المظاهرات الساذجة يوم محاضرة إبراهيم نصحى فى خريف عام 1960، وخشى الطلاب من مغبة غضب الأستاذ إذا جاء ولم يجد أحداً، فقد يترتب على ذلك ترسيب الدفعة كلها فى مادتيه، وكانت تُروى قصص عنه من هذا القبيل. لذلك حرص الطلاب وكان عددهم حوالى الأربعين، على الانتظار فى فناء الكلية عند المكان المخصص لوقوف سيارة نصحى (بك) الشيفروليه الفارهة. وبعد بضع دقائق وصل الرجل، وأوقف السيارة فى مكانها، ولاحظ تجمع الطلاب هناك، وكان صاحبنا يقف (مصادفةً) أمام شباك الباب الأيمن الذى فتحه الأستاذ أوتوماتيكياً (وكانت هذه بدعة جديدة لا يعرفها من برطشوا الجامعة بتسللهم إليها)، وقال الأستاذ للطلاب باشمئزاز: "عفين على العربية كده" (أى إنهم كالذباب الذى يعف على الشئ)، فقال له صاحبنا إن الطلاب خرجوا فى مظاهرة، وأنهم ينتظرونه هنا لأن قاعات الدرس مغلقة، ليأمر بفتح إحداها لإلقاء درسه. فأغلق شباك السيارة، واتجه إلى باب الخروج دون أن يقول شيئاً لقطيع "الذباب" الذى كان بانتظاره!
قارن الطلاب الأربعة بين حفاوة أحمد فخرى بهم فى بيته الذى قرعوا بابه دون استئذان، وكيف عاملهم معاملةً إنسانيةً أبويةً نبيلة، وبين من عاملهم دائماً باشمئزاز واحتقار، وعدهم من فصيلة "الحشرات". ولا يرجع ذلك إلى موقفه من نظام ثورة يوليو الذى ألغى الرتب المدنية، وأزاحه من عمادة الكلية، وفتح أبواب الجامعة أمام من كانوا (فى نظره) من أولاد "الرعاع"، بقدر ما يرجع إلى أصوله التركية، وترَفعه على "أبناء الفلاحين" فقد كان يعامل طلابه بازدراء –أيضاً- عندما كان بجامعة القاهرة. وفى سن السبعين، تغيَّر إبراهيم نصحى تماماً، فأصبح يمزح مع الطلاب، ويقبل بأن تناديه الطالبات بـ "جدو إبراهيم"، وبعد أن ظل يوصد باب الدراسات العليا فى تخصصه ما يزيد على العشرين عاماً، فتحه على مصراعيه أمام كل من هب ودب، وسبحان مغير الأحوال.
انتهى العام الدراسى الرابع، وانتهت بانتهائه بالنسبة لصاحبنا سنوات التوتر والشقاء (أو هكذا ظن). وأُعلنت نتيجة الليسانس، فلم يتجاوز عدد من حصلوا على تقدير جيد خمسة طلاب، كان ترتيبه الثالث بينهم وعلى الدفعة كلها. وحصل نحو الأربعين طالباً على تقدير "مقبول"، وتوزع الباقون بين من رسب فى مادتين وله حق دخول دور يناير 1962، ومن بقى للإعادة لحصوله على تقدير "ضعيف". استاء صاحبنا من هذه النتيجة، وخاصة أنه بذل جهداً مضاعفاً فى إعداد مواده واستيعابها. وعندما اطلع على النتيجة اتضح انه حصل على جيد جداً فى ثلاث مواد، وجيد فى باقى المواد، ومقبول فى مادتى إبراهيم نصحى (تاريخ البطالمة، وتاريخ الرومان) وعجب لذلك، فقد بذل فى المادتين جهداً كبيراً، واستخدم عدداً من المراجع المهمة فى إعداد مادته واستوعبها جيداً، ولكن تبين له أن أحداً لم يحصل فى المادتين عما يزيد على "مقبول"، وأن نسبة النجاح فى المادتين لم تجاوز 50%، وأن عشرة طلاب على الأقل نجحوا فى إحدى المادتين بالتعويض (حسب قواعد الرأفة) وأن الرسوب تركز فى المادتين، وفى بعض المواد الأخرى. أما صاحبنا فقد حصل على عشر درجات فقط (من عشرين درجة) فى تاريخ البطالمة، و11 درجة فى تاريخ الرومان. وألقى نظرة على كشف النتيجة ليجد أن الدرجات التى وضعها الأستاذ لمن رأى فى إجابتهم ما يبرر نجاحهم، لم تزد عن 10 أو 11 درجة. على كل، كان ما استطاع تحقيقه يفوق توقعاته، فلم يكن يضمن استمراره فى الدراسة، ويتحسب لما قد يعترض طريقه من عقبات، فإذا به يصل إلى نهاية المرحلة الجامعية الأولى، ويصبح خريجاً حاملاً درجة الليسانس فى الآداب. ولكن المئات غيره من الخريجين كانوا يعانون البطالة منذ العام 1957، وازداد حال الأسرة بؤساً فى وقت أصبح ينتظر فيه أن يلعب دوراً إيجابياً لمساعدتها.
تلطم صاحبنا فى بعض الأعمال البسيطة التى أصبحت شحيحةً بسبب وفرة أعداد طالبى العمل، كانت المدارس الخاصة تدفع للمدرس خريج الجامعة راتباً لا يتجاوز خمسة جنيهات شهرياً. وتقدم صاحبنا لمسابقة القبول بكلية التربية للحصول على درجة الدبلوم العامة فى التربية. وكانت الكلية لا تقبل سوى العدد الذى تحتاجه وزارة التربية والتعليم من المدرسين، لذلك كان الحصول على تقدير "جيد" شرطاً للتقدم إلى كلية التربية. وبلغ عدد المتقدمين بقسم العلوم الاجتماعية عام 1961/ 1962 (التاريخ، والجغرافيا، والفلسفة، والاجتماع) نحو 270 متقدماً، تمت تصفيتهم فى امتحان شفوى رأسه الدكتور صلاح قطب عميد الكلية، فتم قبول عشرة طلاب من كل تخصص، كان صاحبنا واحداً منهم. وانتظم فى الدراسة فى الفصل الأول قدر الطاقة، حتى أُعلن فجأة عن تعيين جميع الخريجين، وكانت الطلبات تُقدم إلى مكتب بوزارة التربية والتعليم، وعندما أُعلنت النتيجة كانت سعادته بالغة عندما وجد أمام اسمه "المؤسسة العامة للصناعات الكيماوية"، وعندما تسلَّم خطاب التعيين اتضح أن مكان المؤسسة بشارع قصر النيل بالقاهرة، فتوجه إليها لاستلام العمل. وبعد فترة انتظار حوالى الساعة، تسلم خطاباً لاستلام العمل فوراً بالشركة المالية والصناعية المصرية بكفر الزيات. وإذا كان هذا التعيين قد فتح صفحةً جديدة فى حياته، وبعث عنده وأسرته الأمل، فقد زوده العمل فى شركة صناعية من الشركات التى تم تأميمها فى يوليو عام 1961 بتجارب وخبرات جديدة، كان لها أثرها فى تكوينه، بل وفى تحديد حقل دراسته العليا (التى بدأها عام 1962/ 1963).
[تحرير] مراجع الحسابات
الشركة المالية والصناعية المصرية كانت شركة مساهمة يملك قسطاً كبيراً من أسهمها بعض كبار الرأسماليين من أمثال على أمين يحيى (الذى كان رئيساً لمجلس الإدارة قبل التأميم) والبدراوى وسراج الدين، وغيرهم. وكان مديرها العام الدكتور محمد شفيق حنطور يحمل درجة الدكتوراه فى الزراعة، ويقترب من السبعين، وقد أصبح رئيس مجلس الإدارة بعد التأميم. وتخصصت الشركة فى إنتاج حامض الكبريتيك بمختلف درجاته، وإنتاج سماد السوبرفوسفات. وكانت تستورد الكبريت الخام من الخارج، أما الفوسفات فيأتى من المناجم التابعة لها بمنطقة "السباعية" غرب أسيوط. وبرغم من وجود المصانع بكفر الزيات، كان المركز الرئيسى للشركة بالإسكندرية، وكانت مكاتب الإدارة بكفر الزيات تضم قسم الحسابات وقسم المراجعة، وقسم المخازن والتوريدات وقسم المشتريات. أما عدد العمال فبلغ 1500 عاملاً، استفاد نحو 1250 عاملاً منهم بالقانون الذى جعل الحد الأدنى للأجر اليومى للعامل خمسة وعشرين قرشاً، فارتفعت أجورهم اليومية من ثمانية قروش إلى 25 قرشاً، وشملتهم مظلة التأمينات الاجتماعية. أما الإداريون فانقسموا إلى قسمين: فئة الموظفين ذوى الرواتب الشهرية، وكانت فئةً متميزةً يبدأ الراتب الشهرى لصاحب المؤهل المتوسط بستين جنيهاً شهرياً (أى خمسة أصناف مرتب زميله بالحكومة) ولم يكن بالشركة من بين الموظفين حملة المؤهل العالى سوى أربعة من المهندسين, أما الإداريون فكانوا من حملة دبلومات التجارة والصنايع، وكانت هناك شريحة أخرى من الموظفين تُعامل بالأجر اليومى، فكانت بداية تعيين حملة المؤهلات المتوسطة من هذه الفئة جنيهين يومياً عن كل يوم عمل، فلا يحتسب الأجر عن أيام الراحة الأسبوعية والعطلات الرسمية.
هبط على الشركة، نتيجة القانون الجمهورى بتعيين الخريجين، أربعة موظفين جدد دفعةً واحدة تسلموا العمل فى فبراير 1962، منهم ثلاثة من خريجى الآداب فلسفة (1957)، وجغرافيا (1957)، وتاريخ (1961)، وخريج حقوق (1958). كان صاحبنا أحدث الخريجين المعينين بالشركة، وعده زملاؤه الثلاثة من المحظوظين، فقد تقلب ثلاثتهم بين مختلف الأعمال، فكان خريج الفلسفة يعمل كاتباً باليومية بشركة مياه غازية من مارس إلى أكتوبر ويعانى البطالة من نوفمبر حتى فبراير. وحصل خريج الجغرافيا بعد بطالة دامت عامين على إحدى وظائف المؤهلات المتوسطة عن طريق مسابقات "ديوان الموظفين" فكان كاتباً بمصلحة الآثار، أما خريج الحقوق، فقد أنهى فترة التدريب بمكتب أحد المحامين لم يتقاض عنها أجراً، وسجل اسمه فى جدول المحامين، وكان أحسن الأربعة حالاً، لم يعان الفاقة مثلهم لأن والدته الثرية كانت تنفق عليه ببذخ لكونه وحيدها. لم يتضمن القرار الصادر من المؤسسة للشركة بتعيين الخريجين الأربعة أى إشارة إلى الراتب الذى يتقاضاه كل من هؤلاء "الدخلاء" الأربعة (هكذا كان يُنظر إليهم)، فلم يكن هناك كادر محدد للشركة أو غيرها من الشركات، وإنما كان تحديد الراتب متروك لتقدير رئيس مجلس الإدارة الذى قرر أن يكون الراتب 26 جنيهاً شهرياً، وكان هذا مبلغاً محترماً، لأن من عُينوا بالحكومة حصلوا على خمسة عشر جنيهاً، ولكنه كان يعدل ثلث الراتب الذى كان يحصل عليه من يُعين بمؤهل متوسط قبل التأميم.
بقيت مشكلة أخرى هى تحديد وظائف أولئك "الدخلاء" فلا علاقة بين مؤهلاتهم ومجال العمل بالشركة الذى يتطلب الهندسة والعلوم والتجارة، فتم اختيار حجرة كانت مخصصة لمراقب الشحن والتفريغ، وضعت فيها أربع طاولات وأربعة كراس، كانوا يجلسون فيها معاً من الثامنة حتى الثالثة بعد الظهر دون عمل، يتندرون على ما يصل إلى أسماعهم من أحاديث العمال بشأنهم: "دول بتوع الحكومة بعتاهم يراقبوا البوظان اللى فى الشركة" أو "دول تبع المباحث جابهم حنطور لجل يلجم العمال".. إلى غير ذلك من تخمينات، ولم يكن أولئك العمال التعساء ليدرون أن هؤلاء "الأفندية" لا يقلون عنهم من حيث قلة الحيلة، وأن التحاقهم بالعمل بالشركة جاء بعد طول معاناة. بعد مرور أسبوعين تحددت وظيفة خريج الحقوق فأصبح محققاً بإدارة شئون العاملين، وبعد أسبوع آخر تحددت مواقع خريجى الآداب، فأصبح الفيلسوف موظفاً بقلم الأجور بنفس الإدارة، والجغرافى مساعداً للخواجة ينى (اليونانى الجنسية) المتخصص فى استيراد الكبريت، وأصبح صاحبنا مراجعاً بالإدارة المالية، وهى الوظيفة التى شغلها 62 شهراً حتى استقال من الشركة فى أبريل عام 1967. كان قسم المراجعة مختصاً بمراجعة المستندات المالية قبل الصرف، ومراجعة سجلات الأجور، ومستندات المخازن والمشتريات، وكلها أمور لا علاقة لها بالتاريخ، ولكن لا علاقة لها –أيضاً- بأى تخصص آخر، فيما عدا المراجعة الحسابية، ولم تكن تشكل صعوبة كبيرة مع وجود الآلة الحاسبة (وكانت يدوية). امتنع الفيلسوف عن العمل لمدة أسبوع طالباً أن يكون رئيس القسم، وانضم إليه المحامى الذى طلب أن يكون رئيساً للشئون القانونية، أما الجغرافى فارتاح إلى العمل مع الخواجة ينى الذى لم يتجاوز إعداد المحررات العربية التى تُرسل إلى المؤسسة وغيرها من الجهات الرقابية بشأن ما تستورده الشركة من مستلزمات الإنتاج، وكانت تلك المحررات محدودة. أما صاحبنا فكان حريصاً على أن يثبت أقدامه فى عمله الجديد، وأن يمارسه بطريقة سليمة. ولذلك عكف على دراسة كل الإجراءات الإدارية والمالية التى عليه أن يتولى مراجعتها، ولم يمض شهر واحد حتى كان قد ألم بكل أصول الصنعة التى لا تتطلب ممن يقوم بها سوى حسن البديهة.
كان قسم المراجعة يضم رئيساً (دبلوم تجارة) من الفئة المتميزة من الموظفين، يعمل معه اثنان أحدهما شاب (دبلوم تجارة) والآخر لاعب كرة معتزل (إبتدائية قديمة) وهما من عمال المياومة، فكان صاحبنا الموظف الثانى بالقسم من حيث الترتيب الإدارى، ولكنه جاء فى الترتيب الثالث من حيث الأجر الشهرى، فقد كان اللاعب المعتزل يحصل على ما يزيد قليلاً عن ضعفي أجره. وكان الزملاء الثلاثة على مستوى راق فى تعاملهم معه، خاصةً أن رئيس القسم كان مرشحاً لعضوية مجلس الإدارة عن الموظفين متحالفاً مع عامل نقابى ضد رئيس المخازن، وعامل آخر كانا مرشحا رئيس مجلس الإدارة، فكان رئيس القسم –بذلك- ينتمى إلى المعارضة، وشديد الإعجاب بعبد الناصر. كان بالشركة مطعم يقدم وجبة غذاء مدعمة مكونة من اللحم أو الدجاج والأرز والسلطة وثمرة فاكهة مقابل اشتراك شهرى قدره (175 قرشاً)، فاشترك صاحبنا وذهب إلى المطعم لأول مرة ليلاحظ وجود مكان خاص للموظفين ( وكانوا جميعاً من المعينين باليومية ) فى طرف قاعة المطعم بعيداً عن العمال برغم من أن الوجبة واحدة، فاختار أن يتجه بالصينية الخاصة به إلى مكان العمال وجلس وسطهم، فلاحظ توقفهم عن الحديث والتزامهم الصمت وتبادلهم النظرات، فقدم لهم نفسه، وقال لهم إن جده كان عاملاً، وأبوه ما يزال عاملاً، وأنه يحس "بالونس" بينهم، فلماذا يتهيبون منه؟ فردوا بالاعتذار والترحيب لأنهم لم يتعودوا أن يجلس بينهم موظف (لله فى لله) فلا يحدث ذلك عادةً إلا إذا كانت الإدارة تدبر لهم أمراً. قال لهم صاحبنا إن الشركة الآن ملك الشعب فهم من أصحابها، وإن الإدارة لا تستطيع أن تفعل بهم ما كانت تفعله فى الماضى. وشيئاً فشيئاً ذاب الجليد بينه وبينهم، وبدأ يتعرف على ما كان يدور فى الشركة من خلالهم. قص عليه أحدهم ما عاناه العمال من ضعف الأجور وغياب الرعاية الصحية وإجراءات الأمن الصناعى، فالكثير منهم يعانون من الربو، ويتعرضون للحروق المميتة عندما ينفجر أنبوب فى وحدة إنتاج حامض الكبريتيك القديمة، وأنهم يريدون تحسين ظروف العمل. وعندما سألهم عن دور نقابة العمال فى ذلك كله، قالوا له إن النقابة الموجودة من صنع أصحاب الشركة قبل التأميم بالاتفاق مع الشئون الاجتماعية والداخلية، وأسرَّ إليه أحدهم أنهم بدأوا يجمعون التوقيعات لإسقاط مجلس النقابة القديم، ودعاه لحضور اجتماع بهذا الخصوص فى أحد المقاهى التى تقع على أطراف البلدة. حضر صاحبنا الاجتماع، كان الحضور خمسة من العمال الفنيين (الأسطوات) واثنين من رؤساء الورديات (حملة دبلوم الصنايع). أما رواد المقهى فكانوا من الفلاحين الذين يأتون إلى كفر الزيات لقضاء مصالحهم، وينتظرون وسيلة مواصلات تحملهم إلى قراهم. عرض الحضور نص عريضة المطالبة بإسقاط مجلس إدارة النقابة، فأعمل صاحبنا قلمه فى النص يصلح من صياغته، وارتاحوا إلى النص الجديد، وطالبوه أن يساعدهم فى صياغة العرائض التى سيقدمونها للسلطات المعنية، فرحب بذلك، ولكنه اعترض على الطابع السرى للاجتماعات، واقترح عليهم أن يتخذوا من مقر النقابة مركزاً لنشاطهم، لأن مجلس الإدارة لا يملك المقر، فهو ملك لجميع الأعضاء، ويمكن اللجوء إلى السلطات إذا منعهم مجلس النقابة من ذلك.
أعجبتهم الفكرة، وعُقد اجتماع أوسع بساحة النقابة التى كانت تحتل شقة واسعة تمثل الدور الأرضى بإحدى بنايات وسط المدينة، بها فناء يتسع لحوالى ثلاثين مقعداً. وحضر صاحبنا الاجتماع، وبهره ذلك القدر من الوعى الذى لمسه عند المتحدثين من العمال البسطاء، وتم نسخ عشرات الصور لنص العريضة، كتب عشراً منها بخطه. وتم جمع التوقيعات عليها خلال نوبات العمل (الورادى)، ثم عُقد اجتماع آخر تم فيه فرز العرائض (وكانت من صورتين)، فحرر صاحبنا خطاباً موجهاً إلى الرئيس جمال عبد الناصر، وآخر موجهاً لوزير العمل، ووُضعت كل صورة فى مظروف وتم تسجيلها للجهة الموجهة إليها. ولم يحدث –حتى ذلك الحين- أى احتكاك بين المجلس القديم وبين من تزعموا هذه الحركة والعمال الذين شاركوا فيها. ولكن رئيس مجلس إدارة الشركة الذى كانت له عيونه بين منظمى الدعوة لإسقاط مجلس إدارة النقابة (وكان أحد رؤساء الورديات)، اصدر قراراً بإلغاء اشتراك الموظفين فى المطعم بحجة أن الدعم للعمال وحدهم، وبذلك لم يعد هناك مبرر لوجود صاحبنا فى المطعم. وبعد صدور ذلك القرار بأسبوع تلقى اتصالاً من ضابط المباحث العامة بمركز كفر الزيات يدعوه إلى الإلتقاء به فى نادى الموظفين الذى يقع على فرع رشيد أمام المركز مساء "للتعرف عليه" فالتقاه هناك ليجد معه رئيس الوردية الذى كان حاضراً اجتماع المقهى مع زميل آخر له، وقال الضابط إنه نُقل حديثاً إلى كفر الزيات، وأنه يريد التعرف إلى الموظفين الشباب، وأن ذلك الشخص اقترح عليه التعرف إليه لأنه يحب إقامة روابط الصداقة مع المثقفين. وباسم التعارف وجه حزمةً من الأسئلة إلى صاحبنا الذى ضاق ذرعاً بها وسأله عن مغزى كل تلك الأسئلة، وهل هى للتعارف أم أسئلة تحرٍ وتحقيق؟ فضحك وتعلل "بحكم" المهنة. وفى نهاية اللقاء قال الضابط: أرجو أن نظل أصدقاءً، وألا يحدث ما يشوب هذه الصداقة، وصمت برهةً ثم قال: "ياريت تبعد عن الجماعة إياهم.. انت مش قد البهدلة". بعد أيام معدودة قال زميله الجغرافى الذى يعمل مع ينى (وكان يشاركه السكن) إنه علم من الخواجة ينى أن شفيق بك حنطور (رئيس مجلس الإدارة) سينقله إلى المناجم بالسباعية عندما يرى آخرة "الهوجة" التى شارك فيها. وقال إن الخواجة ينى مستعد لترتيب مقابلة مع "البك" ليعتذر له، عندئذ يصرف النظر عن نقله إلى المناجم.
كان صاحبنا قد بادر مساء اليوم نفسه الذى التقى فيه ضابط المباحث العامة، بادر بزيارة الأسطى منصور عبد النبى (أحد قادة حركة جمع التوقيعات) فى بيته ليخبره باختصار بما دار بينه وبين الضابط، ويحذره من رئيس الوردية عميل الإدارة والمباحث. وفى اليوم التالى كان العمال جميعاً قد علموا بحقيقة رئيس الوردية، وعاملوه معاملة المنبوذ، وعزلوه تماماً عن كل ما اتصل بنشاطهم. ولذلك فهم صاحبنا الرسالة التى حملها زميله من ينى على أنها تصعيد للتهديد، بعدما أحس رئيس مجلس الإدارة بعدم جدوى تهديد ضابط المباحث العامة، بعدما قاطع العمال جاسوسه واحتقروه. ولكن لم تمر بضعة أيام حتى وصل مسئول كبير من وزارة العمل التقى بالعمال وزعمائهم بمقر نقابتهم، واستمع إلى مبررات طلبهم إسقاط مجلس الإدارة القديم. وبعد أسبوع واحد صدر قرار حل مجلس النقابة، وتعيين لجنة إدارية لإدارة أعمال النقابة لحين تحديد موعد انتخابات التشكيل النقابى ونظامه على مستوى الجمهورية. وكان أعضاء اللجنة الإدارية من بين التسعة الذين وردت أسماؤهم فى العرائض التى وقع العمال عليها. وجاءت بعدها انتخابات عضو مجلس الإدارة عن العمال والموظفين، ففاز فيها الأسطى منصور عبد النبى عن العمال وفاز محمد سلام (رئيس المراجعة) عن الموظفين. وهكذا، وجد صاحبنا نفسه فى زمرة المغضوب عليهم من الإدارة. علم من بعض العمال أن ثلاثة أوناش شوكة صغيرة اشترتها الشركة ذهبت إلى عزبة "البك". وبعدها بأيام عُرضت عليه أوراق العملية لمراجعتها: محضر الشراء بالممارسة من أحد تجار وكالة البلح، محضر الاستلام، وإذن إضافة المخزن للأوناش كعهدة، والفاتورة بالقيمة. والأوراق على هذا النحو سليمة وكاملة، ولكنه لم يكتف بها بل راجع أذون الصرف الخاصة بالمخازن ليكتشف أنها صرفت فى يوم الإضافة نفسه لحساب "عملية دمنهور"، ولم يكن هناك عملية بهذا الاسم، فأعد صاحبنا مذكرةً وافيةً بالموضوع طالباً التأكد من جهة الصرف، لأنه يرجح أن عملية الشراء كانت وهمية مما يعرض أموال الشركة للضياع. وأقنع رئيسه (عضو مجلس الإدارة المنتخب) برفع الأمر إلى رئيس الشركة. فى اليوم التالى استدعاه رئيس الشركة،وسأله: " إنت اللى كتبت المذكرة دى؟" فرد بالإيجاب. فقال الرجل: " إنت قدامك مستندات سليمة.. ايه دخلك فى خطة التشغيل؟" فرد عليه قائلاً: "ماليش دخل إزاى... دانا صاحب مصلحة" فتعجب الرئيس وسأله: "مصلحتك ايه بقى إن شاء الله؟" فقال: "الشركة ملك الشعب، وأنا واحد من الشعب، ومن حقى أن أحافظ على مصلحة الشعب". هنا ثار الرئيس قائلاً: "يابنى انتم بتصدقوا الكلام الفارغ اللى بيقوله عبد الناصر؟ دا عاوز بس يضحك على الناس... امشى شوف شغلك وخليك فى حالك". عاد صاحبنا إلى المكتب ليجد وجه رئيسه محتقناً، كان من الواضح أنه لقى الكثير من التأنيب. وأبلغه أن مراجعة فواتير المشتريات أصبحت من اختصاص زميل آخر. فغلى الدم فى عروقه، وسارع بكتابة شكوى إلى جمال عبد الناصر ذكر فيها الموضوع باختصار، وركز على ما قاله رئيس مجلس الإدارة عن عبد الناصر. بعد حوالى ثلاثة أسابيع استدعاه رئيس مجلس الإدارة، ورفع فى يده المذكرة التى أرسلها إلى الرئيس عبد الناصر بعينها، وسأله: "خطك ده؟" فرد بالإيجاب. قال: "عرفت إن عبد الناصر بيضحك على المغفلين اللى زيك؟! إحنا ردينا بأن الشكوى كيدية لأنك موظف مهمل.. وعلى فكرة مخصوم منك خمسة أيام وعندك حرمان من العلاوة الدورية.. إبقى خلى عبد الناصر ينفعك".
ما كان يجهله صاحبنا أن محمد شفيق حنطور (رئيس مجلس الإدارة) كان من أخوال شمس بدران، وأنه كان "مسنوداً". وكان ذلك النموذج المؤسف بارزاً فى القطاع العام، فتحولت معظم شركاته إلى "عزب" لرؤسائها. رأى صاحبنا رأى العين الرشى المادية والعينية التى تقدم لمفتشى مؤسسة الصناعات الكيماوية، ومفتشى أجهزة الرقابة الأخرى، ومأمور وضباط مركز كفر الزيات، وكيف كانت تتم تغطية ذلك كله بمستندات صورية أو تحت بند "الإكراميات". ورغم التوسعات التى شهدتها الشركة على يد القطاع العام، وتأسيس مصنع آخر بأسيوط إلا أن الفساد الإدارى على مستوى المؤسسة، وغياب الرقابة الشعبية بتحجيم دور الحركة النقابية، كان بمثابة السوس الذى ينخر فى عظام القطاع العام. ولعل ذلك كان من أسباب نفور صاحبنا من "منظمة الشباب" واعتذاره مرتين عن عدم حضور دورة تدريبية بحجة انشغاله بالدراسات العليا. فقد كان يرى البون شاسعاً بين الشعارات المرفوعة، وما يراه ماثلاً أمامه على أرض الواقع. فبعد عام واحد من حل اللجنة النقابية القديمة بدأت انتخابات التنظيم النقابى فتم توقيع العزل السياسى على العناصر الناشطة الواعية من النقابيين الناصريين، وتُرك الحبل على الغارب للعناصر الانتهازية التى سيطرت على التنظيم السياسى والتنظيم النقابى معاً. كان صاحبنا قد أنهى السنة التمهيدية للماجستير بالنجاح بتقدير جيد جداً. وقبل أن ينهيها شغل باله الموضوع الذى سيعد فيه رسالة الماجستير، وحسمت التجربة التى عاشها بين عمال كفر الزيات اختياره. فقد لاحظ أن أولئك العمال الذين نجحوا فى إسقاط اللجنة النقابية وراءهم خبرة نضالية لم تأت من فراغ. وراح يبحث عن كتاب فى تاريخ الحركة النقابية فى مصر، فلم يجد سوى كتابات لا تغنى ولا تسمن، ووجد عشرات الكتب الإنجليزية عن الحركة العمالية فى أوروبا عامةً وبريطانيا خاصةً، فعقد العزم على دراسة الحركة العمالية منذ نشأتها حتى قيام ثورة يوليو 1952.
استشار أستاذه أحمد عبد الرحيم مصطفى فرحب بالموضوع ولكنه اعتذر عن عدم الإشراف (رغم أنه كان قد أصبح أستاذاً مساعداً)، وفضل أن يعرض صاحبنا الموضوع على أحمد عزت عبد الكريم، فإذا قبله ورأى إسناد الإشراف إليه كان بها، وإذا تولى هو نفسه الإشراف، فأنه يتوقع من أحمد عبد الرحيم مصطفى كل عون ممكن.
عرض صاحبنا الموضوع على أحمد عزت عبد الكريم فى سمناره العتيد فى أكتوبر 1963 فطلب منه الحضور إلى منزله بمنشية البكرى فى العاشرة من صباح الجمعة، فذهب فى الوقت المحدد، وسأله الأستاذ عن دوافع اختياره لهذا الموضوع بالذات، فشرح له كيف كانت تجربته بكفر الزيات وراء الاختيار. وسأله الأستاذ مرة أخرى سؤالاً مباشراً عما إذا كان هناك اتجاه سياسى معين وراء الاختيار، فنفى الطالب ذلك، وأكد أن دوافعه علمية صرفة. وعندما سأله عن مصادر الدراسة الوثائقية، قال للأستاذ: سوف أبحث عنها حتى أجدها، فقال الرجل:"على بركة الله"، ووقع على الأوراق بالموافقة، وبعد التسجيل بعدة شهور بدأ أمين عز الدين ينشر بالطليعة سلسلة مقالاته الشهيرة عن فجر الحركة النقابية فى مصر. فاطمأن الأستاذ إلى سلامة الاختيار.
كان لابد من التقاط طرف الخيط الذى يوصل إلى المصادر، وعلم من بعض قراءاته الأولية أن النبيل عباس حليم كان له دور فى الحركة النقابية، وتحرى عن مكان وجوده فعلم أنه مقيم بالإسكندرية، ورجع إلى دليل تليفون الإسكندرية ليقع على رقم عباس حليم، فاتصل به فإذا بلكنة المتحدث تبدو أجنبية، وحدد له موعداً الثامنة صباح الجمعة، فسافر صاحبنا إلى الإسكندرية مساء الخميس حيث استضافه محمد الخولي أحد أصدقائه من موظفى شركة المبيدات بكفر الزيات،ووصل إلى شوتس برمل الإسكندرية فى السابعة والنصف صباحاً ليبحث عن البيت، فوجد أمام محطة الترام قصراً قديماً يحمل الرقم الذى يبحث عنه فجلس على مقعد المحطة نحو ربع الساعة ثم قرر استكشاف المكان.
كان القصر قديماً كالحاً، والحديقة جرداء إلا من بعض الأشجار المعمرة، وبوابة القصر مفتوحة على مصراعيها لا يحرسها أحد. تلفت صاحبنا ذات اليمين وذات الشمال وهو يتقدم عبر البوابة فى اتجاه القصر، فوجد كلباً ضخمً يرقد تحت إحدى الأشجار، هده الكبر، رفع رأسه ليرمق الزائر الغريب بنظرة ثم أغمض عينيه من جديد، وكأنه رأى أن المسألة لا تستحق النباح. فمضى صاحبنا فى طريقه باتجاه القصر، فإذا برجل عجوز يطل من نافذة زجاجية بالدور الأول يناديه: "عباس أفندى؟" فرد بالإيجاب، فقال الرجل: تفضل، فصعد الدرج حتى باب السلاملك لتفتح الباب له خادمة عجوز ردت على تحية الصباح، الرد المحبب لديه "يسعد صباحك"، قادته إلى المكتب حيث كان "أفندينا" النبيل عباس حليم يقف أمام المكتب. وبعد تبادل التحية، قال له: "قبل أن نتكلم سوياً أريد أن أريك أولاً ما فعله (المعرصين) بالعمال" ووضع أمامه عدد "المصور" الذى غطى إعدام البقرى وخميس وحكماً بالسجن على عدد من عمال كفر الدوار فى الشهور الأولى للثورة. وسأله رأيه فى هذا المشهد، فأجاب "إنها نقطة سوداء فى تاريخ النظام ما فى ذلك شك". قال "أفندينا" الذى كان يتحدث العربية على طريقة الخواجات: "هل تحب أن نتحدث بالإنجليزية أم الفرنسية"، فاختار صاحبنا الإنجليزية. كان النبيل عباس حليم يحتفظ بألبومات ضخمة تضم قصاصات الصحف التى تحمل أخباره وأخبار النشاط العمالى، جُمعت بعناية، وأُلصقت بالألبومات وفق تسلسلها الزمنى. ولما علم أن صاحبنا موظف بكفر الزيات وأنه يقيم هناك, وافق أن يعيره فى كل أسبوع ثلاثة ألبومات، فكان يلتقيه كل أسبوع على مدى شهرين يناقشه فيما قرأ، ويعيد ما استعاره ويحمل معه الدفعة التالية حتى تجمعت لديه فى النهاية مادة كانت تحتاج إلى ما يزيد على العام لو جمعها بنفسه من الدوريات المودعة بدار الكتب المصرية. تردد اسم محمد حسن عماره سكرتير عام "اتحاد نقابات عمال القطر المصرى" الذى رأسه عباس حليم،وكان الرجل فى الوقت نفسه رئيساً لنقابة الحلاقين. وعندما سأل عباس حليم عنه صب عليه اللعنات واتهمه بسرقة جميع أوراق الاتحاد، فأصبح العثور على الرجل على درجة بالغة من الأهمية. فاتجه صاحبنا إلى شارع كلوت بك حيث كان قد لاحظ وجود صالون حلاقة قديم عُلقت على بابه برطمانات دود العلق، فذهب إلى هناك، وسأل صاحب المحل عن "عم الأسطى محمد حسن عمارة" فأجاب الرجل: "عاوزه ليه يا أفندى؟" رد بقوله: "أصله كان زوج المرحومة عمتى، وعاوزه علشان مسألة عائلية" وفكر الرجل ملياً ثم طلب من "الأفندى" أن يعود إليه بعد صلاة المغرب.
وقد كان.. وجد أمامه محمد حسن عمارة كما رآه فى الصور التى شاهدها عند النبيل عباس حليم، ولكن بعد إضافة عوامل الزمن، استطاع أن يرتب معه لقاءات أيام الجمعة بمقر إقامته بالمطرية، وعندما كسب ثقته بعد عدة زيارات جر من تحت السرير حقيبة سفر جلدية قديمة، كانت تضم مجموعةً هامةً من وثائق اتحاد العمال وغيره من التنظيمات النقابية التى شارك فيها محمد حسن عماره، فاشتغل صاحبنا بنسخ ما وجده مهماً لدراسته. وعن طريق محمد حسن عمارة، سمع عن سيد قنديل رئيس نقابة عمال الطباعة فى الثلاثينيات والأربعينيات، واستطاع العثور عليه عن طريق بعض المطابع القديمة التى كانت تقع حول حديقة الأزبكية، وحصل منه على سجل محاضر "حزب العمال الاشتراكى". كما استطاع الاتصال بالنقابيين الماركسيين: محمد يوسف المدرك، ومحمود العسكرى، وأحمد طه عن طريق زميله وصديقه سعد صمويل الفيشاوى. وحصل منهم ومن غيرهم على بعض الأوراق المهمة، والدوريات العمالية المجهولة، واستعان بخطىًبته سعاد الدميري فى تجميع بعض ما احتاجه البحث من مادة الدوريات من دار الكتب المصرية. وبذلك اكتملت المادة التى أعد منها رسالته التى نوقشت فى نوفمبر 1966. وفى خط مواز للدراسات العليا، سار مشروع زواج صاحبنا من زميلته فى مرحلة الليسانس سعاد الدميرى التى خفق قلبه بحبها وهو طالب فى الفرقة الثانية وظل يحبها (من بعيد) ليقينه أن من كان فى مثل ظروفه لا أمل له فى التفكير فى ذلك. وفى الشهور التى أعقبت التخرج وأثناء تردده على أحد سماسرة التشغيل بالمدارس الخاصة، طلب منه الرجل مساعدته فى العثور على خريجة تعمل مدرسة مواد اجتماعية حتى يجد له مكاناً فى مدرسة خاصة. فذهب إلى الكلية حيث كان لها أختان بقسم اللغة الإنجليزية فوجدها معهما مصادفة، وصحبها ووالدها فى اليوم التالى إلى السمسار. وعندما علم أنها عُينت بأحد البنوك بالقاهرة كتب لها وقابلها (فى 23 مايو 1963) وصارحها بحبه واتفق معها على الزواج وباركت أسرته هذه الخطوة، فعقد القرآن فى فبراير 1964، وتم الزواج بعد ذلك بأربعة شهور. ولما لم يكن للبنك فرع بكفر الزيات، نُقلت إلى فرع طنطا،وأقامت معه بكفر الزيات حتى صيف 1966 عندما نُقلت إلى القاهرة تمهيداً لولادة نجله حاتم (24/ 10/ 1966) واستطاع صاحبنا أن يعثر على شقة بحدائق شبرا قرب بيت صهره، ونقل مقر إقامته إلى هناك، وظل يسافر يومياً بالقطار إلى كفر الزيات حتى استقال من خدمة الشركة فى أبريل 1967. وللاستقالة قصة تستحق أن تُروى، فقد حصل صاحبنا على الماجستير بتقدير ممتاز،وزكَّى الدكتور محمد أنيس (عضو اللجنة) نشر الرسالة عند الأستاذ محمود العالم، رئيس هيئة الكتاب عندئذ،واستُقبلت الرسالة استقبالاً حسناً. وسجل موضوعاً لرسالة الدكتوراه "الملكيات الزراعية الكبيرة وأثرها فى المجتمع المصرى 1837- 1914)" وهو موضوع يقتضى العمل على الوثائق المودعة بدار المحفوظات العمومية ودار الوثائق القومية، فكان لابد من التفرغ للدراسة، وقال له أستاذه أحمد عزت عبد الكريم إنه قد دبر له منحة تفرغ يمكنه الحصول عليها إذا وافقت جهة العمل على تفرغه.
كتب صاحبنا طلباً لرئيس الشركة شفيق حنطور يطلب منحه إجازة تفرغ لمدة عام للحصول على الدكتوراه. ولما كان يعلم أن الرفض هو القرار المتوقع، فقد كتب أيضاً خطاب استقالة حمله معه عند مقابلة شفيق حنطور الذى قرأ الطلب المرفق به شهادة تفيد الحصول على الماجستير وأخرى تفيد تسجيله للدكتوراه، قرأ رئيس مجلس الإدارة طلب أجازة التفرغ ثم سأله: "تاريخ ايه اللى رايح تاخد فيه دكتوراه؟ هى دى حاجة تستحق الدكتوراه". وجد صاحبنا الفرصة مواتية لتلقين الرجل درساً لعله لا ينساه، فقال له: "لو أنا مابفهمش كنت قلت لسيادتك دكتوراه فى الزراعة ايه دى اللى انت واخدها، والفلاح المصرى اخترع الزراعة من آلاف السنين، والفلاحين طول عمرها بتزرع من غير دكتوراه، لكن الزراعة علم، والتاريخ كمان علم، والتخصص فى كل منهما يستحق الحصول على درجة الدكتوراه.." فاحتقن وجه الرجل وقال: "طبعاً مش موافق لأن الشركة مالهاش مصلحة فى التاريخ، إمشى يا أفندى على مكتبك وشوف أكل عيشك". فضحك صاحبنا، وقال له: "هذا طلب آخر لا تملك رفضه". وسلمه الاستقالة. فبهت الرجل، وأطرق ملياً، ثم قال: " أنت عيبك انك ما بتقدرش العواقب شاب مندفع، متعرفش مصلحتك فين". ووقع على الاستقالة بالقبول. ورغم أن صاحبنا مدين للشركة من حيث كونها فرصة عمل كانت بالنسبة له طوق نجاة من الشقاء كان الفضل لحكومة الثورة فى حصوله عليها، وبرغم من الخبرات العملية التى كسبها، والتى استثمرها فى حياته العملية ونشاطه الأهلى خير استثمار، ونجاحه فى تحقيق أمله فى الدراسات العليا، وفى الزواج بمن أحب، إلا أنه كان يحس أن بقاءه فى الشركة سوف يعوق حصوله على الدكتوراه، ويبدد أمله فى أن يسير على درب أحمد عبد الرحيم مصطفى. كان القرار نوعاً من المغامرة لأن المنحة الدراسية محدودة المدة تتوقف على وجود الوفر فى الميزانية لتمويلها. ولكنه أقدم عليها دون تردد، على أمل أن يولد له مستقبل آخر جديد.
[تحرير] فى مفرق الطرق
عاد صاحبنا إلى أستاذه أحمد عبد الرحيم مصطفى حاملاً ما يفيد تركه العمل مستقيلاً، فلم يستحسن ذلك الموقف، ولم يستهجنه، وإنما اهتم بسؤال تلميذه عما إذا كان مرتاحاً فى قرارة نفسه بهذا القرار، وعندما رد بالإيجاب، قال له إن أهم شئ أن يكون قرار المرء فى مثل تلك الأمور المصيرية نابعاً من اقتناعه الشخصى بعد إمعان التفكير فيه، وليس نابعاً من الاندفاع وعدم تقدير الأمور. كان ذلك دائماً شأن هذا الأستاذ العظيم مع تلاميذه، ينمى فيهم روح المبادرة، ويشجعهم على الإقدام على ما يقتنعون به، ولا يقف منهم موقف الواعظ. ولكن عندما قابل صاحبنا أستاذه أحمد عزت عبد الكريم، وأبلغه بأنه قد أصبح متفرغاً تماماً للدكتوراه بعد استقالته من الشركة، لامه للإقدام على هذه الخطوة "المتسرعة"، ولفت نظره إلى أن المنحة قد لا تمتد إلى عام آخر لأن الأمر يتعلق بمدى توافر تمويلها من فوائض بنود ميزانية الجامعة، ولكنه عاد فالتمس له العذر لأن التفرغ ضرورى، فدراسة موضوع الدكتوراه تقتضى التواجد فى القاهرة حيث دار المحفوظات العمومية ودار الوثائق القومية، وسأل تلميذه عما سيفعل عندما تنقطع المنحة، وهل فكر فى ذلك الاحتمال عند اتخاذه القرار؟ فرد التلميذ بأن في إمكانه العمل بالتدريس بالمدارس الخاصة أو أداء أى عمل لا يعوق دراسته. أقلقه موقف أستاذه أحمد عزت عبد الكريم، فقد رأى فيه دلائل عدم ارتياح الأستاذ لتصرفه، وخشى أن يسئ الرجل فهم موقفه، فيظن الاستقالة توريطاً له فى ضرورة ضمان استمرار المنحة الدراسية. كان هذا شأن صاحبنا دائماً فى كل أموره فهو يقلب الأمر على مختلف جوانبه، ويتحسب دائماً لأسوأ الاحتمالات، ويضع "السناريوهات" المناسبة لكل منها ويجهد ذهنه فى البحث عن مخرج من كل منها، وبعد مقابلة الأستاذ قرر بينه وبين نفسه أن يبحث عن عمل بالقاهرة فى أى مجال اعتباراً من اليوم التالى. وعندما التقى أستاذه أحمد عبد الرحيم مصطفى بعد بضعة أيام، فوجئ عندما علم منه أن الدكتور أحمد عزت عبد الكريم معجب بحرصه على التفرغ للدراسة إلى حد التضحية بوظيفة تدر عليه دخلاً يزيد على المنحة بمقدار النصف تقريباً، رغم أنه متزوج وأب لطفل ما يزال فى الشهور الأولى من عمره، وأن الأستاذ الجليل قدر للطالب عدم ارتكانه التام إلى المنحة الدراسية.
كان أحمد عزت عبد الكريم يتعامل مع طلابه بأسلوب جيل الآباء فى ذلك الزمان، فهم لا يكشفون حقيقة مشاعرهم تجاه الأبناء، حتى لا تفسدهم عبارات الإطراء والمديح. ويذكر صاحبنا أثناء إعداده الماجستير، وتقديمه الفصول التى يكتبها للأستاذ لمراجعتها وينتظر قلقاً لسماع رأيه وتوجيهاته، ويقدم رجلاً ويؤخر أخرى وهو فى الطريق إلى لقاء أستاذه لمعرفة رأيه فيما كتب، كان يتلقى بعض الملاحظات الشكلية منه، فإذا سأله عن تقديره لما كتب، رد الأستاذ بقوله: "نصف العمى... أهو والسلام... على قد حالك". فيفزع صاحبنا ويسأل الأستاذ عن موطن التقصير وكيفية علاجه، فيقول له "أكمل للآخر وبعدين نشوف شغلك ينفع ولا لأ". يشعر صاحبنا بالإحباط، ويضرب أخماساً فى أسداس حتى يلتقى بأستاذه أحمد عبد الرحيم مصطفى فيفاجأ بقوله: "عمك (يقصد الدكتور أحمد عزت عبد الكريم) مبسوط منك خالص، ومعجب بمنهجك وأسلوبك فى معالجة الموضوع، وبيقول الولد ده حيطلع مؤرخ متميز". وعندما يروى له التلميذ ما سمعه من الأستاذ الجليل، يرد أحمد عبد الرحيم مصطفى بقوله: "كان دايماً يقول لى كده واكتر... هو بيخاف لو عبّر عن ارتياحه لشغل الطالب أن يركبه الغرور... ويرى أن هذا الأسلوب يحفز الطالب على بذل أقصى طاقته لتقديم أفضل ما عنده". حصل صاحبنا على المنحة، وأعاد ترتيب أموره والتزاماته العائلية بما يتوافق مع الوضع الجديد، مع عدم المساس بما كان يساعد به والده، والاقتصاد فى أمور معاش أسرته الصغيرة. وحدث ما كان يتوقعه، فتوقفت المنحة بعد ثلاثة شهور لنفاد البند، فأعاد أستاذه تمويلها (وكان قد أصبح مديراً للجامعة). وتصادف فى الشهر الثالث من تفرغه للدراسة أن نُشر إعلان بالصحف عن شغل وظيفة معيد تاريخ حديث بكلية الآداب جامعة القاهرة، نُص فيه على تفضيل من يحمل درجة الماجستير فى التخصص، فسارع صاحبنا بتقديم أوراقه إلى كلية الآداب، بعد أن سأل الدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفى الرأى، فنصحه بالتقدم ظناً منه أنها إحدى مفاجآت الدكتور محمد أنيس (أستاذ التاريخ الحديث بآداب القاهرة) وكان عضواً بلجنة مناقشة رسالة الماجستير وأبدى إعجابه بالطالب إلى حد استهلال مناقشته للطالب بالقول "لقد قُدر لهذه القاعة أن تشهد مولد مؤرخ جديد من المدرسة الاجتماعية". فاعتبر أحمد عبد الرحيم مصطفى أن الإعلان عن الدرجة فى هذا التوقيت لابد أن يكون مقصوداً، واستطرد قائلاً "ده أسلوب محمد أنيس، لا يكشف لأحد عما عقد العزم عليه". وهكذا تقدم صاحبنا إلى الكلية بأوراقه معتمداً على وجهة نظر أستاذه أحمد عبد الرحيم مصطفى، وعندما التقى أستاذه احمد عزت عبد الكريم فى سمناره الشهير (يوم الخميس من كل أسبوع)، وذلك بعد ثلاثة أيام من التقدم للوظيفة، زف إليه النبأ، ففوجئ يه يغضب ويلومه لتقديمه الأوراق دون الرجوع إليه. ولم يشأ أن يقول له صاحبنا إنه استشار أحمد عبد الرحيم مصطفى، الذى كان حاضراً، ولم يعلق على كلام الأستاذ، الذى أطرق ملياً، ثم قال للطالب بلهجة حازمة "لازم أشوفك بكرة الساعة العاشرة صباحاً".
وفى العاشرة من صباح الجمعة كان يجلس إلى الأستاذ الجليل فى منزله بمنشية البكرى، الذى بادره بالقول: "انت فاكر الحكاية إيه؟ هى وكالة من غير بواب؟ إزاى تخش إعلان مش بتاعك؟" فرد صاحبنا " يا افندم دا إعلان عن وظيفة خالية منشور فى الصحف يعنى مفتوح لأى مواطن مصرى، ولما كنت مواطناً مصرياً، رأيت من حقى أن أتقدم طالما كانت الشروط تنطبق علىّ". وأطرق ملياً ثم استطرد قائلاً: "أنا فاهم تماماً أن الجامعة يحكمها قانون يحدد طريقة فرز وتقييم المتقدمين، ولابد أن يكون هو واحداً بين مجموعة من المتقدمين، قد يكون بينهم من يفضله، ولكنه لا يجد مبرراً يمنعه من التقدم للوظيفة". هنا قال الأستاذ: "الإعلان ده نازل لواحد معين، ودخولك معاه يسبب لنا الحرج، ومفيش حل غير أنك تروح بكرة تسحب ورقك" بهت صاحبنا، ونفر عرقه الصعيدى (كما يفعل دائماً عندما يحس أن ثمة شبهة مساس بكرامته) وقال للأستاذ: "يا افندم أنا مواطن لى نفس حقوق من نزل الإعلان خصيصاً له... والصالح العام يقتضى أن تُعطى الفرصة للأفضل، فإذا كان يفضلنى فهذا حقه، أما إذا كنت أفضله فلن أتنازل عن حقى... ولا أرى فى ذلك ما يسبب الحرج لسيادتكم". تنهد الأستاذ وسادت فترة صمت مطبق، فهم الطالب منها أنها دعوة للانصراف، فاستأذن فى الانصراف، وهنا قال الأستاذ: "ما فكرتش تتصل بالدكتور محمد أنيس وتستأذنه قبل التقديم"، فأجاب بالنفى لأنه ظن أن الإعلان دعوة عامة للمتقدمين، لا يتطلب استئذان أحد، وأنه سوف يتصل بالدكتور محمد أنيس إذا رأى الأستاذ ذلك، فنصحه الأستاذ بالاتصال به، وأن يبادر بسحب أوراقه إذا أبدى أنيس استياءً من دخوله الإعلان أو عدم الترحيب به.
خرج صاحبنا من بيت الأستاذ ليتصل بالدكتور أنيس من أول تليفون صادفه، وعندما ذكر اسمه رحب به الدكتور أنيس وقال له أنه كان على وشك الاتصال بالدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفى ليكلف صاحبنا بالاتصال به، لأنه زكَّى نشر الرسالة عند محمود العالم رئيس هيئة الكتاب، وطلب منه الاتصال بالأستاذ العالم، وأعطاه أرقام تليفوناته بالمكتب والمنزل، ولم يشر إلى الإعلان عن وظيفة المعيد من قريب أو بعيد، فأبلغه صاحبنا بما أقدم عليه، فقال: "كويس أنك قدمت.. هايل". وانتهت المكالمة بالشكر على تدبير فرصة النشر. اتصل صاحبنا بأستاذه أحمد عزت عبد الكريم، وأبلغه بتفاصيل ما دار بينه وبين محمد أنيس فى المكالمة التليفونية فقال: "إوعى تعلق أمل على الكلام.. لأن معنى كده تجميد الإعلان ... على كل شوف شغلك، وشيل الموضوع ده من دماغك". كان صاحبنا يحلم بأن يجد لنفسه مكاناً بين أعضاء هيئة التدريس بالجامعة، ظناً منه أنها المؤسسة المثلى فى البلاد باعتبارها تضم صفوة عقول الأمة، وظناً منه أنها المؤسسة الوحيدة بمصر التى يُحدد موقع الفرد فيها حسب قدراته العلمية، وأن العطاء العلمى هو معيار التقييم فى الجامعة، فكانت تلك البداية لا تبشر بالخير. وفى الأسبوع التالى التقى أستاذه أحمد عبد الرحيم مصطفى، وعلم منه بتفاصيل الموضوع كما سمعه من الدكتور أحمد عزت عبد الكريم ومن الدكتور محمد أنيس، فالدرجة أُعلن عنها خصيصاً لسكرتير مدير جامعة الإسكندرية الذى حصل على درجة الماجستير من قسم التاريخ بآداب الإسكندرية بتقدير ممتاز. وطلب رئيس الجامعة من رئيس قسم التاريخ هناك أن يعلن عن درجة معيد خالية بالقسم ليُعين عليها السكرتير، فرفض رئيس القسم. ولما كان السكرتير أثيراً لديه، فقد طلب من صديقه الحميم عبد اللطيف أحمد على (عميد آداب القاهرة) أن يؤدى له خدمة بتعيين السكرتير معيداً بآداب القاهرة، ثم يتم نقله بعد ذلك بدرجته إلى آداب الإسكندرية، وهو إجراء يدخل فى سلطة مدير الجامعة، ولا يملك رئيس قسم التاريخ بآداب الإسكندرية الاعتراض على النقل، ولما كان عبد اللطيف أحمد على رئيساً لقسم التاريخ (فى الوقت نفسه) فقد اتخذ قرار الإعلان دون الرجوع إلى الدكتور محمد أنيس أستاذ التاريخ الحديث، ومن هنا جاء ترحيب أنيس بتقدم صاحبنا إلى الدرجة، لأنه يتميز فى درجات الليسانس عن الشخص الذى نُشر الإعلان من أجله، وبذلك يحبط مساعى العميد، فيضطر إلى تجميد الإعلان وينتهى الموضوع عند هذا الحد.
عجب صاحبنا للطريقة التى تُدار بها أمور التعيين فى سلك أعضاء هيئة التدريس، وشعر بخيبة الأمل والمرارة لأنه رأى فى هذه الواقعة لوناً من الفساد أخطر مما رآه فى الشركة التابعة للقطاع العام التى استقال منها. وزاده هذا الموضوع إصراراًَ على التمسك بموقفه. وعندما أبلغ أستاذه أحمد عبد الرحيم بذلك قال له: "كيفك.. بس لو اضطروا يعينوك حيحطوك فى دماغهم، وعبد اللطيف أحمد على لن يغفر لك"، ووجه انتباه صاحبنا إلى أن المنحة الدراسية التى خصصها له الدكتور أحمد عزت عبد الكريم هى مقدمة لتعيينه معيداً بآداب عين شمس، وأن عليه التذرع بالصبر، وأن يستجيب لنصيحة الدكتور أحمد عزت عبد الكريم ويسحب أوراقه. فأصر صاحبنا على موقفه، وأكد لأستاذه أن خوض التجربة حتى نهايتها ضرورى بالنسبة له حتى يرى مدى التناقض بين الشعارات المرفوعة والمبادئ المعلنة، وبين الممارسة على أرض الواقع. كان صاحبنا يتميز على المتقدم الآخر فى الماجستير باقتران تقدير الامتياز بالتوصية بطبع الرسالة على نفقة الجامعة، وفى الليسانس بزيادة مجموع درجاته عن درجات المتقدم الآخر، فاتخذ مجلس كلية الآداب قراراً بأن يكون معيار تحديد الأصلح للوظيفة هو درجات التاريخ الحديث بالليسانس، وطالب المتقدمين بتقديم شهادات معتمدة بدرجات التاريخ الحديث. ولما كانت درجات صاحبنا فى التاريخ الحديث تزيد فى مجموعها أكثر من عشر درجات عن المتقدم الآخر، فقد أُسقط فى يد العميد، لأنه وجه مجلس الكلية إلى الأخذ بمعيار لم يعد هناك مفراً من الالتزام به، فقرر المجلس تعيين صاحبنا فى الوظيفة. وهكذا، قُدر لصاحبنا أن يصبح معيداً للتاريخ الحديث بقسم لا يرغب فى انضمامه إليه، ويعتبره دخيلاً، فهو من عين شمس، وكان أساتذة جامعة القاهرة تتملكهم عقدة استعلاء على جامعة عين شمس، وفجع كثيراً عندما وجد العقدة نفسها عند محمد أنيس. فى أول لقاء معه بعد تسلم العمل بالكلية فاجأه محمد أنيس بطلب تحويل الإشراف على رسالته للدكتوراه إلى آداب القاهرة، متعللاً باختلاف المستوى فى جامعة القاهرة عنه فى عين شمس، ولابد من الاطمئنان إلى سلامة تكوينه العلمى حتى يُعين مدرساً بآداب القاهرة بعد حصوله على الدكتوراه، أما إذا حصل على الدكتوراه من عين شمس، فقد يظل معيداً إلى الأبد!!
أحس صاحبنا بالامتهان، ونفر العرق الصعيدى عنده من جديد، وقال للأستاذ المرموق: "إننى مندهش لسماع هذا الكلام منكم، فلم يمض على اشتراككم فى مناقشى رسالتى للماجستير سوى عام واحد، ولازال الجميع ممن حضروا المناقشة يذكرون امتداحكم للرسالة وصاحبها، فهل كان ذلك مجرد مجاملة لآل عين شمس، أم كان تعبيراً عن قيمة العمل؟ إننى لو طلبت منكم نقل الإشراف على الدكتوراه إليكم لوجب عليكم احتقارى ورفض طلبى، لأننى لو أدرت ظهرى اليوم لأساتذتى الذين لعبوا دوراً كبيراً فى تكوينى، كان ذلك دليلاً على انتهازيتى ونكرانى للجميل، وكان معناه أننى سوف أبيعكم عندما تسنح لى أول فرصة... إن ما تطلبه منى مستحيل التحقيق لأنه يتناقض مع خلقى". فأدار له الأستاذ ظهره وانصرف غاضباً، وظل يهمله تماماً نحو أربعة شهور، ثم ذاب الجليد بين الطرفين تدريجياً، ولكن ظل صاحبنا طالباً للدكتوراه بآداب عين شمس، حيث حصل على الدكتوراه فى يناير 1971. كان قسم التاريخ بآداب القاهرة مقسماً إلى شيع وأحزاب، لا علاقة للعلم ومدارسه بها، بل كان العلم لا يظهر على السطح إلا لخدمة غرض شخصى إن إيجاباً أو سلباً. ولكن البحث العلمى، والمنافسة فى مجاله، كانت بعداً غائباً فى ذلك القسم، أحقاد وإحن وصراعات قديمة بدأت بين جيل الرواد، أورثها كل منهم لتلاميذه الذين أجادوا الزلفى والملق حتى يستطيعوا الحياة فى ذلك المناخ غير الصحى، فالويل كل الويل لمن يكتشف أستاذه أن له صلةً بمعسكر خصمه، وكما يحدث فى الخصومات السياسية، كان كل طرف يقرب إليه من ينقل أخبار الطرف الآخر، وأجاد بعض هؤلاء لعبة "العميل المزدوج" حتى يضمن مساندة الجميع له بحسبانه من أتباعهم، فإذا كُشفت لعبته كان فى ذلك نهايته.
ساعد على إشاعة تلك السلبيات بين طلبة الدراسات العليا بالقسم، أنه كاد يخلو من المعيدين، فلم يكن به (حين تسلل صاحبنا) سوى أربعة معيدين، واحد فى كل فرع من فروع التخصص الأربعة: قديم، وإسلامى، ووسيط، وحديث. وكان صاحبنا الخامس بين المعيدين والثانى بين معيدى التاريخ الحديث. وظلت الحال على هذا المنوال حتى أواخر عقد السبعينيات عندما حصل كل المعيدين على الدكتوراه (فيما عدا معيد تاريخ حديث استقال لمرور خمس سنوات دون حصوله على الماجستير) ولم يعد هناك معيد واحد. ولم يفتح رئيس القسم عندئذ الباب لتعيين معيدين جدد، بل واربه قليلاً لتعيين بنت أحد أساتذة القسم التى حصلت على الليسانس من الكويت أثناء وجود أبيها بالإعارة هناك، ثم عُينت بضعة شهور بآداب المنيا، لتُنقل إلى آداب القاهرة، أما المعيدة الأخرى التى تم تعيينها فكانت ابنة أحد أصدقاء رئيس القسم. فلم تكن تربية الكوادر من اهتمام ذلك القسم، والكثير من أقسام الكلية الأخرى، بحجة الحاجة إلى التدقيق فى الاختيار، ونادراً ما كان ذلك الاختيار يصيب أصحاب الكفاءة، فإذا أصاب بعضهم كانت الزلفى للأستاذ الباب الذى يوصله إلى نيل حقه. وهكذا ظل التطلع إلى التعيين يراود طلاب الدراسات العليا (وهو تطلع مشروع ما فى ذلك شك)، ولكن السعى لتحقيقه جعل الكثيرين يتخذون مواقعهم فى أحد المعسكرات التى وجدت بالقسم، مع محاولة استدرار عطف أحد المعسكرات الأخرى خفية. جو خانق غريب واجهه صاحبنا، ذلك الدخيل الذى هبط على القسم دون استئذان. حاول فى البداية أن يقيم علاقة طبيعية مع الجميع، فلم يلق استجابة سوى من الدكتور سعيد عاشور الذى درس عليه فى مرحلة الليسانس بآداب عين شمس، أما عبد اللطيف أحمد على الذى درس عليه أيضاً وتأثر –علمياً- به تأثراً كبيراً فكان لا يطيق رؤية ذلك المعيد الذى أفسد عليه فرصة تقديم خدمة لصديقه مدير جامعة الإسكندرية، حاول –ذات مرة- إهانته أمام الملأ بعد إحدى المحاضرات بمقر الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، فناداه: "إنت يا ..إنت" فلم يرد عليه وتجاهله، فكرر النداء "إنت ياعباس... إزاى تكون بتشتغل عندى وما بتجيش الكلية؟!" فرد عليه بصوت جهورى: "أنا مش شغال عند سيادتك أنا معيد بجامعة القاهرة ورئيسى المسئول عن متابعة عملى هو أستاذ التخصص"، فرد العميد: "لكن عليك واجبات للقسم لازم تعملها، تعالى قابلنى بكرة الساعة عشرة".
كان صاحبنا حريصاً على ملازمة الدكتور أنيس يوم وجوده بالكلية، وكان لا يحضر سوى يوم الخميس لإلقاء محاضرته على طلبة الليسانس، حيث كان مشغولاً بمهام موقعه فى الاتحاد الاشتراكى بأمانة الدعوة والفكر، بالتدريس بمعهد الدراسات الاشتراكية، وحيثما وُجد أنيس بالكلية أحاط به الأصدقاء والمريدون: صحافيون، بعض أساتذة الجامعة، وغيرهم، فكانت حجرة التاريخ الحديث تزدحم بهم يوم الخميس، وتصبح قاعاً صفصفا بقية أيام الأسبوع. وكان صاحبنا يحضر فى التاسعة صباحاً، لأن الأستاذ يلقى محاضرته فى الثامنة وينهيها فى التاسعة (بدلاً من العاشرة)، ثم يقضى الوقت حتى الواحدة أو الثانية بعد الظهر فى أحاديث تتناول الشأن العام، يطرح فيها على زواره تحليله للمواقف السياسية، ويردها إلى أصولها التاريخية بأسلوب منهجى أخاذ. وكانت مواظبة صاحبنا على حضور تلك الجلسة (رغم تجاهل أنيس له لمدة ثلاثة شهور أو أربعة على الأقل)، ومشاركته فى المناقشات، وطرح رأيه فيما يتم النقاش حوله، سبباً فى إذابة الجليد وجسر الفجوة التى حرص الدكتور أنيس على وجودها خلال فترة التجاهل، وتحولت العلاقة إلى ود وصداقة كادت تصل إلى مستوى علاقته بأستاذه أحمد عبد الرحيم مصطفى. وفى مجلس أنيس تعرف صاحبنا إلى أحمد عباس صالح، وسعد زهران، وإبراهيم صقر، وحسام عيسى، وحلمى شعراوى، وجلال السيد. وعرف عن طريقه كامل زهيرى، ومحمود العالم، وغيرهم. فكان لهذه الجلسات دورها الأساسى فى تكوينه الفكرى والمنهجى. كما أتاح محمد أنيس له فرصة الكتابة بمجلة "الكاتب" (وكان عضواً بمجلس تحريرها)، كما أشركه فى "قسم الأبحاث" الذى أقامته جريدة الجمهورية رداً على إقامة جريدة الأهرام لمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية (وكان التنافس على أشده عندئذ بين دار التحرير والأهرام) فكان أنيس مشرفاً على القسم، يعمل معه جلال السيد، وفتحى عبد الفتاح، وأميمة أبو النصر (من محررى الجمهورية) إلى جانب بعض المتخصصين من الخارج يذكر منهم جمال نوير، وآخرون من المتخصصين فى الاقتصاد والتخطىًط والعلوم السياسية، انتقاهم الدكتور أنيس من بين تلاميذه بالمعهد الاشتراكى، إضافة إلى صاحبنا الذى انضم إلى القسم كخبير بشئون العمل والعمال والنقابات. واتجه جل نشاط القسم إلى معالجة قضايا التنمية بمختلف أبعادها: الاقتصادية والاجتماعية، والسياسية والثقافية، والبحث فى أسس تهيئة المناخ لنجاح التجربة الاشتراكية. وكانت البحوث تُنشر على صفحة كاملة من "الجمهورية" بعدد الخميس (الأسبوعى)، ولكن بعد أن تخرج من تحت يد الرقيب، ويذكر صاحبنا أنه قدم دراسة عن أوضاع العمال فى القطاع العام ليُنشر على صفحة كاملة فحولها الرقيب إلى ربع صفحة، لا يستطيع القارئ -مهما بلغ من الذكاء- أن يفهم منها شيئا، فقد حُذفت فقرات كاملة متتالية، هنا وهناك، ثم أعيد صف ما بقى من فقرات بعضها وراء البعض، دون أن تُعاد صياغتها. وترك أنيس قسم الأبحاث بعد خلاف مع فتحى غانم (رئيس التحرير عندئذ) وأصبح نبيل عبد الفتاح مشرفاً على القسم، فاشترك صاحبنا معه فى المجموعة التى تدرس أوضاع القطاع العام فى صياغة ما بقى من حلقات الدراسة، وجاء النشر مهيناً لكل من يحرص على سمعته، بعدما أطاح مقص الرقيب أو قلم رئيس التحرير بمعظم الفقرات التى تكشف السلبيات المترتبة على أسلوب إدارة القطاع العام، فآثر ترك القسم. كذلك أشرك الدكتور أنيس صاحبنا معه فى "مركز تاريخ مصر المعاصر" التابع لدار الكتب والوثائق المصرية منذ تأسيسه على يديه حتى قبيل تنحيه عن الإشراف عليه، فعمل صاحبنا معه مشرفاً على الباحثين إلى جانب بعض أعضاء هيئة التدريس، وشهدت فترة العمل بالمركز فتور العلاقة ثم توترها لأسباب تتعلق بشخصية صاحبنا، وحساسيته الشديدة لما يرى فيه استغلالاً ماساً بكرامته، ورغم أنه واجه الأستاذ القدير بموقفه صراحة، وجهاً لوجه دون أن يشرك فى ذلك طرفاً ثالثاً، لم يقبل الأستاذ بذلك وبالغ فى موقفه، فكان يصف صاحبنا-كلما سمع اسمه- بأنه كان "عميلاً للمباحث" دُس عليه دساً. ورغم ذلك يبقى فضل محمد أنيس على صاحبنا عميماً فقد تعلم منه الكثير، رغم أنه لم يكن تلميذاً مباشراً له، وكان له فضل إتاحة الفرصة أمامه لنشر رسالته للماجستير التى استُقبلت استقبالاً حسناً من الوسط الثقافى، وحظيت بثلاثة عروض فى مصر وعرض بسوريا وآخر بالمغرب، فى أهم الدوريات الثقافية والسياسية، فإذا أضفنا إلى ذلك فرصة النشر فى "الكاتب"، وفى "الجمهورية" أيام قسم الأبحاث، أدركنا أن الذيوع النسبى لاسم صاحبنا فى الوسط الثقافى الوطنى على نحو لم يتحقق لمن برز من أقرانه إلا بعد عدة سنوات، يعود الفضل فيه لمحمد أنيس دون أدنى شك. ويحرص صاحبنا فى كل مناسبة عامة أو خاصة على تأكيد انه مدين فى تكوينه العلمى لثلاثة من أعظم أساتذة التاريخ الحديث فى مصر والوطن العربى هم: أحمد عزت عبد الكريم، وأحمد عبد الرحيم مصطفى، ومحمد أحمد أنيس. وسيظل هذا موقفه إلى أن يلقاهم جميعاً فى رحاب الله، عندما تفرغ كأس الأجل. وبرغم من أهمية دور أحمد عبد الرحيم مصطفى فى تكوين صاحبنا واتساع نطاقها، إلا أن دور أحمد عزت عبد الكريم كان تأسيسياً تطبيقياً، فإذا كان قد تعلم المنهج من عبد الرحيم وأنيس، فقد تعلم أصول الكتابة، وفن تحرير الأعمال العلمية المشتركة، وتنظيم الندوات العلمية وإدارتها، وأصول الترجمة، تعلم ذلك كله على يد أحمد عزت عبد الكريم، وظل يتعلم منه حتى قبيل رحيله عندما ساعده فى تحرير الكتاب الذى ضم بحوث ندوة "البحر الأحمر فى التاريخ والسياسة المعاصرة" الذى قُدم للمطبعة قبل وفاة الأستاذ الجليل بأسبوع واحد، وصدر عقب وفاته.
وما تعلمه صاحبنا من منهج ومهارات علمية على أيدى أولئك الأساتذة العمالقة الثلاثة، كان بمثابة العمد الأساسية التى قام عليها بناء قدراته العلمية، وحياته الأكاديمية. والكثير من القيم الخلقية الأكاديمية التى التزم بها، تعود إلى تأثير أحمد عزت عبد الكريم وأحمد عبد الرحيم مصطفى فى تكوينه.
ولعزت عبد الكريم مكرمة لا تُنسى يدين له بها صاحبنا، عندما نصب رجال المباحث العامة شباكهم حوله وهو فى مفرق الطرق عشية حصوله على المنحة الدراسية، فقد كان محمد يوسف المدرك من بين المصادر التى اعتمد عليها أثناء إعداده رسالة الماجستير عن الحركة العمالية فى مصر، وكان نقابياً شيوعياً، وقيادياً على مستوى الحركة العمالية الدولية، تم اختياره عام 1946عضواً بمجلس إدارة اتحاد النقابات الدولى، وقد التقاه صاحبنا غداة خروجه من المعتقل بعد خمس سنوات ونصف قضاها بسجن أوردى أبو زعبل ومعتقل الواحات، وقدم لصاحبنا مادة هامة. وبعد انتقال صاحبنا للإقامة بالقاهرة عام 1966 فى أعقاب حصوله على الماجستير استمر على صلة بمحمد يوسف المدرك. فكان المدرك يزوره كل يوم جمعة بمنزله بحدائق شبرا، ويقضى سحابة اليوم معه، يصليان الجمعة سوياً، ويتناول الغذاء مع أسرته الصغيرة، وينصرف حوالى الخامسة أو السادسة مساء. وكان هذا الوقت يُقسم بين مناقشة تدور حول الحركة الشيوعية، ودور العمال فيها. وحول ذكرياته التى كان يصوغها صاحبنا فى سلسلة من المقالات تُنشر بنشرة الثقافة العمالية باسم المدرك لقاء خمسة جنيهات عن كل مقال من المقالات الذى بلغت عشر مقالات، لم ينُشر منها إلا حوالى خمسة، حصل المدرك نظيرها على 25 جنيها فى وقت لم يكن يملك فيه قوت يومه، وكان لعاصم الدسوقى (صديق عمره) فضل المساعدة على نشر المقالات، التى ربما جاء توقف نشرة الثقافة العمالية عن نشرها لأسباب تتصل بما تعرض له صاحبنا.
كان المدرك تحت رقابة المباحث العامة الذى رصدت تردده على بيت صاحبنا. وتلقى الأخير استدعاء من المباحث لمقابلة النقيب أحمد إدريس فى السادسة من مساء اليوم التالى، فذهب إلى هناك ليلتقى ذلك الضابط الصغير المغرور الذى "لطعه" ساعتين قبل أن يستقبله ليبدأ معه ما كان شبيهاً بالتحقيق بحضور كاتب يسجل كل كلمة، وبعد نحو الساعة من الأسئلة الغريبة عن تاريخ حياته وعلاقاته وأقاربه وأصدقاءه، سأله أحمد إدريس عن اسم لم يرد فى إجاباته هو محمد يوسف المدرك. ورد عليه صاحبنا بقوله: " ياه.. كل الهيصة دى عشان المدرك... ده حطام إنسان.. ولو كان فى بلد ثانية لنال ما يستحق من تكريم... يتعمل له تمثال". فأصاب السعار أحمد إدريس، وطلب من الكاتب تسجيل كل تلك الكلمات. وانتهى التحقيق حوالى التاسعة مساء فى. طالباً منه ألا أذكر هذا اللقاء لأحد، وأن يبقيه سراً حرصاً على مصلحته.
وبعد أسبوعين تلقى استدعاء آخر لمقابلة الضابط حسن المصيلحى (رئيس قسم مكافحة الشيوعية) فى السادسة من مساء اليوم التالى، ولم يستبقه المصيلحى سوى نصف ساعة قابله بعدها، ودار معه حديث حول المدرك بدأه المصيلحى بقراءة العبارات السابقة التى ذكرها صاحبنا فى التحقيق الذى أجراه أحمد إدريس معه. واتجه صاحبنا فى تبرير استمرار صلته بالمدرك بالعطف على رجل فى حاجة للمساعدة، مؤكداً أن الوقت الطويل الذى يمضيه فى بيته يتحدث فيه عن ذكرياته. واحتج على طريقة الاستدعاء التى تجعله موضع الشبهات عند جيرانه، وعرض على المصيلحى أن يبقى عندهم حتى يتأكدوا من سلامة موقفه، فضحك المصيلحى قائلاً: "دا احنا ضيافتنا صعبة، ربنا يكفيك شرها"، وبعد أن تصفح نسخة من رسالة الماجستير المنسوخة على الآلة الكاتبة (ولم يكن الكتاب قد ظهر بعد) وأبدى بعض الملاحظات حول ما وقعت عليه عينه من معلومات، واحتفظ بالنسخة لديه، وطلب من صاحبنا أن يتصل به تليفونيا (وأعطاه الرقم) بعد أسبوعين ليحدد له موعداً يتناقش معه فيه حول ما جاء برسالته. وانتهى اللقاء حوالى الساعة الثامنة والنصف مساء.
ولما كان صاحبنا قد ذكر للمصيلحى أن موضوع الماجستير من اختيار الدكتور أحمد عزت عبد الكريم، فقد حرص على إبلاغ ذلك لأستاذه حتى يكون على علم بما ذكره بهذا الخصوص، فاتصل به تليفونيا فور خروجه من المباحث العامة بلاظوغلى، و طلب مقابلةً عاجلةً معه، فسأله عن المكان الذى يتحدث منه، فقال له: "لاظوغلى"، فطلب منه الحضور على الفور، ووصل إلى منشية البكرى حوالى العاشرة مساء، ووجد الأستاذ الجليل فى انتظاره فى شرفة منزله. وأطلعه على جلية الأمر، فاستحسن ما ذكره للمصيلحى من نسبة اختيار الموضوع إليه، ونصح تلميذه بقطع علاقته بالمدرك، وطلب منه أن تتولى زوجته الاتصال بالأستاذ تليفونياً إذا تعرض للاعتقال فى أى وقت مساء اليوم نفسه أو صباح اليوم التالي للاعتقال، وطلب منه الحضور إلى مكتبه بالجامعة العاشرة صباحاً. قضى صاحبنا ليلةً قلقةً لم يذق فيها طعم النوم إلا عند الفجر، وهُرع فى الصباح إلى مكتب مدير الجامعة بقصر الزعفران حيث التقى أستاذة فى العاشرة، فقال له ألا يذهب إلى لقاء أحد من ضباط المباحث العامة إذا استدعوه، وأن يتصل به فور تلقيه أى استدعاء، وأكد له أن الموضوع انتهى ولكن عليه قطع صلته بالمدرك، وكان ذلك أشق الأمور على نفسه، ولكنه استجاب لطلب أستاذه الذى أنقذه من التعرض لمتاعب لا قبل له بها، كان أبسطها الاعتراض على تعيينه بالجامعة الذى تم بعد أربعة شهور من تلك الواقعة، فكان موقف أحمد عزت عبد الكريم أبوياً نبيلاً وشجاعاً. حصل صاحبنا على درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى مع التوصية بطبع الرسالة على نفقة الجامعة، وذلك فى يناير 1971، وتقدم إلى رئيس قسم التاريخ بآداب القاهرة (الدكتور محمد جمال الدين سرور) بطلب -للإعلان عن درجة مدرس- يفيد حصوله على الدكتوراه، مرفقاً به شهادة من جامعة عين شمس، فقال له رئيس القسم: "لا يا سيد.. انت من عين شمس ومكانك مش هنا.. كمان الدكتور أنيس مش عايزك". فنفر العرق الصعيدى مرة أخرى، ورد صاحبنا على رئيس القسم بقوله: " يادكتور أنا مش شغال فى طابونة، تقوللى مش عاوزينك خد حسابك وروَّح.. ولا أنا خدام عندك ولا عند الدكتور أنيس أنا أعمل فى مؤسسة يحكمها قانون، وقد قدمت لك طلب مكتوب فرد علىّ كتابة بالرفض إن شئت، وسوف أحصل على حقى شئتم أم أبيتم". فقال الرجل: "يابنى انا ماليش ذنب، لا القسم عاوزك، ولا أستاذ التخصص عاوزك وأنصحك ترجع للدكتور عزت عبد الكريم".
كان الدكتور محمد أنيس قد أُعير لجامعة قسطنطينة بالجزائر عندما دعته ظروف خاصة إلى الابتعاد عن مصر مدة عام. وقيل أنه قبل سفره طلب من يحيى هويدى (عميد الكلية) ورئيس القسم (محمد جمال الدين سرور) ألا يتم الإعلان عن وظيفة مدرس عند حصول صاحبنا على الدكتوراه إلا بعد عودته من الإعارة، ولم يكن القانون يسمح عندئذ بالترقية من وظيفة إلى أخرى بغير طريق الإعلان، بقصد إتاحة الفرصة أمام الجامعة للحصول على أفضل وأكفأ العناصر. ولكن هذه الآلية أسيء استخدامها لإذلال من يحرص على كرامته ويأبى التزلف للأساتذة، فتُمط الإجراءات لتستغرق شهوراً بالنسبة لوظيفة مدرس، أو يتم الإمعان فى إذلال المعيد الذى يُعلن له عن وظيفة مدرس بتحريض بعض حملة الدكتوراه لمنافسته فى الإعلان، وقد يُعين آخر من الخارج، ويُهدر حق المعيد فى التعيين. ويزداد استخدام الإعلان أداة لإذلال من يستحق الترقية لوظيفة أستاذ مساعد أو أستاذ، وقد تُستخدم معايير التقييم المزدوجة لتعيين متقدم من الخارج لأسباب لا يدخل العلم طرفاً فيها. وإذا كان قانون تنظيم الجامعات الحالى قد حاول حل تلك المعضلة، فقضى بتكليف أوائل الخريجين معيدين بأقسامهم وفق شروط معينة، ونص على ترقية عضو هيئه التدريس فى حالة إجازة لجنة الترقيات لأعماله، بطريقه آلية دون الحاجة إلى إعلان، فإن هذا (الإصلاح) حوَّل الجامعة إلى مصلحة حكومية، وملأها بالموظفين الذين يحملون درجات الأستاذية، دون أن تكون لهم مقوماتها وخصائصها.
ذهب صاحبنا إلى الدكتور أحمد عزت عبد الكريم ليجده على علم بالتفاصيل عن طريق يحيى هويدى (عميد الكلية) ومحمد جمال الدين سرور (رئيس القسم). ونصحه الأستاذ بصرف النظر عن المطالبة بالتعيين بآداب القاهرة والانتظار إلى أبريل ( بعد ثلاثة شهور) ليتم الإعلان عن درجة مدرس بآداب عين شمس يتقدم لها، ويعود بعد ذلك إلى بيته العلمى بعد الاغتراب، فرفض صاحبنا التنازل عن حقه الذى كفله له القانون، وعندما سأله الأستاذ عن السبب، "هل لأن جامعة القاهرة لها قبة وجامعة عين شمس مالهاش؟" أجاب صاحبنا "أن ذلك يعنى عنده الإهانة والانكسار، وهو لا يقبل بهما". فعاد الأستاذ الجليل النبيل يلفت نظره إلى أن إصراره على التعيين سيؤدى فى النهاية إلى تعيينه، ولكن الإجراءات ستتأخر شهوراً طوال، فإذا عُين مدرساً سيبقى كذلك إلى الأبد، لأنهم لن يعلنوا له عن وظيفة أستاذ مساعد عندما يستحق الترقية. فقال صاحبنا لأستاذه: "سوف اتبع حكمة جحا عندما قبل مهمة تعليم الحمار الكلام" ضحك الرجل، وقال له (للمرة الأولى فى حياته): "يعجبنى فيك الاعتداد بالنفس، والتمسك بحقك، حاول معاهم فإذا لم توفق، مكانك محفوظ بآداب عين شمس". عاد صاحبنا لمقابلة رئيس قسم التاريخ بآداب القاهرة وأبلغه انه أقنع الدكتور عزت بوجهة نظره، ولذلك يطلب رداً مكتوباً على طلبه السابق، فوعده الرجل خيراً. وبعد أسبوع عُقدت الجلسة الشهرية لمجلس القسم واتخذت قرارها "بإنشاء" درجة مدرس، وأبلغه رئيس القسم شفهياً بالقرار. وعندما ذهب إلى إدارة شئون أعضاء هيئه التدريس للاستعلام عما تم أحالوه إلى مدير الميزانية (محمود غباشى) الذى أفهمه أن القرار يُقصد به تعطيل تعيينه لمدة عامين لأن إنشاء الدرجة يقتضى موافقة الجهاز المركزى للتنظيم والإدارة، وهى إجراءات تستغرق عاما، ولا يتم إنشاء الدرجة إلا فى ميزانية السنة التالية لها. أما القرار المناسب فهو "تدبير" درجة، لأن هناك 300 درجة مدرس بكل جامعة بقرار من جمال عبد الناصر منذ مؤتمر المبعوثين الذى عُقد بالإسكندرية فى منتصف الستينات ليتم الإعلان عن الدرجة فوراً عند عودة المبعوث أو حصول أحد المعيدين بالداخل على الدكتوراه. وبعدما استعلم مدير الميزانية من بعض المصادر الخاصة به عن سبب موقف القسم والكلية من هذا المعيد، وتأكد من أن المسألة مجرد الرغبة فى إذلاله، تعاطف معه وأعد مذكرة لرئيس الجامعة مستخدماً كلمة "تدبير" درجة، وحصل على موافقة رئيس الجامعة فى الحال، وحمل بنفسه خطاب الرد على طلب الكلية وسلمه بنفسه إلى العميد. استمر القسم فى لعبة المماطلة، فاتخذ بعد شهر قراراً بتخصيص الدرجة للتاريخ الحديث، وفى الشهر التالى له اتخذ قراراً بالإعلان عن الدرجة، وهى آلية التأخير المعتادة التى تحول قراراً يمكن اتخاذه فى جلسة واحدة، إلى ثلاثة قرارات. فإذا أضفنا شهراً للإعلان وشهرين للفحص استغرقت العملية كلها ستة شهور، وهى تتم اليوم فى ظل القانون الحالى فى شهر واحد. بعد سبعة شهور من الحصول على الدكتوراه عُين صاحبنا مدرساً، ولم يُتخذ القرار إلا بعد عودة محمد أنيس من الإعارة، وظل منبوذاً حتى سفره إلى اليابان فى مهمة علمية، فكان نصيبه من أعباء التدريس مادة واحدة (تاريخ مصر الحديث) لطلبة ليسانس المكتبات، وعندما عاد من اليابان قام بتدريس المادة ذاتها مدة عامين حتى أُعير إلى قطر. ولم ينل فرصته كاملةً للتدريس بالقسم إلا بعد عودته من الإعارة، وكان قد أصبح أستاذاً مساعداً.
[تحرير] فى بلاد الشمس
بعد مرور شهر واحد على حصوله على الماجستير تعرف صاحبنا إلى باحث يابانى كان يقضى عامين بمصر لجمع المادة العلمية والكتب والاتصال بالأساتذة، وكان نشاطه العلمى بالقاهرة تحت إشراف الدكتور محمد أنيس، الذي أعلمه برسالة صاحبنا ومن ثم فقد حرص على لقائه، ورتب اللقاء سيد سالم -أحد تلاميذ أنيس- فى بيته بالسيدة زينب، حيث دار حديث بالإنجليزية بين الطرفين على مدى ساعتين. أما الباحث اليابانى فهو إيتاجاكى يوزو الذى كان يعمل-عندئذ-بمعهد لغات وثقافات آسيا وأفريقيا التابع لجامعة طوكيو للغات الأجنبية، وقد انتهت مهمته العلمية بعد هذا اللقاء بثلاثة شهور (مارس 1967). فى أبريل (1969)، جاء باحث ياباني آخر إلى القاهرة فى مهمة علمية مدتها عامين هو هاياشى تاكيشى، وينتمى إلى "معهد اقتصاديات البلاد النامية" بطوكيو، وكانت لديه معلومات سابقة عن صاحبنا من زميله إيتاجاكى ولم يطل بحثه عنه، ففقد التقاه بصحبة محمد أنيس بمركز تاريخ مصر المعاصر. وتولى صاحبنا مهمة الإرشاد العلمى للباحث الزائر -الذى كان مهتماً بالتاريخ الاجتماعى- لمدة عام لأن مهمته العلمية كانت مقسمةً بين القاهرة ولندن يقضى فى كل منهما عاماً. وقبيل ختام مهمته بالقاهرة فاتح صاحبنا فى أمر دعوته زميلاً زائراً بمعهده لمدة عشرة أشهر للاشتراك فى حلقة بحثية لدراسة التطور الاقتصادى والاجتماعى فى مصر واليابان فى القرن التاسع عشر، يشارك فيها مجموعة من الباحثين اليابانيين المتخصصين فى تاريخ الشرق الأوسط وتاريخ اليابان. وطلب صاحبنا إرجاء الدعوة إلى ما بعد حصوله على الدكتوراه وشغله لوظيفة مدرس. وتلقى الدعوى فور حصوله على الدكتوراه فى يناير 1971 فطلب إرجاءها لمدة عام، وهو ما تم بالفعل، فسافر إلى طوكيو فى أبريل 1972 فى مهمة علمية مدتها عشرة أشهر.
كانت هذه المهمة العلمية فتحاً جديداً بالنسبة لصاحبنا بكل المعايير، ففضلاً عن كونها المرة الأولى فى حياته الذى يستخدم فيها ذلك الاختراع المسمى بالطائرة، وفى أطول الرحلات الجوية، والمرة الأولى الذى يحتك فيها بمجتمع أجنبى له ثقافته المتميزة، أتاحت له تلك المهمة العلمية فى "معهد اقتصاديات البلاد النامية" فرصة الاحتكاك بمجموعة من الباحثين للذين استضافهم المعهد ذلك العام، جاءوا من أمريكا، وبريطانيا، والبرازيل، وتايلاند، والهند، ولم يكن النقاش الذى يدور فى هذا المناخ العلمى المتميز يتناول الوظائف وأعمال الامتحانات، ونوادر الصراعات بين أجنحة الأقسام كما كانت عليه حال آداب القاهرة حين تركها، بل كان الحوار بين أولئك الباحثين بعضهم البعض يدور حول القضايا المنهجية، والتنمية بمختلف أبعادها فى العالم الثالث فى ظروف الحرب الباردة. ولما كان معظمهم من المتخصصين فى الاقتصاد والعلوم السياسية والاجتماع، وكان صاحبنا المؤرخ الوحيد بينهم، فقد كان النقاش الدائم مع الزملاء فى السمنارات ووقت تناول الغداء أو الشاى يفتح أمامه آفاقاً واسعةً جديدة، دعمها بالتوسع فى القراءة حول المنهج، والتنمية وقضاياها، وأحوال بلاد العالم الثالث من منظور مقارن. ولم يكن كل ما عرفه صاحبنا فى تلك البيئة العلمية الجديدة (بالنسبة له) جديداً على الحياة الأكاديمية العالمية بقدر ما كان جديداً بالنسبة له، فتكوينه المنهجى فى القاهرة كان قاصراً، مقيداً بحدود الوسط العلمى الذى تربى فيه، يقف عند ما وصل إليه الفكر العالمى فى هذا المجال عند نهاية الحرب العالمية الثانية ومطلع الخمسينيات، صحيح أن الفكر الماركسى عندما تعرف إليه فى مصر فتح له آفاقاً جديدة أفادته فى دراسته للدكتوراه، ولكنه تعرف إلى هذا الفكر بعمق فى طوكيو، كما تعرف إلى الفكر النقدى الماركسى كما قدمه موريس دوب، وحرص على نقل كتابه "دراسات فى تطور الرأسمالية" إلى اللغة العربية (نُشر بالقاهرة 1979). وتعرف إلى فكر كل من فيتفوجل حول تطور المجتمعات النهرية، وروستو حول "مراحل التطور الاقتصادى" الذي عارض بها الماركسية، كما تعرف إلى فكر ماكس فيبر. ولم يكن تعرفه إلى تلك الأفكار مجرداً، بل كان مقترناً بقراءة دراسات اهتمت بتطبيق بعض هذه الأفكار، وأخرى عنيت بنقدها. فحظى صاحبنا بقدر كبير من المعرفة، كان له أعمق الأثر فى تكوينه العلمى، وفي إنتاجه العلمى فى العقدين التاليين. لا عجب –إذن- أن يجيب صاحبنا على سؤال طرحه عليه زميل له بالقسم بعد عودته من اليابان عما كان يفعله هناك بقوله: "كنت أبذل الجهد لمحو أميتى المنهجية"، فضحك الزميل من أعماق قلبه وقال: "كويس إنك اعترفت بأميتك" وضحك ضحكةً بلهاء. ولكن شتان ما بين السائل والمسئول.
أما الحلقة البحثية التى دُعى من أجلها إلى طوكيو للمشاركة فيها بماله من خبرة (محدودة) بتاريخ مصر الاجتماعى، فكان إيتاجاكى يوزو وزميله ميكى واطارو (وهما من جامعة طوكيو) وراء تنظيمها، واشترك فيها أعضاء هيئه تدريس وباحثون من مختلف الجامعات ومراكز الأبحاث اليابانية عددهم نحو العشرين عضواً وباحثاً. وكانت استضافة "معهد اقتصاديات البلاد النامية" للحلقة وتبنيه لها تعود إلى توافر الموارد المالية الكافية لتحمل نفقات الخبير الأجنبى (صاحبنا) ونفقات سفر من يأتون من خارج طوكيو للمشاركة فى أعمال الحلقة، وكذلك مكافآت ثلاثة من كبار الأساتذة اليابانيين المتخصصين فى التطورات الذى شهدتها اليابان فى عصر مايجى ( 1868-1912). ولعب هاياشى تاكيشى دور المنسق والمقرر للحلقة بحكم كونه من كبار الباحثين بالمعهد المضيف. ولما كان موضوع الحلقة على مدى الشهور العشرة هو التطور الاقتصادى والاجتماعى فى مصر واليابان فى القرن التاسع عشر من منظور مقارن، فقد حرص صاحبنا فى الأسبوع الأول من مهمته العلمية أن يكثف قراءاته حول تاريخ اليابان فى تلك الفترة، مستعيناً ببعض الكتب المنشورة بالإنجليزية لتكوين قاعدة معرفية أولية تساعده على فهم ما يُطرح على مائدة البحث فى الاجتماع الأول. وانطلاقاً من تلك القاعدة المعرفية المتواضعة تشعبت قراءاته وتعمقت فى تاريخ اليابان فى القرن التاسع عشر، وتأصلت، حتى أثمرت أول دراسة علمية باللغة العربية كانت موضوع كتابه "المجتمع اليابانى فى عصر مايجى 1868-1912" الذى نُشر بالقاهرة 1980. كان نصيب اليابان كبيراً فى تكوين صاحبنا، وخاصةً أن المهمة العلمية امتدت ستة أشهر أخرى عندما أحس منظمو الحلقة البحثية بأهمية النتائج التى حققتها فى الأشهر العشرة، فقد نشر صاحبنا ثلاث ورقات بحثية بالإنجليزية فى سلسلة أعمال الباحثين الزائرين التى تصدر عن المعهد وبمجلة "الاقتصاديات النامية" التى يصدرها المعهد. ونشر كل عضو من أعضاء الحلقة بحثاً أو بحثين باليابانية، كما نُشر التقرير الأول عن أعمال الحلقة وما توصلت إليه من نتائج فى سلسلة تقارير المعهد (باللغة اليابانية) متضمناً إشارة بارزة إلى الدور الإيجابى الذى لعبه صاحبنا فى أعمال الحلقة موصياً بمدها ستة أشهر أخرى لاستكمال الدراسات الخاصة بالمشروع، على أن تتحمل جامعة طوكيو نفقات استضافته وعندما تمت الموافقة على مد عمل الحلقة، أصبح صاحبنا زميلاً زائراً بمعهد لغات وثقافات آسيا وإفريقيا التابع لجامعة طوكيو للدراسات الأجنبية، وأصبح أحد المشاركين فى المشروع العلمى لذلك المعهد عن "الإسلام والتحديث" وكتب فى إطاره ثلاث ورقات بالإنجليزية، تُرجمت ونُشرت باليابانية فى ثلاث دوريات علمية مختلفة، تناولت فكرة الإصلاح عند محمد عبده، وفكرة تحرير المرأة عند كل من الطهطاوى وقاسم أمين، والإصلاح الاجتماعى عند سلامة موسى، وساعده ثراء مكتبة المعهد وكذلك معهد اقتصاديات البلاد النامية بالمراجع العربية الأصلية، على إعداد الورقات الثلاث، ودُعى لإلقاء محاضرتين عامتين: واحدة بجامعة أوساكا، والأخرى بمركز دراسات الشرق الأوسط التابع للخارجية اليابانية، وذلك باللغة الإنجليزية، كانت إحداهما عن "أصول القضية الفلسطينية" والأخرى عن "اليهود فى مصر". ونشر بالإنجليزية دراسة مقارنة لأعيان الريف فى مصر واليابان فى القرن التاسع عشر. وهكذا كانت المهمة العلمية اليابانية انقلابا فى حياته العلمية، ففضلاً عن مساهمتها فى تكوينية المنهجى، وفى التاريخ المقارن، وتعمقه فى دراسة تاريخ اليابان فى القرن التاسع عشر، فإنها أكسبته مهارات بحثية جديدة، ومنحته فرصةً نادرةً للتعامل باللغة الإنجليزية فى المجال الأكاديمى، وفى الكتابة بها. كما أتاحت له فرصة الاحتكاك بالمجتمع اليابانى والتعرف إلى ثقافته، والإلمام بمبادئ لغته.
عندما وصل إلى اليابان فى أبريل 1972، كان المعهد قد حجز له فى فندق تابع "للمركز الآسيوى باليابان"، وهى هيئة شبه حكومية تتولى شئون الدارسين والمتدربين الأجانب. وكان الفندق سياحياً يجمع إلى جانب شباب الدارسين من مختلف شعوب آسيا وأفريقيا، شباباً من أوروبا وأمريكا اللاتينية، وخاصة فرق الفنانين التى تقدم عروضا بملاهى طوكيو لمدة تتراوح بين الأسبوعين والثلاثة أسابيع. وكان مطعم الفندق يقدم خدماته للنزلاء، وغيرهم ممن يرغب في ارتياده، وقد لاحظ صاحبنا وجود بعض الأفراد الأجانب من غير نزلاء الفندق يحضرون العشاء باستمرار رغم أن الأصناف المعروضة لا تتغير ولا تتبدل، ولا يتجاوز الاختيار بين أربعة أطباق لا خامس لها. وكان هناك شخص يحرص على التعرف إليه، قدم له نفسه باسم دافيد ولسون (أو جونسون) زعم أنه رجل أعمال أمريكى، وسأل صاحبنا عن سبب وجوده، فأفرغ ما فى جعبته أمامه (بحكم قلة الخبرة). وبعد حوالى ثلاثة أو أربعة لقاءات بدأ دافيد يسأله عن علاقته بالسفارة المصرية، وعما إذا كان له أصدقاء بين العاملين فيها، فاشتم صاحبنا رائحة التجسس فى حديث صاحبنا وفى نوع الأسئلة التى يطرحها عليه، فبادره بالسؤال عن علاقته بالسفارة الإسرائيلية، وحمل طبقه بين يديه وغادر المائدة ليجلس إلى مائدة أخرى، ولم ير بعد ذلك هذا الدافيد حتى غادر الفندق بعد أسبوعين. سئم صاحبنا الإقامة فى الفندق بعد شهر واحد، ففضلاً عن افتقاده الخصوصية، كان يمثل بيئةً أجنبيةً تماماً داخل اليابان، وكان معنى ذلك أنه لن تُتاح له فرصة الاحتكاك بالناس والتعرف إلى ثقافتهم عن قرب، ولذلك حزم أمره على الانتقال للسكنى مع أسرة يابانية. وعندما أبلغ سكرتارية المعهد بذلك، علم منهم أن اليابانيين ليس من عادتهم قبول إقامة أجنبى عندهم، كما إن البيت اليابانى محدود المساحة، لا تتوافر فيه التسهيلات والخدمات التى يجدها بالفندق. لكنه لم يفقد الأمل، وطلب منهم نشر إعلان صغير بصحيفة "أساهى" -كبرى الجرائد الصباحية اليابانية-على نفقته الخاصة يضم ما يخدم الهدف من نشره(أستاذ أجنبى يتحدث الإنجليزية يرغب فى الإقامة مع أسرة يابانية-اتصل بتليفون كذا)، ونُشر الإعلان صباح اليوم التالى، وتكلف ثمانين دولارا (20 ألف ين) ولدهشة سكرتارية المعهد، اتصلت إحدى العائلات فى العاشرة صباحاً تبدى استعدادها لقبول إقامة هذا الأستاذ عندها بشرط مقابلته أولاً ثم اتخاذ القرار بعد المقابلة، وتحدد الموعد فى الثالثة من بعد ظهر اليوم التالى. ذهب صاحبنا صحبة أحد أفراد السكرتارية فى الموعد المحدد ليجد البيت كبير الحجم يصل إلى ثلاثة أضعاف حجم البيت اليابانى المتوسط، مكوناً من طابقين (على شكل فيلا)، وصاحبته أستاذة اقتصاد منزلى متخصصة فى الطهى، لديها مدرسة صغيرة ملحقة بالبيت لتعليم الطهى للبنات المقبلات على الزواج، ولها سلسلة كتب منشورة (باليابانية طبعاً) عن صنوف الطهى فى العالم، كما كان لها برنامج تليفزيوني بإحدى القنوات الخاصة، يقيم معها بالبيت ولدان أحدهما مهندس متزوج، والآخر طالب هندسة على وشك التخرج. وفى حديقة المنزل كانت هناك فيلا صغيرة مكونة من دور أرضى للمعيشة وحجرتين نوم لسكنى ابنتها الوحيدة المتزوجة من مهندس كهرباء.
وقد ارتاحت الأستاذة أوكاماتسو كيوكو -ربة الأسرة- لصاحبنا لأنه مصرى (واليابانيون يعرفون عن مصر تاريخها القديم وجمال عبد الناصر)، ولأنه أستاذ جامعى (والأستاذ عند اليابانيين نصف إله). وعلم منها أن الحجرة التى سيقيم فيها هى حجرة زوجها الراحل (الذى مات قبل خمس سنوات)، وأن الهدف من قبول إقامته مع الأسرة، أنها تفكر فى زيارة الأسرة لأوروبا فى الصيف القادم، وأن وجوده بينهم سوف يساعدهم على الحديث بالإنجليزية يومياً بعض الوقت فى مناسبات تناول الطعام وغيرها من المناسبات المتاحة، وهكذا تم الاتفاق على قيمة الإيجار، وأسعار وجبة الإفطار، ووجبة العشاء (فى حالة تناولها مع الأسرة). وانتقل صاحبنا للإقامة مع عائلة أوكاماتسو اعتباراً من اليوم التالى لهذه المقابلة. وكانت الإقامة مع هذه العائلة نافذةً واسعةً أطل منها صاحبنا على الحياة الاجتماعية والثقافة اليابانية، وفرصةً نادرةً لمشاركة الأسرة نمط حياتها لما يزيد على العام. فمن خلال عائلة أوكاماتسو تعَرف على بعض العائلات الأخرى، وربطته بها علاقة صداقة امتدت سنوات، وزاره بعضهم عندما جاءوا إلى مصر لأسباب تتصل بأعمالهم. وعن طريق عائلة أوكاماتسو تعَرف إلى العادات والتقاليد اليابانية والمتاحف المختلفة والفنون الشعبية فى احتفالات المعابد الموسمية (التى تشبه الموالد عندنا). وأتيحت له زيارة بعض المعابد فى جبل فوجى، وكان أول أجنبى يُسمح له بدخولها، وشارك فى المناسبات العائلية التى لا يُسمح –عادةً- لغير أفراد الأسرة وأقربائهم بحضورها. كانت أم السيدة أوكاماتسو تقيم مع الأسرة، ولا تظهر إلا على مائدة الإفطار، وهى سيدة جاوزت الثمانين، وكانت تنحنى لتحية الضيف الأجنبى، وتتناول الإفطار مع الأسرة، وتحدثه عن بعض ذكرياتها عن عصر مايجى من خلال ترجمة الأسرة، ثم تعود إلى حجرتها، فلا يراها إلا صباح اليوم التالى، ويبدو أنها كانت تكتفى بوجبة الغداء، ثم تنام قبل الغروب. وذات صباح اجتمعت الأسرة حول مائدة الإفطار ومعهم صاحبنا، وكان مقعد "الجدة" خالياً، فسأل صاحبنا: "أين الجدة؟" فردت أوكاماتسو بابتسامة باهتة: "الجدة ماتت هذا المساء"، فسقطت الملعقة من يده، واغرورقت عيناه بالدموع. فاضطرب الجميع وقال له الابن المهندس وزوجته أنهم كانوا يدركون أنها سترحل لأنها امرأة عجوز، وعبَّروا عن أسفهم لما سببوه له من حزن لا مبرر له (من وجهة نظر الإبن الأصغر طالب الهندسة) لأنه ليس من أفراد العائلة. قال صاحبنا للأستاذة أوكاماتسو أنه لن يذهب إلى المعهد، وأنه سيبقى معهم للاشتراك فى تشييع جنازة الجدة، فأدهشه رفضهم الحاد لأنه لا يجب أن يحضر هذه المناسبة. وشرح له الابن الأكبر الأسباب، فليست هناك جنازة اليوم، بل ستظل الجدة فى فراشها حتى صباح اليوم التالى ، وسوف يُستدعى أفراد الأسرة من مختلف المدن لقضاء الليل حول سريرها وهى مسجاة فوقه يتذاكرون لها مواقفها معهم، وهم يشربون "الساكى" (نبيذ الأرز) ثم تُنقل إلى المعبد حيث تُحرق الجثة. وكلها إجراءات قصراً على أفراد الأسرة والأقارب لا يحضرها أى من الأصدقاء حتى اليابانيين منهم. فعرض عليهم أن ينتقل إلى فندق ليفسح مكانا للأقارب، لكنهم رفضوا تماماً لأن كل قريب عليه أن يتدبر أموره. ورجوه أن ينسى الموضوع برمته وأن يمارس حياته اليومية كالمعتاد. وعندما ذهب إلى المعهد، قص ذلك كله على زملائه اليابانيين، فاستغرقوا فى الضحك من موقفه، وقال أحدهم إن هذه الواقعة لو كتبها مؤلف يابانى فى سيناريو فيلم كوميدى للاقت نجاحاً كبيراً. وقالوا له إن الطريقة الوحيدة للعزاء هى شراء ظرف "الميمايكن" (وتعنى نقود المواساة) يضع فيه مبلغاً بسيطاً من أوراق النقد لا يكون أربعة أو يقبل القسمة على أربعة، لأن علاقة الأربعة بالتراكيب الصينية تعنى الفناء، فإذا قدم أحد نقود المواساة على هذا النحو كان ذلك تعبيراً عن شماتته بالميت ورغبته فى فناء روحه، فلا يُعاد خلقها من جديد.
إشترى صاحبنا الظرف ووضع بداخلة ثلاثة آلاف ين (12 دولار بسعر التحويل فى تلك الأيام) وذهب فى الثالثة من مساء اليوم التالى إلى مكان العزاء أمام منزل نجل المتوفاه، فوجد باقة ورد مستديرة كبيرة خلف منضدة صغيرة عليها صورة المتوفاه وإلى جانبيها طبقان بأحدهما بعض ثمار الفاكهة وبالآخر بعض الزهور. ووقف متلقى العزاء بجوار المنضدة التى وُضع عليها سجل للتوقيعات، واصطف مقدمو العزاء فى طابور طويل وجد صاحبنا لنفسه مكاناً فيه، حتى إذا جاء دوره، قلد الآخرين فانحنى أمام صورة المتوفاة واضعاً كفيه تحت ذقنه، ثم وقع فى سجل العزاء ووضع ظرف نقود المواساة فى العلبة التى وُضعت بجوار السجل لهذا الغرض، (وكان أحد أفراد السكرتارية بالمعهد قد تطوع بكتابة اسم صاحبنا على الظرف بالحروف اليابانية). ربطت مشاركة صاحبنا فى مراسم العزاء بينه وبين نجل المتوفاه "كانامورى" شقيق أوكاماتسو بروابط الصداقة لما يقرب من العشرين عاما، كان ضابطا مهندسا بالجيش اليابانى خلال الحرب العالمية الثانية، خدم بالصين ويجيد اللغة الصينية، ويفهم اللغة الكورية. وبعد استسلام اليابان تم حل الجيش، فأصبح بلا عمل، وذاقت أسرته الأمرين، وتقلب فى عدة أعمال حتى "التقط فرصته" (على حد تعبيره)، فاستفاد من صداقته لأحد الرأسماليين الكبار الذى أسس عدداً من الشركات الصغرى بأسماء أصدقائه حتى يتهرب من الضرائب التصاعدية، كانت إحداها باسم كانامورى الذى استطاع أن يشتريها منه بعد أربع سنوات. وبذلك أصبح منتجاً لبعض قطع الإلكترونيات التى يزود بها المصانع الكبرى، شأنه فى ذلك شأن غيره من صغار المنتجين، لأن الصناعات اليابانية الإلكترونية وشركات صناعة السيارات تعتمد على الصناعات الصغيرة فى سد حاجتها من آلاف القطع التى تدخل فى مكونات تلك الصناعات. كان كانامورى مهتماً بالثقافات الشرقية عامةً الثقافة الإسلامية خاصة، وكان يتناقش مع صاحبنا كثيراً حول هذا الموضوع، وحرص على أن يزور ماليزيا وإندونيسيا وباكستان فى شهر رمضان، وأن يخالط المسلمين هناك، وعجب لوجود اختلاف كبير فى طقوس الصيام، وما ارتبط به من تقاليد هنا وهناك، ولمح وجود تشابه بين بعض الممارسات الإسلامية، وما اعتاده البوذيون. لذلك كان لقاؤه مع صاحبنا حافلاً بالنقاش حول الإسلام، وذلك التلاحم الملحوظ بين حضارات آسيا وثقافاتها.
وعندما دُعى صاحبنا زميلاً زائراً بمعهد اقتصاديات الدول النامية مرة أخرى عام 1977 لمدة شهرين لتقديم دراسة أعدها بتكليف من المعهد، نُشرت ضمن سلسلة الزملاء الزائرين (بالإنجليزية)، كان موضوعها "قوانين العمل والملكية والتجارة فى دول الخليج العربية وأثرها فى الأوضاع الاجتماعية". وكانت الزيارة –هذه المرة- لعشرة أسابيع، أقام فى بيت كانامورى، لأن السيدة أوكاماتسو أصيبت بنزيف فى المخ تم إنقاذها منه، ولكنها كانت تمر بمرحلة النقاهة وكان بيتها مغلقاً لحين شفائها. تكررت إقامة صاحبنا ببيت كانامورى عندما دُعى عام 1987 أستاذاً زائراً لجامعة طوكيو لمدة شهرين، واستفاد كثيراً من هذا الرجل الذى يمثل الجيل الذى تفتح وعيه فى فترة ما بين الحربين وشارك فى صنع الإمبراطورية اليابانية، وشاهد سقوطها، وساهم مع غيره من مواطنيه فى إعادة بناء اليابان من جديد بعد الحرب. سأل كانامورى صاحبنا يوماً عن قضية ما يُسمى بالصراع العربى الإسرائيلى، وظل الرجل يستمع لشرحه ويستعين بابنته طالبة الماجستير بجامعة واسيدا لتترجم له بعض العبارات التى يستعصى عليه فهمها أثناء الشرح، أو تترجم سؤالاً عنَّ له يريد طرحه على صاحبنا. وبعد أن انتهى صاحبنا من الكلام، قام كانامورى إلى مكتبه وأخرج الأطلس، وطلب من صديقه أن يحدد له العالم العربى فى خرائط الأطلس، فلما حدده له قال: "ألا تستحون من أنفسكم؟!... إنكم لو زحفتم عليهم ستدوسونهم ... تقول إنكم حوالى 250 مليوناً؟... لو بقى منكم مليون أو مليونان من ذوى النخوة لأعادوا بناء المجد الحضارى القديم. أنظر إلينا... لقد هزمنا الأمريكان وأهانوا كرامتنا... فرحنا نبحث عن أسباب القصور عندنا وعالجنا معظمها ولا أقول كلها، ووجدنا أن ميدان الاقتصاد والتجارة هو الذى يمكننا من أن نكون أنداداً للأمريكان، بل ونتفوق عليهم... وقد حدث. إن فائض الاقتصاد اليابانى اليوم يغطى قيمة أراضى أمريكا –لو طُرحت للبيع- مرتين". وقد سمح كانامورى لصديقه بحضور مراسم خطبة ابنته استجابة لطلبه، وكان ذلك عام 1978. ولكن الأمر تطلب الحصول على موافقة أسرة العريس بعد شرح طويل لتبرير السماح لأجنبى بحضور مراسم تقتصر على أسرتى العروسين ولا يُسمح لأحد بحضورها غيرهم. فأفهمهم كانامورى أن الرجل أستاذ جامعى يدرس الثقافة اليابانية ويريد مراقبة الحدث كحالة للدراسة. ومرة أخرى وافقت أسرة العريس تقديراً لصاحبنا لأنه أستاذ ومن مصر. كان العريس باحثاً كيماوياً بأحد المراكز العلمية تقدم بمعلومات عنه إلى (الخاطبة) وكذلك تفعل العروس وغيرها من طلاب الزواج. فرغم الاختلاط على نطاق واسع بين الذكور والإناث، وعلاقات الصداقة التى تجمع البنات والشباب فى "فنادق الحب" التى توجد بكثرة حول الميادين الرئيسية والجامعات، لا يفضل الشباب الزواج إلا عن طريق "الخاطبة"، ثم أصبحت هناك شركات متخصصة فى الجمع بين الرءوس فى الحلال، تستخدم الكمبيوتر، فيتقدم راغب الزواج -ذكراً كان أم أنثى- بملخص لتاريخ حياته، وصور متعددة له بالكيمونو والملابس الغربية، والمايوه أيضاً. وتقوم الخاطبة أو الشركة المختصة بترشيح اثنين أو ثلاثة للمتقدم أو المتقدمة فإذا وقع القبول على أحدهم،تمت الاتصالات، ورُتب لقاء فى مقهى أو نادٍ يحضره كل طرف وأمه. فإذا حدث توافق بدأت عجلة المراسم التقليدية فى الدوران.
وهذا ما تم بالنسبة لكيكو بنت كانامورى، فبعد اللقاء غير الرسمى تحدد موعد طلب يد ابنته رسمياً. جلست العائلتان فى مواجهة بعضهما البعض على أرضية حجرة المعيشة (كما يجلس المسلمون فى وضع التشهد أثناء الصلاة)، الأب فى مواجهة الأب وخلف كل منهما بخطوة واحدة زوجته (الأم) وبجوارها العريس إلى يمينها، أما العروس فجلست متأخرة عن أمها بنصف خطوة إلى يمينها. ووضع والد العريس صندوقاً خشبياً صغيراً أمامه، ظنه صاحبنا علبة حلوى، أما والد العروس فلم يكن أمامه شئ، كانت هناك علبة أصغر حجماً أمام أم العروس. بدأ والد العريس الحديث مستعرضاً نسبه من أيام مايجى (القرن التاسع عشر)، ثم تحدث عن نفسه وزوجته وأولاده، وأهم الأحداث التى مرت على العائلة خيراً كانت أم شراً، ثم تحدث عن ابنه وأهم خصاله وعيوبه، وتدرجه الوظيفى ودخله. ويرد والد العروس بالنظام نفسه فى ترتيب عرض تاريخى للأسرة حتى يصل إلى الحديث عن ابنته، ويدعو أمها للحديث، فتحنى هامتها وتتكلم وهى مطأطأة الرأس تنظر إلى الأرض. وتعود الكلمة إلى والد العريس، فيطلب يد البنت لابنه وينحنى رافعاً العلبة التى أمامه إلى مستوى الرأس ثم يسلمها للأب الذى يفتحها وينظر إلى ما بداخلها (وهو سمكة واحدة من نوع معين من السمك المجفف المبروم طول السمكة حوالى عشرين سنتيمتر)، وينحنى ثم يستدير جانباً فيقدم العلبة للأم التى تنحنى وتتسلمها، ثم تتناول العلبة الأخرى التى أمامها وتقدمها للأب الذى يعود إلى جلسته الأولى ويسلمها إلى والد العريس، الذى يفتح العلبة وينظر إلى ما بداخلها (وهو سبيط مجفف)، ويتبادل الرجلان كلمة الشكر، ثم يتناول الجميع شراب "الساكى" الذى يحمل معنى الصفاء والود والمشاركة. كان الجميع قد ارتدوا الكيمونو (الزى اليابانى التقليدى)، وكان صاحبنا يجلس فى ركن قصى من حجرة المعيشة بنظام جلوس الأسرتين نفسه يرقب المشهد الغريب، والمغزى الجنسى الواضح فى الهديتين المتبادلتين الذى فٌسر له بعد الحفل بأنه يعنى أن ذكرنا يطلب أنثاكم، فيتسلم السبيط التى ترمز للأنثى، وتعنى قبول الطلب. وحضر صاحبنا مناسبة زفاف مرتين كان أصحابها من باحثى المعهد والجامعة، والحفل يُقام عادة ظهراً فى إحدى القاعات، ولا يزيد عدد الحضور عن ستين فرداً على الأكثر، ويختار العريس أحد أساتذته ليتولى المراسم، فيلقى كلمة عن مناقب العريس شبيهة بكلمات التأبين عندنا، وتتقدم بعده صديقة العروس (التى تُحدد مسبقاً) فتتحدث عن مناقب العروس، ثم تُعطى الكلمة للعريس، فيروى كيف عرف عروسه. وكانت إحدى الزيجتين عن حب، فذكر العريس كيف عرف العروس وعاشرها لمدة عامين دون أن يجمعهما سقف واحد، ولما كان المعهد سيوفده فى مهمة علمية إلى الهند اكتشف أنه لا يستطيع الاستغناء عنها فلم يجد مفراً من الزواج بها. ثم يطلب أصدقاء العريس الكلمة كل يتحدث فى حدود ثلاث دقائق، ويغنى الحضور أغانى شعبية ذات صلة بالمناسبة ويتناول الجميع الطعام ويشربون الساكى ثم ينفض الحفل بعد ساعتين لينصرف كل إلى حال سبيله، ويُقدم لكل مدعو وردة حمراء المفروض أن يقدمها لفتاة يرغب فى إقامة علاقة معها تمهيداً للزواج، أو تقدمها الفتاة من المدعوات للغرض نفسه. حصل صاحبنا على الوردة الحمراء فى أول حفل زفاف حضره، وحملها معه حتى ركب القطار (مترو الأنفاق) فى طريق العودة إلى مقر إقامته، وكانت هناك طفلة فى حوالى الثالثة من عمرها فقدم لها الوردة (دون أن يدرى مغزى ذلك فى التقاليد اليابانية) فإذا بكل ركاب العربة يضحكون، أما أم الطفلة فكادت تفطس من الضحك. وعندما عاد صاحبنا إلى الأسرة التى يقيم لديها شرح لهم ما حدث فانفجروا فى الضحك وشرحوا له مغزى إهداء وردة الزفاف، والمطب الذى وقع فيه.
كانت المهمة العلمية اليابانية –إذاً- متعددة المنافع من النواحى العلمية والاجتماعية، وقد فتحت الباب أمام تعاون علمى دام حتى مطلع التسعينيات بين صاحبنا وبين معهد اقتصاديات الدول النامية وجامعة طوكيو، ورشح صاحبنا للجهتين بعض المتميزين من زملائه لزيارة المعهدين، فتمت دعوة عاصم الدسوقى وعبد الرحيم عبد الرحمن معاً عام 1976 لمدة ثلاثة شهور، ودًُعى بعدهم بعض الزملاء من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، ومركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بجريدة الأهرام. كما توالى حضور شباب المتخصصين فى الشرق الأوسط إلى مصر فى مهام علمية، كان أبرزهم صديقه نوتاهارا نوبوواكى الذى تخصص فى الأدب العربى، وقدمه صاحبنا إلى زملائه بقسم اللغة العربية، عبد المنعم تليمة وجابر عصفور. وقد نقل إلى اليابانية عدة أعمال روائية مصرية وعربية منها "الأرض" للشرقاوى، و"تلك الرائحة" لصنع الله إبراهيم، و"عائد إلى حيفا" لغسان كنفانى وغيرها من الأعمال المهمة. وأقامت الحكومة اليابانية فى منتصف الثمانينيات مركزاً خاصاً بالقاهرة تابعاً لهيئة "التقدم العلمى" تولى رئاسته عدد ممن تتلمذوا على يد صاحبنا باليابان ومصر، حرص بعضهم على الاسترشاد برأيه فيما يتصل بنشاط المركز. لم يكن ذلك هو كل ما بذله صاحبنا من جهد لمد جسور التعاون الثقافى بين الهيئات العلمية اليابانية ومصر، بل لعب دوراً متواضعاً فى افتتاح قسم اللغة اليابانية وآدابها بكلية الآداب جامعة القاهرة، ولذلك قصة تُروى. فقد اعتاد صاحبنا أن يبدأ يومه بمعهد اقتصاديات الدول النامية بقراءة الصحف اليابانية التى تصدر بالإنجليزية للتعرف على ماجد من أمور المنطقة التى جاء منها، ويطلع على أمور اليابان والعالم. ولفت نظره ذات صباح خبر صغير نُشر على الصفحة الأولى بجريدة "جابان تايمز Japan Times" يفيد أن "مؤسسة اليابان" (وهى مؤسسة معنية بالتبادل الثقافى والتعريف بالثقافة اليابانية تتبع وزارة الخارجية) قد تلقت طلباً من جامعة تل أبيب لإقامة قسم للغة اليابانية بها بتمويل كامل من المؤسسة. وذكرت الجريدة أن الطلب موضع الدراسة، وأشارت إلى أن هناك قسماً للغة اليابانية والثقافة اليابانية موجود بالجامعة العبرية بالفعل، وأنه إذا افتتح القسم الجديد يصبح الثانى من نوعه.
كانت الدعاية الإسرائيلية المعادية للعرب تستثمر هزيمة 1967، وتأثيرها السلبى على النظرة إلى العرب فى اليابان، خير استثمار فكلفت (سراً) ثلاثة من أساتذة الأدب العبرى باليابان بإعداد كتاب نُشر باليابانية والإنجليزية معاً بعنوان "اليابانيون واليهود"، ونُسب إلى مؤلف وهمى يدعى أشعيا بن دعسان، وكان صاحبنا قد قرأ النسخة الإنجليزية عندما رآها بإحدى المكتبات. وقد جاء على لسان مؤلفها الوهمى الذى زعم أنه يعيش فى مدينة كوبى منذ ثلاثين عاماً قضاها فى تأمل التشابه الكبير بين اليابانيين واليهود من حيث القدرات الحضارية الفائقة والبراعة فى الأمور الاقتصادية، وبعد أن يشرح ما أصاب اليهود من "اضطهاد" بعد الشتات حتى استطاعوا أن يعيدوا دولتهم إلى الوجود فى فصلين متتاليين، يختتم الكتاب بأن القدر شاء بأن تكون كل من البلدين فى ركن بعيد فى آسيا، وأن رسالتهما نشر الحضارة فى ربوع آسيا المتخلفة، ومن ثم لابد من تعاونهما معاً على أداء رسالة خُلق الشعبان المتميزان من أجلها.
وكان مما يثير ضيق صاحبنا أن الطبعة اليابانية باعت ما يزيد على مائة ألف نسخة من الكتاب فى ثلاثة شهور. وكتب عندئذ مقالاً بعنوان "مصلحة اليابان مع من؟" ترجمه صديقه ايتاجاكى إلى اليابانية ونُشر بأكبر مجلة فى الشئون السياسية اليابانية تدعى "كوكساى مونداى" (الشئون الدولية)، انتهى فيه إلى دحض دعاوى بن عسان، وبين بالأرقام أن مصلحة اليابان مع العرب، وأن سياستها الخارجية يجب أن تستمد توجهاتها من المصالح الحيوية لليابان، ووجه اللوم إلى الحكومة اليابانية لشرائها البترول المصرى الذى سرقته إسرائيل. وقد عقب على المقال صحفى يابانى مغمور بمقال قصير بعنوان "نحن أدرى بمصالحنا" استنكر فيه دعوة "المهزوم" غيره إلى تغيير سياستهم، وكان الأولى ببلاده أن تعى درس الهزيمة، وتعرف قدرها. كان ذلك فى ربيع 1973، وجاءت حرب أكتوبر و"صدمة البترول"، لتغير من وجهة النظر اليابانية تجاه العرب، وتصحح تقويم الصراع العربى الإسرائيلى، وتكشف عمن كانوا وراء كتاب "اليابانيون واليهود"، وأن أشعيا بن دعسان اسم وهمى. على كل، كان الخبر الذى قرأه صاحبنا عن طلب جامعة تل أبيب إنشاء قسم للغة اليابانية والثقافة اليابانية تال لقراءته لكتاب بن دعسان المزعوم، وسابق على مقاله الذى نُشر باليابانية فى "الشئون الدولية". غلى الدم فى عروق صاحبنا عندما قرأ الخبر واتصل بصديقه ايتاجاكى الذى كان قريباً من الخارجية اليابانية وطلب منه ضرورة تدبير مقابلة له مع رئيس مؤسسة اليابان فى أقرب وقت ممكن،وذكر له السبب باختصار. فرتب له الرجل لقاء مع السفير وانى بوتشى رئيس المؤسسة فى اليوم التالى، على أن يكون مفهوماً أن اللقاء ودى، وغير رسمى، وفى الثالثة مساء وقت استراحة تناول الشاى. وعندما التقاه قال له أن إنشاء قسم ثان للغة اليابانية بإسرائيل لن يخدم المصالح الحيوية للشعب اليابانى التى تتطلب مد جسور التفاهم مع الشعوب العربية، وأن الثقافة هى المجال الأرحب لفهم الشعوب لبعضها البعض، وأن إنشاء القسم المطلوب بتل أبيب لن يفيد سوى حفنة من طلاب إسرائيل، بينما لو أُنشئ القسم بالقاهرة لكان مفتوحاً أمام جميع الطلاب العرب، ولأصبح نافذةً يطل منها العرب على الثقافة اليابانية. ورد السفير وانى بوتشى على صاحبنا بتذكيره مرةً أخرى أن هذا اللقاء ودى وغير رسمى لأنه بحكم كونه مدرساً بجامعة القاهرة لا يملك حق الحديث نيابة عن الجامعة، وعن حكومة بلاده. واستطرد قائلاً إنه شخصياً مقتنع بوجهة نظره التى طرحها أمامه، ولكن القرارات فى اليابان لا يصنعها شخص واحد كما هي الحال فى مصر، ولكن تصنعها مؤسسة، وكل ما يستطيع أن يفعله تأخير الرد على الطلب الإسرائيلى مدة شهر، فإذا وصله طلب مماثل من الحكومة المصرية، تم النظر فى الطلبين معاً وترجيح ما ترى فيه المؤسسة مصلحة اليابان. وذكره بأنه إذا تسرب خبر هذا اللقاء، فسيعلن أنه لم يره ولم يسمع شيئاً عن الموضوع، وأنه لا يستطيع أصلاً أن يقابل شخصاً غير ذى صفة رسمية، فطمأنه صاحبنا إلى أن "السر فى بير"، ووعده بأن يعمل على وصول طلب جامعة القاهرة قبل نهاية الشهر، وكان الزمن المحدد للمقابلة ربع الساعة فاستغرق نصف الساعة. كان وانى بوتشى صديقاً شخصياً لايتاجاكى، عمل مستشاراً بالسفارة اليابانية بالقاهرة، وكان قبل توليه رئاسة "مؤسسة اليابان" سفيراً فى ليبيا. ولذلك كان على معرفة طيبة بمصر والمنطقة، وأهم من ذلك كان يعلم بطء إيقاع صنع القرار فى مصر ولذلك قال لصاحبنا وهو يودعه "الله معك" (قالها بالعربية). فى التاسعة من صباح اليوم التالى، توجه صاحبنا إلى السفارة المصرية (لأول مرة) طالباً مقابلة السفير، وحاول الموظفون معرفة سبب اللقاء فرفض، وطلب منهم إبلاغه أن المذكور يريد لقاءه لمسألة تتعلق بالمصالح العليا للبلاد، وبعد نحو ربع الساعة قاده السكرتير الثانى (وكان يدعى أبو الغيط، وهو غير أحمد أبو الغيط وزير الخارجية الحالي) إلى مكتب السفير. كان السفير مصرياً نبيلاً يُدعى صلاح حسن ولا يذكر صاحبنا اسمه بعد تلك السنين، وكانت حرمه من عائلة "بدرخان" التى لها باع طويل فى صناعة السينما المصرية، وكان الرجل واسع الأفق، استمع له باهتمام وهو يعرض أمامه فكرة تقدمه نيابة عن الحكومة المصرية بالطلب إلى "مؤسسة اليابان". فرد الرجل بأنه يدرك تماماً أهمية إنشاء هذا القسم فى مصر وفى جامعة القاهرة، ولكنه لا يملك التقدم بأى طلب إلا إذا كان ذلك بناء على توجيه الخارجية وتعليماتها، تنفيذاً لطلب الجهة المعنية، وهى هنا وزارة التعليم العالى، وذكره بأنه لا شك يعرف أن وزارة التعليم العالى لا تتقدم للخارجية بطلب إلا بناء على قرار الجامعة، وان قرار الجامعة يستغرق شهرين على الأقل، وأن الوقت الذى قد يستغرقه وصول الطلب إلى السفارة قد يصل إلى شهرين أيضاً. هنا أبلغه صاحبنا بمقابلة الأمس مع السفير وانى بوتشى، وأن المقابلة كانت ودية بتوسط صديق أستاذ يابانى، وأن الرجل وعد بتأخير الطلب الإسرائيلى شهراً واحداً، فإذا وصله الطلب المصرى خلال الشهر، تم النظر فى الطلبين معاً..إلخ.
دُهش السفير صلاح حسن من جرأة صاحبنا، ولكنه امتدح (بصدق) وطنيته، وبُعد نظره وقال له إنه تقديراً له، مستعد أن يتقدم بطلب رسمى إلى مؤسسة اليابان إذا وصله خطاب رسمى من عميد آداب القاهرة يفيد طلب الكلية إنشاء قسم للغة اليابانية وآدابها. وسأل صاحبنا: "هل علاقتك جيدة بعميد الكلية حتى يستجيب لك ويرسل مثل هذا الخطاب دون الرجوع إلى الجامعة؟ إن الأمر يحتاج إلى عميد شجاع فهل الرجل لديه الشجاعة الكافية؟" ورد صاحبنا شاكراً السفير على حسن الاستجابة متهرباً من الإجابة. وعاد إلى المعهد ليكتب خطاباً إلى الدكتور السيد يعقوب بكر عميد الكلية، ولم يكن الرجل يعرفه معرفة شخصية، ولكنه التقاه مرة واحدة أثناء شغله لمنصب الوكيل، ولا يظن أن الرجل قد يتذكر حتى اسمه. كان عزاؤه الوحيد أن السيد يعقوب بكر من علماء فقه اللغات السامية البارزين، وأنه قد يكون أكثر من غيره تقديراً لأهمية الموضوع. كتب صاحبنا الخطاب بالتفصيل الكافى إلى العميد شارحاً له كل أبعاد الموضوع، ملمحاً إلى أن أحد رجال الخارجية قد يساعد فى دفع الموضوع بتوصية من أستاذ يابانى كبير، ونقل له حرفياً ما دار بينه وبين السفير المصرى، وطال الخطاب حتى وصل إلى ثلاث صفحات، وأرسله صاحبنا فى الحال إلى العميد، وهو يتمنى على الله أن يتسع صدر الرجل لقراءة تلك الرسالة الطويلة وأن يهتم بالرد عليها، ولو بالرفض. وبعد عشرة أيام تلقى صاحبنا خطاباً بديعاً من العالم الوطنى السيد يعقوب بكر عميد كلية الآداب وصفه فيه بعبارات جعلته يكاد يذوب خجلاً، ومع الخطاب الشخصى المكتوب بخط اليد، خطاب آخر رسمى على المحررات الرسمية للكلية موجه إلى سفير جمهورية مصر العربية بطوكيو، يحيطه علماً بأن مجلس كلية الآداب اتخذ قراراً بإنشاء قسم اللغة اليابانية وآدابها، وأنه يرجوه أن يبذل مساعيه لدى الحكومة اليابانية لتقديم العون العلمى والمادى اللازم لإنشاء القسم، وكان الخطاب ممهوراً بخاتم كلية الآداب الرسمى. لا يدرى صاحبنا كيف وصل بالخطاب إلى العميد، فقد أعمته دموع الفرح وهو ينتقل من مواصلة إلى أخرى حتى وصل إلى السفارة. وقابله السفير على الفور، وتسلم منه الرسالة، وطلب تحديد موعد لمقابلة رئيس مؤسسة اليابان (السفير وانى بوتشى) فتحدد الموعد بعد يومين، وذهب الرجل حاملاً طلباً رسمياً بموافقة جامعة القاهرة على إنشاء قسم للغة اليابانية وآدابها، ولم يفته الإشارة إلى أن وجود القسم بجامعة القاهرة يجعله فى خدمة طلاب جميع بلاد الجامعة العربية. وبعد شهر تقريباً اتخذت مؤسسة اليابان قراراً بإنشاء قسم للغة اليابانية وآدابها بكلية الآداب جامعة القاهرة (من حيث المبدأ) على أن يسبق ذلك دراسة حرة للغة اليابانية للتأكد من مدى الإقبال على دراسة هذه اللغة، ومن جدوى إنشاء القسم. بدأت الدراسة الحرة فى العام الدراسى 1973-1974 فأُرسل أحد المتخصصين فى دراسة الشرق الأوسط (كورودا) للتدريس لمعرفته باللغة العربية، وحاول هذا الرجل أن يؤخر تأسيس القسم رسمياً عاماً آخر يتيح له البقاء بالقاهرة عاما آخر، ولكن صاحبنا استطاع -بمساعدة ايتاجاكى وهاناوا (المستشار الثقافى اليابانى بالقاهرة)- أن يقنع "مؤسسة اليابان" بضرورة التحرك لفتح القسم، واقترح أن تقدم المؤسسة أربعة مدرسين منهم ثلاثة من المتخصصين فى الشرق الأوسط تاريخاً ولغةً وثقافة يتيح لهم عملهم بالقاهرة تعميق دراساتهم التخصصية، وواحد فقط من اللغويين لتدريس الكتابة الصينية (الكانجى). وتبنى هاناوا هذه الأفكار فى المذكرة التى رفعها إلى الخارجية اليابانية، فجاء عرض "مؤسسة اليابان" المُقدم إلى الكلية فى هذا الإطار ودارت العجلة، وافُتتح القسم فى العام الدراسى 1974-1975.
وعندما تم الاحتفال بمرور ربع قرن على إنشاء القسم دُعى كل من هب ودب للمشاركة فى الاحتفال، ولم توجه الدعوة إلى صاحبنا. ولم يُلَب طاب أستاذ يابانى جامعى جاء من بلاده لحضور الاحتفال، عندما سأل عميد الكلية عن صاحبنا، والتمس مساعدته فى الاتصال به،فعاد الرجل دون أن يتمكن من لقائه. لم يشعر صاحبنا بالمرارة من هذا النكران، فهو عندما ساهم هذه المساهمة المتواضعة فى حرمان جامعة تل أبيب من إنشاء القسم، كان يؤدى لبلاده خدمة لم ينتظر مقابلها شيئاً، بل كان البطل الحقيقى هو السفير المصرى الذى دفعته وطنيته إلى تحطيم الروتين وتحمل مسئولية تقديم الطلب الرسمى دون التقيد بالقنوات الدبلوماسية الرسمية. هذا البطل الحقيقى كان الأجدر بالتكريم فى تلك المناسبة إذا كان حياً، وكانت ذكراه جديرة بالتكريم. كذلك كان السيد يعقوب بكر (رحمه الله) عملاقاً شجاعاً ووطنياً بحق، فلولاه لضاعت الفرصة على مصر. ولكن أحداً لم يذكره بمناسبة الاحتفال ولو بكلمة واحدة، ولا شك أن الله جعل هذا العمل فى ميزان حسناته، فهو لا يضيع أجر من أحسن عملاً. وكان الاهتمام باليابان –عند صاحبنا- يمتد إلى مأساة استخدام السلاح الذرى ضد هيروشيما ونجازاكى فى ختام الحرب العالمية الثانية. فقد استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية اليابان وأهلها كحقل تجارب للوقوف على تأثير القصف النووى على البيئة والإنسان. ولا أدل على ذلك من وجود فريق طبى أمريكى كبير، أُعد خلال سنوات الحرب للقيام بهذه المهمة بعد تنفيذ الضربة النووية، دخل فى تدريبهم إتقان اللغة اليابانية، وكانوا فى طليعة القوات الأمريكية التى نزلت إلى هيروشيما ونجازاكى. حرص صاحبنا على زيارة هيروشيما بترتيب خاص مع قسم التاريخ بجامعتها، فبهره ما رآه فى "متحف السلام" المقام على حديقة السلام، والذى يعبر تعبيراً صادقاً عن هول الجريمة التى ارتكبتها "زعيمة العالم الحر" ضد شعب أنهكته الحرب، وكان يتفاوض من أجل الاستسلام، لمجرد اتخاذه معملاً لتجربة آثار السلاح الجديد.
ووقع فى يد صاحبنا فى ركن بيع الكتب فى المتحف، الترجمة الإنجليزية ليوميات هاتشيا (مدير مستشفى المواصلات بهيروشيما) عن تلك التجربة الحزينة منذ يوم القصف حتى يوم تسلم الأطباء الأمريكان للمستشفى، كما حصل صاحبنا على كتيب بالإنجليزية يضم بعض شهادات من نجوا من الموت من سكان المدينة وعندما قرأ اليوميات والشهادات، اكتشف أن ما يقال عن آثار السلاح النووى على البيئة والإنسان، يتضاءل أمام حقيقة ما حدث. ولما كانت اليوميات والشهادات قد تُرجمت إلى 17 لغة حية، فقد اعتزم صاحبنا على أن يجعل العربية اللغة الثامنة عشرة التى تُنقل إليها، ليقينه أن القارئ العربى لابد أن يقف على حجم الجرم الذى ارتكبته أمريكا فى حق الإنسانية، وليساهم فى كشف الستار عن زيف الدعاوى التى يروجها البعض عنها فى الوطن العربى. وحرصاً على صدور الترجمة بصورة دقيقة ووافية، كرر صاحبنا زيارته لهيروشيما، وراح يتتبع المواقع التى ورد ذكرها باليوميات، وزار احد المراكز الطبية التى تؤوى الجيل الثانى من ضحايا الإشعاع الذرى. وانتهى من ترجمة الكتاب (اليوميات والشهادات) عام 1975، تم طبعها على نفقته الخاصة (1500 نسخةً). واختار أن يهديها: "إلى أصدقاء أمريكا... عظةً وعبرة". ولكن صاحب المطبعة نصحه بحذف الإهداء حتى لا تعترض الرقابة على صدوره. وبعد إتمام الطباعة تعاقد مع توزيع الأهرام على توزيعه. وحرص صلاح الغمرى مدير توزيع الأهرام أن يلفت نظره إلى أن الوقت غير مناسب لصدور مثل هذا الكتاب، فأصر على موقفه. بعد أسبوعين فوجئ صهر صاحبنا بعربة توزيع الأهرام تصل إلى منزله حاملةً النسخ كلها (فيما عدا 25 نسخة). وظل الكتاب يشغل غرفة من شقة صهره حتى عاد من قطر عام 1978، وراح يطوف على المكتبات يعرض عليها توزيع الكتاب، فاكتشف أن هناك تعليمات شفهية من المباحث العامة بعدم طرح الكتاب للبيع. وأخيراً دله صديقه عبد الرحيم عبد الرحيم على مكتبة الخانجى التى قبلت الكتاب لتصديره إلى "دول جبهة الرفض" (العراق- سوريا-ليبيا- الجزائر). وكانت القواعد المعمول بها تقتضى إرسال نسخة (أو عدد محدد من النسخ) إلى البلد المعنى للحصول على موافقة الرقابة. ومن عجب أن الرقابة فى البلاد الأربعة رفضت السماح بدخول الكتاب، فطلب محمد الخانجى (صاحب المكتبة) من صاحبنا أن يسحب الكتاب معتذراً عن عدم استطاعته طرحه فى السوق. وهكذا وجد صاحبنا نفسه من "ضحايا" هيروشيما، واكتشف زيف تشدق النظم العربية "التقدمية" بشعارات معاداة الإمبريالية، ومدى ارتباط أجهزتها الأمنية بالولايات المتحدة الأمريكية. ولكن صاحبنا ظل يتذرع بأمل العثور على موزع يقبل الكتاب، فسلمه لدار الثقافة الجديدة، وقال لصاحبها (محمد الجندى) إنه يريد أن يصل الكتاب إلى الناس، ولا تهمه المادة. وانتهت صلته بالكتاب الذى كان يُعرض على استحياء فى ركن الدار بمعرض الكتاب، ولكنه حزين لأن الرسالة التى قصدها من وراء هذا الجهد لم تصل لأصحابها. ولعل أهم ما بهر صاحبنا فى اليابان، ذلك التلاحم الوطنى الغريب بين أبناء الشعب على اختلاف مواقعهم الاجتماعية، دفاعاً عن المصالح اليابانية، وذلك التضامن التام فى اتخاذ المواقف الحاسمة والالتزام الكامل بالمقاومة السلمية (الموجعة) للضغوط الأمريكية على بلادهم. ففى العام الأخير الذى قضاه صاحبنا أستاذاً زائراً بجامعة طوكيو (1989- 1990)، كانت اليابان تتعرض لضغوط شديدة من جانب الولايات المتحدة لإصلاح الميل الشديد فى الميزان التجارى بين البلدين لصالح اليابان، الذى خلف عجزاً كبيراً جعل أمريكا مدينة لليابان بعدد هائل من مليارات الدولارات. وألحت أمريكا على الحكومة اليابانية للتوقف عن إنتاج الأرز اكتفاءً باستيراده من أمريكا لسد جانب من العجز فى الميزان التجارى، وكذلك التوسع فى استيراد المصنوعات الأمريكية. وبرغم من الخزانة اليابانية تتحمل مبالغ طائلة لدعم زراعة الأرز فتزود الفلاحين من زراع الأرز بدعم يعادل نصف تكلفة الإنتاج، رغم ذلك كان سعر بيع الأرز للمستهلك مرتفعاً. وعندما ازداد الضغط على الحكومة اليابانية، فتحت الباب لاستيراد الأرز الأمريكى فى مطلع العام 1990، فظهرت فجأة بالأسواق كميات هائلة منه كان سعرها يقترب من نصف سعر الأرز اليابانى.
وعندما كان صاحبنا وزوجه يشتريان مئونتهما من أحد محال البيع بطوكيو، تنبهت الزوجة إلى وجود الأرز الأمريكى ماركة "أنكل رين"، فقد سبق لهما استخدامه أيام الإقامة فى قطر، فحمل صاحبنا كيساً منه وضعه على عربة المشتريات، وبدأ التحرك فى اتجاه ركن آخر من المحل، عندما اعترضت طريقه سيدة يابانية مسنة، وسألته باليابانية: "أيها الأجنبى .. من أى البلاد جئت؟" فأجابها بلغتها، وقدم لها نفسه باعتباره أستاذاً زائراً بجامعة طوكيو فقالت: "أنت تفهم اليابانية وتتكلمها، وأستاذ بجامعة طوكيو، معنى ذلك أنك صديق لليابان، ومصرى من بلد عبد الناصر، فكيف تأكل أرزاً أمريكياً؟!". كاد الخجل أن يقطع أنفاس صاحبنا، فاعتذر للسيدة زاعماً أنه لم يكن يدرك ذلك، وأعاد الكيس اللعين إلى الكومة الهائلة التى حمله منها، والتقط كيساً من الأرز اليابانى وضعه على عربة المشتريات، فإذا بكل زبائن المحل يصفقون تصفيقاً حاراً وينحنون تحيةً. عجيب أمر هذا الشعب الذى نظم مقاطعةً صامتةً للبضائع الأمريكية، حرصاً على مصالح بلاده الوطنية، دون أن يتوقع أمراً من أحد، ولكن ربات البيوت فى مختلف الأحياء كن وراء هذه المقاطعة التى كان لها أثرها البالغ فى دعم موقف حكومتهم.
[تحرير] بين القاهرة والدوحة
فضل صاحبنا أن تكون عودته من طوكيو إلى القاهرة عبر لندن، ليتوقف هناك أسبوعين يطلع فيهما –لأول مرة- على الوثائق البريطانية بدار المحفوظات العامة هناك، ولكنه تبين له أن الاطلاع موقوف حتى منتصف أكتوبر لإضافة الوثائق التى رُفع عنها حظر الاطلاع وخرجت عن نطاق السرية إلى فهارس الوثائق التى تُتاح للاطلاع. فقضى أسبوعاً واحداً، صرفه فى زيارة المتاحف والاطلاع على مكتبة المتحف البريطانى وجامعة لندن، ثم عاد مساء 5 أكتوبر 1973 لتتغير أحوال المنطقة، ويهتز العالم كله بعد أقل من 24 ساعة من عودته إلى أرض الوطن بقيام حرب السادس من أكتوبر، العاشر من رمضان، يوم العيد الكبير عند اليهود "عيد الغفران" (يوم كيبور). وتمنى لو كان فى اليابان عندئذ لاستطاع أن يخدم بلاده فى هذا الظرف التاريخى بدلاً من وقوفه موقف المتابع والمتفرج وهو بالقاهرة مكتوف اليدين. عاد إلى الجامعة فى فترة رئاسة الدكتور محمد أنيس للقسم ليجد نفسه ما يزال منبوذاً مهمشاً، أُسندت إليه مهمة تدريس مادة واحدة فقط بقسم المكتبات، وظل اسمه مجهولاً عند طلاب قسم التاريخ. ولذلك اقتصر حضوره على يوم واحد أسبوعياً هو يوم تدريس المادة التى أُسندت إليه يوم الاثنين من كل أسبوع، وكان اختياره لذلك اليوم يعود إلى كونه يوم انعقاد الجلسة الشهرية لمجلس القسم حتى لا يتحمل عناء الحضور خصيصاً يوم اجتماع القسم. وذلك برغم من تعليمات الجامعة كانت تقضى بضرورة الحضور أربعة أيام على الأقل أسبوعياً. وعندما نبهه رئيس القسم إلى ذلك مهدداً باتخاذ إجراء ضده، طلب منه أن يسرع باتخاذ هذا الإجراء حتى تُتاح له فرصة إعلان موقفه من تركه بلا عمل، وانتهى الموضوع عند هذا الحد. وزاد من حدة توتر العلاقة مع رئيس القسم الدور الذى لعبه صاحبنا فى الكشف عن قيام مدرس مساعد بالقسم بسرقة المراجع الهامة والنادرة من مكتبة القسم، وبيعها للباحثين الأجانب، وكشف التحقيق الذى أجرته الجامعة مع ذلك المدرس أنه كان يعرض على أولئك الطلاب الأجانب تقديم خدمات جنسية، وانتهى الأمر بصدور قرار مجلس التأديب بفصله من الجامعة. وكان صاحبنا عندما اكتشف الموضوع قد لجأ إلى رئيس القسم طالباً اتخاذ إجراء فأهانه، واتهمه بأنه إنما ينفذ "تكليفاً" من "المباحث" باعتباره "عميلاً" لها، لأن المشكو فى حقه "تقدمى". فلم يجد صاحبنا مفراً من اللجوء إلى العميد (السيد يعقوب بكر) ودارت عجلة التحقيق الذى انتهى بفصل المدرس المساعد.
سافر الدكتور محمد أنيس بعد هذا الحادث بشهور إلى العراق مُعاراً إلى جامعة بغداد، ثم انتقل منها إلى اليمن للتدريس بجامعة صنعاء، ثم إلى أبو ظبى مستشاراً لمركز الدراسات التاريخية هناك. وتخلل ذلك فترة عام ونصف العام قضاها بالقاهرة أستاذاً غير متفرغ بقسم التاريخ عندما كان صاحبنا رئيساً للقسم. وانتقل أنيس إلى رحاب الله عام 1986 دون أن تُتاح لصاحبنا فرصة إقناع الرجل بسلامة موقفه. ولعل أحداً لم يحزن على الرحيل المبكر لهذا الأستاذ الكبير مثلما حزن هو، فألقى محاضرةً بنادى أعضاء هيئة التدريس بالجامعة بين فيها فضله على الدراسات التاريخية فى مصر وعلى صاحب المحاضرة وأبناء جيله. كما كان فى مقدمة المتحدثين فى الحفل التأبينى الذى أقامته كلية الإعلام تكريماً لذكراه وذكرى أحمد حسين الصاوي، مبرزاً دور الفقيد فى تكوين بعض أعضاء هيئة التدريس بكلية الإعلام، منوهاً بما له من فضل عليه، وتم تكوين مجموعة من تلاميذه لإعداد كتاب يُنشر على شرف الفقيد إحياءً لذكراه، وأُسند التحرير إلى محمد جمال الدين المسدى، فلم يكن الاختيار موفقاً، لأنه لم ينجز ما أُسند إليه، برغم من إصراره على القيام به. بدأ العام الدراسى التالى للعودة من اليابان (1974-1975)، وصاحبنا ما يزال منبوذاً مُهمشاً، ولكنه كان مشغولاً بأمر أخيه صلاح الذى كان معيداً بالمعهد الصناعى بالمنيا ثم نُقل إلى المعهد الفنى بشبرا، وعندما أوشك على الانتهاء من إعداد رسالته للماجستير فى الهندسة الميكانيكية هاجر المشرف إلى كندا، وتعنت رئيس القسم بهندسة عين شمس معه، ورفض نقل الإشراف إلى مشرف آخر، وطالبه بإعداد موضوع جديد، ولما كانت مدة الخمس سنوات التى لابد أن يحصل المعيد على الماجستير قبلها قد أوشكت على الانتهاء. كان لابد من البحث عن مخرج حتى لا يفقد وظيفته الأكاديمية ويتحول إلى وظيفة فنية. ونجح فى الحصول على قبول من جامعة ليستر ببريطانيا للدراسة على نفقته الخاصة، على أمل أن يأتى الله بالفرج عندما يذهب إلى هناك، فيجد عملاً يساعده على تغطية نفقات الدراسة. وتقدم بطلب إلى وكيل وزارة التعليم العالى لشئون المعاهد للحصول على إجازة بدون مرتب للدراسة بالخارج.
طلب وكيل الوزارة ما يثبت وجود مصدر للإنفاق على الطالب أثناء وجوده بالخارج، وضرورة أن يكون لأحد أقارب الدرجة الأولى حساب بالعملة الصعبة، ولما كان صاحبنا -بعد عودته من اليابان- من أصحاب الحسابات بالعملة الصعبة، فكان لديه حساب به ألف ومائتا دولار بالتمام والكمال، فقد زود أخاه بسند من البنك يفيد ذلك، غير أن وكيل الوزارة لم يقتنع وطلب أن يكون للقريب مصدر دائم بالعملة الصعبة، كأن يكون مُعاراً بالخارج. وأُسقط فى يد صاحبنا وأخيه، ثم اتضح أن الموافقة يمكن أن تتم لو تم دفع خمسمائة جنيه لسعادة وكيل الوزارة، وهو ما لم يكن متوافراً لديهما. وسط الانشغال بهذه "المعضلة" تلقى صاحبنا استدعاءً من عميد الكلية (السيد يعقوب بكر) فذهب إلى مقابلته، وبادره العميد بعتاب أبوى، لأنه تعاقد مع قطر للعمل بكلية التربية دون أن يُعلمه بذلك. فدهش صاحبنا لأنه لم يتقدم بأى طلب إلى أى جهة بهذا الخصوص، وبالتالى لم يتعاقد مع أحد، وقال للعميد إن المعلومات التى وصلته غير دقيقة، فربما كان المقصود شخصاً آخر. فأطلعه العميد على خطاب موجه إليه من وزير التعليم بقطر يطلب إعارة صاحبنا لكلية التربية بالدوحة على وجه السرعة. وظن صاحبنا أن أستاذه أحمد عزت عبد الكريم ربما كان وراء تزكيته لأنه كان عضواً بلجنة ثلاثية من مديرى الجامعات المصرية، كلفتها حكومة قطر بإعداد مشروع إقامة جامعة، وقد نصحت هذه اللجنة حكومة قطر بأن تكون البداية إنشاء كلية للتربية، ولكن عندما استعلم من أستاذه عما إذا كان قد رشحه للعمل هناك، نفى الرجل ذلك تماماً. قال صاحبنا للعميد أنه لا يفكر فى الإعارة، ولا يعرف عن قطر سوى موقعها على خريطة الخليج، وليس حريصاً على الذهاب إلى هناك. فسأله العميد عما إذا كان لديه أبناء، فأجابه بأن له ولداً واحداً، فقال له "يبقى ده رزق ابنك، وعلى العموم إنت تشرف الجامعة فى أى مكان". وكان مجلس الكلية سوف يُعقد فى اليوم نفسه، فحمل العميد الخطاب معه وحصل على موافقة رئيس القسم (أحمد السيد دراج) وعُرض الموضوع على المجلس وتمت الموافقة عليه. وتبقى الحصول على موافقة الأمن على الإعارة (وكانت أساسية)، وقد تستغرق ما يزيد على الشهر (كما حدث عند سفره إلى اليابان)، ولما كانت الإعارة قد سعت إليه فى وقت دقيق حرج بالنسبة لتحديد مستقبل أخيه، فقد اعتبرها صاحبنا حلاً إلهياً لمشكلة وقف أمامها عاجزاً محبطاً، وتذكر صديقه عادل غنيم الذى كان مديراً لمكتب مدير جامعة عين شمس، ثم أصبح مديراً لمكتب وزير التعليم العالى (إسماعيل غانم)، فتوجه إليه حتى يساعده فى الحصول على موافقة الأمن فى أقصر وقت ممكن. وحكى لصديقه سبب الحاجة إلى العجلة، فروى له قصة أخيه مع وكيل الوزارة لشئون المعاهد العليا. استمع عادل غنيم إلى القصة كلها، دون أن يبدى رأياً، وعندما استأذن صاحبنا للانصراف، وعده أن يبذل جهداً لدفع إجراءات الأمن، وطلب منه العودة بعد أسبوع. وعندما ذهب إليه فى الموعد أبلغه صديقه أن موافقة الأمن سُلمت بالفعل للكلية منذ يومين وأنه يستطيع السفر متى شاء. وأطرق ملياً ثم ابتسم قائلاً: "وموضوع المهندس صلاح خلص أيضاً ويمكنه السفر متى شاء"، وقص عليه أنه نقل ما دار على لسانه إلى الوزير الذى استدعى وكيل الوزارة وأمره بالموافقة على الطلب، ثم نحاه عن موقعه كمسئول عن المعاهد، وجعله مستشاراً.
وهكذا فرج الكرب، وكانت أبواب السماء مفتوحةً على مصراعيها، فجاء خطاب الإعارة فى وقت الشدة، وكانت الخدمة التى أداها الصديق عادل غنيم له ولأخيه عملاً لا يقدم عليه إلا من كان على هذا المستوى من الخلق الكريم. وبعد أسبوع واحد سافر صاحبنا إلى قطر، وبعده بنحو أسبوعين، سافر صلاح إلى بريطانيا بعد استكمال الإجراءات. كانت الدوحة –عندئذ- قريةً حضرية، قريبة الشبه ببعض مراكز الأقاليم بمصر، ولا تصل إلى مستوى بنها أو طنطا، أو المنيا، أو أسيوط من الناحية العمرانية، ليس فيها من معالم "الدولة" سوى الديوان الأميرى والوزارات، وقصر الأمير. وكانت جميع شوارعها الفرعية غير مرصوفة. ولم يكن بها من الفنادق سوى فندق الخليج (خمس نجوم) وفندق الواحة (ثلاث نجوم)، وفندق الدوحة (نجمتان). أما "كلية التربية للمعلمين والمعلمات"، فكانت تقع فى مواجهة حى شعبى يسكنه غالبية من الفلسطينيين يسمى "فريق غزة" يقع على بعد 12 كيلو متراً من مدينة الدوحة على طريق الشمال، وتتكون الكلية من مبنى مدرستين إعداديتين (فى الأصل) إحداهما للبنين والأخرى للبنات تقع على بعد كيلو مترين من المبنى الأول على طريق فرعى يؤدى إلى كلية البنات وينتهى عندها. وكانت الإدارة ومكاتب الأساتذة بكلية البنين ومكاتب عضوات هيئة التدريس بكلية البنات، ولكن كان أعضاء هيئة التدريس من الذكور يقومون بالتدريس بكلية البنات، ولهم فيها غرفة استراحة، ولم يكن هناك مرحاض خاص بالرجال. وقد تغير هذا الوضع تدريجياً، فأصبحت هناك مكاتب للأساتذة بكلية البنات، وخُصص لهم مرحاض لاستخدامهم. التقى صاحبنا عميد الكلية الدكتور محمد إبراهيم كاظم (الذى أصبح مديراً للجامعة فيما بعد). وعلم منه أن الذى رشحه له هو صلاح العقاد (أستاذ التاريخ الحديث بكلية البنات) عندما اتصل به تليفونياً لهذا الغرض يسأله أن يدله على عضو هيئة تدريس لا توجد عوائق قانونية تحول دون موافقة جامعته على إعارته، ولم تمض 48 ساعة على هذا اللقاء حتى اصطدم بالعميد، ولذلك قصة تُروى. ذهب صاحبنا لإلقاء محاضرته الأولى على الطالبات مرتدياً بدلةً كاملةً ورباط عنق (تنفيذاً للتعليمات) رغم حرارة الجو فى نوفمبر. وكان عدد الطالبات حوالى 24 طالبة قدم لهن نفسه، ثم بدأ إلقاء درسه الأول، فإذا بالطالبات يتهامسن ويضحكن وهن ينظرن إليه، فظن صاحبنا أن ثمة عيباً فى هندامه، فولى وجهه شطر السبورة وتأكد من أن الأمر لا علاقة له بهندامه، فقال للطالبات: "هل هذا صف طالبات قسم العلوم الاجتماعية؟" فأجبن بالإيجاب، فقال صاحبنا: "ظننت أنى دخلت حمام السيدات بطريق الخطأ، ما هذه الوقاحة؟ إن قاعة الدرس لها قداسة قاعة الصلاة، ومثل هذا التصرف يجعلنى أنظر إلى أصحابه نظرة احتقار". ساد السكون التام حتى انتهى الدرس. وانتقل بعد ذلك إلى كلية البنين لإلقاء درسين آخرين وانتهى اليوم.
فى صباح اليوم التالى، فوجئ صاحبنا بسكرتير العميد ينتظره أمام الكلية، ويخبره بأن العميد يطلبه، فذهب إلى مكتب العميد الذى كان جالساً إلى مكتبه، وإلى جانبه يجلس محمد الشبينى (مدير مشروع اليونسكو)، فألقى التحية عليهما، فإذا بالعميد لا يرد التحية، ويقول له بحدة "عملت ايه امبارح فى كلية البنات؟"، فقص عليه ما حدث حرفياً، فثار وقال إن هذا التصرف غير لائق وغير مقبول، وإذا تكرر سيكون له شأن آخر. وهنا أحس صاحبنا أن كرامته قد جُرحت فقال للعميد إنه لا يقبل منه هذا الكلام، ولا يشرفه الاستمرار فى العمل معه، وأنه لم يتقاض مليماً من الكلية بعد، ويطلب تزويده بتذكرة سفر للعودة إلى القاهرة حيث ينتظره هناك طلاب يحرصون على حضور محاضراتهم، قصر فى حقهم بقبوله العمل فى مكان لا يعرف الفرق بين الجامعة والكُتَّاب. وطلب من العميد أن يدبر أمر إصدار التذكرة فى موعد أقصاه ظهر الغد، وأنه لن يحضر إلى الكلية إلا لتسلم التذكرة. واتجه صاحبنا إلى باب المكتب، فهب محمد إبراهيم كاظم واقفاً، وكذلك فعل محمد الشبينى، وطلبا منه الجلوس (ولم يكن قد طُلب منه ذلك من بداية المقابلة)، واعتذر العميد عما يكون قد أُسئ فهمه من كلامه، وسأل صاحبنا عن مكان السكن الذى أُعطى له، وقال له إنه سيزوره الساعة الرابعة بعد الظهر، فأكد صاحبنا أنه متمسك بموقفه، وأنه يفضل ألا يكلف العميد نفسه عناء الحضور إليه، وأن يكتفى بإرسال التذكرة فحسب، وسوف يقدم لحاملها تعهداً بسداد قيمتها بسفارة قطر بالقاهرة. كان صاحبنا قد استقر رأيه على العودة فعلاً، فجو العمل بالكلية لا صلة له بالجو الجامعى من قريب ولامن بعيد، والطلاب ضعاف المستوى، ومناخ البحث العلمى ملبد بالغيوم، كما إنه لا يقبل أن يُعامل معاملة الخدم. جمع أغراضه فى حقيبته، وقرر مغادرة الشقة فى الثالثة حتى يقطع على العميد فرصة الضغط عليه إذا جاء لزيارته فى الرابعة، فيكون رد فعله تجاهه جارحاً. وما كاد يخرج من باب العمارة حتى وجد العميد بسيارته المرسيدس أمامه، وقال له تفضل يا دكتور، فاعتذر صاحبنا له لارتباطه بموعد آخر، فابتسم الرجل وقال له إنه على استعداد لتوصيله. ركب إلى جانبه، وكرر الرجل اعتذاره عن سوء التفاهم الذى حدث فى الصباح، ثم وجده يتوقف أمام الفيلا سكنه ويدعوه إلى الدخول، وقدمه لزوجته أستاذ علم النفس الدكتور صفاء. ودعاه لتناول العشاء مع الأسرة فى الخامسة بعد ساعتين من حديث ودى، شرح له فيه ظروف قطر، والوضع الحساس لمجرد وجود كلية جامعية للبنات، خاصةً موقف وزير التعليم الشيخ جاسم بن حمد آل ثان (شقيق الأمير الشيخ خليفة) الذى لم يقبل أن يتولى الرجال التدريس للبنات إلا بصعوبة بالغة، وأن من الحكمة أن تُراعى هذه الظروف الاجتماعية، ونضعها فى الاعتبار. ولعبت الدكتور صفاء دوراً فى تطييب خاطره، وأعاده العميد إلى مقر سكنه مؤكداً له إنه يسعده أن يتعاون مع رجل مثله. وفى صباح اليوم التالى كان موعد محاضرة البنات، فاستهلها صاحبنا بأن موقفه لن يتغير مع أى محاولة للإخلال بنظام الدراسة، وأنه ليس حريصاً على التدريس لمن لا يستحقون أن يبذل جهد معهم. فوقفت إحدى الطالبات لتعلن له أن طالبات الصف يعتذرن له، وأن من قدم الشكوى ثلاث من الطالبات الفلسطينيات، أبلغن رئيسة القسم كوثر عبد الرسول فطلبت منهن إعداد شكوى مكتوبة وسلمتها إلى العميد. كانت تلك الطالبة مريم بنت خليفة بن حمد (كريمة الأمير).
وطوال السنوات الأربع التى قضاها صاحبنا فى التدريس بكلية التربية بقطر، حظى بتقدير احترام تلاميذه وتلميذاته واحترامهم، وخاصةً أنه كان –كعادته دائماً-يعطى لكل ذى حق حقه، فلا يكيل الدرجات لمن لا يستحق من أبناء الأسرة الحاكمة وبناتها، كما كان يفعل بعض زملائه، كما كان يترفع فى تعامله معهم ومع غيرهم من أبناء وبنات كبار التجاروبناتهم فى وقت كان بعض زملائه يتملقونهم ويلاحقونهم بطلبات عقود العمل للأقارب والمعارف، وغير ذلك من الطلبات التى كانت مثار ضيق العميد الذى اضطر أن يلغى إعارة اثنين من أعضاء هيئة التدريس لهذه الأسباب. كان عبء التدريس بسيطاً، وقدرة الطلاب على التحصيل محدودة، ولذلك كان لدى صاحبنا متسع من الوقت للبحث، فأعد الجزء الأول من مذكرات محمد فريد للنشر، كما أعد كتاب "الحركة العمالية فى ضوء الوثائق البريطانية" للنشر كذلك، طبعه على نفقته فى إجازة صيف 1975، ونشر خلال عامين ثلاثة بحوث عن تاريخ اليابان بالمجلة التاريخية المصرية ومجلة مركز دراسات الشرق الأوسط التابع لجامعة عين شمس، وكانت هذه الأعمال وغيرها من بين ما تقدم به من أعمال للترقية إلى وظيفة أستاذ مساعد بآداب القاهرة عام 1976. وفى صيف 1976 ذهب صاحبنا بأسرته الصغيرة إلى لندن حيث قضى إجازة الصيف فى الإطلاع على الوثائق البريطانية (لأول مرة) على نفقته الخاصة وصور منها مجموعة بالميكروفيلم والميكروفيش كانت أساساً للمزيد من البحوث التى أعدها فى السنوات التالية، إضافة إلى ترجمته لكتاب موريس دوب "دراسات فى تطور الرأسمالية" وكتاب "يوميات هيروشيما" لهاتشيا. وبذلك حول فترة الإعارة إلى ما يشبه "الإجازة الدراسية"، فأنتج خلالها من الأعمال التى نُشرت بالعربية والإنجليزية ما أتاح له التقدم إلى الترقية لدرجة أستاذ مساعد، ثم لدرجة أستاذ بمجموعة من الدراسات والأبحاث المبتكرة، بفضل استثماره الجيد لفترة الإعارة. فنشر آخر ما أعده من أبحاث أثناء تلك السنوات عام 1980 بعد عودته من الإعارة بعامين، وحصل على درجة الأستاذية –بجدارة- فى ديسمبر 1981.
وعندما عاد من الإعارة عام 1978 كانت حال قسم التاريخ بآداب القاهرة تدعو إلى الرثاء، فقد خرج معظم أساتذة القسم فى إعارات إلى الكويت والسعودية واستقال بعضهم من خدمة الجامعة حتى يستطيع التغلب على قواعد الإعارة والبقاء إلى ما شاء الله فى تلك البلاد، واضطر هؤلاء أن يعينوا على عجل بعض من لم يكتمل تكوينهم العلمى بعد مثلما فعل أستاذ العصور الوسطى للتغلب على مشكلة نسبة الإعارة، فكلف مدرساً بمساعدة المعيد على صياغة ما لديه من مادة خلال شهر، وناقش الرسالة، وحصل على الدكتوراه، وهو لا يعرف المبادئ المنهجية للبحث العلمى، وتدرج فى السلك الأكاديمى حتى وصل إلى الأستاذية دون أن يحسِّن مستواه العلمى، ودون أن يقدم عملاً مبتكراً، بل كانت كل أعماله إعادة إنتاج لموضوعات قُتلت بحثاً. وهكذا جنى الأساتذة على القسم بعدم اهتمامهم بتربية الكوادر لدعم تخصصاتهم، وعندما تركوا القسم، وسعوا فى مناكب الجامعات الخليجية أصبح القسم قاعاً صفصفاً، فكان لا وجه للمقارنة بينه وبين قسم التاريخ بجامعة عين شمس ولا نظيره بجامعة الإسكندرية. ولم يكن بالقسم –عند عودته- سوى أستاذ واحد للتاريخ الحديث يتولى رئاسة القسم (السيد رجب حراز) وأستاذ مساعد للعصور الوسطى نُقل من معهد الدراسات الإفريقية(محمد محمد أمين) لإتاحة فرصة الإعارة لزميل آخر وأستاذ تاريخ إسلامى (محمد أمين صالح) وأستاذ مساعد تاريخ قديم (السيد الناصرى)، ولم يكن به سوى معيدتين. مارس صاحبنا صلاحياته كأستاذ مساعد كاملةًً من حيث التدريس لمرحلة الليسانس وللدراسات العليا، وتولى رئاسة لجنة امتحان الفرقة الرابعة عام 1979- 1980، ولجنة رصد الدرجات، وعند إعلان النتيجة ثار رئيس القسم لوجود ثلاثة أوائل حصلوا على تقدير جيد جداً، ولام صاحبنا على إظهاره النتيجة على هذا النحو، وعدم إبلاغه قبل إعلانها، وعندما استفسر منه عما كان يمكن عمله، طالما أن الطلاب استحقوا هذه التقديرات بجهدهم، كشف رئيس القسم" المستور" فقال إن رئيس لجان الرصد فى السنوات السابقة (أستاذ مساعد العصور الوسطى الذى أُعير إلى السعودية) كان ينبهه دائماً فى حالة وجود طلاب يستحقون النجاح بتقدير جيد جداً، بأن يتم إنقاص درجات أعمال السنة بالقدر الذى يحول دون حصول أولئك الطلاب على تقدير يؤهلهم للتعيين فى وظيفة معيد. وتساذج صاحبنا، وسأل رئيسه عن الحكمة فى هذا الغبن، وحرمان الطلاب من حقهم، قال إن مستواهم العلمى لا يؤهلهم ليكونوا معيدين، فرد صاحبنا بأن ذلك يعنى أن ثمة خطأً ما فى التدريس أو التنظيم أو هما معاً، ولكن ذلك لا يعنى حرمان هؤلاء من فرصة إثبات قدراتهم، وفى قانون تنظيم الجامعات ما يكفل التخلص من المعيد الذى لا يستطيع المضى قدماً فى طريق الدراسات العليا، والمعيد –كطالب دراسات عليا- مجرد خامة يستطيع الأستاذ الجاد أن يصنع منه باحثا إذا توفر لديه الاستعداد لذلك. فقال رئيس القسم: "دول ولاد كلب خسارة التعب معاهم"! وهكذا شمر صاحبنا عن ساعديه لخوض غمار معركة جديدة فى هذا القسم التعيس، فقدم طلباً لرئيس القسم لعقد جلسة عاجلة لمجلس القسم للنظر فى تكليف المعيدين، فاستجاب له وعقد الجلسة، ولكن بعد أن رتب أموره مع الأعضاء. وعند طرح الموضوع اتجه إلى طرح سؤال على صاحب كل تخصص عما إذا كان فى حاجة إلى معيد؟ وكان الرد بالرفض، ولما كان رئيس القسم هو أستاذ التاريخ الحديث فقد أعلن أيضاً عدم حاجة التخصص لمعيد، كان صاحبنا يرقب الموقف ويعانى من الغيظ والاشمئزاز، وعندما تكلم طلب من رئيس القسم أن يثبت بالمحضر تحفظه على قرار عدم تكليف معيدين من خريجى الدفعة، واحتفاظه بحقه فى تقديم مذكرة بهذا الشأن إلى عميد الكلية وإلى رئيس الجامعة.
أُسقط فى يد رئيس القسم الذى عُرف عنه تملق الرؤساء والخوف منهم، فاتخذ النقاش وجهةً أخرى وتحول إلى مساومة، فأبدى استعداده لتعيين اثنين بشرط أن تُكلف الأولى فى الترتيب فى فرع التاريخ الإسلامى، عندئذ لا مانع عنده من تكليف الثانى معيداً للتاريخ الحديث. وبعد تمنع لعدة دقائق، هدد فيها صاحبنا بأنه على استعداد لخوض المعركة إلى النهاية، وفضح أسلوبهم ونشر القديم والجديد على الملأ، تم اتخاذ القرار بتكليف الاثنين، وصرف النظر عن تكليف الثالث فى الترتيب الذى حصل على فرصة للتعيين بآداب المنيا من خلال الإعلان. كان هذا الحدث على بساطته بادرة تحول فى مسيرة القسم. فعندما مات رئيس القسم فجأة فى أبريل 1982، أصبح صاحبنا رئيساً للقسم. وتولى خلال السنوات الست النى تولى فيها هذا المنصب العلمى إعادة بناء القسم بالكامل بفضل تعاون محمد محمود الجوهرى (عميد الكلية) معه، وتوفير كل ما طلبه من درجات، فتم تعيين خمسة مدرسين من حملة الدكتوراه بطريق الإعلان، وثلاثة عشر معيداً منهم اثنان بطريق الإعلان، وتم نقل أستاذ تاريخ إسلامى من آداب المنيا، وأستاذ مساعد تاريخ إسلامى من فرع الجامعة بالخرطوم. ودعم التاريخ القديم بعضو بعثة عاد من بريطانيا عام 1980. وتغلب صاحبنا على تعسف أستاذ التاريخ القديم، فسمح لمن عينهم معيدين بالتسجيل للدراسات العليا بآداب عين شمس. وتصادف أثناء رئاسته للقسم أن قرر مجلس الكلية تطوير لائحة الدراسة، فوضع برنامجاً جديداً لقسم التاريخ اهتم بإعداد الطالب إعداداً عصرياً، فتم التركيز على العلوم الإنسانية اللازمة لتكوين طالب التاريخ: الاقتصاد، والاجتماع، وفلسفة التاريخ، وأعطى المنهج اهتماماً خاصاً، كما تم تحديد المقررات التاريخية بما يحقق التكامل والتواصل بمختلف فروع التخصص. وكان هذا البرنامج يتسق تماماً مع المبادئ العامة التى أقرها مجلس الكلية، وطلب من الأقسام مراعاتها عند إعادة النظر فى مقرراتها الدراسية. وكان صاحبنا عضواً باللجنة المنبثقة عن مجلس الكلية لهذا الغرض والتى تولت مراجعة مقترحات الأقسام وصياغة مشروع اللائحة على مدى ما يقرب من نصف العام. ولكن معظم رؤساء الأقسام لم يرتاحوا لتلك اللائحة التى أنقصت من عدد ساعات التخصص لتفسح مكاناً للمواد المساعدة، واعتبر المغرضون من أعضاء هيئة التدريس أن ذلك عدوان مبين على سلطات الأقسام، واستُخدم "العلم" و "المستوى العلمى" كلمتى حق قُصد بهما باطل، فأعيد النظر فى اللائحة عام 1989 أثناء وجود صاحبنا أستاذاً زائراً لجامعة طوكيو لمدة عام انتهى فى 1990. فألغيت كل المواد المساعدة وقُلصت المواد المنهجية، وحلت محلها مواد وضعت لتخدم المصالح الشخصية لأعضاء هيئة التدريس وتضمن لهم توزيع كتبهم ومذكراتهم. ولم يراع أحد (بالنسبة لقسم التاريخ على الأقل) مبدأ التكوين العلمى لطالب التاريخ. وهى لائحة يتحمل وزرها وكيل الكلية –عندئذ- حسنين ربيع. وحاول صاحبنا أن يوجد لقسم التاريخ مكاناً فى الوسط الأكاديمى الوطنى والعربى والدولى، ويقضى على ظاهرة "الدكاكين" و"الشلل" التى سادت قسم التاريخ على مر السنين، فوضع خطة ذات اتجاهين: أولهما، تنظيم "سيمنار للتاريخ" يجمع بين مختلف فروع التخصص على صعيد واحد، يعقد مرتين فى الشهر، ويُدعى للاشتراك فيه باقة من أصحاب الاختصاص بمختلف الجامعات، ويُدعى له كذلك الزائرون الأجانب والعرب، ويشجع شباب الباحثين على المشاركة فيه. وعندما حقق السيمنار قدراً ملحوظاً من النجاح، أصبح أسبوعياً. أما الاتجاه الثانى فعقد ندوة على مدى ثلاثة أيام كل عامين، كانت أولاها عن "مصر وعالم البحر المتوسط" حضرها مشاركون من أوروبا والوطن العربى، وكانت الثانية أوسع وأكبر حجماً عن "العرب فى إفريقيا" شارك فيها عدد أكبر من العرب والأجانب إضافةً إلى نخبة متميزة من المصريين، أما الموضوع الثالث فكان "العرب وآسيا" وتم عقد الندوة بعد ترك صاحبنا لرئاسة القسم بشهور. وتم نشر أعمال ندوة البحر المتوسط، وندوة العرب فى إفريقيا فى كتابين ضم كل منهما البحوث التى قدمت إلى الندوتين.
وقبل إنهاء مدة رئاسته الثانية للقسم، أصدر مجلة "المؤرخ المصرى"، وصدر العدد الثانى منها قبل نهاية مدة رئاسته للقسم. التى كانت نهاية لسيمنار التاريخ، لأن خلفَه فى رئاسة القسم لم يرتح لهذه "البدعة"، التى تمثل تبديداً للجهد "دون عائد مادى"!! واختفت الندوات السنوية بعدما أصابها الهزال، واستخدمت لتملق السعوديين والخليجيين ووُجهت لخدمة المصالح "المادية" الشخصية لمنظمها. ولكن حافظ رئيس القسم على مجلة "المؤرخ المصرى" بعدما تحولت إلى مصدر للكسب، تُنشر فيها بحوث أعضاء هيئة التدريس السعوديين والخليجيين مقابل مبالغ معينة تُدفع بالدولار. كما أصبحت المجلة تُفرض فرضاً على الطلاب، وتدهورت قيمتها العلمية بعدما أصبح التحكيم فيها شكلياً. واهتم صاحبنا أثناء رئاسته للقسم برعاية المعيدين وشباب الباحثين، ومعاملتهم معاملة أبوية، وبث قيم التنافس والتعاون العلمى بينهم، والاعتزاز بالكرامة، والتمسك بالتقاليد العلمية الجامعية المتعارف عليها، والحرص على التعبير عن الرأى بحرية حتى أن بعض زملاءه اتهمه بخرق القاعدة الذهبية التى تقول بضرورة الاحتفاظ بمسافة واسعة بين الأستاذ وتلاميذه، وحذره من سوء عاقبتها على "هيبة الأستاذية"!. ولكن صاحبنا شعر بالأسى والأسف، لأن معظم أولئك الذين رباهم على تلك القيم قبلوا أن يُعاملوا بامتهان وإذلال دون احتجاج، واتخذ معظمهم موقعه فى لعبة التشرذم والتحزب التى عادت إلى القسم فى عهد خلفه، حتى من كَوَّنهم فى تخصصه لم يحقق الكثير منهم أمله فيهم، فتحولوا إلى باعة للمذكرات والملخصات، وملخصات الملخصات، ونماذج الأسئلة والإجابات، برغم من أن بعضهم قضوا سنوات طوالاً فى الإعارة كفتهم مئونة الحاجة إلى التكسب عن طريق مجاراة الفساد.
فالعبرة –على ما يبدو- بالمناخ الذى عاشته الجامعة فى العقد الأخير من القرن العشرين، وخاصة النصف الثانى من ذلك العقد، من حيث تردى مستوى الأداء بين أعضاء هيئة التدريس، وتفكك الروابط الجامعية، وتحول الجامعة إلى "مدرسة" عليا، واختلال معايير تقييم أعضاء هيئة التدريس بلجان الترقيات. أو بعبارة أخرى، انعكاس الفساد الذى تفشى فى المجتمع على الجامعة، هذه كلها عوامل بددت حلم صاحبنا فى أن يقدم للجامعة كوادر من نوع جديد، قادرة على مواكبة التطور العلمى فى عالم سريع التغير، فقد شدت منظومة التخلف الذى عانته الجامعة أولئك الكوادر إلى دائرتها المفرغة، وغلب نداء المصالح الشخصية الآنية على مبدأ الصالح العام، بل اختلطت الأوراق فأصبح العمل من أجل المصلحة الشخصية يُبَرر باعتباره "خدمةً" للصالح العام. قليل ممن دخلوا القسم على يديه تنزهوا عن الغرض، وسلموا من وباء الانتهازية، وتمسكوا بالقيم الجامعية الأصيلة، والتفانى فى خدمة وطنهم من خلال أدائهم لرسالتهم الجامعية، على رأسهم عُبادة كُحيلة. ولكن هؤلاء عانوا من الاغتراب فى مناخ ملوث بالفساد، وصبروا على ما تعرضوا له من متاعب، وكافحوا من أجل الإصلاح، وخسروا الكثير من المزايا المادية التى جناها المنافقون الانتهازيون الذين حددوا مواقفهم حسب البوصلة التى تحدد اتجاه العناصر التى أدارت القسم والكلية والجامعة. لم يكتف صاحبنا بإعادة هيكلة القسم فى السنوات الست التى أدار فيها شئونه، بل استعان ببعض الأساتذة البارزين بالجامعات الأخرى للتدريس فى السنوات الأولى من فترة رئاسته لسد الفراغ الناشئ عن تقلص هيئة التدريس للأسباب سالفة الذكر. وكان الحرس القديم الذى ترك القسم مستقيلاً للعمل بجامعات الخليج، والذين تجاوز غياب بعضهم خمسة عشر عاماً، استبد بهم القلق لما شهده القسم من بناء جديد لهيكله الأكاديمى، فقد كان أملهم أن يلعب القسم بالنسبة لهم دور المؤخرة التى يتقهقرون إليها عندما تستغنى تلك الجامعات عن خدماتهم، بحجة وجود "حاجة" شديدة إليهم لعدم وجود أعضاء هيئة تدريس بالقسم يكفى لتحمل أعباء التدريس به. ولذلك حاولوا –غير مرة- إحباط مساعى صاحبنا لاختيار بعض العناصر التى كان القسم فى أمس الحاجة إليها، ولكنه نجح –فى معظم الحالات وليس كلها- فى إحباط مساعيهم. برغم من ذلك لم يغلق أبواب القسم أمام من عاد منهم طالباً التعيين كأستاذ غير متفرغ، فسارع إلى تلبية طلباتهم، وحرص على أن ينال كل منهم الاحترام الواجب. وتحمل بصبر جميل التصرفات غير اللائقة التى بدرت من بعضهم. فقد كان يدرك تماماً أن عجلة التطور قد دارت إلى الأمام، ولا يملك أحد إيقافها. وبرغم من كل السلبيات التى بدت بعد تركه لرئاسة القسم، وعودة الأمراض القديمة مرة أخرى بمساعدة الحرس القديم، إلا أن شكل القسم تغير –نسبياً- بصورة واضحة. وهكذا كانت جهود صاحبنا لإعادة بناء الهيكل العلمى للقسم تلقى درجات مختلفةً من المعارضة الصريحة والخفية على حد سواء، أى محاولة وضع العقبات أمام صنع القرار فى مجلس القسم، أو حشد بعض العناصر من أعضاء مجلس الكلية لإعاقة اتخاذ المجلس لقرار أفلت من حصارهم فى مجلس القسم نتيجه موافقة الأغلبية عليه، وهى صعاب أكسبت صاحبنا قدرةً على المناورة التى وظف فيها معرفته الدقيقة بالقوانين واللوائح الجامعية، واستخدام السوابق المناظرة حتى لو قدم بها العهد.
ولكن أغرب ما واجهه صاحبنا المعارضة المستميتة من جانب بعض عناصر الحرس القديم لانتداب أستاذ مرموق فى تخصصه للتدريس بالقسم هو الدكتور يونان لبيب رزق لكونه قبطياً، وبلغ الاعتراض حد الصدام بين صاحبنا ومحمد محمد أمين الذى هاج وقال لصاحبنا إن الله لن يغفر له هذا الجرم، لأن الأستاذ سوف يكيل الدرجات للمسيحيين على حساب المسلمين. وكان صاحبنا شديد الصرامة فى مواجهة عنصرية هذا الزميل ومن كان يسانده من طرف خفى، على طريقة "وماله ... مفيش داعى نعكر جو القسم.. فيه غيره كثير... ليه نخسر بعض على مسألة زى دى"، فأعلن صاحبنا لهما بوضوح أنه لا يقبل التمييز بين المصريين، وأنه مستعد أن يخسر القسم كله، ولا يضحى بمبادئه التى تربى عليها. وفى نهاية العام الدراسى، حرص محمد محمد أمين على المطالبة بأن تُسند إليه لجنة رصد درجات الامتحان للفرقة التى قام يونان لبيب بالتدريس فيها، وعندما فرغت اللجنة من عملها، جاء إلى صاحبنا معتذراً عما بدر منه من اعتراض على انتداب الأستاذ، لأنه اكتشف أن معيار تقييم الطلاب عنده لم يختلف عنه عند غيره. ولم يقبل صاحبنا الاعتذار، بعدما لقن الرجل درساً فى الأخلاق. وتكررت المشكلة نفسها بصورة أخرى، فقد كان بين أوائل الخريجين بدفعة 1986 طالبة قبطية كان ترتيبها الثانى بين ثلاث خريجات حصلن على تقدير جيد جداً. وكان صاحبنا يتولى التدريس للفرقتين الأولى والرابعة، فيهتم فى الفرقة الأولى باكتشاف العناصر المبشرة بين الطلاب من خلال مناقشاتهم معه، وأدائهم. واعتباراً من الفرقة الثانية يتابع كلاًمنهم، فمن استمر واعداً فى الفرقة الرابعة يهتم بتشجيعه ورعايته. وكانت الخريجات الثلاث من بين من تابعهم ورعاهم من طلاب الدفعة، واطمأن إلى أنهن يمثلن خامة جيدة تصلح للتكوين العلمى، فتقدم إلى مجلس القسم باقتراح تكليف الطالبات الثلاث معيدات بالقسم، على أن تكون الأولى والثانية فى فرع التاريخ الحديث والثالثة فى فرع التاريخ الإسلامى.
وهنا اعترض حسنين ربيع (أستاذ تاريخ العصور الوسطى ووكيل الكلية عندئذ) على تعيين معيدتين بالتاريخ الحديث طالباً الاكتفاء بواحدة، وعندما نبهه صاحبنا إلى أنه أستاذ التخصص وهو الأدرى بحاجته، انفعل ربيع وقال إن القسم تخلص من هؤلاء قبل ما يزيد عن خمسين عاماً، فلا يجب أن يُسمح لهم بدخوله على يدى صاحبنا، وكان يقصد التخلص من عزيز سوريال عطية عام 1944، بنقله إلى آداب الإسكندرية وعندما ضاقت به السبل هناك، هاجر إلى أمريكا، وأصبح من أعظم علماء العالم ويعد برنارد لويس (أستاذ ربيع) نكرةً مقارنة بعزيز سوريال عطية. ولم يكن باستطاعة صاحبنا أن يدع الأمور تأخذ هذا المجرى دون وقفة حازمة بين فيها مدى الخسارة التى لحقت بالقسم نتيجة التخلص من عزيز سوريال عطية، وتدهور التخصص على أيدى من خلفوه. وأن المعروض تعيين معيدة يحتاج إعدادها إلى ما قد يصل إلى عشر سنوات لتصبح مدرسة بالقسم، وانه لو وجد أستاذاً قبطياً يرغب فى النقل إلى القسم سوف يحارب من أجل ضمه للقسم إذا كان على درجة كافية من الكفاءة. وعند التصويت على قرار التكليف وافق الجميع ولكن ربيعاً لزم الصمت، فلم يعترض ولم يوافق. تحسَّب صاحبنا لموقف ربيع، فهو يعرفه جيداً منذ وطأت أقدامه القسم معيداً بالماجستير، وكان ربيع –عندئذ- مدرساً عاد لتوه من البعثة بلندن، ويعرف أيضاً طرقه فى الدس، وحشد بعض من هم على شاكلته من أعضاء مجلس الكلية لإحباط مساعى صاحبنا لتطوير القسم. وكان يدرك –تماماً- أنه بحكم موقعه كوكيل للكلية سوف يدبر مكيدة ما لمنع قرار تكليف الطالبة القبطية. وقبل انعقاد مجلس الكلية بيوم واحد اتصل صاحبنا بمديرة مكتب عميد الكلية يسألها عن جدول أعمال المجلس، وعما إذا كان قد أدرج فيه تكليف المعيدين، فردت بالإيجاب، فسألها عن أسماء من رشحهم قسم التاريخ، فذكرت اسمين فقط، ليس من بينهما الطالبة القبطية، ولما سألها عن سبب عدم إدراج اسمها تنفيذاً لقرار القسم المبلغ رسمياً للعميد، قالت أن الدكتور ربيع ذكر أن القسم يرجئ ترشيحها للمزيد من دراسة الموضوع، فاستجاب العميد له. كان هذا التصرف من جانب العميد مخالفاً تماماً للقانون ، لأن قرار مجلس القسم يجب عرضه على مجلس الكلية كما هو دون تغيير أو تبديل، ولمجلس الكلية وحده سلطة الاعتراض مع بيان أسباب موضوعية لذلك، كما إن التقاليد الجامعية تقتضى بأن يراجع العميد رئيس القسم إذا شاء فى أى قرار يصله من القسم فإذا تمسك رئيس القسم بقرار القسم، وجب عرضه على مجلس الكلية كما هو. كان الموقف دقيقاً للغاية، فإذا مرت جلسة مجلس الكلية دون تكليف الطالبة المعنية، كان من الصعب تدارك ذلك فى جلسة أخرى بعشرات الحجج، منها ما أثاره ربيع بمجلس القسم من الاكتفاء بمعيد واحد فى التخصص، فتضيع القضية المبدئية التى يراها أساسية، وتختفى العنصرية والتعصب وراء ستار "الصالح العام". هنا قرر صاحبنا أن يلقن العميد (عبد العزيز حمودة) درساً قاسياً، فكتب على الفور خطاب استقالة "من خدمة جامعة مبدأها التمييز بين المصريين على أساس الدين، ودينها التعصب الأعمى" وأوضح أن استقالته إنما جاءت احتجاجاً على تلك الواقعة، وطلب من العميد رفع الاستقالة إلى السلطات الجامعية. وأرسل خطاب الاستقالة إلى مكتب العميد دون وضعه فى ظرف، ليُسلم على "السركى". وكان القصد من ذلك أن يقرأه كل من هب ودب قبل أن يقرأه العميد نفسه، وأن تُطَيِّر "وكالة أنباء النميمة" الخبر بين ربوع الكلية. فإذا رفعت الاستقالة إلى السلطات الجامعية لا يمكن قبولها –بحكم القانون- إلا بعد إجراء تحقيق فى الأسباب الواردة بها. بدأ صاحبنا يجمع أوراق مكتبه استعداداً لمغادرته، ولم تمض أكثر من نصف الساعة حتى وجد عبد العزيز حمودة أمامه وبيده خطاب الاستقالة، وقال لصاحبنا "إنت عاوز تودينى فى داهية، أنا مالى ... إن شاء الله تعين عشرة أقباط، أنا ما عنديش مانع" ومزق خطاب الاستقالة، وذكر له أنه فهم كلام ربيع معه عن هذه الحالة أنه تطور تال لقرار القسم، وأنه تحدث بناء على تكليف من صاحبنا.
ومر الموضوع بمجلس الكلية، وأصبحت هناك معيدة قبطية بقسم التاريخ لأول مرة فى تاريخه، أصبحت مدرساً بالقسم بعد حصولها على الدكتوراه بعدما بذل صاحبنا جهداً فى تكوينها وإعدادها. ورغم أن ربيعاً تسلق مناصب الجامعة، فكان عميداً للكلية ثم نائباً لرئيس الجامعة، إلا انه لم ينس لصاحبنا ما فعله بالقسم من "تشويه" (من وجهة نظره)، وظل يتخذ دائماً فى كل مسألة الموقف المعارض له. فعندما فضح صاحبنا حامد زيان، وضغوطه على أعضاء هيئة التدريس أثناء رئاسته للقسم لتحصل ابنته على أعلى الدرجات ويتم تعيينها معيدة، كان الموقف الطبيعى لربيع فى صف الفساد، ولعب الدور الأكبر فى الحيلولة دون فتح تحقيق فى الموضوع الذى كانت أدلته واضحة، مستغلاً فى ذلك صلته الشخصية بنجيب الهلالى جوهر رئيس الجامعة الذى اتخذ منه مستشاراً له، فتم تعيين ابنة رئيس القسم، ولم يعد أمام صاحبنا والعناصر الشريفة من أساتذة القسم سوى اللجوء إلى القضاء. كذلك حرص ربيع على إعادة ترتيب أقدميات الأساتذة بما يمكنه من الهيمنة على القسم من خلال من ساق إليها التلاعب بالأقدميات رئاسة القسم. فاستغل رئاسته للجنة العلمية لترقيات الأساتذة والأساتذة المساعدين، وكانت لجنة سباعية عين أعضاءها وحدد شخص رئيسها وزير التعليم العالى. من ذلك تعطيل البت فى ترقية عُبادة كُحيلة إلى درجة أستاذ (رغم ورود تقارير الفاحصين بجدارته للترقية) عدة أشهر بحجة استيفاء شرط النشر لأحد الأبحاث المقدمة، وهي حجة غير صحيحة حتى تمت ترقية ليلى عبد الجواد التى تقدمت بعده بما يزيد على الشهر، وبذلك أصبحت الأقدم وتأهلت لرئاسة القسم. على حين حُرم عُبادة كُحيلة من حقه الطبيعى ظلماً وعدواناً، بفضل تواطؤ بعض أعضاء اللجنة مع ربيع، وسلبية البعض الآخر.
[تحرير] موعد مع الرئيس
كان صاحبنا من أبناء الجيل الذى عاصر احتضار العصر الملكى، وعاش ثورة يوليو العظيمة بوعيه التام. شارك وهو بالمدرسة الثانوية فى مظاهرات 1954 المطالبة بالديموقراطية، وتطوع فى الحرس الوطنى مرتين: أيام عدوان 1956، وعشية هزيمة يونيو 1967. وشارك فى المظاهرات المعادية للأحلاف والمؤيدة للحياد الإيجابى أيام الدراسة بالجامعة، ومظاهرات التأييد للوحدة المصرية السورية، والمظاهرة الكبرى التى شهدتها القاهرة عشية الانقلاب على الوحدة، وهى التى سار فيها على الأقدام من شبرا إلى جامعة القاهرة، ووقف عبد الناصر يخطب فى الطلاب على سلم مدخل إدارة الجامعة، وكان من حظ صاحبنا أن موقعه كان لا يبعد عن الزعيم الصامد سوى ثلاثة أمتار تقريباً. ومشى مع الجماهير التى فجعت بهزيمة 1967 وتنحى الرئيس، مظاهرات 9، 10 يونيو 1967، فسار من شبرا إلى مجلس الشعب، وكان من المبتهجين باستجابة الرئيس لنداء الجماهير، بقدر ما أصابه الهم والحزن عندما بدأت المحاكمات تكشف القصور الخطىًر فى القوات المسلحة، فضلاً عن سوء إدارة الأزمة التى أدت إلى وقوع مصر فى فخ الهزيمة. ولم يحزن على أقرب الناس إليه مثلما حزن على وفاة عبد الناصر. وتابع بقلق شديد سياسات السادات الداخلية والخارجية، وانتشى فرحاً بما حققته القوات المسلحة من ثأر لهزيمة 1967، بقدر ما اكتأب عندما وقعت الثغرة. واستشرف الخطر وهو يتابع الطريقة التى أدار بها السادات الأزمة، وتمنى لنفسه الموت قبل أن يرى رئيس مصر معتلياً منصة الكنيست بالقدس، واضعاً (99% من أوراق اللعبة) بيد القوة الإمبريالية المساندة للصهيونية.
لم يكن صاحبنا نموذجاً فريداً فى ذلك كله، فهو شأنه شأن غيره من السواد الأعظم من الشعب المصرى من الفلاحين والعمال، كان صنيعة ثورة يوليو، ومن أصحاب المصلحة الحقيقية فى نجاح برنامجها. ولكنه لم يكن من "دراويش" الثورة الذين ينخرطون فى "أذكار" المناقب، بل كان ممن ينظرون نظرة نقدية إلى الممارسات السياسية، فيقدر ما كان إيجابياً منها. وتوجس خيفة على إنجازات الثورة، والاستفتاءات التى حولت هذه الآلية الديموقراطية إلى مهزلة حقيقية، وتعاظم دور الأجهزة الأمنية وتعددها، وكبت كل صوت ناقد باعتباره معارضاً خارجاً على النظام. والزج بالفصائل السياسية المعارضة فى المعتقلات حيث تهدر آدميتهم، وتشرد عائلاتهم.
ورغم ما كان يكنه من إعزاز وتقدير لعبد الناصر كزعيم وطنى، ومناضل عظيم ضد الاستعمار، وبطل للتحرر الوطنى، هاله مفهوم عبد الناصر للحرية السياسية والذى طرحه فى خطابه الذى ألقاه بمناسبة المظاهرات الطلابية والعمالية التى قامت احتجاجاً على أحكام الطيران، ونادت بالحرية السياسية "عاوزين حكومة حرة ... العيشة بقت مرة"، وذلك بعد اقل من عام على مظاهرات 9، 10 يونيو التى خرجت فيها الجماهير نفسها تعلن تمسكها بعبد الناصر. فقد استنكر الزعيم فى خطابه المطالبة بالحرية، واعتبر أن الحرية تعنى تكافؤ الفرص، وإتاحة فرصة التعليم والعمل والسكن أمام المواطنين، أى إنه ليس من شأن الجماهير مناقشة أى قرار سياسى فضلاً عن أن يكون لهم حق المشاركة فيه. وكان صاحبنا يرى أن عبد الناصر أهدر ظرفاً تاريخياً جلبته الهزيمة كان باستطاعته الاستفادة منه بإجراء إصلاح سياسى حقيقى تتخلص فيه البلاد من فساد التنظيم السياسى، والمؤسسات البيروقراطية، وتوحش أجهزة الأمن، ويصحح مسار التجربة كلها.
لقد كان عبد الناصر منحازاً انحيازاً تاماً للفقراء، وقدم لهم من المنجزات ما لم يتحقق فى تاريخ مصر من قبل ولا من بعد. ولكنه كان شديد الحذر من الاعتماد السياسى على الجماهير، وتنظيمها سياسياً ومشاركتها فى صنع القرار، مكتفياً بما له من شعبية عندهم، وهى وحدها لا تكفى لحماية النظام وقت الخطر، وهى نفسها الثغرة التى نفذ منها السادات لتصفية ثورة يوليو وإهدار إنجازاتها التنموية، وإثارة مناخ التعصب الدينى الناجم عن إفساح الساحة أمام التيار الإسلامى السلفى الرجعى الذى عرض الوحدة الوطنية للخطر، وأهدر أو كاد ما حققته الوحدة الوطنية من منجزات منذ ثورة 1919.
ورغم انتماء صاحبنا إلى ثورة يوليو قلباً وقالباً، وإلى الطبقة الاجتماعية التى ردت لها الثورة اعتبارها، وحفظت كرامتها، وفتحت أمامها أبواب الحراك الاجتماعى، إلا أنه عزف عن الانتماء إلى تنظيماتها السياسية من "هيئة التحرير" مروراً "بالاتحاد القومى" إلى "الاتحاد الاشتراكى العربى"". فقد رأى رأى العين العناصر الوطنية الشريفة التى كانت على أتم استعداد للتضحية بحياتها دفاعاً عن الثورة تتعرض للعزل السياسى، وتفقد حقوقها فى المشاركة فى العمل السياسى والنقابى بسبب التقارير التى كان يكتبها الانتهازيون الذين لبسوا لباس حماة الثورة، وكانوا –فى حقيقة الأمر- معاول هدم لها. وهكذا غلب على التنظيم السياسى مواكب النفاق والانتهازية من القاعدة إلى القمة. ولا أدل على ذلك من اشتراك هذه العناصر ذاتها فى تصفية منجزات الثورة على مر العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين. وهكذا كان صاحبنا يتخذ لنفسه مكاناً بين "الأغلبية الصامتة"، ولكنه يخرج عن صمته فى محاضراته إلى تلاميذه وفى بعض المقالات التى كان يكتبها هنا وهناك، ناقداً لسياسة القطاع العام، أو معبراً عن رأيه فى القضايا العامة، أو محذراً من المساس بالوحدة الوطنية، القاعدة الصلبة للشخصية المصرية، والضمان القوى لتماسك المجتمع المصرى. وكان له شرف الاشتراك مع نخبة من كبار المثقفين فى تأسيس "الجمعية المصرية للوحدة الوطنية" فى أواخر الثمانينيات من القرن العشرين. ولم يقدر لصاحبنا الاحتكاك بأهل السلطة إلا فى عهد السادات، وكانت نتيجة ذلك الاحتكاك سلبية. فبعد عودته من قطر، وذات صباح من منتصف نوفمبر 1978، تلقى مكالمة تليفونية بقسم التاريخ بآداب القاهرة قدم له المتحدث نفسه على أنه من رئاسة الجمهورية، وأخبره أنه "مكلف" بحضور اجتماع بعد غد له صفة سرية، وأن عليه أن يحضر معه ما يكفيه من ملابس لمدة ليلتين أو ثلاث ليال. وعندما قال صاحبنا لمحدثه إنه قد لا يتمكن من الحضور لمشاغل وارتباطات أخرى، قال محدثه أن التعليمات التى لديه عدم قبول أى اعتذار، وانتهت المكالمة. دُهش صاحبنا من هذه المكالمة، وخاصةً أنه لا صلة له بمؤسسات السلطة، كما كان غائباً عن البلاد لمدة أربعة أعوام، ولم تكن له روابط بأى "شلة" داخل الجامعة أو خارجها. وقدر أن المكالمة ربما كانت مقلباً سخيفاً دبره شخص ما على سبيل الدعابة "السخيفة"، واستعرض فى ذهنه أسماء الأصدقاء الذين قد يكون صاحب المكالمة منهم فلم يجد بينهم من يقدم –فى تقديره- على مثل تلك الصغائر. وهداه تفكيره إلى الاتصال بصديقه الدكتور جمال زكريا قاسم عميد آداب عين شمس، ليستعلم له عن الموضوع عن طريق صهره الذى كان ضابطاً برتبة لواء فى الحرس الجمهورى. وعندما اتصل بجمال زكريا، اتضح أنه تلقى مكالمةً مماثلة، وأنه –أيضاً- يتشكك فى صحتها.
فلما اقترح عليه صاحبنا الاتصال بصهره لاستطلاع جلية الأمر، أعجبته الفكرة وقام بتنفيذها، وعاود الاتصال بصاحبنا ليبلغه بصحة الأمر وجديته، واحتمال أن يكون هناك اجتماع بالإسماعيلية، أما موضوعه فغير معروف. عندما وصل صاحبنا إلى مكان التجمع بمعهد الدراسات الاشتراكية بمصر الجديدة فى الثامنة صباحاً وجد حشداً من أساتذة الجامعات فى تخصصات: الاجتماع والعلوم السياسية والاقتصاد، والتخطىًط، والتاريخ الذى كان يمثله جمال زكريا ومحمود متولى وصاحبنا. وبرغم من وجوهاً كثيرة بين الحضور كان لا يعرفها صاحبنا، إلا أنه ادرك أن الاختيار كان –على ما يبدو- عشوائياً، روعى فيه التركيز على من لم تكن لهم صلات بالاتحاد الاشتراكى، وإن كان اختيار محمود متولى ضمن هؤلاء يشى بعدم دقة المعلومات لدى من قام بالاختيار. فقد كان الرجل من العناصر التى هوت التسلق على كل تنظيمات الثورة، وله كتاب ضخم نُشر فى منتصف الستينيات بعنوان "الاتحاد الاشتراكى وعاء الديموقراطية"، وكان زملاؤه يفضلون دائماً أن يستبدلوا بكلمة"وعاء" كلمة "طشت" كلما ورد ذكر الكتاب على لسان أحد، وكان رجلاً بريئاً من شبهة "القدوة" فكان وجوده (على ما هو معروف عنه) يوحى بعدم الاطمئنان إلى من لا يعرفهم صاحبنا وصديقه جمال زكريا بين ذلك الحشد، الذين اتضح –بعد قليل- أن نصفهم تقريباً كانوا من ضباط المخابرات الذين دسوا بين أعضاء هيئة التدريس المدعوين.
شُحن القوم فى ست سيارات ميكروباص تتبع إحدى شركات السياحة (تبين أنها تابعة للمخابرات)، وكان بكل سيارة شخص بادر الركاب بتحية الصباح معلناً انه "مندوب الرياسة" وأن وجهة الركب الإسماعيلية. وعندما وصل الركب إلى الإسماعيلية وجدوا أنفسهم أمام المبنى القديم لإدارة شركة قناة السويس، وكان فى استقبالهم عثمان أحمد عثمان، ومنصور حسن (وزير الثقافة) الذى كان من أمناء الحزب الوطنى الديموقراطى الذى أسسه السادات بديلاً للحزب الذى أسسه فى إطار تحويل الاتحاد الاشتراكى إلى منابر ثم أحزاب، وحمل اسم "حزب مصر العربي الاشتراكى"، ثم عندما أسس السادات "الحزب الوطنى الديموقراطى" هرع أعضاء حزب مصر الاشتراكى إلى حزب الرئيس، وتركوا حفنة من الأعضاء يحملون لافتة حزب مصر الاشتراكى ممن كان انضمامهم بدافع مبادئهم وليس نفاقاً لحامل صولجان السلطة.
صافح عثمان أحمد عثمان ومنصور حسن المدعوين ورحبوا بهم، وعندما دخلوا وجدوا أنفسهم فى قاعة اجتماعات تتسع لحوالى ثمانين شخصاً، صفت مقاعدها فى نحو ثمانية صفوف بكل منها عشرة مقاعد، تتصدرها منصة عريضة بجوار المدخل، تتسع لأربعة أو خمسة أفراد. واتخذ المدعوون مقاعدهم، ولاحظ صاحبنا أن جيب سترة الجالس بجواره بها جهاز لاسلكى ينقل إشارات متبادلة مع الأمن، وضع الرجل فمه داخل الجيب الداخلى للسترة للرد عليها. وسرعان ما اكتشف أن الجلوس رُتب على أساس أن يجلس فى كل صف ستة من أعضاء هيئة التدريس بينهم أربعة من ضباط المخابرات، واحد منهم على كل طرف، واثنان بين الجلوس. وبعد نصف ساعة تقريباً دخل السادات القاعة يتبعه محمد حسنى مبارك (نائب الرئيس)، واتجه السادات عبر الممر الجانبى للقاعة إلى الصف الأخير وصافح الجميع فرداً فرداً (بما فى ذلك ضباط المخابرات) حتى وصل إلى الصف الأول ثم جلس إلى المنصة وعن يمينه نائب الرئيس، وعن يساره عثمان أحمد عثمان يليه منصور حسن. وخلت القاعة من رجال الصحافة والتليفزيون وكاميرات التصوير، فقد حرص منظموه على عدم وصول أخباره إلى الإعلام. ساد الصمت القاعة بعدما اتخذ الرئيس مجلسه وكانت أنظاره متجهةً إلى سقف القاعة، أما النائب فكان نظره على القاعة، وقد ضم يديه إلى بعضهما البعض فوق المنصة، وظل كذلك حتى نهاية الاجتماع، بينما كان عثمان أحمد عثمان مبتسماً يتبادل حديثاً هامساً مع منصور حسن. وقطع الرئيس الصمت قائلاً: "فين الغليون بتاعى؟"، فقام أحد الجلوس فى الصف الأول ليقدم للرئيس غليونه والطباق، وأخذ الرئيس يحشو غليونه بالطباق باسترخاء وهدوء، ثم أشعله وأذن لمنصور حسن فى الكلام.
غادر منصور حسن المنصة إلى ميكروفون كان موضوعاً على بعد مترين فى مواجهتها إلى الجانب الأيسر منها، وبدأ كلمته بالإشارة إلى أنه بناء على توجيهات الرئيس، جمع له هذه المجموعة من أساتذة الجامعات الذين روعى فى اختيارهم التميَّز العلمى، والوطنية المتدفقة، وأنهم جاءوا ليستمعوا إليه، وهم على استعداد تام لأداء واجبهم الوطنى الذى يكلفهم به الرئيس. وبدا هذا الكلام غريباً لا يبعث على الطمأنينة، بل يوحى (لصاحبنا) أنه فى طريقه للتورط فى عمل يحدده السادات، وأصبح همه التفكير فى مخرج من المأزق. ولاحظ أن منصور حسن رفع الكلفة تماماً بينه وبين الرئيس، فلا يستخدم عبارات جرى العرف على استخدامها فى مثل هذه المناسبات، فيقول له: "أنت طلبت كذا" و"أنت كلفتنى بكذا"، وكأنه يخاطب زميلاً أو رجلاً فى مستواه نفسه. وأعلن فى ختام كلمته القصيرة إن "الكلمة الآن للسيد الرئيس". صفق الحضور وساد القاعة صمت مطبق من جديد حتى سحب الرئيس عدة "أنفاس" من غليونه، ثم تنحنح، وبدأ الكلام بحديث طويل عن الكفاح الوطنى ضد الإنجليز، واشتراك الشباب فيه، وارتفاع مستوى الوعى السياسى عندهم، وأن مبعث قلقه على مصر أن الشباب أصبح سلبياً لا يأبه للمشاركة فى العمل العام، لأن مراكز القوى فى الاتحاد الاشتراكى المنحل لم يقدموا له القدوة والمثل، كما أن الكتاب ورجال الصحافة لم يهتموا بالشباب، وبذلك لا يبقى للعمل العام سوى جيله هو وجيل الوسط، وهما جيلان "أصابهما العفن"، ولا أمل فيهما فى إعادة بناء مصر التى يحلم بها. وضرب مثلاً بمصطفى أمين، فقال إنه يعلم تماماً أنه "وسخ" وأنه أخرجه من السجن، وأعاده إلى العمل بالصحافة ليتصدى "للأوساخ" الذين يسمون أنفسهم "الناصريين" وعبد الناصر برئ منهم، فهم ينسبون إليه أفكاراً لم تدر بخلده. ولكنه صُدم عندما كتب ذلك "الوسخ" مقالاً بعنوان "أهلاً بالوفد". تحشرج صوت الرئيس عند هذا الحد، وقال: "ماشفتوش وساخة أكثر من كده؟!"، فضجت القاعة بالتصفيق! صمت الرئيس برهة، ثم قال بنبرة حازمة وهو يلوح بسبابته إلى الحضور "علشان كده جمعتكم، لأنكم نجوتم من (الوساخات)، ولأنكم (فخر) مصر، علشان تربوا لمصر جيل (نظيف) قوى يعيد لها مجدها الذى أضاعه (أصحاب الشعارات). عاوز شباب وطنى مستعد لفداء الوطن بروحه، شباب قادر على حمل المسئولية فى المستقبل، على أن تكون الوطنية والسمعة الطيبة هى معيار اختيار هؤلاء الشباب، الذين سيتم تنظيم دورات تثقيفية لهم "بمعهد الدراسات الوطنية" الذى كان يسمى " معهد الدراسات الاشتراكية "، يتعلم فيه الشباب (الكلام الحنجورى)، والآن يريد أن يعلمهم حب مصر". وأنه اختارهم ليكونوا هيئة التدريس بهذا المعهد، وسوف يلقاهم بعد ظهر الغد ليطلعوه على برنامج الدراسة، الذين عليهم إعداده الليلة، ليُعرض عليه فى الصباح قبل حضوره الاجتماع.
وبعد انصراف الرئيس وصحبه، استبقى منصور حسن المدعوين فى مقاعدهم، ووقف مرة أخرى ليؤكد أن الأمل معقود عليهم، ويبلغهم بمكان اجتماعهم مساءً لوضع برامج الدراسة، والأسس التى يجب مراعاتها عند وضع مواد الدراسة فى أقسام المعهد الأربعة: التاريخ، والاجتماع، والاقتصاد، والعلوم السياسية. كان هم صاحبنا وصديقه جمال زكريا البحث عن مخرج لهذه الورطة، وقاما بوضع تصور لمواد الدراسة. وكانت ليلة حالكة السواد بالنسبة لصاحبنا، لم يطرق النوم فيها جفونه إلا عند الفجر. وهرع الجميع إلى نادى المحافظة حيث الموعد الذى اتفق عليه فى المساء لطرح البرامج على منصور حسن، وتسليم مسوداتها له لتُكتب بشكل لائق قبل تقديمها للرئيس. وحوالى الثانية بعد الظهر انتقل الجميع إلى مبنى شركة قناة السويس القديم للالتقاء بالرئيس فى مكان اجتماع الأمس، وبدأت مراسم الاجتماع بنفس الطريقة من حيث ترتيب الجلوس فى القاعة بين ضباط المخابرات وعلى المنصة، وطلب الغليون وتعبئته وإشعاله، ثم إعطاء الكلمة لمنصور حسن الذى أعلن للرئيس أن الجميع أدركوا المهمة التى كُلفوا بها، وأنهم بدأوا اجتماعهم المسائى باستلهام الأفكار الأساسية -التى وضعوها نبراساً أمامهم- من خطابه، ثم أعطى الكلمة لكل من رؤساء الأقسام الأربعة الذين تم اختيارهم مساء اليوم السابق، فألقى جمال زكريا كلمة رئيس قسم التاريخ، مشيداً "بالحس التاريخى عند الرئيس" مستعرضاً عناوين المقررات، واعداً بموافاة المعهد بتفاصيلها وأسماء من يقترحهم للتدريس. وفعل بقية رؤساء الأقسام الشئ نفسه، ثم ختم الرئيس الاجتماع بكلمة قصيرة (حوالى ربع ساعة) هنأ فيها الجميع على "الإنجاز الرائع" الذى حققوه فى زمن قياسى، وأن فكرة دعوتهم إلى الإسماعيلية كانت فكرةً صائبة حتى يُتاح لهم التفرغ للمهمة بعيداً عن أعباء أعمالهم. بعد انصراف الرئيس وبطانته، استبقى منصور حسن الحضور فى أماكنهم، ليعلن ضرورة تسليم جداول الدراسة وأسماء من يتم اختيارهم للتدريس له شخصياً بمكتب وزير الثقافة بالزمالك فى تمام السابعة مساء السبت (أى بعد 48 ساعة)، على أن يحضر هذا الاجتماع رؤساء الأقسام الأربعة، فاعتذر جمال زكريا للوزير عن عدم الحضور لأن لديه اجتماعاً آخر بالجامعة لا يستطيع التخلف عن حضوره، وأنه يفوض صاحبنا لحضور الاجتماع نيابةً عنه، فوافق الوزير.
ذهب صاحبنا إلى مكتب الوزير فى الموعد المحدد، ليجد الدكتور عبد الملك عودة الذى اختير رئيساً لقسم العلوم السياسية قد سبقه إلى هناك بدقائق، وكان الوزير جالساً إلى مكتب صغير (نسبياً) وبجواره رجل متوسط القامة يهمس للوزير بحديث بدا من رد فعل الوزير أن هذا الرجل قد يكون سكرتيره أو أحد صغار موظفى مكتبه. وفضل الوزير أن يرى ما فى جعبة الرجلين اللذين حضرا فى الموعد بادئاً بقسم التاريخ، فعرض صاحبنا المواد، وأسماء من يقترح القسم إسناد تدريسها إليهم.وكان من بين من ذكرهم يونان لبيب رزق، واسحق تاوضروس عبيد، وكل منهما كان حجة فى الموضوع الذى اختير من أجله.
ما كاد صاحبنا يصل إلى ذكر الاسمين حتى قاطعه الرجل الجالس بجوار الوزير قائلاً: "مش لازم دول شوفوا حد تانى.. الأساتذة كثر". فرد عليه صاحبنا بقوله: "لا شأن لك بهذا، فأنا لا أوجه الحديث إليك وإنما إلى سيادة الوزير". فتدخل منصور حسن قائلاً: "الله.. هو انت متعرفش الدكتور مصطفى السعيد، ده زميلك فى جامعة القاهرة، ثم لماذا الإصرار على هؤلاء؟" هنا لاحت لصاحبنا فرصة ذهبية للخروج من مأزق التعاون مع نظام السادات، فرد على الوزير قائلاً" "يظهر سيادتك نسيت الدرس العظيم اللى قدمه لنا الرئيس من يومين بس.. الرجل قال إنه يريد إعداد شباب جديد لمصر، يتدفق بالوطنية، وأكد على ألا يكون هناك تمييز، وكلام سيادتك غريب ومتناقض مع ما تعلمناه من الرئيس. هل معنى هذا أن من يُختارون للدراسة لن يكون بينهم أقباط؟". فنفى الوزير ذلك، واستطرد صاحبنا: "إذا كان كلامك صحيح، وإن كانت الشواهد تدل على غير ذلك، فما معنى الاعتراض على اثنين من الأساتذة الأكفاء الوطنيين المصريين بدون سبب سوى ديانتهما؟، إننا نتمسك بما قدمناه من أسماء". وهنا قال الأستاذ الفاضل الدكتور عبد الملك عودة "وأنا انضم إلى قسم التاريخ فى هذا الموقف فلدى زميلان من الأقباط اخترتهما للتدريس ولست على استعداد لاستبدال أى منهما بآخر، لأنهما حجة فى مجالهما." فقال الوزير: "على العموم يأخذ الدكتور مصطفى السعيد الجداول منكم للنظر فيها وسوف يتم الاتصال بكم فيما بعد".
ولم يتلق صاحبنا ولا عبد الملك عودة اتصالاً من أحد، وتأخر افتتاح برنامج تدريب الشباب بالمعهد نحو ستة شهور، ليتم على أيدى عناصر أخرى غير تلك التى سيقت لمقابلة السادات بالإسماعيلية على ذلك النحو الغريب. ويكشف موقف منصور حسن وتابعه مصطفى السعيد من المنزلق الذى قاد السادات مصر إليه، فليس من المنطقى أن يكون موقف الوزير مغايراً للتعليمات التى يتلقاها من الرئيس، بل كان خطاً عاماً التزمه النظام، والدليل على ذلك التجربة المريرة التى مر بها صاحبنا نفسه، وكان له فضل فضحها أمام الرأى العام.
فقد كان صاحبنا يضع امتحانات الثانوية العامة فى السنوات 1982- 1987 لمادة التاريخ، وكان حريصاً على أن يكون الامتحان فى مستوى الطالب المتوسط، مع جعل نصيب الأسئلة التى تحتاج إلى تفكير لا تسميع لا يقل عن 60%، كما كان حريصاً على الإفلات من النمطية حتى لا تتحول الأسئلة إلى شكل ثابت يساعد مافيا الدروس الخصوصية على "توقع" ما تأتى به كل عام، حتى ضاق صاحبنا ذرعاً بما تسبب له هذه المهمة من توتر وقلق، فاعتذر عن عدم وضع أسئلة عام 1988 بحجة أن ابنة أخيه بالثانوية العامة ذلك العام، ورفض أن يضع امتحان السودان أو امتحان غزة، ونفض يديه من هذه المهمة المزعجة.
وعندما كان معاراً للجامعة الأمريكية بالقاهرة، اتصل به عام 1992 مستشار المواد الاجتماعية بوزارة التربية والتعليم يستأذنه فى أن يتولى وضع امتحان الثانوية العامة ذلك العام، فاعتذر صاحبنا عن عدم القبول لأن جدوله لا يسمح له بفراغ يجتمع أثناءه باللجنة الثلاثية ليرجع إلى رأيها، ثم يضع الامتحان وحده، ولا يسمح لهم إلا بوضع توقيعاتهم فى المكان المخصص لذلك مبالغةً فى الحفاظ على السرية، كما درج على ذلك طوال السنوات السابقة التى وضع فيها الامتحان. وبعد ترجٍ وتمنٍ سأله مستشار المواد الاجتماعية أن يرشح له أحد الأساتذة لوضع الامتحان، فاقترح على الفور اسم يونان لبيب رزق، فضحك الرجل على الطرف الآخر من الخط وقال: "هوه سيادتكم مش عارف إن الأمن مانع أهل الذمة من وضع الامتحانات؟"، فاستنكر صاحبنا ذلك، وأرجع ذلك إلى موقف شخصى من محدثه فأقسم "بتربة أبوه" أن تلك تعليمات معروفة للجميع، ولا يملك أحد الخروج عنها. وطلب اسماً آخر، فرشح له صاحبنا عاصم الدسوقى، فقال: "لأ لأ ما هو ده اللى عمل مشكلة للوزارة السنة اللى فاتت لأنه وضع امتحان التاريخ وجاب فيه سؤال عن فلسطين". وعندما استغرب صاحبنا أن يكون الجزء الخاص عن فلسطين فى المقرر قد حُذف، فرد عليه بأنه موجود، ولكن اتفاقيات التطبيع تمنع ذلك، وأن وجود سؤال عن فلسطين فى العام الماضى "وضع الوزارة فى موقف بالغ الحرج". هنا لم يملك صاحبنا سوى أن يلعن آباء محدثه وجدوده، ويتهمه بالعمالة، ويتوعده بأن يبلغ ذلك للوزير. الغريب أن الرجل تلقى الإهانة برحابة صدر ولم يقل أكثر من "الله يسامحك يا بك.. وزير إيه؟ إنت فاهم الوزير يقدر يكسر كلام الأمن؟".
فكر صاحبنا فى أن يكتب للوزير طالباً المقابلة، أو أن يكتب له مذكرةً تفصيلية بما حدث من محمد فوزى مستشار المواد الاجتماعية (الذى لا يعرفه معرفة شخصية). ولكنه استعاد كلام الرجل معه، وقلَّبه على مختلف الوجوه، فوجد أن رجلاً فى هذا المركز الذى يعادل وكيل وزارة أول لا يمكن أن يورط نفسه فى حديث من هذا النوع، إلا إذا كان واثقاً من أن يد الوزير لن تطوله، لأن المسألة تتعلق بالأمن. واستقر رأى صاحبنا على فضح ذلك العفن الذى أصاب الإدارة المصرية، بكتابة خطاب مفتوح للوزير يُنشر بالأهرام. فأعد الخطاب موجهاً للوزير كزميل (بحكم كونه أستاذاً) باعتبار أن الأستاذية هى الأبقى وأن الوزارة عرض زائل، لا يبقى منه إلا ما قدمه الوزير لبلاده، وبعد تناول القضية، أُعتبر الوزير مسئولاً أمام الرأى العام عن إيضاح أسباب هذا التردى الذى وقعت فيه الوزارة بضرب الوحدة الوطنية والتنكر لقضية فلسطين خدمة للتطبيع. اتصل صاحبنا بالمسئول عن صفحة الرأى فى الأهرام يسأله عن إمكانية النشر، وعندما علم الرجل بالموضوع اعتذر عن عدم إمكانية ذلك بحجة أن "تقاليد" الأهرام تمنعه من ذلك. وكان صاحبنا على موعد اللقاء الأسبوعى مساء كل سبت مع صديقه جلال السيد ومجموعة من الأصدقاء، على رأسهم عبد العال الباقورى الذى كان (عندئذ) رئيساً لتحرير الأهالى. وعندما استعلم الأصدقاء من صاحبنا عن سر تجهمه أخبرهم بالأمر، فأبدى عبد العال الباقورى استعداده لأن ينشر المقال على الصفحة الأولى بالأهالى، وقد كان. وبمجرد صدور الأهالى صباح الأربعاء، طلب حسين كامل بهاء الدين اجتماع لجنة التعليم بمجلس الشعب، فاجتمعت اللجنة على عجل، ووقفت منى مكرم عبيد تهاجم صاحبنا وتتهمه "بالعبث" بالوحدة الوطنية! وهو موقف فهمه صاحبنا جيداً لأنه كان مشرفاً مشاركاً لمحمد محمود الجوهرى على رسالة منى مكرم عبيد للدكتوراه فى منتصف الثمانينيات وقام وزميله بإسقاط قيدها لعدم جديتها فى الدراسة، فرأت فى القضية مناسبةً لتوجيه ضربة لصاحبنا، ومجاملة الوزير. واتخذت اللجنة قراراً بالتحذير من اتخاذ التعليم أداة للصراع السياسى!. نُشر قرار اللجنة بصفحة أخبار الدولة بالطبعة الأولى بجريدة الأخبار، وأُسقط من باقى الطبعات، كما لم يرد له ذكر بالأهرام ولا غيره من الصحف القومية وغيرها، فقد صدرت تعليمات شفوية من سلطة السيادة بمنع إثارة موضوع قرار لجنة التعليم، ورد وزير التعليم فى الأسبوع التالى موجهاً اللوم لصاحبنا لأنه "وهو المؤرخ لم يتحر الدقة"، وأخذ كلام شخص غير مسئول مأخذ الحقيقة. فرد عليه صاحبنا بمقال فند فيه مزاعمه، ولامه لإسقاط النقطة الخاصة بقرارات التطبيع من رده، وأكد له أن لديه معلومات تؤكد أن تعليمات منع الأقباط من وضع الامتحانات تمتد إلى تأليف الكتب الدراسية أيضاً، وأنه إذا لم تكن هناك يد أعلى من يده فى الوزارة فعليه أن يفسر ذلك أمام الرأى العام.
كانت جهة "سيادية" قد نبهت على "الأهالى" بالوقوف بالموضوع عند هذا الحد، ويؤكد ذلك أن ناراً كانت وراء الدخان، وخاصة أن صاحبنا تلقى رسالتين من اثنين من قادة الأقباط فى المهجر يمتدحان موقفه، ودفاعه عن "زميله القبطى"، فرد عليهما صاحبنا على الفور مبيناً أن القضية تتعلق بالمبادئ لا بالأشخاص، وذكر لهم موقف منى مكرم عبيد ضده فى لجنة التعليم بمجلس الشعب، وأن 90% ممن اتصلوا به مؤيدين كانوا مصريين مسلمين، وأن الحرص على مصر كان وراء كل ما حدث. نجا صاحبنا من ورطة التعاون مع نظام السادات وحزب خدم السلطان، ليواجه مأزقاً جديداً، عندما دُعى للعمل خادماً لآل بيت السادات. فقد استدعاه عميد الكلية يوماً لمقابلته، وعندما التقاه انتحى به جانباً وقال له: "السيدة جيهان السادات عاوزة تشوفك". فسأل صاحبنا عن السبب، فقال العميد إنه يبدو أنها تريد استشارته فى مسألة تاريخية تتصل بدراستها، وأن بعض من تثق بهم زكاه لها، ولذلك عليه الحضور لمقابلتها يوم الثلاثاء (وهو اليوم الذى تلقى فيه درساً فى اللغة العربية على طلاب الفرقة الأولى قسم اللغة الألمانية بحكم كونها معيدةً بقسم اللغة العربية). رد صاحبنا على العميد بأنه لا يحضر إلى الكلية إلا أيام السبت والاثنين والأربعاء، وأنه أستاذ مساعد يجب أن يسعى المعيد إليه لا أن يسعى هو إلى المعيد، وأن السيدة جيهان إذا كانت بحاجة إلى استشارته تستطيع مقابلته فى مكتبه فى أحد تلك الأيام الثلاثة كما يفعل غيرها من المعيدين، وأدار ظهره للعميد وانصرف.
كان لقاؤه بالعميد يوم السبت، وكرر العميد استدعاءه يوم الأربعاء، ففهم أن لذلك علاقة بالموضوع الذى حدثه بشأنه، فذهب للقاؤه. استبقاه العميد حتى صرف من كان بحضرته، ونبه على السكرتارية وساعى المكتب بعدم السماح لأحد بالدخول، حتى إذا خلا الجو، راح العميد يكرر ما قاله من قبل، مضيفاً إليه أنه أبلغ السيدة جيهان بتعذر حضوره لمقابلتها يوم الثلاثاء، واستعلم منها عن الموضوع الذى تريد الاستعانة به فيه (لاحظ الفرق بين "الاستشارة" و"الاستعانة") فاتضح أن الأمر يتصل بابنتها التى تدرس الماجستير فى تاريخ الشرق الأوسط بالجامعة الأمريكية، وأنها تنتظر منه أن يحدد اليوم موعداً يزور فيه بيت الرئيس برفقة أحد رجال الرياسة الذى سيحضر بسيارته لاصطحابه من الجامعة إلى هناك، فرفض صاحبنا ما طرحه عليه العميد، وكرر ما قاله له من قبل أنه على استعداد للقاء من يريد استشارته فى مكتبه بالقسم فى الأيام التى يتواجد فيها بالكلية، وأدار ظهره -مرةً أخرى- للعميد وانصرف. وفى يوم السبت التالى استدعاه العميد فى الحادية عشرة، وعندما دخل إلى مكتب العميد، كانت هناك فتاة سمراء نحيفة القوام قدمها له "السيدة نهى السادات"، ثم غادر حجرة المكتب وتركهما معاً. قالت ابنة الرئيس إنها تدرس الماجستير بالجامعة الأمريكية، وأنها تعد بحثاً عن "حزب الوفد" وأنها بحاجة إلى استشارة أستاذ متخصص، والجامعة الأمريكية ليس فيها من يمكن اللجوء إليه، وأنها استشارت بعض معارفها فأوصوها باللجوء إلى صاحبنا باعتباره صاحب الاختصاص فى الموضوع. فقال لها إن المعلومات التى وصلتها خاطئة، لأنه متخصص فى التاريخ الاجتماعى وليس السياسى، وأنه ينصحها باللجوء إلى عبد العظيم رمضان أو يونان لبيب أو هما معاً، فهما المختصان بهذا المجال. وراح يعدد لها كتب ودراسات الأستاذين. فسكتت برهة، ثم قالت إنها متأكدة أنه أنسب المتخصصين لمساعدتها. فاعتذر لها عن عدم إمكانية قيامه بهذا، وأوصاها بالاستعانة بوالدها "لأنه الوحيد فى مصر الذى يعرف حقيقة حزب الوفد". وتركها فى حجرة العميد وانصرف. وبعد نحو ساعتين، بينما كان يتأهب للانصراف، استدعاه العميد، وذهب للقائه، فوجد الغرفة خالية (على غير العادة) إلا منه، وشكره العميد على لقائه بالسيدة نهى (الذى لم يكن هناك مفراً منه)، وتردد قليلاً قبل أن يقول على استحياء، إن اختيارها لك يعود إلى أنك الوحيد الذى له كتابات بالإنجليزية، وأنها فى حاجة إلى من يكتب لها البحث.
هب صاحبنا واقفاً من هول ما سمع، وانفجر فى العميد قائلاً: "إنت عارف قاعد فين، قاعد على كرسى طه حسين، وبتشتغل نخاس، بتبيع أساتذة الكلية فى سوق العبيد"!! وخرج من الغرفة صافعاً الباب خلفه. حدث هذا فى ربيع 1981، وكان صاحبنا يتأهب لتقديم أوراقه للجنة الترقيات للحصول على درجة الأستاذية. وكان قياس الأمور بمعايير "المصلحة" الشخصية يسوقه إلى مداهنة العميد، وليس إهانته إلى هذا الحد، وخاصةً أن زميله حسن حنفى تأخرت ترقيته لما يقرب من العامين لأنه اعترض فى مجلس الكلية على حصول جيهان السادات على درجة الليسانس بتقدير ممتاز، رغماً عن أنها لم تظهر بقاعات الدرس إلا أياماً معدودة طوال العام الدراسى. ولكن شيئاً من هذا لم يدخل فى حسابه، فقد أحس هو نفسه بذروة الإهانة عندما طلب منه العميد أن يكتب البحث لبنت الرئيس.
ومضت الشهور، وجاء سبتمبر 1981، ونُكبت كلية الآداب بنقل عدد من خيرة أساتذتها خارج الجامعة فى هجمة سبتمبر الشهيرة. وفى أول مجلس كلية يُعقد بعد هذه الكارثة بأسبوع واحد، عُرض على مجلس الكلية طلب مقدم من السيدة جيهان أنور السادات (البنت الصغرى للرئيس) المعيدة بكلية التربية فرع الفيوم- قسم اللغة الإنجليزية، تطلب فيه نقلها إلى قسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب "لقربها من مكان منزلى". فاستشاط صاحبنا غضباً (وكان عضواً بالمجلس عن الأساتذة المساعدين)، وقال للعميد إن عرض هذا الموضوع فيه امتهان للمجلس وأعضاء هيئة التدريس بالكلية، واستفزاز لمشاعرهم، والأحرى بالمجلس أن يرجئ النظر فيه لأجل غير مسمى، فرد العميد بأن مجلس قسم اللغة الإنجليزية وافق على الطلب، ونحن أمام حالة روتينية متكررة، ولا يجب أن تزر وازرة وزر أخرى. فأصر صاحبنا على طرح الموضوع للتصويت وفى مثل هذه الحالة تؤخذ أصوات الموافقين أولاً، ثم يليهم غير الموافقين، ففوجئ صاحبنا بموافقة الأغلبية على الطلب!! كانت أوراق ترقية صاحبنا إلى الأستاذية بين يدى اللجنة المختصة، وكانت هناك شائعة قوية بأن هناك قراراً آخر سيصدر بعد احتفالات السادس من أكتوبر بإبعاد آخرين خارج الجامعة، وأضحى صاحبنا يعانى الحسرة والاكتئاب، ويرى أن جو الجامعة قد سممه الفساد، والتذلل للسلطة، وأنه لو بقى بالجامعة أو طُرد منها سيان، وإذا رُقى أو لم يرق، فلن يغير ذلك من الحقيقة المرة شيئاً. اغتيل السادات فى السادس من أكتوبر، وعاد الزملاء المُبعدون إلى أعمالهم، واستقالت –فيما بعد- جيهان السادات وابنتها من الكلية، وبدأت العناصر الانتهازية تعيد ضبط مواقفها على بوصلة الحاكم الجديد، فأصبح هناك جو صالح نسبياً. وحصل صاحبنا على الأستاذية فى ديسمبر واختاره العميد نفسه رئيساً للقسم فى أبريل 1982 بعد وفاة رئيس القسم رغم كونه أحدث الأساتذة الثلاثة الموجودين بالقسم، لاعتبارات رأى فيها الرجل أن من مصلحة القسم أن تُسند أموره إليه.
وبعدما ترك الرجل العمادة، جمعته بصاحبنا فرصة لقاء منفرد، عندما استجاب لطلب العميد الجديد فخصص لسلفه مكتباً بقسم التاريخ، وكان فى استقباله عند وصوله إلى المكتب مرحباً، وقدم له سكرتيرة القسم وقال له إنها فى خدمته أولاً، ثم فى خدمة القسم إذا توافر لها فضل من وقت. وفى هذه المناسبة انفرد الأستاذ الجليل بصاحبنا وقال له إنه مدين له بالاعتذار عن واقعة بنت الرئيس، فرد صاحبنا بأنه هو الذى يجب أن يعتذر عن الطريقة التى رد بها عليه. وظلت علاقته بالأستاذ الجليل وديةً إلى أبعد الحدود.
[تحرير] تحت القبة وهم
كانت الجامعة عند صاحبنا حلماً وردياً، بعد أن قُدر له أن يكون من طلابها، وكانت صورة الجامعة عنده هى تلك التى عرفها فى آداب عين شمس: الاهتمام بتكوين الطلاب علمياً، ورعايتهم. كان مثله الأعلى أحمد عبد الرحيم مصطفى الأستاذ القدير الذى يصادق تلاميذه، وأحمد عزت عبد الكريم الذى يعامل تلاميذه معاملة الأبناء، ويرعاهم، ويوفر الحماية لهم. حقاً كانت هناك نماذج أخرى مختلفة إلا أنها كانت خروجاً على القاعدة، فقد كان أساتذة عين شمس –عندئذ- يحرصون على أن يرقوا بمستوى خريجيهم، فى تنافس واضح مع جامعتى القاهرة والإسكندرية. وعندما داعبت صاحبنا أحلام الانتماء إلى هيئة التدريس بالجامعة، كانت صورة المناخ العلمى بآداب عين شمس هى النموذج الذى يتوقع وجوده بالجامعة. ولكن التحاقه بقسم التاريخ بآداب القاهرة، وما واجهه من مناخ مغاير تماماً، هز صورة الجامعة عنده. فاهتمامات الأساتذة فى جلساتهم الخاصة بالنميمة، وتناقل أخبار "معسكر الأعداء" داخل القسم هى السائدة. أما القضايا العلمية والمنهجية، فلم يجدها إلا فى مجلس محمد أنيس، وكان ذلك نادراً.
كذلك أدى استوزار الثورة لأساتذة الجامعات، والتركيز على جامعة القاهرة فى هذا الصدد، إلى تآكل استقلال الجامعة، نتيجةً تملق أعضاء هيئة التدريس للسلطة، وقبولهم لما فرضه القانون الخاص بالجامعات من ضوابط قيدت الحريات، وأخضعت الجامعة لسلطان أجهزة الأمن، فكان طه ربيع مدير إدارة الأمن بوزارة التعليم العالى يمارس نفوذاً على الجامعات يفوق سلطات الوزير نفسه، وتسابق المنافقون لتملقه، فهو الذى يملك السماح لهذا بالسفر، وتعطيل سفر ذاك، ويملك تبديد فرصة الإعارة لمن يشاء. وبلغ التملق ذروته عندما حصل الرجل على درجة الدكتوراه من إحدى كليات الآداب. وتكرر نموذج "دكترة" مدير أمن التعليم العالى، بل ومديرى أمن الجامعات. هان الأساتذة على النظام، عندما هانت عليهم أنفسهم. فلم يستطع الحريصون على استقلال الجامعة وتقاليدها تنظيم حركات احتجاجية على ما يجرى للجامعة. وإذا لم يكن هذا المناخ محسوساً بآداب عين شمس، فليس معنى هذا أن جامعة عين شمس سلمت من هذا التلوث، فسرعان ما انتقلت إليها العدوى بعد تشكيل الاتحاد الاشتراكى. وبدأت منذ ذلك الحين تظهر حمى التنافس فى غير المجال العلمى. فتملق قيادات التنظيم السياسى، والتطوع للتعاون مع أجهزة الأمن (كتابة التقارير عن الزملاء) كانت الطريق التى سلكها الانتهازيون للحصول على المكافآت: مناصب المستشار الثقافى بالسفارات المصرية بالخارج، ومناصب الهيئات الدولية، وانتظار "حلول الدور" لتولى منصب "الوزير". ولن ينسى صاحبنا حرص أساتذة بعينهم على التواجد بالكلية أيام التعديل الوزارى، وتعليقاتهم بعد تشكيل الوزارة الجديدة، فهم عند كل تعديل يحاولون فى أحاديثهم استشفاف ما قد يكون لدى الطرف الآخر من معلومات، وخاصةً إذا بدت عليه علامات الاطمئنان. وحد ث يوماً أن أسر أستاذ مساعد بقسم التاريخ بآداب القاهرة لطالب دراسات عليا من تلاميذه، أنه حظى بلقاء طويل مع الرئيس عبد الناصر، أصر فيه الرئيس على توليته وزارة التعليم العالى، وأنه ظل يتمنع حتى أقنعه الرئيس بأنه الأنسب لتولى المنصب، ولما كان ذلك الطالب قريباً لأحد محررى أخبار اليوم، فقد أسر إليه بما سمع من أستاذه، فلم يتحر الصحفى الدقة، وسارع بنشر الخبر فى مكان بارز. وتعمد صاحبنا الحضور إلى الكلية يوم نشر الخبر، فقوبل استقبال الفاتحين، وحظى بوصلات تملق، وهو يرد عليها بالتأكيد أنه فوجئ مثلهم بما نُشر. ولم يكن الرجل مرشحاً، ولم يكن هناك أساس للقصة كلها.
حدث يوماً أن ذهب صاحبنا إلى القسم بعد التشكيل الوزارى الذى جاء فيه عبد العزيز حجازى وزيراً للمالية، فوجد تجمعاً من الأساتذة الذين يحتلون مواقع بالتنظيم السياسى، وهم يعبرون عن غضبهم لأن الرجل الذى نال الوزارة "ليبرالى رجعى" لا علاقة له بالاتحاد الاشتراكى، كما أنه أحدث منهم عهداً بالحصول على الدكتوراه. وأضاف أحدهم فى تعداده لمبررات ما حدث من "تجاوز"، بأن عبد العزيز حجازى كان لا يعرف شيئاً عندما وصل إلى لندن مبعوثاً للحصول على الدكتوراه، وأنه (المتحدث) كان على وشك الحصول على الدكتوراه، فكان لا يحسن التصرف إلا بمساعدته، وأنه كان ضعيفاً فى اللغة الإنجليزية، فاستعان بموظف إنجليزى بالمكتب الثقافى المصرى لكتابة الرسالة له، فكيف يستطيع من كان مثله أن يدير مالية البلاد؟!. والعجيب أن الجلسة انتهت بكتابة كل منهم برقية تهنئة للوزير "بالثقة الغالية" وأرسلوا ساعى القسم إلى مكتب التلغراف لإرسالها! وشهد صاحبنا ما حدث أثناء الحملة الانتخابية لوحدة الاتحاد الاشتراكى بالكلية، عندما وقف أحد المرشحين من الأساتذة على السلم الرئيسى المؤدى إلى مكتب العميد، يعرض برنامجه فى خطبة عصماء (ركز فيها على المطالبة بتحسين الأوضاع المادية لأعضاء هيئة التدريس) وأنهى خطابه بتحذير "الزملاء" من إعطاء أصواتهم لعميد الكلية يحيى هويدى، لأن أخاه (أمين) كان رئيساً للمخابرات. ورد عليه العميد من الشرفة المطلة على السلم قائلاً بصوت جهورى "يا دكتور (فلان) أنا لى الشرف أن يكون أخى رئيس المخابرات، لكن تحب أقول للناس دى مين اللى بيكتب تقارير عن زمايله للمخابرات وغيرها من أجهزة الأمن؟!". ولم ينبس صاحبنا ببنت شفة، واختفى عن الأنظار.
وبلغ تملق أعضاء هيئة التدريس للسلطة مداه فى عصر السادات، فعُدلت قواعد القبول بالجامعات لتسمح لحملة ال GCE وهى شهادة التعليم العام البريطانية التى تعادل الإعدادية (من حيث المستوى العام) حتى يتسنى لزوجة الرئيس وبناتها الالتحاق بالجامعة، فكانت الآداب وجهتهن، وكال الأساتذة الدرجات لهن. وكانت رسالة الماجستير التى تقدمت بها زوجة الرئيس، فصلاً محزناً فى تاريخ الجامعات المصرية. أُذيعت المناقشة كاملة بالتليفزيون المصرى، وأُعيدت إذاعتها مرةً أخرى، فقد حضرها الرئيس. وجاء على لسان أحد أعضاء اللجنة (بعد أن ألقى قصيدة مدح من نظمه) أن الرسالة تستحق عن جدارة درجة الدكتوراه وليس الماجستير، ونعى على القانون قصوره فى هذه الناحية، واضطرت سهير القلماوى أن تتدارك الموقف، وتفسر ما قاله الأستاذ المنافق بأنه شكل من أشكال التعبير عن الإعجاب بالرسالة. كانت جيهان السادات بعد تخرجها بامتياز قد عُينت معيدةً بقسم اللغة العربية، وكانت تدرس مادة اللغة العربية لطلبة الفرقة الأولى بقسم اللغة الألمانية وتخصصت إحدى عضوات هيئة التدريس (وكانت بدرجة أستاذ مساعد) من قسم اللغة الألمانية فى استقبالها عند حضورها إلى الكلية، وإعداد القهوة لها بنفسها، وكوفئت بعد ذلك على تلك "المهمة الوطنية" بتولى منصب المستشار الثقافى بسفارة مصر بألمانيا. وتسابق أعضاء هيئة التدريس فى تقديم الالتماسات إلى المعيدة "السيدة الأولى"، فهذا يطلب تعيين ابنته فى وظيفة مهمة، وذاك يطلب "شقة" لكل من ولديه، إلى غير ذلك من طلبات. وتولى بعض أساتذة قسم اللغة العربية التدريس لها فى منزل الرئيس، وكوفئ منهم من كوفئ بمناصب المستشار الثقافى، والمراكز الرئيسية فى حزب السلطة. ولكن ذلك لا يبلغ ما بلغته مكافأة عميد الكلية الذى صعد إلى منصب نائب رئيس الجامعة، ثم كان أول رئيس لمجلس الشورى، وكوفئ رئيس الجامعة بتوليه رئاسة مجلس الشعب. وعندما حصلت جيهان السادات على الماجستير عُينت مدرساً مساعداً، وكان الإجراء المتبع فى الجامعات المصرية تطبيقاً لقانون الجامعات هو اعتماد الدرجة العلمية بمجلس القسم ومجلس الكلية، ثم اتخاذ قرار التعيين بالجلسة التالية (بعد شهر)، ولكن تم تغيير الإجراء فى الجامعة كلها، فأصبح اعتماد الدرجة يتم فى البند الأول من جدول أعمال المجلس، ثم يتم التعيين فى البند الأخير بالجلسة نفسها، وأصبحت تلك البدعة الإجرائية هى الإجراء المتبع حتى اليوم فى تعيين المدرسين المساعدين والمدرسين.
ولعل جيهان السادات لم تطلب ذلك، فأغلب الظن أنه جاء بمبادرة من جانب العميد، أقرها رئيس الجامعة. ولا أدل على ذلك مما لقيه العالم الجليل حسن حنفى من تنكيل الرجلين (العميد ورئيس الجامعة) به لمجرد اعتراضه على حصول جيهان السادات على درجة "ممتاز" فى الليسانس، واحتجاجه على فساد ذمم من كالوا لها الدرجات، فتأخرت ترقية الرجل (رغم أن تقرير اللجنة العلمية أوصى بترقيته عن جدارة) حتى رحل عميد الكلية ورئيس الجامعة ليتربعا على مقاعد المجلسين النيابيين. فقام الدكتور إبراهيم بدران بعرض التقرير على مجلس الجامعة، بعدما أفهمه بعض الشرفاء من أساتذة الجامعة حقيقة الموقف. وشتان بين هذا الرجل وسلفه، فقد كان عالماً جليلاً منصفاً، لا يخشى فى الحق لومة لائم. ولم يكن الأخذ بمبدأ انتخاب العميد (الذى نص عليه قانون تنظيم الجامعات وأُلغى فيما بعد) أداةً فعالة للإصلاح ولتمتع أعضاء هيئة التدريس بحق اختيار رئاستهم العلمية. يرجع ذلك إلى النص على أن يختار رئيس الجامعة من بين الثلاثة الأول من يُعين عميداً. ولم يُنص على مبدأ الترشيح، بحيث يتقدم من يرغب فى ترشيح نفسه للعمادة بطلب بهذا المعنى، فتكون هناك فرصة لأعضاء هيئة التدريس للاطلاع على برنامج كل مرشح والمفاضلة بين المرشحين حسب تاريخهم الشخصى، وما يمكن أن يؤديه كل منهم للكلية. وقيل فى تبرير ذلك أن الترشيح سيؤدى إلى تراشق المرشحين بالكلمات وكشف عورات كل منهم أمام أعضاء هيئة تدريس الكلية، مما يجعل موقف من يقع عليه الاختيار ضعيفاً. واقتصر على أن يشترك أعضاء مجلس الكلية والأساتذة فقط من غير أعضاء مجلس الكلية فى اختيار العميد. أى أن القاعدة العريضة من أعضاء هيئة التدريس (المدرسين والأساتذة المساعدين) لا صوت لهم فى ذلك الانتخاب.
ولكن كان من يرغب فى المنصب يتصل بهذه الدائرة المحدودة من أصحاب الأصوات فرداً فرداً، ويعد هذا بأن يستبعد فلاناً من بين من يختاروهم لمنصب الوكيل (لأن صاحب الصوت على خصومة معه)، أو يعد شخصاً بعينه (قد يكون صاحب الصوت أو من يزكيه للمنصب) ليصبح أحد الوكيلين. ووصل الأمر إلى حد زيارة البيوت، وطلب القَسم على المصحف للتأكد من الحصول على الأصوات. وهى مهزلة بكل المعايير لا علاقة لها بالديموقراطية من قريب ولا من بعيد. فقد كان من له حق التصويت أن يختار ثلاثة أسماء من بين القائمة التى تضم أسماء أساتذة الكلية حسب أقدميتهم، ثم تُحصر الأصوات، ليكون هناك فى النهاية ثلاثة أسماء يُبيَن أمام كل منها عدد ما حصل عليه من أصوات، وتُرتب أسماء الفائزين ترتيباً تنازلياً (أول- ثان- ثالث) ثم تُرسل إلى رئيس الجامعة ليختار واحداً منهم ويصدر القرار بتعيينه، وهو (عادة) ما يختار من لا يعترض الأمن على اختياره. فقد كانت لأجهزة الأمن الكلمة العليا فى الترشيح للمناصب الإدارية الجامعية عامةً، ومنصب العميد خاصةً، نظراً لأهمية منصب العميد فى تحديد أسلوب التعامل مع الطلاب، و"طبخ" انتخابات اتحاد الطلاب على مستوى الكلية التى كانت دائماً قضية "أمن" بالدرجة الأولى. لذلك وقع اختيار رؤساء الجامعات -فى بعض الحالات على- من جاء فى الترتيب الثالث وحصل على أصوات لا تزيد على 10% من مجموع أصوات الناخبين. ناهيك عن حرص المتطلعين إلى المنصب على حسن تقديم أنفسهم للأمن (من خلال من لهم صلة بالأمن من مؤيديهم). ولما كان منصب العميد بداية الصعود إلى مناصب القيادة بالجامعة (نائب الرئيس والرئيس) وهى مناصب لا ينالها إلا من لا يعترض عليه الأمن، فقد كان معظم العمداء المنتخبين يبنون علاقةً "حميمة" مع أجهزة الأمن، تبدأ بحسن الأداء فى عملية "طبخ" انتخابات اتحاد الطلبة، والاستجابة لطلبات الأمن بهذا الخصوص لمنع طلاب بعينهم من الترشح. وهنا تتجلى قدرات العميد الهمام، فيُحيل الطلاب (الذين يطلب الأمن إبعادهم) إلى التحقيق بأى تهمة، ولكن تهمة "الإخلال بنظام الدراسة" هى أبرز تلك التهم، ويمتد التحقيق إلى انتهاء موعد الترشيح، وحبذا لو استمر إلى ما بعد الانتخابات، ثم توقع على الطلاب عقوبات تافهة بعد أن ينتهى الغرض الذي حولوا للتحقيق من أجله.
أما العميد "العُقر" الخادم المخلص للأجهزة الأمنية، فيوحى إلى أعضاء هيئة التدريس بالإعلان لطلابهم أنه لن تكون هناك محاضرات يوم الانتخابات، فإذا امتنع أحدهم عن القيام بذلك، فهناك عشرات من زملائه يتمنون رضا العميد عنهم لتسهيل مصالحهم الشخصية. وتكون النتيجة عدم وجود الحد الأدنى من الناخبين يوم الانتخاب، مما يعطى الحق القانونى للعميد الهمام أن يعين أعضاء اتحاد الطلبة. وقائمة الأمن جاهزة دائماً. فإذا رفض العميد الاستماع إلى "النصائح الملزمة" التى يقدمها له رجال الأمن، فإنه بذلك يغامر بمستقبله الإدارى، فعليه أن لا يتوقع ترشيحه لمنصب نائب رئيس الجامعة الذى يضعه كل عميد نصب عينيه أثناء أدائه لعمله. كما أن مطالب الكلية –فى عهده- لن تلقى استجابةً من رئيس الجامعة (إذا لم يكن على شاكلة إبراهيم بدران). فلا يستجيب رئيس الجامعة لطلبات الكلية فى المسائل المالية ولا الإدارية، وتتعثر قرارات مجلس الكلية فى الاعتماد من رئيس الجامعة أو من مجلس الجامعة. فإذا أصبح العميد نائباً لرئيس الجامعة، وضع نصب عينيه التربع على "الكرسى الكبير" أى رئاسة الجامعة، فيزيد من إبراز "ولاءه" لأجهزة الأمن بتقديم "خدمات" عامة أو خاصة فى مجال اختصاصه. ولكن الأمل الأكبر هو "الكرسى العالى" أى الوزارة، التى تتطلب تحركات من نوع آخر خارج الجامعة، مع المتنفذين من رجال حزب الحكومة، ومع من يتيح له قربه من الرئيس اقتراح بعض من يُختارون لمناصب الوزارة. أما اختيار رئيس الجامعة فيتم من خلال تزكية أجهزة الأمن لأحد المرشحين الثلاثة الذين يتقدم وزير التعليم العالى بأسمائهم إلى الرئيس. وأحياناً يأتى القرار بتعيين شخص لم يرد اسمه بين المرشحين، كما حدث عند تعيين مفيد شهاب رئيساً لجامعة القاهرة. لذلك كان رئيس الجامعة أحرص الجميع على التفانى فى خدمة أجهزة الأمن، ولا يرفض لأحد من كبار ضباطها طلباً "شخصياً". وتجاوز أحدهم حدود إبداء الولاء للأمن بعدم تطبيق القاعدة القانونية التى جرى اتباعها، وهى بقاء من يتولى منصباً إدارياً من الأساتذة فى ممارسة أعمال منصبه حتى نهاية العام الدراسى (آخر يوليو) فى حالة بلوغه سن الستين قبل هذا التاريخ. فقام رئيس جامعة القاهرة بتعيين عميد للتجارة بديلاً للعميد القديم فور بلوغه الستين (فى منتصف العام الدراسى) لأنه رفض طلب الأمن الذى أبلغه له رئيس الجامعة بالعمل على استبعاد مجموعة من الطلاب من الترشح لانتخابات اتحاد الطلاب. ولما نبهه رئيس الجامعة إلى أنه "موظف حكومى" وأن عليه أن يطيع "أوامر الحكومة"، رد عليه الرجل بأنه "أستاذ جامعى –أولاً وأخيراً- وأن ضميره لا يسمح له بأن يتردى إلى هذا المستوى فى التعامل مع طلابه".
رئيس الجامعة هذا طلب من عميد الآداب فى اليوم الأول لتوليه منصبه رفع اسم أحد أساتذة قسم التاريخ (وكان رئيساً سابقاً للقسم) من جدول التدريس بمرحلة الليسانس، ولما كان قرار تعيين ذلك العميد أول ما اتخذه الرئيس الجديد من قرارات فقد وعده خيراً. وعندما اطلع صاحبنا على طلب رئيس الجامعة (وكان صاحبنا وكيلاً للدراسات العليا) حذر العميد من التورط فى هذا العمل غير القانونى، لأنه لا يجوز وقف عضو هيئة تدريس عن العمل إلا بناء على قرار سلطة التحقيق فى حالة ارتكابه مخالفة جسيمة من تلك المنصوص عليها بالقانون. ولما كان الأستاذ المطلوب رفع اسمه من جداول الدراسة يتعرض بذلك للوقف عن العمل دون مبرر، فإن ذلك يعرض العميد نفسه للمتاعب من جانب أعضاء هيئة التدريس بالكلية، كما أنه يعطى للأستاذ المعنى الحق فى مقاضاته شخصياً، لأنه يتحمل وحده وزر منع زميله من العمل دون أن يكون هناك قرار رسمى مكتوب من رئيس الجامعة بهذا الصدد. وقع العميد الجديد فى حيص بيص، ثم اقترح على صاحبنا وزميله (وكيل شئون الطلاب) أن يصحباه لمقابلة رئيس الجامعة وتسوية الأمر معه. وذهب ثلاثتهم إلى المكتب الذى كان غاصاً بالمهنئين، فطلب صاحبنا من رئيس الجامعة أن ينتحى بهم جانباً لأمر هام، وعندما استجاب الرجل، سأله صاحبنا عن أسباب طلب منع الأستاذ إياه من التدريس، فأجاب رئيس الجامعة: "ده عامل قلق للدولة المصرية" فقال صاحبنا: "هل رسب عنده أحد أبناء أو بنات مسئول فى المخابرات؟". فرد الرئيس "طب ما انت عارف أهو.. أنا قلت ما يدرسش يعنى ما يدرسش" قال صاحبنا للرئيس: "سيادتك تجلس الآن على كرسى أحمد لطفى السيد، مدير الجامعة الذى رفض المساس باستقلالها، ولا يجب أن تقدم على تصرف مخالف للقانون". فقال: "ما وجه المخالفة للقانون"، فشرح له حكم القانون فى وقف عضو هيئة تدريس عن العمل. ونصحه باستشارة المستشار القانونى للجامعة (وكان عميداً لكلية الحقوق)، فإذا أيد موقفه، فعليه أن يصدر قراراً مكتوباً يوجه لعميد الكلية للعمل بموجبه. وانصرف الثلاثة، واتصل رئيس الجامعة بالعميد فى صباح اليوم التالى، ليعلمه بعدم وجود داع لرفع اسم الأستاذ من الجدول، وأن يبقى الحال كما هو عليه. وهذه الواقعة بالغة الدلالة على مدى تفانى بعض رؤساء الجامعات فى إرضاء نزوات كبار ضباط الأمن.
ولعل أبرز دليل على اختلال معايير اختيار رؤساء الجامعات، ما اكتشفه صاحبنا بعد عدة شهور، من أن رئيس الجامعة نفسه الذى ذكّره بأنه يجلس على كرسى أحمد لطفى السيد، لم يكن يعلم من هو أحمد لطفى السيد الذى كانت قاعة اجتماعات مجلس الجامعة تحمل اسمه! فقد كان صاحبنا عضواً بلجنة موسعة شكلها رئيس الجامعة للإعداد لاحتفالية ضخمة بالعيد التسعين لجامعة القاهرة، ضمت معظم عمداء الكليات ونواب رئيس الجامعة وبعض وكلاء الكليات، وبعض الأساتذة الذين لتخصصاتهم علاقة بالاحتفالية. وكانت اللجنة تنعقد مرة كل أسبوعين برئاسة رئيس الجامعة لمدة عام دراسى كامل، فقد كان رئيس الجامعة حريصاً على أن يجعل من المناسبة "حملة علاقات عامة" يروج فيها لنفسه تطلعاً إلى "الكرسى الكبير" (الوزارة). وفى أحد تلك الاجتماعات كان صاحبنا يعرض على اللجنة قائمةً كُلف بإعدادها عن رؤساء الجامعة السابقين ليتم تكريم الأحياء منهم بهذه المناسبة وتكريم ذكرى من رحلوا منهم. وكانت هناك نسخة من القائمة بيد كل عضو من أعضاء اللجنة يتصدرها اسم "أحمد لطفى السيد" تليه أسماء من تولوا رئاسة الجامعة بعده، وقد سبقت أسماؤهم المختصر الدال على "أستاذ دكتور (أ.د.)"، ففوجئ صاحبنا برئيس الجامعة يستوقفه ويقول: "لقد وجدنا غلطة لفلان بك... من فضلكم ضعوا أ.د. أمام اسم أحمد لطفى السيد". فإذا بالكل يشرعون أقلامهم ويضعون الإضافة، مما أصاب صاحبنا بالانزعاج، فقد يكون رئيس الجامعة يجهل أحمد لطفى السيد، فهل شاع الجهل بين العمداء والوكلاء ونواب الرئيس، والأعضاء من الأساتذة، أم أنه النفاق؟ واعترض صاحبنا بقوله: "يا ريس، أحمد لطفى السيد لم يحمل الدكتوراه، ولم يحصل على درجة الأستاذية، فقد كان أعلم ممن حملوا الدكتوراه، وكان أستاذاً لأجيال متعاقبة من المصريين"، فضحك الرئيس (وضحك لضحكه الجميع)، وقال موجهاً الكلام لصاحبنا: "يعنى عملوه مدير جامعة لأن ما كانش عندهم غيره" !!! ولا تعليق. استن النظام منذ عهد السادات سنةً قُدر لها أن تدوم، وهى اختيار عناصر منتقاة معروفة بولائها للنظام أو محسوبة على أحد أركانه لتتولى رئاسة كل مؤسسة من القطاع العام إلى الوزارات إلى الجامعات، واعتبار معيار الولاء هو المحدد الأساسى فى الاختيار، وترك كل من يتولى أمر مؤسسة يديرها وكأنها "عزبته" الخاصة، يفعل بها ما يشاء دون حسيب أو رقيب. بل لم يعد للأجهزة الرقابية تلك الهيبة التى كانت لها قبل عهد السادات، فالعبرة برسوخ أقدام المسئول، وقوة الشخصية التى يستند إليها، أو يُعد من محاسيبها. وانعكس ذلك على اختيار رؤساء الجامعات فى معظم الحالات فإذا أفلت أحد ممن اختير رئيساً لجامعة من تلك المواصفات، وأوقف جهده لإصلاح شأن الجامعة دون اعتبار لضغوط أجهزة الأمن ومحاسيب النظام، كان عرضةً للإزاحة من منصبه، كما حدث مع محمد محمود الجوهرى الذى كانت عمادته لكلية الآداب عهد إصلاح وإعادة هيكلة الأداء الأكاديمى بالكلية، وعندما أصبح نائب رئيس جامعة القاهرة لشئون فرع الفيوم، حمل على عاتقه –بأمانة- مهمة استكمال منشئات الفرع ووضع هيكله الأكاديمى، وعندما أصبح رئيساً لجامعة حلوان، قدم نموذجاً يُحتذى لبناء جامعة من بين كليات ومعاهد متناثرة، ويضع هيكلها الأكاديمى، ويدعم هيئة التدريس بأكثر العناصر كفاءة، ويكمل منشئات الجامعة بأنسب الشروط فى زمن أصبح الفساد فيه هو القاعدة والمصلحة العامة هى الاستثناء. ولكن أداء الجوهرى كان "نشازاً" وسط جوقة أصحاب "العزب"، فتناهشته الذئاب، وأُزيح عن منصبه لعجزه عن إرضاء مصالح صُناع الفساد ونزواتهم.
ولم يكن أسلوب اختيار القيادات الجامعية وحده أبرز مظاهر الفساد الجامعى الذى بدأ مع عهد السادات،وترعرع بعده واستشرى واستوحش، فقد ابتدعت فى العقدين الأخيرين من القرن العشرين آليات للفساد هى: دعم الكتاب الدراسى، والصناديق الخاصة، ولجان الممتحنين. ودعم الكتاب الجامعى يبدو أمراً إيجابياً وحيوياً، وخاصة أن النظام قد قطع شوطاً طويلاً فى إلغاء الدعم على السلع التى يستهلكها السواد الأعظم من الشعب، فالإبقاء على دعم الكتاب الجامعى يُعد-من هذه الناحية- استثناءً إيجابياً. غير أن تمويل دعم الكتاب الجامعى تقدمه هيئة المعونة الأمريكية، وهى –على أرجح الأقوال- صاحبة الفكرة، تتخذها سلاحاً ذا حدين، تهدئة الأمور بين الطلاب لمصلحة النظام، فيكون دعم الكتاب -على هذا النحو- بمثابة صمام الأمان، وإثارة المتاعب للنظام –من ناحية أخرى- فى حالة التوقف عن تمويل دعم الكتاب الجامعى فجأةً كسلاح للضغط السياسى. على كلٍ، مبدأ دعم الكتاب الجامعى له جانبه الإيجابى، وخاصة إذا وصل الدعم لمستحقيه، ولكن ما يحدث فعلاً هو تحديد عدد محدد من الكتب تُعطى للطلاب بنسبة تخفيض عالية، يتم اختيارها بما يخدم مصالح أساتذة بعينهم فى كل قسم لضمان توزيع كتبهم فى زمن قصير، وتحصيل عائدها المادى. هذا فضلاً عن الحالة المتردية التى وصلت إليها الكتب الجامعية (فى معظمها) من حيث المحتوى وأسلوب المعالجة، والتخلف عن مواكبة الجديد فى التخصص، واتخاذها سبلاً للتكسب على حساب طلاب طحنتهم وذويهم الأزمة الاقتصادية. ويجد الطالب نفسه مضطراً إلى شراء كتاب لا نفع فيه بسبب الأساليب الدنيئة التى يتبعها معظم أعضاء هيئة التدريس لضمان تصريف الكتب والمذكرات. بل أصبح بعضهم يبيع المذكرة، ثم ملحقاً لها يضم بعض الأسئلة النموذجية وإجاباتها، ثم يطرح للبيع قبيل الامتحان ملخصاً للمذكرة التى تعد –فى حد ذاتها- عرضاً ملخصاً للمادة. وترتب على ذلك انحطاط المستوى الدراسى بالجامعة من ناحية، وخلل العلاقة بين الأستاذ والطالب من ناحية أخرى، حين يتحول الأستاذ إلى شخص يتطلع إلى ما فى جيوب تلاميذه، ولا يعنيه أمر ما قد يكون فى عقولهم. ولو كانت المصلحة العامة هى المعيار، لاستخدم دعم الكتاب الجامعى فى تحسين مستوى التأليف، والتشجيع على التأليف الجماعى لمراجع معتمدة فى المقررات الدراسية، مقابل مكافأة محددة، على أن يتولى قسم النشر بالجامعة (المطبعة) نشر تلك الكتب وبيعها بأسعار معتدلة. كما يمكن أن يتم تزويد مكتبة الكلية بنسخ كافية منها ليستعيرها غير القادرين على اقتناء الكتب. والبدعة الثانية "الصناديق الخاصة" وهي لا تقل أهمية عن دعم الكتاب الجامعى من حيث الشكل، ولكنها أكثر فساداً من حيث المضمون. فلما كان التعليم مجانياً بجميع مراحله وفقاً للدستور، اخترع المجلس الأعلى للجامعات مبدأ أن يكون بكل كلية "صندوق خاص" يتم تمويله من مبالغ إضافية يدفعها كل طالب إلى جانب الرسوم المحددة بحكم القانون. وأُطلق العنان لتحديد المبالغ الإضافية التى قد تصل إلى ما يتراوح بين 30- 50 ضعفاً من قيمة رسوم القيد. ووزعت هذه المبالغ بشكل يضمن حصول إدارة الجامعة على حوالى الربع وتحتفظ الكلية بالباقى الذى يصل إلى ما يقرب من عشرة ملايين جنيهاً فى الكليات ذات الأعداد الكبيرة، من المفروض أن تُصرف على الخدمات التعليمية، أى توفير ما تحتاجه الكلية من وسائل تعليمية وأجهزة وأدوات معملية إلى غير ذلك من مستلزمات، كما يتم منها رعاية الطلاب. ولما كانت هذه المبالغ التى تمول الصناديق الخاصة، لا تُعد من موارد الخزينة العامة للدولة لأنها لم تُفرض بقانون باعتبارها "رسوماً"، فهى لا تخضع للرقابة المالية التى تخضع لها حسابات الجهات الحكومية، ولا تُدرج فى الميزانية الخاصة بالكليات أو الجامعة باعتبارها أموالاً "خاصة" وليست "عامة". ولذلك لا يراجعها أو يراقبها "الجهاز المركزى للمحاسبات"، كما أن الصرف منها من سلطة العميد (على مستوى الكلية) ورئيس الجامعة على مستوى الجامعة.
كان من الممكن أن تُستخدم هذه الأموال الطائلة لدعم البحث العلمى، وتمويل مشروعات بحثية فى مختلف التخصصات، أو دعم المعامل بأحدث الأجهزة العلمية، وإنشاء ما ليس موجوداً منها. كذلك كان من الممكن استخدامها فى دعم النشاط الثقافى والرياضى للطلاب. غير أن هذه الأموال صارت تُستخدم –فى الغالب- لخدمة مصالح من لهم حق التصرف فيها، وليس سراً أن الكثير من رؤساء الجامعات يمنح مكافآت شهريةً من تلك الصناديق لبعض المحاسيب من الأساتذة الذين تُقدم لهم مبالغ شهرية تحت مُسمى "مكافأة مستشار"، ولرئيس الجامعة الحق المطلق فى تحديد أرقام تلك المكافآت، وينال بعض الصحفيين منها نصيباً تحت مختلف المسميات لزوم "تلميع" صورة رئيس الجامعة على صفحات صحفهم، كما تُمول منها الهدايا العبثية التى يقدمها رئيس الجامعة فى بعض المناسبات للشخصيات التى يبنى الجسور معها، والكثير من رؤساء الجامعات يتعامل مع الصناديق الخاصة وكأنها إيراد "العزبة" يبعثره كيف شاء.
حقاً استخدم بعض العمداء هذه الأموال فى تجديد المبانى وترميمها وتجهيزها بالوسائل السمعية وتزويد المدرجات بأجهزة التكييف، ولكن ذلك كان يتم أيام أن كان "الحزب الوطنى الديموقراطى" يعقد مؤتمره السنوى بحرم الجامعة، فيتم إيقاف الدراسة بالجامعة لمدة أسبوع، وتُعد المدينة الجامعية لسكنى الأعضاء، فيتم تجديدها وتزويدها بوسائل الراحة، التى حُرم منها الطلاب، على حساب الطلاب أنفسهم من أموال الصناديق الخاصة. واتجه بعض العمداء إلى تجديد أثاث مكاتبهم فاستبدلوا به أثاثاً "مستورداً"، إلى غير ذلك من مظاهر تبديد تلك الأموال التى لا حسيب عليها ولا رقيب، والتى تُعد باباً واسعاً للفساد والإفساد.
أما الآفة الثالثة، فهى "لجان الممتحنين" وهى آلية تقرر العمل بها فى أوائل التسعينيات من القرن العشرين، تعطى للعميد حق تشكيل لجنة برئاسته أو رئاسة وكيل الكلية لشئون الطلاب، للنظر فى نتيجة المادة التى يقل مستوى النجاح فيها عن 50%ن فتقرر اللجنة إضافة رقم محدد من الدرجات إلى الدرجة التى حصل عليها كل طالب فى تلك المادة، بما يكفل رفع نسبة النجاح إلى ما يصل إلى 50% أو يتجاوزها قليلاً. وأخذاً فى الاعتبار لمناخ الفساد السائد فى تلك الجامعة، يبدو أن تلك "البدعة" وُضعت لخدمة أبناء بعض أهل الحظوة الذين تعثروا فى بعض المواد، لأن تطبيقها فى السنوات التى عاصرها صاحبنا كان الهدف منه خدمة أبناء بعض الأساتذة، أو المسئولين الكبار، أو كبار ضباط الأمن. وقيل فى تبرير تلك الجريمة أن رسوب الطلاب فى مثل تلك المواد يؤدى إلى اكتظاظ الكلية بالطلاب المتخلفين، وتوجد صعوبة فى تدبير أماكن لهم بلجان الامتحان. تتم هذه العملية فى الغالب دون الرجوع إلى أستاذ المادة إذا كان من ذوى المكانة، فتتم من وراء ظهره، أما إذا كان صاحب المادة ممن يسهل الضغط عليهم فإنه يقوم بإجراء التعديل بنفسه حتى لا يغضب العميد، فيضع العقبات فى طريق إعارة أو ترقية ينتظرها، وهو لا يتأخر عادة عن الاستجابة للطلب، طالما كان من حق العميد أن يعدل النتيجة عن طريق "لجنة الممتحنين". أخطر ما فى الأمر، أن الدرجات تضاف لجميع الطلاب فلا تساعد الراسب فقط على النجاح، ولكنها ترفع تقدير الناجح ليصبح "جيد جداً" بدلاً من جيد أو "ممتاز" بدلاً من "جيد جداً"، فيؤثر هذا التعديل على فرص خريج معين فى التعيين فى وظيفة معيد. وهو ما يتم عادةً لصالح طلاب بعينهم، ويفسر المستوى المتدنى للخريجين عامة والمعيدين خاصة. وامتد الفساد ليتناول تعديل شروط الإعارة للجامعات الأخرى المنصوص عليها فى قانون تنظيم الجامعات. كان القانون السابق عليه يجيز الإعارة لمدة ثلاث سنوات كحد أقصى، فجاء القانون الحالى ليجعلها لمدة عامين قابلة للتجديد مرة واحدة (أى أربع سنوات)، ولعضو هيئة التدريس الحق فى الإعارة لمدد تبلغ مجموع سنواتها عشر سنوات خلال مدة الخدمة. وحدث أن كانت سيدة تشغل درجة الأستاذية بإحدى كليات جامعة القاهرة معارة للسعودية، وطلبت مد إعارتها لمدة ثالثة (ست سنوات)، ولما كانت تلك السيدة شقيقة رئيس الوزراء، فقد حصل حسن حمدى رئيس الجامعة على موافقة مجلس الجامعة على إعارتها برغم من رفض مجلس الكلية لذلك، واستند رئيس الجامعة إلى فتوى فصَّلها له المستشار القانونى للجامعة باعتبار أن تقدير مدى ضرورة مد الإعارة من صلاحيات رئيس الجامعة وحده. وظن رئيس الجامعة أن المسألة ستتوقف عند هذا الحد، ولم يدر أنه –بمجاملته لرئيس الوزراء وكسره القانون- قد وضع سابقة لا فكاك منها. فقد شاع خبر المد الاستثنائى لمدة عامين إضافيين بين المعارين فى السعودية والخليج، وحصل الكثير منهم على موافقات من جهة الإعارة على المد عامين آخرين، أو حتى عام واحد (خامس). وأُمطرت مجالس الأقسام بطلبات المد، فكان يتم رفضها، ثم تُعرض على رئيس الجامعة فيوافق عليها. وعندما تفاقمت الظاهرة حولها مجلس الجامعة إلى قاعدة عامة، فأصبح من حق كل مُعار أن يتغيب عن الجامعة ست سنوات كاملة، بل تفنن بعضهم، وبحث لزوجته عن عقد عمل، ليستمر موجوداً فى الجامعة التى يعمل بها بحجة "مرافقة الزوجة"، ليظل بذلك عشر سنوات بعيداً عن الجامعة، يتم ترقيته خلالها إلى الدرجات الجامعية الأعلى، وقد يعود إلى الجامعة أستاذاً بعد أن تركها مدرساً.
وامتداد الفساد إلى تعديل شروط الإعارة بالمخالفة للقانون مسئول عن تردى المستوى العلمى لأعضاء هيئة التدريس، واختلال معايير تقييم أعمال المتقدمين للجان الترقيات نتيجة خراب ذمم بعض مقررى وأعضاء تلك اللجان، وسهلت قواعد عمل هذه اللجان، بما حوته من ثغرات، حصول الكثير من المتقدمين على ترقيات لا تؤهلهم لها الأعمال التى يتقدمون بها للترقية، مما ينعكس سلبياً على أدائهم الجامعى: تدريساً وإشرافاً. فإذا كان المتقدم للترقية إلى درجة جامعية أعلى من أهل الحظوة أو من أصحاب "النفحات" اختار له أصحاب الذمم الخربة من بعض المسيطرين على لجان الترقيات، لجنة ثلاثية لفحص أعماله، تناسب المقام (ممن هم على شاكلتهم)، فتجعل من التبن تبراً، ومن الحصى لؤلؤاً. أما إذا كان من غير هؤلاء، اختيرت له لجنة ثلاثية من الأساتذة "المتشددين" (وهو المصطلح الذى يطلقونه على الأساتذة الشرفاء)، ولما كان هؤلاء أساتذة بحق، فهم لا يرقون إلا من كانت أعماله تؤهله للدرجة المتقدم إليها. فإذا تقدم عالم رفيع القدر فى تخصصه، تحظى أعماله العلمية باعتراف دولى، لوظيفة الأستاذية من خارج الجامعة، حرصوا على إبعاده عن الجامعة، حتى لا يغطى وجوده عليهم، ويكشف حقيقة مستواهم العلمى. حدث هذا مع العالم الجليل أيمن فؤاد سيد عندما تقدم إلى وظيفة أستاذ فى التاريخ الإسلامى أعلنت عنها جامعة حلوان. وكانت اللجنة العلمية (عندئذ) مكونة من سبعة أعضاء كان رئيسها وأربعة على الأقل من أعضائها من فصيلة الموظفين بدرجة أستاذ ذوى الإمكانيات العلمية المتواضعة، فاختاروا له لجنة فحص من أناس لا يصلحون للتتلمذ على يديه، رأوا عدم صلاحيته للأستاذية. وبعد ست سنوات من التقاضى رد القضاء العادل له حقه، ولكن بعد أن حُرمت الجامعة من وجوده فيها طوال تلك السنوات. ولا يمكن أن يتوقع المرء أن يكون أداء الدراسات العليا فى جامعة غالبية أساتذتها من الموظفين الذين يحملون درجة الأستاذية، والقلة منهم هم أساتذة بحق على مستوى يليق بأم الجامعات العربية، أو يكون مستوى البحوث فيها (فى قطاع الإنسانيات على الأقل) مواكباً للتطور العالمى فى مجالات تلك العلوم. فلا توجد مشروعات بحثية عند أساتذة التخصصات، يوجهون تلاميذهم إلى اختيار نقاط البحث فى إطارها حتى إذا تكاملت محاور المشروع، كان إضافةً علميةً معرفيةً لها قيمتها. بل يُترك الأمر للصدفة، ولمدى قدرة الطالب على الاختيار أو استعانته (من وراء ظهر أستاذه) بأحد الأساتذة المتميزين ليساعده على الاختيار. وهَم الأستاذ (من أولئك الموظفين بدرجة أستاذ) أن يجمع تحت إشرافه أكبر عدد من الرسائل حتى وصل العدد عند بعضهم 25 رسالة (فى أحد فروع الطب) ناهيك عن الدراسات الإنسانية التى زاد عدد الرسائل المُسجلة عند البعض إلى أكثر من أربعين رسالة. وإن دل ذلك على شئ، فإنما يدل على الابتذال والفوضى، فلا يظن صاحبنا أن ذاكرة الأستاذ تتسع لمثل هذا العدد من أسماء الطلاب المسجلين تحت إشرافه، ناهيك عن موضوعات رسائلهم التى لابد أن يكون كل منها "قضيةً" فى حاجة إلى متابعة دقيقة من الأستاذ، خاصةً فى مرحلة الكتابة، ولابد أن يكون الأستاذ عبقرى زمانه حتى تسع ذاكرته ذلك الكم الهائل من "القضايا"، فما بالنا لو كان تكوينه العلمى هشاً على نحو ما تقدم!
نتج عن ذلك أن تعامل الأساتذة مع الطلاب باعتبارهم مجموعة من الأقنان. كان أحد أساتذة التاريخ (ممن تسلقوا مناصب الإدارة العليا) يعامل المعيدين معاملة الخدم، يكلف أحدهم مثلاً بالوقوف فى طابور خزينة كلية الهندسة ليسدد الرسوم بدلاً من نجله، ويكلف المعيد بجمع مادة علمية لطلاب سعوديين يعملون تحت إشرافه، ويبقى المعيد فى كل رسالة سبع سنوات وربما أكثر بينما لا تستغرق المدة التى يحصل فيها الطالب الخليجى معه أكثر من عام بالنسبة للماجستير من تاريخ التسجيل وعامين بالنسبة للدكتوراه. فإذا سُئل عن أسباب تأخر المعيد، زعم أنه بذلك يريد "إنضاج" المعيد خدمةً للتخصص. وهو-فى حقيقة الأمر- ينشد إذلاله، وإبقاءه مطية له لأطول فترة ممكنة. ولن ينسى صاحبنا تلك المعركة التى دارت بين أستاذين بقسمه تنافسا على الإشراف على طالب تقدم لتسجيل للدكتوراه من آل ثان (حكام قطر)، وعندما وجه أحد أهل التخصص انتقاداً لمشروع الرسالة الذى تقدم به الطالب، صرخ أحدهما قائلاً: "يكفينا أن سعادته اختار قسمنا للدراسة فيه... شرف كبير والله العظيم". وعندما وضعت مجالس الدراسات العليا بالجامعات حداً أعلى لعدد الرسائل التى يشرف عليها الأستاذ جعلتها جامعة القاهرة عشر رسائل، ثم فُتح باب الاستثناء لخمس أخرى. وجعلتها عين شمس خمسة عشر رسالة مع إمكانية الاستثناء بحجة "ندرة" التخصص. فعندما كان صاحبنا وكيلاً للكلية للدراسات العليا وعضواً بمجلس الدراسات العليا بالجامعة، عُرض على المجلس النظر فى استثناء أستاذ بطب القاهرة لديه 25 رسالة من قيود التسجيل حتى يمكن أن يسجل رسائل لتسعة طلاب جدد من الطلاب العرب بحجة ندرة التخصص. وعندما اتجه المجلس إلى رفض الطلب لتجاوزه الحد المسموح بخمس عشر رسالة فإذا سجل التسعة أصبح التجاوز 24 رسالة، أرجأ رئيس المجلس (نائب رئيس الجامعة) التصويت إلى الجلسة التالية (بعد شهر). وفى بداية الجلسة الموعودة، أُخطر الأعضاء أن رئيس الجامعة (الذى تولى بعد ذلك منصب وزارة التعليم العالى) قد اقتنع بما قدمه الأستاذ من حجج، ووافق له وأن هذا من حق رئيس الجامعة!!
وعندما كان صاحبنا وكيلاً للدراسات العليا، أقنع مجلس الكلية بضرورة تطوير الدراسات العليا بالكلية، وشُكلت لجنة لهذا الغرض استمر عملها عدة أشهر. ووضعت مشروعاً يضع من الضوابط والقيود ما يكفل رفع مستوى الدراسات العليا، ومواكبتها لإيقاع التطور فى المجال الأكاديمى العالمى بقدر الإمكان. ولقى مشروع اللجنة عند العرض على مجلس الكلية من الحذف والإضافة ما أفقده 50% من قيمته، وعندما أُجيز بعد عام آخر، كان هم الأقسام الأساسى التحايل للالتفاف حول الضوابط التى وضعنها اللائحة الجديدة، ولم يرتح لهم بال إلا بعد إلغاء العمل بها عام 2003. هذا غيض من فيض عايشه صاحبنا تحت قبة الجامعة، التى ظنها يوماً مثالاً للنزاهة والنقاء خلت من الآفات التى يعانيها المجتمع. كان يظن أن الجامعة "بيت الحكمة"، العقل المفكر الذى يرسم للأمة خطاها، فاكتشف أنه كان واهماً، وتبين له أن الجامعة خلية من خلايا المجتمع، تتأثر بما يصيب بقية الخلايا من عطب، ومن أمراض. وأدرك أن الجامعة مرآة تنعكس على صفحتها صورة المجتمع بما فيه من تناقضات، وما تعانيه من علل وأوجاع.
[تحرير] خارج الجامعة
امتدت ساحة النشاط العلمى لصاحبنا خارج الجامعة، فكان له دور أساسى فى أبرز المراكز البحثية منذ عام 1979 (تاريخ عودته من الإعارة إلى قطر). ويأتى "مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام" فى مقدمة تلك المراكز. تلقى صاحبنا خطاباً رقيقاً من السيد يس (مدير المركز) يدعوه للانضمام إلى أسرة المركز (فبراير 1979) وتولى رئاسة وحدة الدراسات التاريخية به، فلبى الدعوة، وأعد مشروعاً مبدئياً لدراسة تطور المجتمع المصرى، على أمل تكوين "مجموعة بحثية" تشتغل به على مراحل، بحيث ينتهى العمل فى بحر ثلاث سنوات، مستفيداً فى ذلك من خبرته بالتجربة اليابانية فى تنظيم المجموعات البحثية وإدارتها. ولكنه لم يضع فى حسبانه أن صيغة العمل فى إطار "الفريق" غريبة على المجال الأكاديمى المصرى، وخاصة فى العلوم الإنسانية، فلم يلق استجابة جادة ممن اتصل بهم من الزملاء لتكوين المجموعة البحثية. الغريب أن أحداً لم يرفض الانضمام، ولكن لم يلتزم أحد بالترتيبات والتكليفات التى تم اقتراحها. ولذلك صرف صاحبنا جهوده إلى إعداد كتاب صدر عام 1981 بمناسبة الذكرى المئوية للثورة المصرية التى سُميت "بالعرابية" حشد له أقلام المتخصصين من ثلاثة أجيال: جيل أساتذته، وجيله، وجيل تلامذته، واختار له عنوان "مصر للمصريين- مائة عام على الثورة العرابية"، ولم يشأ أن يضع اسمه كمحرر على غلاف الكتاب حياءً، لأن أستاذه أحمد عبد الرحيم مصطفى كان فى مقدمة المشاركين.
وتوالت بعد ذلك المشروعات البحثية ذات الموضوع المحدد التى يسهل حصر من يصلحون للمشاركة فيها وتكليفهم بكتابة فصولها مثل: " المصريون والسلطة"، وهو كتاب ضاعت أصوله بالمركز. ولم تكن لدى صاحبنا نسخة منها، و"الحركة الوطنية فى مرحلتها الأخيرة"، و"الأحزاب السياسية المصرية"، و"حرب السويس بعد أربعين عاماً"، "ثورة يوليو بعد أربعين عاماً"، وكلها كتب طُبعت فى مطلع التسعينيات، أما مشروع البحث فى "الثقافة السياسية فى مصر" فلم ير النور بعد.
ولما كان المركز يولى جمع وثائق مصر بالأرشيف البريطانى أهميةً خاصة، وكان حسن يوسف باشا قد بدأ جمعها لتغطية الفترة السابقة على الحرب العالمية الثانية، فقد حرص السيد يس على استكمال هذا العمل، فأوفد صاحبنا فى مهمتين علميتين لحساب المركز للإطلاع على الأرشيف البريطانى بلندن وتصوير مجموعة مختارة من الوثائق، التى تم ترتيبها ترتيباً زمنياً وموضوعياً ، واستخدم بعضها فى البحوث سالفة الذكر، وكانت حجر الزاوية فى تكوين المكتبة الوثائقية التى أضافت إليها هدى جمال عبد الناصر مجموعة الوثائق الأمريكية عن الفترة ذاتها عندما تولت تأسيس وحدة تاريخ الثورة ورئاستها. كانت اجتماعات مجلس خبراء المركز -أيام رئاسة السيد يس- جلسات خصبة من حيث طرح الموضوعات، وما يدور حولها من حوار، شارك فيها خبراء المركز من هيئة التدريس بالجامعة: على الدين هلال، محمد السيد سليم، سعد الدين إبراهيم، وصاحبنا. إضافةً إلى الخبراء من شباب الباحثين بالمركز: محمد السيد سعيد، وعبد المنعم سعيد، ومجدى حمادة، وأسامة الغزالى حرب، ونبيل عبد الفتاح. وكان السيد يس يدير الحوار بكفاءة واقتدار، وشهدت تلك الاجتماعات طرحاً جريئاً لأفكار وتحليلات سياسية لا تجد منبراً لها فى الوسط الأكاديمى المصرى سوى مركز الدراسات السياسية، وكان يحضر بعض تلك الاجتماعات بطرس غالى لمناقشة عملية التفاوض مع إسرائيل، وأسس السلام المرتقب. ويذكر صاحبنا أن شباب الخبراء كانوا يحاجون بطرس غالى بقدر كبير من "الحدة والتطرف" معبرين عن التحسب لما قد يترتب على هذا الاتجاه من تبديد الأمانى القومية، وتآكل دور مصر الإقليمى. وكان أكثر هؤلاء تشدداً من أصبحوا بعد ذلك من مهندسى "مجموعة كوبنهاجن" ومؤسسى "جمعية القاهرة للسلام" التى ماتت فى المهد، وسبحان مغير الأحوال.
وعندما ترك السيد يس رئاسة المركز ليتولى أمانة منتدى الفكر العربى بعمان، حافظ أسامة الغزالى حرب (الذى قام بعمل الرئيس) على الوحدة التاريخية وكان عوناً لصاحبنا على نشر ما تأخر نشره من أعمال، وعلى إصدار الدراسة الخاصة بثورة يوليو ولكن بعد أن صدرها بمقدمة تضمنت "ضمناً" الاعتذار عما ورد بالكتاب من إنصاف للثورة، فعد هذه الدراسات تمثل "وجهة نظر" تقابلها وجهات نظر أخرى، رغم أن الكتاب لم يغفل تحليل السلبيات وإبرازها. وضعفت علاقة صاحبنا بالمركز عندما أصبح عبد المنعم سعيد رئيساً له، وخاصةً بعد مسألة "كوبنهاجن"، ولاحظ صاحبنا من بعض المؤشرات أن رئيس المركز لا يفسح مكاناً لوحدة الدراسات التاريخية التى ما تزال موجودة على الورق، ومازال اسم صاحبنا يُذكر على موقع المركز بالشبكة الدولية للمعلومات (الإنترنت) كرئيس للوحدة التاريخية. ساحة أخرى شهدت جانباً من النشاط العلمى لصاحبنا هى "دار الكتب والوثائق القومية" التى ارتبط بها ارتباطاً وثيقاً بحكم اهتمامه بإصلاح شأن دار الوثائق القومية لترقى إلى المستوى العالمى للأرشيفات التاريخية، بحكم كونها مستودع ذاكرة الأمة، فكتب العديد من المقالات بالصحف ومجلة "الهلال"، مطالباً بالحفاظ على الوثائق، وحمايتها وجعل دار الوثائق هيئة قائمة بذاتها تتبع سلطة السيادة، لتعزيز صلاحياتها القانونية فى التعامل مع الجهات المنتجة للوثائق. وكان لدور صاحبنا بدار الوثائق القومية ثلاثة أبعاد: أولها رئاسة "لجنة الضم والاستغناء" وهى لجنة بالغة الأهمية تضم فى عضويتها أحد أساتذة الوثائق ومستشاراً من مجلس الدولة، ورئيس دار الوثائق، ومدير إدارة الضم. وتُعرض على اللجنة القوائم الواردة من مختلف الوزارات والهيئات الحكومية والتى تتضمن الوثائق التى انتهت مدة حفظها بتلك الجهات وفق لائحة المحفوظات الحكومية، وتقوم اللجنة بفحص نماذج منتقاة من تلك الوثائق، فإذا رأت أن فى بعضها قيمةً تاريخية، قررت ضمها للدار، وإذا رأت غير ذلك، رخصت للجهة المعنية بالاستغناء عنها، وعادةً ما يتم ذلك ببيعها لشركة صناعة الورق لإعادة تدويرها. وهنا تكمن خطورة هذه اللجنة وضرورة اتخاذها القرار المناسب، وإلا تم إهدار وثائق مهمة فى حالة الاستغناء عنها، أو ازدحام مخازن الدار بمجموعات من الوثائق ليست لها قيمة تاريخية. وقد استمرت رئاسة صاحبنا لهذه اللجنة قرابة العشرين عاما.
ونظراً لهذه الخبرة بالوثائق، والمعرفة بأحوال دار الوثائق القومية، اختير صاحبنا عضواً بلجنة مصغرة شكلها رئيس الهيئة (محمود فهمى حجازى) للنظر فى تطوير دار الوثائق وتحديثها، وإعداد مشروع قانون جديد للمحافظة على الوثائق وحمايتها. ومارست اللجنة عملها لمدة 18 شهراً وضعت خلالها مشروعاً متكاملاً لتطوير الدار، كما وضعت مشروعاً لقانون حماية الوثائق استرشدت فيه بدراستها لقوانين الأرشيفات: الإنجليزى، والفرنسى، والإيطالى، وقرارات المجلس الدولى للأرشيف، وقوانين الوثائق ببعض الدول العربية. ولكن عندما قدمت الحكومة مشروع القانون -بعدما يزيد على العامين- لمجلس الشعب، جاء المشروع مخيباً للآمال، فقد قام "ترزية" القوانين بحذف بعض المواد المهمة التى جاءت بمشروع لجنة التطوير، وعُدلت بعضها الآخر بالقدر الذى بدد الهدف الذى قصدته اللجنة من ورائها. كذلك تولى صاحبنا الإشراف على مركز تاريخ مصر المعاصر التابع لدار الكتب المصرية عندما تولى جابر عصفور رئاسة الهيئة إلى جانب موقعه كأمين عام للمجلس الأعلى للثقافة مدة ستة شهور. وكان المركز تحت إشراف عبد العظيم رمضان لعدة سنوات لم ينتج فيها شيئاً سوى ما كان ينشره من مذكرات سعد زغلول التى كان يتولى أحد موظفى المركز كتابتها على الآلة الكاتبة نقلاً عن الأصل الذى كتبه سعد زغلول بخطه (وهو خط تصعب قراءته)، فكان ذلك الموظف (محمد حجازى) يجتهد فى قراءة النص، ويتولى رمضان كتابة مقدمة لكل جزء بعدما أعاد ترتيب المادة بصورة تختلف عن الأصل، وتخل بقواعد التحقيق والنشر. كما توقفت على يديه السلسلة التى تولى الإشراف عليها يونان لبيب بعنوان "مصر المعاصرة" وكانت تنشر بحوثاً دون خطة محددة، فكل من لديه بحث يسعى لنشره يلجأ إلى المشرف على السلسلة، فيختار من بينها ما يمكن نشره. وكانت علاقة الباحثين بعبد العظيم رمضان على درجة كبيرة من السوء بسبب ترك معظمهم بلا عمل، وحرمانهم من بعض المزايا العينية لمجرد معارضتهم له فى الرأى.
لذلك كله، كلف جابر عصفور صاحبنا بالإشراف على المركز، فأعاد تنظيمه، ووضع خطة بحثية وافق عليها مجلس الإدارة، من بينها مشروع تجميع المقالات السياسية لطه حسين ونشرها، ومشروع إحياء سلسلة بحوث المركز مع توجيهها لتغطية قضايا محددة، ومشروع إصدار مجلة تهدف إلى نشر الثقافة التاريخية، تخاطب الشباب وتعمل على تنمية وعيه بالتاريخ القومى. ما كادت فترة التنظيم تنتهى، ويبدأ العمل بصورة متوازية فى المشروعات البحثية التى وافق عليها مجلس الإدارة، حتى انتهت مدة إشراف جابر عصفور على دار الكتب والوثائق القومية وعُين ناصر الأنصارى رئيساً لها. فانتظر صاحبنا ما يقرره الرئيس الجديد بشأن من يفضل التعاون معهم، وامتنع عن متابعة عمله بالمركز ودار الوثائق. وبعد شهر كامل استدعاه الأنصارى، وطلب منه الاستمرار فى الإشراف على المركز بعد أن استمع منه إلى تقرير عما تم فى الشهور السابقة، وقدم له مجموعة الأساتذة الذين أسند إليهم الإشراف على مشروعات بحثية بالمركز. وبعد حوالى شهر كان صاحبنا فى حاجة لعرض بعض الأمور المتصلة بالعمل على ناصر الأنصارى لضرورة الحصول على قرار منه بتذليل بعض الصعوبات التى كانت تعترض فريق العمل فى جمع مقالات طه حسين السياسية، فاتصل بمكتب رئيس الهيئة طالباً مقابلته، فأمهله السكرتير نصف ساعة للرد. وعندما اتصل بالسكرتير بعد ساعة، كرر الاعتذار لأن الرئيس لديه ضيف من ضباط البوليس (زملائه القدامى)، وأنه أمر بألا يزعجه أحد. استاء صاحبنا، وانصرف من المركز وأثناء خروجه من باب دار الكتب التقى ليلى حميدة رئيسة الإدارة المركزية لدار الكتب عائدةً من مكتب ناصر الأنصارى، وعلم منها أن الرئيس الجديد وضع تعليمات تقضى بأن يتقدم من يريد مقابلته من مسئولى الدار بطلب المقابلة وموضوعها قبل الموعد المطلوب بثلاثة أيام على الأقل، ويترك لمكتب "الباشا" الحق فى استدعائه للمقابلة (السامية) عندما يقرر "الباشا" ذلك. ولما كان هذا الأسلوب لا يتفق مع متطلبات العمل فى مجال البحث، وخاصةً أن الرئيس الجديد لا يفرق بين الموظفين والأساتذة الذين يخدمون الهيئة بدافع وطنى وليس نفعياً (ولم يكن صاحبنا قد تقاضى أية مكافآت لمدة سبعة أشهر، كما لم يطالب بتحديد مكافأة له)، قرر صاحبنا أن ينسحب من الإشراف على المركز بعد تلقين الأنصارى درساً فى الأخلاق، فأرسل له رسالة بالفاكس فى اليوم نفسه جاء فيها: "احتجاجاً على أسلوبك غير اللائق فى التعامل مع الأساتذة ذوى القامات العلمية العالية، لا يشرفنى استمرار التعاون معكم مشرفاً على مركز تاريخ مصر المعاصر وغيره من أعمال".
بعد إرسال الفاكس بنحو ربع الساعة، تلقى صاحبنا اتصالاً تليفونياً من سكرتير الأنصارى يخطره فيه أن "معاليه" على استعداد للقائه، فقال له إن علاقته بالهيئة انتهت، وأن قراره بهذا الصدد نهائى. وتسرب خبر استقالة صاحبنا من الإشراف على مركز تاريخ مصر المعاصر إلى مجلة روز اليوسف فنشرته فى مكان بارز، واتصل حلمى النمنم بصاحبنا ليتأكد من الخبر فأكده له وأبلغه بنص الفاكس، فنشره بالمصور، بعدما أضاف إليها ما صرح له به ناصر الأنصارى من أن الدكتور (فلان) قُبلت استقالته لأنه لم ينجز شيئاً! ومن المفارقات المحزنة والغريبة أن صاحبنا فوجئ بصديقه الحميم يونان لبيب رزق يبلغه أن ناصر الأنصارى دعاه للقائه، وكلفه بالإشراف على مركز تاريخ مصر المعاصر، وأنه قبل المهمة على أن يتم تشكيل لجنة علمية يتولى رئاستها لهذا الغرض، وعرض على صاحبنا التعاون معه عضواً باللجنة "حرصاً على المركز من التعرض للانهيار"! طبعاً رفض صاحبنا، وتعجب من قبول صديقه التعاون مع الأنصارى فى هذه الظروف، فلو كان الوضع معكوساً، ودُعى صاحبنا ليتولى مسئولية لفظها يونان دفاعاً عن كرامته، لما قبل هو ما لم يقبل به صديقه. ومضت الشهور، وقفز الأنصارى إلى منصب مدير معهد العالم العربى بباريس، وتولى سمير غريب رئاسة دار الكتب والوثائق القومية. وبعد نحو الشهر من توليه المنصب الذى صاحبته ضجة أثارتها "الأخبار" حول هذا التعيين، تلقى صاحبنا مكالمة تليفونية من سمير غريب (ولم يكن له به سابق معرفة) يستأذنه فى اللقاء به، ويطلب منه أن يحدد المكان والزمان. فاعتذر صاحبنا بحجة انشغاله بارتباطات طوال ساعات النهار، فقال له سمير: "على كل المساء أفضل، تحب أقابل سيادتك فين؟"، فلم يجد صاحبنا مفراً من الموافقة على لقائه بمكتب رئيس دار الكتب فى الثامنة من مساء اليوم نفسه.
كان اللقاء ودياً، علم من سمير غريب أنه بدأ عمله بقراءة ملفات أعمال لجنة التطوير، وتبين له أهمية دور صاحبنا فى اللجنة وعمق خبرته بالوثائق، كما تبين له أن لجنة الضم والاستغناء لم تجتمع منذ قطع علاقته بالدار، وأن رئيس الإدارة المركزية للدار عرض عليه مذكرةً يطلب فيها تعيين رئيس بديل للجنة، فاطلع على جداول أعمالها وأدرك أهمية عملها. لذلك يرجوه أن يكون مستشاره فيما يتصل بشئون دار الوثائق، فاعتذر صاحبنا بعدم قبوله الارتباط بعلاقة إدارية مع رئيس الدار، ويذكر أن سمير غريب قال له أثناء محاولة إقناعه بالقبول أنه لديه قدرات إدارية كبيرة ولكنه فى حاجة إلى من يرشده إلى الطريق السوى، وهو لا يجد هذا الإرشاد إلا من أهل الخبرة من كبار الأساتذة، لذلك يحتاج إلى عونه. فقبل صاحبنا أن يستأنف عمله بلجنة الضم والاستغناء على الفور، وهنا قال له سمير غريب إنه يرجوه أيضاً أن يقبل الانضمام إلى اللجنة العلمية لمركز تاريخ مصر المعاصر، ليتولى استئناف الإشراف على مشروع جمع المقالات السياسية لطه حسين ونشرها، فقبل ذلك أيضاً. بعد بضعة شهور من هذا اللقاء شكل سمير غريب اللجنة العلمية لدار الوثائق القومية برئاسة صاحبنا وعضوية بعض الزملاء الذين أوصى بضمهم إلى عضوية اللجنة. كذلك لجأ إليه سمير غريب لترشيح أستاذ تاريخ أو وثائق يتولى رئاسة الإدارة المركزية لدار الوثائق فرشح له الدكتور محمد صابر عرب الذى أسندت إليه المهمة بالفعل، كذلك طلب من صاحبنا أن يرشح له أستاذاً من كلية العلوم، له معرفة بالعلوم الإنسانية ليتولى رئاسة الإدارة المركزية للمراكز العلمية التى تضم تحقيق التراث، ومصر المعاصر، ومركز الترميم، ومركز الطفولة، فرشح له الدكتور حامد عبد الرحيم عبيد، وتولى هذه المهمة حتى تركها ليشغل منصب المستشار الثقافى بالمغرب. وهكذا نجح سمير غريب بأسلوبه الجميل وإدارته الذكية في أن يستثمر خبرة صاحبنا استثماراً جيداً، ولم يحدث أن رفض له اقتراحاً من الاقتراحات التى قدمها له. وعندما حصل صاحبنا وزميله محمود فهمى حجازى على جائزة الدولة التقديرية عام 2000، لم تحتفل بهما كلية الآداب التى أعطاها كل منهما خلاصة جهده، ولكن كرمهما سمير غريب فى احتفال مهيب فى دار الكتب تقديراً منه لفضلهما على الدار. واختار سمير غريب صاحبنا مقرراً للندوة الدولية التى ظل يعد لها نحو ثمانية شهور احتفالاً بالعيد الذهبى لثورة يوليو، وكان غريب صاحب فكرة الاحتفال بهذه المناسبة الجليلة على المستوى القومى. فشكل لجنة للإعداد ضمت بعض كبار الأساتذة والباحثين، عملت طوال تلك الشهور على إخراج الندوة على المستوى اللائق. وترك سمير غريب رئاسة دار الكتب قبل انعقاد الندوة، فتمت فى عهد رئاسة صلاح فضل لدار الكتب، ولم يحضرها سمير غريب، ولم يرد له ذكر إلا فى الكلمة الافتتاحية للندوة التى ألقاها صاحبنا بالمسرح الصغير بالأوبرا، والكلمة التى كتبها فى مقدمة الكتاب الذى نُشر ليضم أبحاث الندوة التى يُعزى الفضل فى إقامتها إلى ذلك "الغريب" فى زمانه. ولم يكن صلاح فضل أقل تقديراً له، وتعاوناً معه من سمير غريب، فقد ساند مشروعاته البحثية فى إطار اللجنة العلمية لدار الوثائق القومية، وكذلك مشروع المجلة العلمية لدار الوثائق القومية التى صدر المجلد الأول منها "الروزنامة" فى أواخر عهده برئاسة الهيئة.
كذلك امتد النشاط العلمى لصاحبنا إلى مركز الدراسات القانونية والاقتصادية والاجتماعية (CEDEJ) الفرنسى بالقاهرة، فشارك فى ندواته، وفى موسمه الثقافى محاضراً أكثر من مرة، ونظم سمناراً استمر ثلاث سنوات حول "منهجيات البحث التاريخى" فى إطار التعاون بين المركز والجمعية المصرية للدراسات التاريخية.
أما عن المجلس الأعلى للثقافة، فنشاطه فيه يمتاز بالتنوع ولكنه يتم فى إطار التعاون مع أمانة المجلس وليس "لجنة التاريخ" التى يرأسها "عبد العظيم رمضان" منذ سنوات، ورغم تعدد الكفاءات فيها، وأدها رئيس اللجنة، فتحولت اللجنة على يديه إلى ذيل قائمة لجان المجلس من حيث النشاط العلمى والثقافى، كما تحولت إلى "مكلمة" يمضى الأعضاء فيها الوقت فى الاستماع إلى "أمجاد" رئيس اللجنة الذى يحشر فى كل مناسبة حديثاً مزعوماً دار بينه وبين رئيس الجمهورية، بما يُشعر المستمع بمدى قرب رئيس اللجنة من رئيس الجمهورية الذى يستمد الحكمة منه دائماً. فإذا تقدم أحد الأعضاء بفكرة لا تروق له بديلاً لاقتراح تقدم به هو، حرص على التمسك برأيه. لذلك لم يطق صاحبنا صبراً فكان يحاجى رمضان دائماً، حتى وجد أن من العبث تضييع الوقت فيما لا يفيد. فكتب إلى جابر عصفور معتذراً عن عدم الاستمرار فى عضوية اللجنة ما بقى عبد العظيم رمضان رئيساً لها.
لذلك يقتصر تعاون صاحبنا مع المجلس الأعلى للثقافة على الأمانة العامة للمجلس سواء فى تنظيم الندوات والمشاركة فيها، أو المساهمة فى المشروع القومى للترجمة، أو غير ذلك من الأنشطة العلمية والثقافية المتعددة التى يقوم بها المجلس الذى أصبح قاعدة للعمل الثقافى فى الوطن العربى بفضل جهود جابر عصفور، وفريق العمل المتميز من الشباب الذى يتعاون معه. بالإضافة إلى نشاطه العلمى وعلاقاته بالجامعات اليابانية التى امتدت عشرين عاماً أو نحوها، اتسع مجال النشاط العلمى لصاحبنا فى الخارج ليمتد إلى غرب أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، فدعاه دومينيك شيفالييه للحديث فى سمناره بجامعة باريس الرابعة (السوربون)، كما دعاه الكسندر شولش للتدريس لمدة ثلاثة أسابيع بجامعة إسن Essen بألمانيا، ونظم له جولة محاضرات غطت جامعات كييل وهامبورج وفرايبورج، إضافة إلى جامعة برلين الحرة. وتكررت دعوته لكل من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا عدة مرات للمشاركة فى ورش العمل والندوات والمؤتمرات التى قدم فيها بحوثاً نُشرت بالإنجليزية، وتُرجم أحدها إلى الألمانية ونُشر بها. وفى أواخر 1989، تلقى صاحبنا من "جمعية دراسات الشرق الأوسط بأمريكا الشمالية" (MESA) وهى أكبر الجمعيات العلمية المتخصصة فى الغرب، تلقى ما يفيد أن مجلس إدارة الجمعية قد اختاره "ضيف الشرف" فى مؤتمره السنوى الذى يُعقد فى سان أنطونيو بولاية تكساس فى نوفمبر 1990. وكانت الجمعية قد قررت توجيه الدعوة إلى أحد الأساتذة البارزين ليكون ضيف الشرف فى المؤتمر السنوى كل عام، تتحمل الجمعية نفقات سفره وإقامته، ويتم تكريمه على هامش المؤتمر الذى يُدعى لحضوره، وتُنظم له جولة محاضرات ببعض الجامعات الأمريكية التى تقبل استضافته. وكان أول الضيوف برنارد لويس، ثم جاك بيرك، ثم ألبرت حورانى، وكان صاحبنا الرابع فى سلسلة ضيوف الشرف، والأول من بين من ينتمون إلى الشرق الأوسط. وعلم فيما بعد أن بعض أعضاء مجلس إدارة "جمعية دراسات الشرق الأوسط بأمريكا الشمالية" اقترح اسمه، بينما اقترح آخرون اسم أمنون كوهين المؤرخ الإسرائيلى المتخصص فى تاريخ فلسطين فى العصر العثمانى، وأن نتيجة التصويت بمجلس الإدارة حول من تُوجه إليه الدعوة جاءت لصالحه بفارق ثلاثة أصوات عن عدد الأصوات التى ساندت دعوة أمنون كوهين.
لذلك كان حضور صاحبنا المؤتمر يعد انتصاراً لمن فضلوه على كوهين، ولم يحضر الحفل الذى أُقيم له فى سان أنطونيو أحد من المدعوين اليهود، ولاحظ وجود عشرة على الأقل من أعضاء هيئة التدريس العرب بالجامعات الأمريكية بين من حضروا المحاضرة التى ألقاها بالمؤتمر عن "عوامل قيام الحركة الإسلامية السياسية بمصر". وإضافةً إلى أيام المؤتمر الأربعة، نظمت الجمعية له جولة محاضرات غطت أربع جامعات بكاليفورنيا وجامعتى ستانفورد وجورجيا على مدى أسبوعين أُرهق فيهما صاحبنا إرهاقاً شديداً، فلم ير خلال الأسبوعين سوى أسفلت الطرق السريعة وممرات المطارات، وقاعات المحاضرات. ولكن سعادته بما لقى من تكريم على هذا المستوى الدولى، وتقديراً لجهده المتواضع فى مجال تخصصه، شحنه بقوة معنوية كبيرة أعانته على تحمل مشاق الرحلة. برغم عما يُفترض أن يضفيه الحصول على جائزة الدولة التقديرية فى العلوم الاجتماعية على صاحبنا من شرف، إلا أنه لم يشعر عند حصوله على الجائزة عام 2000 بذلك القدر من السعادة الذى شعر به عندما حظى بشرف اختياره كأول أستاذ من الشرق الأوسط ليكون "ضيف الشرف" فى المؤتمر العلمى لجمعية دولية مرموقة. وخاصةً أن حصول بعض من لا يرقى عطاؤهم العلمى إلى مستوى جائزة الدولة التقديرية على هذه الجائزة أضر ضرراً بالغاً بمن حصلوا عليها عن جدارة واستحقاق، كما أضر بالقيمة الأدبية للجائزة. لذلك يحرص صاحبنا على ذكر تكريم "جمعية دراسات الشرق الأوسط بأمريكا الشمالية" له فى سيرته العلمية، ويتعمد إهمال ذكر حصوله على جائزة الدولة التقديرية فى العلوم الاجتماعية.
[تحرير] ميلاد جديد للجمعية التاريخية
انضم صاحبنا إلى عضوية الجمعية المصرية للدراسات التاريخية عام 1966، عندما استقر بالقاهرة بعد تركه العمل بكفر الزيات وتفرغه للدراسة فى مرحلة الدكتوراه، وكانت الجمعية تعيش عصرها الذهبى فى ظل رئاسة الدكتور أحمد عزت عبد الكريم الذى خلف أحمد بدوى. وكان بدوى مشغولاً عن الجمعية بإدارته للجامعة، فترك أمورها للدكتور مصطفى زيادة الذى لم يستطع إدارة النشاط العلمى والثقافى للجمعية على نحو ما كانت عليه الحال أيام محمد شفيق غربال. تأسست الجمعية عام 1945 بموجب مرسوم ملكى أصدره الملك فاروق باسم "الجمعية الملكية للدراسات التاريخية" وكان وراء تأسيس الجمعية حسن حسنى باشا سكرتير الملك، وشقيق إبراهيم نصحى قاسم، وكان حاصلاً على الدكتوراه فى التاريخ، ومعنياً بتحسين صورة مليكه، فأوحى إليه بأن يؤسس جمعية علمية للدراسات التاريخية تتولى إبراز تاريخ مصر فى عهد الأسرة العلوية. وقد منح الملك للجمعية عند تأسيسها عشرة آلاف جنيه مصري، كما أفسح لها مكاناً "بالجمعية الزراعية الملكية" بأرض الجزيرة (موقع الأوبرا الآن)، ولم يُشيد لها بناءً خاصاً تتخذه مقراً لها. لذلك عندما قامت حكومة ثورة يوليو بإنشاء "هيئة المعارض الدولية" التى اتخذت من مبانى الجمعية الزراعية مقراً لها، طردت الجمعية المصرية للدراسات التاريخية من مكانها، فاستأجرت طابقاً من بناية بشارع البستان عام 1958، بإيجار شهرى قدره 59.5جنيهاً. ويبدو أن صاحب العقار (وهو محام آل إليه المبنى عام 1956 وكان مملوكاً لموكل أجنبى)، قد أبرم العقد مع الجمعية بهذه القيمة الايجارية المرتفعة كبديل عن الخلو، لأنه اتضح –فيما بعد- أن إيجار الطابق بسجلات العوائد اثنا عشر جنيهاً شهرياً. كان الطابق يتكون من شقتين بكل منهما خمس غرف وصالة، أُزيل الحائط الفاصل بين حجرتين متجاورتين بكل شقة ليتحول فى واحدة منهما إلى قاعة للمكتبة، وفى الثانية إلى قاعة للمحاضرات وتُركت ثلاث غرف لمكتب الرئيس، وحجرة اجتماعات مجلس الإدارة، وحجرة السكرتارية، وشُغلت باقى الغرف بدواليب المكتبة واستخدمت قاعة الشقة الأخرى للمحاضرات ولم تزد سعتها على 35 مقعداً. أما الصالة فاتخذت مكاناً لاطلاع المترددين على المكتبة، وخُصصت إحدى الحجرات مخزناً للمطبوعات.
ومنذ تأسيس الجمعية عام 1945 وحتى عام 1961 تاريخ وفاة محمد شفيق غربال، أصدرت الجمعية عدة كتب عن عهود محمد على وإبراهيم وإسماعيل، كما أصدرت "المجلة التاريخية المصرية" التى بدأت نصف سنوية، ثم أصبحت سنوية عندما عجزت موارد الجمعية المالية عن إصدار عددين فى السنة الواحدة. ونظراً لعدم وجود جهة تتولى توزيع تلك المطبوعات تكدست بحجرة المخزن وتعرضت للتلف. برغم من بؤس المكان وتواضعه، شهدت منصة قاعة المحاضرات كبار مؤرخى مصر يلقون محاضراتهم فى المواسم الثقافية للجمعية، كما شهدت بعض كبار المؤرخين الأجانب مثل أرنولد توينى، وجاك بيرك، ودومينيك شيفالييه وأندريه ريمون، وغيرهم. وبلغ النشاط الثقافى والعلمى ذروته فى عهد رئاسة أحمد عزت عبد الكريم (1966- 1976) فاتسع حجم النشاط، وزاد الإقبال على المحاضرات فكان الوقوف ضعف عدد الجلوس فى بعض المناسبات. وأصبحت الجمعية تعقد ندوات كل عام بالاشتراك مع المجلس الأعلى للفنون والآداب (الذى أصبح فيما بعد المجلس الأعلى للثقافة) تناولت كبار مؤرخى العرب من ابن عبد الحكم إلى على مبارك، نُشر معظمها فى كتب. وشهدت انتخابات مجلس الإدارة إقبالاً شديداً فى عهد عزت عبد الكريم، وبدأ الشباب من الأعضاء يتسربون إلى المجلس الذى كان احتكاراًَ لكبار الأساتذة. ويرجع ذلك إلى غلبة الشباب فى القاعدة العريضة من أعضاء الجمعية العمومية. كما شهد ت اجتماعات الجمعية العمومية نقاشاً جاداً حول النشاط العلمى والثقافى للجمعية، لعل أهمه ما أثاره محمد أنيس فى الجمعية العمومية للعام 1969 من اعتراض على دعوة برنارد لويس لإلقاء محاضرة بالجمعية، وإشادة من ترأس جلسة المحاضرة (سعيد عاشور) به وبفضله على العالم العربى، وعد ذلك "انحرافاً" خطىًراً وخروجاً على إجماع الأمة على مقاطعة الصهيونية، نظراً لما عُرف عن برنارد لويس من مشايعة للصهيونية ومناصرة الكيان الصهيونى، واستهانة بالثقافة العربية. وأيد محمد أنيس، عبد الكريم أحمد. ورد عزت عبد الكريم بأن لويس كان مدعواً من الدولة للمشاركة فى الاحتفال بألفية القاهرة، فإذا كانت الدولة قد دعته، والتقى به عبد الناصر فلا يضير الجمعية أن توجه الدعوة إليه. وعرض عزت عبد الكريم على الجمعية العمومية اقتراحاً بحق رئيس الجمعية فى توجيه الدعوة لمن يشاء لإلقاء محاضرة بالجمعية دون حاجة إلى الرجوع لمجلس الإدارة، فوافقت الأغلبية على القرار، وغضب محمد أنيس وعبد الكريم أحمد وغادرا الاجتماع.
وساهم صاحبنا (أيام رئاسة عبد الكريم) فى إعداد الببليوجرافيا التى نُشرت لأول مرة بالمجلة التاريخية المصرية عن رسائل الماجستير والدكتوراه فى التاريخ التى أجازتها الجامعات المصرية منذ بداية الدراسات العليا فى كل منها فاختص بالجانب الأكبر منها، إذ كُلف بإعداد الجزء الخاص بجامعة القاهرة. واختير صاحبنا أكثر من مرة أميناً لجلسة اجتماع الجمعية العمومية ليتولى تسجيل ما يدور من مناقشات فى محضر الجلسة.
وشجعه الدكتور احمد عزت عبد الكريم على الاشتراك فى الموسم الثقافى للعام 1972، فألقى أول محاضرة عامة فى حياته أمام جمهور نصفه من كبار الأساتذة. كما شارك فى موسم "جمال عبد الناصر الثقافى" الذى أقيم عقب وفاة عبد الناصر وخُصص لموضوع "الأرض والفلاح عبر العصور"، وتم طبع أعماله فى كتاب على درجة عالية من القيمة.
لم يدخل صاحبنا مجلس إدارة الجمعية عضواً إلا عام 1979، عندما أقنعه فريق من زملائه بترشيح نفسه ففاز بالعضوية بعدد من الأصوات فاق ما حصل عليه بعض كبار الأساتذة، وكانت رئاسة المجلس للدكتور إبراهيم نصحى قاسم. وكان من بين أعضاء المجلس (عندئذ) بدر الدين أبو غازى (وزير الثقافة الأسبق) وأحمد عبد الرحيم مصطفى، وصلاح العقاد، وعبد العزيز صالح، وجمال زكريا قاسم.
كان عزت عبد الكريم يستثمر مكانته العلمية وعلاقاته الشخصية فى دعم موارد الجمعية المالية، وفى إبراز نشاطها الثقافى، وهو ما كان يفتقر إليه إبراهيم نصحى الذى اعتمد فى إعداد الموسم الثقافى وتنظيمه على صلاح العقاد، ولم يحسن اختيار من يتولون الإعداد للندوة السنوية، فتقلص النشاط الثقافى تدريجياً وقل اهتمام الأعضاء بحضور محاضرات الموسم الثقافى حتى أن أحد المحاضرين لم يجد من الجمهور سوى ثلاثة أفراد، فجمع أوراقه وانصرف.
وعبثاً حاول صاحبنا -وأبناء جيله من أعضاء مجلس الإدارة- إقناع رئيس المجلس بموضوع معين بديل لتدور حوله محاضرات الموسم الثقافى، على نحو ما تم عمله فى موسم "الأرض والفلاح" فكان يرفض مثل هذه المقترحات، ويتعمد السخرية من صاحبنا وهو يعلم تماماً أن صاحب الاقتراح من تلاميذه، ومن الجيل الذى تربى على احترام الأستاذ واعتباره والداً، وكانت إدارته للجلسة بعيدةً تماماً عن الديموقراطية، فهو يسأل أمين المجلس عما لديه من أوراق، فيعرضها الأمين، ثم يملى عليه الرئيس القرار والكل جلوس حول المائدة يرقبون دون كلام، فإذا تكلم أحدهم رد عليه الرئيس بضيق معترضاً على مداخلته. وعندما نجح أحد المدرسين الشباب فى الانتخابات وانضم إلى المجلس، وكان تلميذاً مباشراً للدكتور نصحى أعد الدكتوراه تحت إشرافه، كان يتعمد تجريحه فى كل جلسة حتى اختفى من المجلس بعد ثلاث جلسات. وحاول أعضاء المجلس إدارة أمور الجمعية بقدر الإمكان دون المساس بالدكتور نصحى باعتباره أستاذاً لثلاثة أجيال من الأساتذة ممثلين بالمجلس. فكان أمين الصندوق ثم الأمين العام من الشباب، يتصرفون فى مواجهة الصعاب التى تعانيها الجمعية قدر طاقتهم، فإذا احتاج الأمر الكتابة إلى وزير الثقافة (مثلاً) لطلب الجمعية معونة مالية رفض نصحى توقيع الخطاب حنى لا ينزل إلى مستوى ذلك الوزير!.
وعندما أصبح من يُدعون إلى إلقاء المحاضرات فى الموسم الثقافى يحجمون عن الإقبال على إلقاء المحاضرات تدهور مستوى ما يتم تقديمه من عناصر متواضعة. وحاول رئيس الجمعية شغل الفراغ بإقامة أربع حفلات تأبين فى عام واحد لأعضاء هيئة تدريس ماتوا خلال العام لم يكن بينهم سوى اثنين أعضاءً بالجمعية، فاعترض صاحبنا (وكان أميناً عاماً)، وهدد بالاستقالة إذا ما تم تحويلها إلى (قاعة عزاء)، ولم ينقذ الموقف سوى عبد العزيز صالح (نائب الرئيس) الذى أقنعه بالعدول عن ذلك. تعثرت المجلة أيضاً، ولم يكن حساب الجمعية بالبنك يغطى إصدار عدد واحد منها، وكان العرض الذى قدمته الدار المصرية اللبنانية لإصدار المجلة طوق نجاة للجمعية ومجلتها، فقد تمت الموافقة على أن يقوم الناشر بطبع المجلة على أن يقدم للجمعية 250 نسخة من كل عدد ويدفع (500 جنيهاً) نقداً. واشترى حق إعادة طباعة الأعداد القديمة بمبلغ 16500 جنيهاً. كما اشترى كمية من مخزون المطبوعات لدى الجمعية بمبلغ 14000 جنيهاً. ووافق الدكتور نصحى بعد جهد جهيد على تلك الصفقة التى تولى أمرها الأمين العام (جمال زكريا)، وأمين الصندوق (صاحبنا). وكان الأعضاء يفكرون فى البحث عن بديل لنصحى لرئاسة مجلس الإدارة، ولكن المشكلة كانت فى البحث عمن يجرؤ أن يربط الجرس فى رقبة القط. فقد كان نصحى بعد كل انتخاب يجلس فى مقعد الرئيس ويقول: "أنا عارف انكم متمسكين بى، وأنا قبلت الرئاسة عشان أعفيكم من الحرج"، ثم يسأل عمن يُنتخب نائباً، وأميناً عاماً، وأميناً للصندوق، فكان الاتجاه دائماً إلى إبقاء الحال على ما هو عليه.
وحاول صاحبنا أن يكسر الجليد فى إحدى هذه المناسبات (عند اختيار هيئة المكتب)، وكان أميناً عاماً، فقال إن من بقى فى موقع ثلاثة أعوام من الأفضل أن يتيح لغيره فرصة خدمة الجمعية فى هذا الموقع، ولذلك يعتذر مقدماً عن عدم استمراره أميناً عاماً. وعندما ألح الأعضاء على صاحبنا فى الاستمرار قال نصحى: " بردون .. هو بالعافية.. الراجل شايف نفسه ما ينفعش يستمر، أوكيه شوفوا غيره، وأنا شخصياً موافق على الاستمرار". وعاد صاحبنا إلى هيئة المكتب مرةً أخرى نائباً للرئيس مدة عامين عقب وفاة عبد العزيز صالح. واستطاع صاحبنا أن يحول منصب نائب الرئيس إلى أداة فعالة للعمل على النهوض بالجمعية بالتعاون مع أيمن فؤاد سيد (أمين الصندوق) وعبد المنعم الجميعى (الأمين العام) وغيرهما من أعضاء مجلس الإدارة. فعملوا عامى 1997، 1998 على مواجهة أزمة تضخم القيمة الإيجارية للمقر نتيجة صدور قانون تأجير الأماكن غير المخصصة لأغراض السكنى. وتم الحصول من وزير الثقافة على دعم مالى سنوى قدره عشرة آلاف جنيهاً للمساعدة فى تسديد الإيجار الذى عجزت مالية الجمعية عن تحمله.
وخلال ذلك العام، والعام السابق عليه حاول صاحبنا إقناع جمال زكريا قاسم بالترشح لمجلس الإدارة تمهيداً لاختياره رئيساً بديلاً لنصحى، فرفض الترشيح. كذلك حاول صاحبنا إقناع يونان لبيب رزق ترشيح نفسه لرئاسة المجلس مع ترتيب الأمور فى المجلس لتأييده (وكان ذلك عام 1999)، فلم يحضر الجمعية العمومية حتى لا يتورط فى حضور جلسة مجلس الإدارة لاختيار هيئة المكتب، فقد كانوا رغم وصولهم إلى الأستاذية، وما تمتعوا به من مكانة علمية، يشعرون بالحرج الشديد من مواجهة نصحى. وقد فوجئ صاحبنا فى هذا الاجتماع (1999) بعضوات مجلس الإدارة: نللى حنا ولطيفة سالم ومنى بدر يدبرن انقلاباً صامتاً. فبمجرد جلوس إبراهيم نصحى فى مقعد الرئيس قالوا: "إحنا عاوزين فلان (أى صاحبنا) يتولى رئاسة المجلس ونقترح أن تكون سيادتك رئيس فخرى للجمعية". فاستاء صاحبنا لهذه المفاجأة التى لم يتوقعها، وترك قاعة الاجتماع غاضباً. وبعد حوالى ربع الساعة جاءه سعيد عاشور وعادل غنيم، وقالا له إن المجلس قد اختاره رئيساً بالإجماع مع اختيار نصحى رئيساً فخرياً. وعاد صاحبنا إلى الاجتماع ليوجه الشكر إلى الجميع، وسأله نصحى عما إذا كان يدرك أهمية رئاسة الجمعية وخطورتها، فأجابه بأنه سيستفيد بما تعلمه منه، ثم تساءل نصحى عمن تكون له رئاسة جلسات مجلس الإدارة عند انعقاده، فرد الجميع فى صوت واحد: "فلان الذى انتخبناه"، فغضب وانصرف، ولحق به أحد الزملاء لتوصيله إلى بيته. انتاب صاحبنا شعور من الخوف من ثقل العبء الذى ينتظره، فالجمعية فى طريقها إلى الإفلاس، وصاحب العمارة رفع قضية يعترض فيها على طريقة حساب القيمة الإيجارية ويطالب بمتأخر 57 ألف جنيه ولم يكن الرصيد بحساب الجمعية بالبنك إلا ما يزيد قليلاً عن عشرة آلاف جنيه. كما أن تنحية إبراهيم نصحى على هذا النحو قد يُفهم منها أن له يداً فى تدبير ما حدث.
ولكن الدكتور إبراهيم نصحى نفسه كفاه مئونة تأنيب الضمير، فقد اتصل به تليفونياً فى اليوم التالى، وقال له إن الانتخابات التى تمت باطلة، وأنه سيتقدم بشكوى لوزارة الشئون الاجتماعية، ويمكن أن يتسبب ذلك فى "أذية" صاحبنا، وأنه إذا فضل الحكمة والتعقل يضمن له أن يظل نائباً للرئيس، بشرط إعادة الانتخابات مرةً أخرى. أحس صاحبنا بالارتياح الشديد، وعبر عن ذلك صراحةً لمحدثه، وقال له إن الشئون الاجتماعية أُبلغت بالفعل بالأمس بالتشكيل الجديد، والاجتماع قانونى لأن جميع أعضاء المجلس كانوا حاضرين باستثناء يونان لبيب. وأنه إذا أراد الشكوى فهذا حقه، ولكنه ينصحه –تقديراً له- ألا يتورط فى ذلك قبل استشارة من يفهم فى القانون. حضر إبراهيم نصحى أول اجتماع لمجلس الإدارة رأسه صاحبنا (بعد شهر من انتخاب هيئة المكتب)، وهو الاجتماع الذى طرح فيه الرئيس الجديد الظروف الحرجة التى تمر بها الجمعية، وتعرضها لفقد المقر إذا كسب مالك العقار القضية. وطلب من المجلس الموافقة على توكيل المستشار الدكتور محمد حسنى عبد اللطيف المحامى لتمثيل الجمعية (وقد قبل أن يتولى القضية دون أتعاب، بل تبرع أيضاً للجمعية بثلاثة آلاف جنيه)، كما اقترح أن تلجأ الجمعية إلى الشخصيات المعروفة برعاية الثقافة فى العالم العربى لبناء مقر خاص للجمعية أو التبرع للجمعية بمبالغ تكفى لإقامة مقر خاص، أو شراء مقر خاص، حتى لا تقع الجمعية فى مأزق مطاردة ملاك العقارات. واقترح الكتابة إلى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والسلطان قابوس، والشيخ سلطان بن محمد القاسمى أمير الشارقة الذى تبرع لجامعة القاهرة ببناء مكتبة لكلية الزراعة تكلفت 12 مليوناً من الجنيهات، وأعد صيغة للخطاب قرأها على الأعضاء، فوافقوا عليها فيما عدا إبراهيم نصحى الذى هاله أن تلجأ الجمعية المصرية للدراسات التاريخية إلى "أولئك البدو" تطلب عونهم ومصر هى التى كانت تفيض عليهم بخيراتها. ورأى فى تنفيذ هذا الاقتراح "إهانة لا تغتفر" تدل على عدم تقدير القيمة الأدبية للجمعية. وغادر الاجتماع غاضباً، ولم يحضر غيره من اجتماعات مجلس الإدارة التالية له، بعدما امتدت رئاسته للجمعية 23 عاماً (1976- 1999).
ولما كانت غالبية أعضاء المجلس قد وافقت على إرسال الخطابات الثلاثة، فقد تم إرسالها مساء اليوم نفسه بالبريد المسجل من مكتب البريد الأهلى أسفل المبنى نفسه، ولم يفكر أحد فى اللجوء إلى القنوات الدبلوماسية، أى سفارات دول من وُجه النداء إليهم، تجنباً للشبهات، وإبقاء الموضوع فى حدوده الخاصة. ولا يعنى ذلك أن مجلس الإدارة راهن تماماً على مساعدة أحد رعاة الثقافة، أو علق الآمال على أن يكون للجمعية يوماً مقر ملك لها، ولكنها كانت محاولات مبعثها اليأس والقلق على مصير الجمعية. وركز المجلس –فى الوقت نفسه - على طلب العون من الشخصيات المحلية من رجال الأعمال بفضل الجهود التى بذلها يونان لبيب مع زملائه فى مجلس الشورى من رجال الأعمال، فحصل على تبرع بعشرة آلاف جنيهاً من محمد فريد خميس، وخمسة آلاف من كل من لويس بشارة وإحدى شركات الأدوية (آمون)، كما أقنع سعد فخرى عبد النور بالتبرع بسداد إيجار الجمعية، فظل يدفعه كل ستة شهور لمدة سنتين. كذلك حصل يونان لبيب من الأمير طلال بن عبد العزيز على وعد بالتبرع سنوياً للجمعية بمبلغ 36 ألف جنيهاً مصرياً لمدة خمس سنوات، وتم الوفاء بهذا الوعد. مضى نحو الشهر على إرسال الخطابات الثلاثة إلى مسقط وأبو ظبى والشارقة، وذات مساء اتصل سمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمى حاكم الشارقة بالجمعية طالباً الحديث مع رئيس الجمعية، فزوده موظف الجمعية برقم تليفون منزل صاحبنا الذى فوجئ بالاتصال.
بدأ الرجل العظيم حديثه بالاعتذار لصاحبنا، لأن الرسالة وصلت قبل ثلاثة أسابيع، وأنه لم يطلع عليها إلا يومها نظراً لوجوده خارج بلاده، وأبدى قلقه على ما تعانيه الجمعية. وشرح له صاحبنا المشكلة، وتصور مجلس الإدارة لحلها باقتناء مقر يتبرع به أحد رعاة الثقافة العربية أو يتعاون عدد من الرعاة فى تمويله، وأن التصور هو شراء فيلا مساحة مبانيها لا تقل عن 500 متر لسكنى الجمعية ومكتبتها. فاعترض سمو الشيخ على هذه المساحة، وقال إنه يعلم أن بالجمعية مكتبةً قيمة وأنها وحدها تحتاج إلى مثل هذه المساحة لو لم يوضع التوسع فى الاعتبار. ولكنه أبدى استعداده لشراء المقر وإعداده لسكنى الجمعية وتأثيثه، ثم تقديمه للجمعية على سبيل الهبة. وزود صاحبنا بأرقام هاتفه الخاص والفاكس الخاص، وطلب إليه أن يراعى فى اختيار المكان القرب من المواصلات وسهولة الوصول إليه من أى مكان بالقاهرة لأنه يعلم أن طلاب الدراسات العليا يستخدمون مكتبة الجمعية. وقال سموه إنه لا يجب ترك الجمعية دون مساعدة حتى يتم تدبير المقر، وتساءل عما إذا كان بإمكانه المساعدة بمبلغ بسيط فى حدود مائة ألف درهم؟. شكره صاحبنا، وأثنى على ما يقدمه من عطاء لمصر، ذاكراً تبرعه لجامعة القاهرة بمكتبة كلية الزراعة (التى تخرج فيها الشيخ). فاستنكر الرجل وصف ذلك بالفضل، وقال إن فضل مصر على العرب كبير، وأنه يسأل الله تعالى أن يعينه على أداء بعض ما لمصر من دين. وعندما أشار صاحبنا إلى هذا الحديث فى الكلمة المرتجلة التى ألقاها فى حفل افتتاح المقر الجديد بمدينة نصر (23 مايو 2001)، بحضور الشيخ ووزير التعليم العالى وبعض كبار رجال وزارة الثقافة، لاحظ عند اطلاعه على شريط الفيديو بعد الاحتفال أن عينى الشيخ اغرورقتا بالدموع عندما وصل صاحبنا فى حديثه إلى ذكر هذه العبارات المخلصة النادرة التى تكشف عن أصالة هذا الرجل العظيم وعمق تقديره لمصر والمصريين.
وبعد أن تم العثور على ثلاث فيلات بمدينة نصر أخطر سمو الشيخ بذلك لتكليف من يمثله بالقاهرة لفحصها واختيار ما يراه منها صالحاً لسكنى الجمعية، وإعداده وتأثيثه. لكن ممثل سموه وجد أن شراء أى فيلا وتجهيزها يساوى من حيث التكلفة شراء قطعة أرض لهذا الغرض وتصميمها بما يتفق مع متطلبات الجمعية ليصبح مقراً لائقاً بها. وبالفعل تم شراء الأرض بمعرفة ممثل الشيخ وصدر تصريح البناء باسمه وتم افتتاح المبنى فى 23 مايو 2001 فى الأسبوع نفسه الذى تم فيه افتتاح مكتبة كلية الزراعة. ولكن مكرمة سمو الشيخ سلطان القاسمى لم تتوقف عند هذا الحد فقد تلقت الجمعية منه تبرعاً بمبلغ 92 ألف جنيهاً مصرياً (بما يعادل 100 ألف درهم) بعد أسبوع من مكالمته مع صاحبنا (أبريل 1999)، كما تبرع بعد ذلك بعام (يوليو 2000) بمبلغ 90 ألف جنيهاً مصرياً. فقام مجلس الإدارة بتجميع هذه التبرعات مع ما تلقته الجمعية من الأمير طلال بن عبد العزيز (72 ألفاً على عامين) وقام بربط وديعة مصرفية بربع مليون جنيه يُصرف منها على نشاط الجمعية، وفى يناير 2004 تبرع سمو الشيخ الدكتور سلطان القاسمى للجمعية بمبلغ نصف مليون درهماً لتتحول إلى وديعة بالجنيه المصرى بلغت قيمتها 830440 جنيهاً، وبذلك أصبح لدى الجمعية وديعة قدرها مليون وحوالى 200 ألف من الجنيهات تدر ريعاً سنوياً يتراوح بين 80- 85 ألف جنيهاً (حسب سعر الفائدة) وبذلك استقرت الأحوال المالية للجمعية فى حدود المصروفات الفعلية بأسعار العام 2004. وجدير بالذكر أن مجلس إدارة الجمعية لم يفقد الأمل فى أن يدرك من أفاء الله عليهم بنعمة الثراء من المصريين أهمية الرسالة التى تقوم بها الجمعية، فيوفرون لها من الرعاية المادية ما يتيح لها المضى قدماً فى أداء رسالتها، فطرقوا أبواب الكثيرين دون جدوى. كما لم يفقدوا الأمل فى دعم مؤسسات الدولة لنشاط الجمعية، كوزارات الثقافة والتعليم العالى، والبحث العلمى، والشباب.
وبعد افتتاح المقر الجديد بشهر واحد (تقريباً)، رتب أحمد الجمال -الكاتب المعروف وعضو الجمعية- لقاءً لأربعة من أعضاء مجلس الإدارة مع الأستاذ محمد حسنين هيكل بناءً على طلبه. وتم اللقاء بمكتبه الخاص على شارع النيل. وحضر مع صاحبنا، عاصم الدسوقى، وجمال زكريا، ومحمد صابر عرب، وأيمن أحمد الجمال. وفى هذا اللقاء أبدى "الأستاذ" اهتمامه برسالة الجمعية، وقال إن الشيخ سلطان القاسمى يُشكر على مكرمته، ولكن رعاية الجمعية مادياً يجب أن تكون من واجب المصريين. وبعد أن اطلع على تصور مجلس إدارة الجمعية الذى كان يتجه إلى تكوين وديعة فى حدود المليون جنيه يتم تجميعها من تبرعات أثرياء المصريين، وقال إن هذا التصور لا يضع فى اعتباره التضخم، وأن الوديعة يجب أن تصل إلى خمسة ملايين على الأقل. ولما كان الحصول على مليون أو أكثر من التبرعات من الصعوبة بمكان نظراً للركود الاقتصادى الذى تعانيه البلاد، رأى "الأستاذ" أن تكون هناك مجموعة من "الرعاة" المصريين فى حدود العشرة أفراد، يتبرع كل منهم للجمعية بمبلغ عشرين ألفاً من الجنيهات سنوياً، ولمدة خمس سنوات حتى تعطى الجمعية دفعةً قويةً لخدمة تاريخ مصر. ووعد بأن يتولى بنفسه مجموعة من "الرعاة" وأن يكون أول المتبرعين.
سعِد القوم باقتراح (الأستاذ)، وشكروه بحرارة، وطلبوا منه أن يلقى محاضرةً فى الموسم الثقافى القادم (أكتوبر 2002- مايو 2003) فى موضوع يختاره. فأبدى موافقته من حيث المبدأ، محذراً من أن ذلك قد يجر المتاعب على الجمعية. فطمأنوه إلى أن الجمعية هيئة علمية أهلية مستقلة، وهى حريصة تماماً على استقلال قرارها وإدارتها. وعندما فتح (الأستاذ) موضوع الوثائق التاريخية التى يحتفظ بنسخ منها، ويريد إيداعها هيئة خاصة يطمئن إليها، أبدى ممثلو الجمعية استعدادهم لقبول تخصيص مكان لها بمكتبة الجمعية، بعدما تشرف الجمعية بزيارته ليطمئن بنفسه على صلاحية الجمعية لهذا الغرض.
وفى اليوم التالى للمقابلة، حمل صاحبنا مجموعة من مطبوعات الجمعية وخطاب شكر لهيكل على المقابلة، سجل فيه كل ما تم الاتفاق عليه، وختمه بطلب تحديد الموعد الملائم "للأستاذ" لإلقاء محاضرته بالجمعية وموضوع المحاضرة. وسلم الرسالة والكتب المهداة (بنفسه) لسكرتير هيكل. وبعد نحو الأسبوع، تلقى صاحبنا مكالمة تليفونية من هيكل شكره فيها على الكتب المهداة، وقال إن لدى سؤالاً مهماً حول الجمعية، قد يبدو تافهاً، ولكنه مهم بالنسبة له: "هل لمن يسمى عبد العظيم رمضان علاقة بالجمعية؟" فقال له صاحبنا إن رمضان كان عضواً بالجمعية منذ سنوات، ولكن سقطت عضويته لانقطاعه عن سداد اشتراكات العضوية، وذلك منذ رسب مرتين فى انتخابات مجلس الإدارة، وأنه لا هم له إلا الهجوم على الجمعية وخاصةً صاحبنا. فقال هيكل: "يعنى مش سايب حد... على العموم شكراً، دى معلومة مهمة بالنسبة لى". وانتهت المكالمة عند هذا الحد. وظل صاحبنا يتصل بمكتب هيكل على فترات متباعدة (يوليو- سبتمبر 2001) فكان يتلقى رداً بأن "الأستاذ" غير موجود ، أو أنه نبه إلى عدم إزعاجه. وفى كل مرة كان صاحبنا يترك اسمه وأرقام تليفوناته، ورسالة مؤداها أن الجمعية بانتظار رده (الكريم) على دعوتها. ولكن يبدو أن الرجل لم يكن جاداً فيما وعد به من "رعاية"، أو أنه أعاد حساباته فوجد أن من مصلحته أن ينأى بنفسه عن الوقوع فى هذه "الورطة". فلم يسمع صاحبنا منه!!.
وهكذا كانت استجابة سمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمى لنداء مجلس إدارة الجمعية، وتشييده لمبنى المقر الجديد بمدينة نصر الذى أقيم بتكلفة قدرها 3.5 مليون جنيهاً مصرياً دفعها من ماله الخاص، كانت بمثابة ميلاد جديد للجمعية المصرية للدراسات التاريخية من الناحية المادية، وبقى التعبير عن هذا الميلاد الجديد من الناحية العلمية والثقافية. كانت الجمعية فى مقرها القديم تقدم خدماتها للأعضاء من الرابعة إلى الثامنة مساء فقط، أما الآن فأصبحت مؤسسة تعمل من التاسعة صباحاً حتى الثامنة مساءً تقدم خدماتها للأعضاء والمجتمع كله. وتطَّلب ذلك وضع تنظيم إدارى جديد، حمل صاحبنا عبأه بحكم خبرته القديمة بالمسائل الإدارية والمالية منذ شبابه الباكر، أيام عمله بكفر الزيات، وسانده مجلس الإدارة بإقرار ما وضعه من نظام إدارى بعد شرحه المستفيض لأعضاء المجلس لكل صغيرة وكبيرة. ووجدت مكتبة الجمعية مستقراً لها فى طابقين من المبنى الجديد متصلين ببعضهما البعض، وخُصص بها مكان للكتب النادرة والمصادر التى تعود طبعاتها إلى القرن التاسع عشر بمختلف اللغات العربية والفرنسية والإنجليزية والألمانية والإيطالية. واتبع نظام المكتبة المفتوحة، حيث ينتقى الباحث الكتب من فوق الرفوف وينقلها إلى طاولة الاطلاع، ثم يتركها فى مكانها بعد فراغه منها ليعيدها الأمين إلى موضعها بالرفوف. ولما كان فهرس المكتبة لم يضف إليه ما ضُم من كتب منذ أوائل السبعينيات بسبب عدم وجود العدد الكافى من الأمناء، فكان لدى الجمعية أمين واحد للمكتبة يعمل مساءً، أصبحت الحاجة ماسةً إلى توفير عدد من الأمناء للقيام بأعمال الفهرسة والتصنيف، وخدمة الباحثين فى نوبتين: صباحاً ومساءً، وقدّر صاحبنا حاجة المكتبة بثمانية من الأمناء. ولكن من أين تحصل الجمعية على هذا العدد من الأمناء ذوى الخبرة، وكيف تتحمل رواتبهم بمواردها التى لا تكاد تكفى تغطية استهلاك المياه والكهرباء والصيانة وأجور عمال النظافة والسكرتارية، والمصروفات النثرية؟ هنا لجأ صاحبنا إلى دار الكتب المصرية، بعد أن علم أن الدار تعير بعض الأمناء إلى الجمعية الجغرافية ومكتبات بعض الأندية، فالتقى سمير غريب (رئيس دار الكتب) وطلب منه مد الجمعية بثمانية أمناء، فاستجاب الرجل على الفور، وقدم للجمعية (على سبيل الإعارة) العدد المطلوب من الأمناء على أن تتحمل دار الكتب مرتباتهم وحوافزهم، وهن جميعاً من السيدات المقيمات بمدينة نصر. وأحدثهن خدمة تزيد سنوات خبرتها عن عشر سنوات. فقدم سمير غريب بذلك للجمعية خدمةً جليلةً تنم عن إدراكه لأهمية رسالتها، وأصبح ذلك أمراً واقعاً التزم به خلفه صلاح فضل الذى تعاون مع الجمعية بلا تحفظ، وإن ظهرت بوادر التراجع (النسبى) لهذا التعاون فى عهد رئاسة أحمد مرسى لدار الكتب، فعندما طلبت أمينتان من الأمناء العودة إلى دار الكتب، ماطل رئيس الهيئة فى تزويد الجمعية بالبديل.
وعلى كل، بفضل هذا التعاون المثمر من جانب دار الكتب، تم الفراغ من تصنيف وفهرسة المقتنيات العربية بالمكتبة على مدى العامين، وبدأ العمل فى فهرسة الكتب المطبوعة باللغات الأجنبية، وقامت الجمعية بتعيين خبيرين بالفهرسة من العاملين السابقين بدار الكتب (المتقاعدين) بنظام المكافأة، لدعم فريق العمل بالخبرة المتميزة. ولما كان المبنى مزوداً بحجرة معدة لتأسيس مكتبة إلكترونية، وهو ما لم يتم توفيره فى إطار الجانب الخاص بتأثيث المبنى، فقد ظلت الحجرة فارغة، وحاول صاحبنا استكمال المكتبة، فلجأ إلى وزارة الاتصالات ووزارة الشباب، دون جدوى. وأخيراً قدم الدكتور فطين أحمد فريد الأستاذ المساعد بجامعة قناة السويس وعضو مجلس إدارة الجمعية (وكان ضابطاً سابقاً برتبة العميد) قدم مساعدة جليلة بدفع طلب الجمعية تأسيس مكتبة إلكترونية فى قنوات وزارة الدفاع، فصدر قرار وزير الدفاع بمنح الجمعية التجهيزات اللازمة لإقامة المكتبة، وتم ذلك بالفعل فى ربيع عام 2004، واستكمالاً لتحديث الخدمة، قامت الجمعية بإقامة شبكة للحواسب الآلية ربطت بين المكتبة الإلكترونية ومكتبة الجمعية بما تطلب ذلك من أجهزة ومعدات، وبذلك بدأ إعداد فهرس إلكترونى (رقمى) لمقتنيات المكتبة. وبعد إقامة المكتبة الإلكترونية، توافرت للمترددين على مكتبة الجمعية خدمة الشبكة الدولية للمعلومات (الإنترنت)، وقام الدكتور صبرى العدل (عضو الجمعية) بتصميم موقع للجمعية على الشبكة الدولية يضم المعلومات الأساسية عنها وعن نشاطها، والإعلان عن برنامجها العلمى والثقافى، وسوف يضاف إليه الفهرس الرقمى لمقتنيات مكتبة الجمعية عند اكتماله.
أما عن إعادة تنظيم النشاط الثقافى للجمعية فقد اضطلع به عاصم الدسوقى، ثم عُبادة كُحيلة. وكان لكل منهما فضل الارتقاء بمستوى الخدمات الثقافية التى تقدمها الجمعية بالإعداد الجيد للموسم الثقافى كل عام، وفتح منبر الجمعية أمام أصحاب الرؤى الجديدة من مختلف المدارس والتوجهات، دون تمييز (سوى بين الغث والثمين). كما نجح كل منهما فى الإعداد الجيد لندوات الجمعية، فنظم عاصم الدسوقى ندوة "المصريون والسلطة" وندوة "الدين والدولة فى الوطن العربى"، ونظم عُبادة كُحيلة ندوة "التقاء الحضارات فى عالم متغير حوار أم صراع؟"، وندوة "الثورة والتغيير فى العالم العربى"، كما تعاون معه عاصم الدسوقى فى تنظيم ندوة "تطور الفكر العربى" وكلها ندوات أعادت للجمعية حيويتها ونشاطها الذى افتقدته منذ ترك رئاستها أحمد عزت عبد الكريم. ووضعها هذا النشاط فى موقع متميز على ساحة الدراسات الخاصة بالشرق الأوسط على المستوى العالمى، فأصبح نشاطها العلمى يحظى بالمتابعة والمشاركة من جانب متخصصين متميزين من أوروبا وأمريكا. كما أُدرجت مجلتها العلمية فى الدليل الدولى للمجلات العلمية. ولم يتوقف النشاط العلمى على الموسم الثقافى الذى تُلقى فيه محاضرتان شهرياً (من أكتوبر- مايو)، والندوة السنوية التى تستمر عادة على مدى ثلاثة أيام كاملة، بل هناك سمنار الباحثين الشبان فى التاريخ العثمانى الذى أنهى العام 2004 عشر سنوات من عمره، ونُشرت أربعة كتب تضم جانباً من أعماله، ونُظم فى العام 2004 ثلاث سمنارات أخرى شهرية فى التاريخ القديم (اليونانى- الرومانى) والتاريخ الإسلامى والوسيط، ثم التاريخ المعاصر.
وتقدم هذه السمنارات بحوثاً متميزة يتم فيها التواصل بين التاريخ والعلوم الإنسانية الأخرى، وتولى قضايا المنهج اهتماماً خاصاً. ويرجع الفضل فى تنظيمها وإدارتها إلى ناصر أحمد إبراهيم ونللى حنا (التاريخ العثمانى)، وأبو اليسر فرح (القديم)، وعلى السيد على (الإسلامى والوسيط). وتعتزم الجمعية أن تعمل على نشر أعمال هذه السمنارات الثلاثة الأخيرة فى كتب تصدرها من خلال التعاون مع دور النشر المختلفة. وهكذا تحولت الجمعية المصرية للدراسات التاريخية –بفضل مكرمة الشيخ الدكتور سلطان القاسمى- إلى مركز ثقافى علمى متميز، ومنارة للعمل العلمى الذى لا يهدف سوى لخدمة تاريخ هذه الأمة، ومعهداً للإعداد العلمى للكوادر العلمية. وما حدث –على هذا النحو- من تطور شهدته الجمعية، ليس بعثاً لها، وإنما كان ميلاداً جديداً، لأن نشاط الجمعية الآن –كماً وكيفاً- غير مسبوق فى تاريخها منذ تأسيسها عام 1945. ولكن ذلك لا يعنى أن تأسيس المقر الجديد كان نهاية للمتاعب، أو أن مناخ العمل كان معتدلاً، ساعد مجلس الإدارة برئاسة صاحبنا على قيادة الجمعية دون التعرض للأنواء. فهناك متاعب لا حصر لها واجهتها الجمعية من إدارة الجمعيات بالشئون الاجتماعية. وعندما كانت الجمعية تعانى المصاعب المالية، ولا تقدم سوى نشاط شكلي محدود، حظيت برضا إدارة الجمعيات، فلم تكن أعمالها تتعرض للمضايقات من جانب موظفى تلك الإدارة التى تُعد نموذجاً فذاً للفساد البيروقراطى فى الإدارة المصرية. فعندما تلقت الجمعية أول تبرع من الشيخ سلطان القاسمى، بدأت سلسلة المتاعب مع الإدارة المذكورة، لأن قانون الجمعيات الأهلية يقضى بضرورة الحصول على إذن وزارة الشئون قبل التصرف فى مليم واحد من التبرعات التى تتلقاها الجمعيات من الخارج. ويتطلب ذلك تقديم ملف كامل من المستندات يلحق بالطلب، وتأخرت الموافقة لما يزيد على ستة أشهر، وعندما راجع أمين عام الجمعية الإدارة المعنية قالوا له صراحة إنهم لا يمكنهم أن يقفوا موقف المتفرج من هذا التبرع دون أن ينالهم نصيب! وعندما تلقت الجمعية تبرع الأمير طلال بن عبد العزيز، ثم التبرع الثانى من الشيخ سلطان القاسمى، ازدادت المتاعب مع الإدارة، فعلقت الموافقة على مراجعة مستندات الجمعية وسجلاتها، وبعد ستة أشهر تمت المراجعة، فقال مفتشوهم أنهم اكتشفوا أن مجلس الإدارة باطل لأن عدد الأعضاء بالسجلات يزيد على 1200 عضواً، ولكن من وجهت لهم الدعوة لحضور الجمعية العمومية التى انتخبت مجلس الإدارة كانوا 190 عضواً هم أولئك الذين سددوا الاشتراكات منذ أعوام. لذلك لا بد من إسقاط المجلس بالكامل ودعوة جميع الأعضاء المسددين وغير المسددين لانتخاب مجلس جديد. وأن على المجلس أن يصفى أولاً مشكلة العضوية، فيسقط عضوية من لا يقبل سداد الاشتراكات المتأخرة. وهمس كبير المفتشين فى أذن المدير الإدارى للجمعية بما يفيد أن من مصلحة الجمعية أن يتولى أحد موظفى إدارة الجمعيات (أى شخصه) تسهيل أعمال الجمعية بالإدارة لقاء مكافأة شهرية، وعندما سأله المدير الإدارى عن كيفية تسوية مبالغ المكافأة حسابياً قال "أى حاجة... مصاريف نثرية، أو اعملوا بند إكراميات.. على العموم لو قبل رئيس مجلس الإدارة الاقتراح أنا أحل كل شئ".
وهنا اتجه مجلس الإدارة إلى العمل فى اتجاهين: حل مشكلة العضوية بعد توجيه خطابات للأعضاء غير المسددين لاشتراكاتهم وترك مهلة زمنية لهم للسداد (30 يوماً) ثم إسقاط عضوية من لم يسددوا. وتكليف صاحبنا بالشكوى إلى هيئة الرقابة الإدارية بشأن ابتزاز إدارة الجمعيات، والسعار الذى أصاب موظفيها طلباً لرشوة شهرية ثابتة لقاء أن (يمشى الحال). وأُعيد انتخاب مجلس الإدارة بالكامل، واختار أعضاء المجلس (الذى دخلته بعض عناصر الشباب) صاحبنا رئيساً للمجلس، وصدرت موافقات إدارة الجمعيات (بضغط من الرقابة الإدارية) على مدى عام بما فى ذلك الموافقة على قبول هبة سمو الشيخ (الدكتور سلطان القاسمى) وهى أرض ومبنى المقر الجديد وأثاثه, ونُقلت تبعية الجمعية من إدارة غرب القاهرة التى تضم حيتان إدارة الجمعيات إلى إدارة شرق مدينة نصر التى تعد نموذجاً طيباً غريباً على وزارة الشئون الاجتماعية، ولكن ما تزال إدارة الجمعيات بوكالة الوزارة بمحافظة القاهرة تماطل فى الموافقة على التبرعات التى تلقتها الجمعية أخيراً، فلا تأتى الموافقة إلا بعد عام كامل من التقدم بالطلب. وقد يئس صاحبنا من اللجوء إلى المسئولين الكبار، فلم يُجده نفعاً الشكوى لوزيرة الشئون الاجتماعية، ولا إلى محافظ القاهرة، وكذلك هيئة الرقابة الإدارية. فهذه الشكاوى تنتهى دائماً إلى المشكو منه، فيرد بإجابة تكفى المسئول مشقة التحقق من صحتها، فيزداد الموظفون الأوغاد توحشاً وفجوراً.
وبعدما أعيت صاحبنا الشكاوى، لجأ إلى بعض عتاة من أهل الخبرة ممن يتولون أمور الجمعيات الخيرية (التى تخضع للقانون نفسه) يسأل عن كيفية تعاملهم مع الشئون الاجتماعية، وكيف يتصرفون مع زبانيتها، فعلم أن كل جمعية من تلك الجمعيات تخصص مبلغاً شهرياً تدفعه لمن يحدده رئيس إدارة الجمعيات، وأن المبالغ كلها تتجمع عند المدير ليُعاد توزيعها على موظفى الإدارة. وعندما سأل صاحبنا عن كيفية تسوية هذا المبلغ حسابياً، علم أن هذه الجمعيات تجنب بعض ما تحصل عليه من تبرعات أهل الخير فى شهر رمضان لتغطية هذه "النفقات غير المنظورة"، فلا يُدرج هذا المبلغ فى السجلات المالية للجمعية أصلاً. ثم تنبه مسئول الجمعية إلى أنه تحدث مع صاحبنا بما يتجاوز حدود الأمور، فسأله: "هو جمعيتكم بتدفع مبلغ بسيط عشان كده بيضايقوكم؟ أحسن ليكم تسألوهم عاوزين كام وتريحوهم". رد صاحبنا بأن الجمعية التاريخية لا تدفع شيئاً لمفتشى إدارة الجمعيات، ولا لمفتشى الجهاز المركزى للمحاسبات (وقد جاء فى حديث الرجل أنهم أيضاً يحصلون على مبلغ سنوى عند التفتيش على سجلات الجمعية الخيرية). فالجمعية التاريخية مواردها محدودة ومعلومة، وليس لديها "صندوق زكاة" أو "ملجأ أيتام" تجمع الأموال تحت غطائه ليتصرف فيها "العاملون عليها" دون ضمير أو وازع خلقى أو دينى. المهم أن صاحبنا كان يدفع زكاته لمثل هذه الجمعيات، فأصبح بعد هذا الحديث فى حيرة من أمره وبدأ يفهم السر وراء انتشار وزيادة عدد الجمعيات الخيرية فى السنوات الأخيرة.
ولم يواجه صاحبنا متاعب التعامل مع إدارة الجمعيات بالشئون الاجتماعية والجهاز المركزى للمحاسبات وحدهما بعد هذا التطور الذى شهدته الجمعية، بل واجه موجة من شائعات أطلقها من وصفهم طه حسين فى إهدائه لكتاب "المعذبون فى الأرض"، وهم: "الذين لا يعملون ويضيرهم أن يعمل غيرهم". كان القصد من تلك الشائعات التأثير على الناخبين لإبعاد صاحبنا، أو الحيلولة دون حصوله على أعلى الأصوات. واستخدم هؤلاء وضعهم فى لجان ترقيات أعضاء هيئة التدريس، ومالهم من سلطة ونفوذ على طلبة الدراسات العليا، وتعاون معهم بعض أعضاء مجلس الإدارة الذين ساءهم عدم انقياد صاحبنا لرغباتهم الشخصية التى تتعارض مع مصلحة الجمعية. ورغم ذلك أُعيد انتخاب صاحبنا، ولم يستطع أحد من تلك الزمرة الفاسدة أن يتسرب إلى مجلس الإدارة، بفضل وعى أعضاء الجمعية ومعرفتهم بسجل أولئك الأفراد الحافل بكل مظاهر الفساد، وليقينهم أن استمرار تلك المجموعة التى نقلت الجمعية من الجمود إلى الحركة، ومن هامش الحياة الثقافية إلى قلبها، من أمثال: عادل غنيم وعبد المنعم الجميعى وأيمن فؤاد سيد ونللى حنا وعبادة كحيلة وعاصم الدسوقى ومنى بدر، وغيرهم من الشباب الذين دخلوا المجلس من أمثال نجوى كيره، وأحمد زكريا الشلق، وأحمد الشربينى، ويحيى محمد محمود، ويقينهم أن هؤلاء هم الأقدر على استمرار مسيرة الجمعية على طريق التقدم والازدهار.
ولا يعنى ذلك أن صاحبنا، وتلك النخبة النبيلة من الزملاء الذين يتعاونون معه، يؤمنون باحتكار إدارة أمور الجمعية، ولكنهم يعملون بدأب على تدريب الكوادر الشابة، وتشجيعها على التقدم لعضوية مجلس الإدارة، حتى يكتسبوا خبرة إدارة مثل تلك المؤسسة العلمية، وتنتقل إليهم مسئولية قيادتها وتوجيه نشاطها بما يخدم أهداف الجمعية، ويدعم رسالتها فى خدمة تاريخ الأمة. ومن المأمول أن يكون للشباب الأغلبية فى عضوية المجلس قبل انتهاء دورته الأولى (2009)، ليتحقق للجمعية إدارة ذات فكر متطور، يواكب العصر، ويضع الجمعية على طريق النمو والازدهار. وعندما يحتفل أعضاء الجمعية باليوبيل المئوى لها عام 2045، قد يذكرون تلك النخبة التى لعبت دورها بتجرد، وأمانة، وإنكار للذات، وفى مقدمتها الرجل العظيم الذى لولا رعايته الكريمة للجمعية، لما كان هذا الميلاد الجديد (سمو الشيخ سلطان بن محمد القاسمى)، يومها سيكون الجميع فى رحاب من يغدق الجزاء على من أحسن عملاً، ولكن أرواحهم سوف تشعر بالطمأنينة عندما تظل ثمرة عملهم يانعة، تزداد شباباً بمرور الزمن.
[تحرير] ماذا بعد ؟
قطع صاحبنا هذه المسيرة على طريق الحياة، مخلفاً وراءه آثار أقدام –هنا وهناك- تقف شاهداً على ما استطاع أن يحققه خلال تلك السنوات، وما عجز عن تحقيقه. وهو فى تقديمه لما مر به من تجارب يحرص على ذكر تلك التى يقوم عليها شهود معاصرون (مد الله فى أعمارهم)، حتى لا يظن أحد أن بعضها أملته الأوهام وأحلام اليقظة وتصفية الحسابات، فكلها وقائع ثابتة، اكتفى بالإشارة إلى مناصب أصحابها أحياناً، وذكر بعضهم بالإسم أحياناً أخرى، لا بقصد التشهير بهذا أو ذاك، ولكن بغرض دق ناقوس الخطر لمن خدعتهم المظاهر فأخفت عنهم الجوهر. ولا يعنى ذلك أن صاحبنا كان دائماً حكيماً، خالياً من العيوب والأخطاء، فلا يوجد قديسون بين البشر، بل جميعهم خطاءون. وكثيراً ما يتأمل صاحبنا هذه المواقف التى مرت به، ويعيد تقييمها فيأخذ على نفسه أنه بالغ فى سوء الظن بمواقف أطراف أخرى بعينها. ولكن ليس كل الظن إثماً على أى حال، حسبه أنه لم يتخذ موقفاً –يوماً ما- بدافع شخصى محض وكثيراً ما يكتشف أنه وضع ثقته فى غير أهلها، وظن أن كل ما يلمع ذهباً. ولو أطلق صاحبنا العنان لقلمه لتحول هذا العمل المتواضع إلى سفر ضخم، أو إلى عدة كتب، لعل أخطرها وأكبرها حجماً ما يتصل بتجربته الجامعية التى اكتفى هنا بالحديث عن العلل والأمراض التى تعانى منها الجامعة محاولاً تشخيصها، دون أن يتطرق إلى علاجها، فلديه -بحكم خبرته وتجاربه ومعرفته بأكبر جامعات العالم- وصفات كثيرة للعلاج، لم يجد من الحكمة أن يفرد لها مساحة هنا.
كذلك لو أطلق صاحبنا العنان لقلمه، لكتب الكثير والكثير عن الشخصيات التى عايشها، واحتك بها على طول طريق الحياة: المغمورون منهم والمعروفون على السواء، شخصيات عبرت عن قسمات المجتمع المصرى من الفلاحين والعمال والحرفيين، والمثقفين، وبعض من اقتربوا من السلطة. ولعله يستطيع يوماً ما أن يخص تلك الشخصيات بعمل قائم بذلته، إذا امتد به الأجل، ونجت ذاكرته من أمراض الشيخوخة. ولم يتناول صاحبنا –أيضاً- بعض من عرفهم من المثقفين وأساتذة الجامعات فى أسفاره وزياراته الخارجية، ولا انطباعاته عن المؤسسات العلمية فى الغرب، فقد حر ص هنا على التركيز على التجارب المتصلة بوطنه ومجتمعه، وأن يكون حديثه "عاماً" وليس "خاصاً"، يخاطب القراء جميعاً، ولا يركز على "النخبة" وحدها. فالرجل لم يحسب نفسه يوماً على تلك النخبة، وإن انتسب إليها بحكم موقعه، فهو –دائماً- يجد نفسه بين بسطاء الناس، يطيب له الجلوس إليهم، ويوقف عمله العام على خدمتهم والدفاع عنهم، أداءً لحق واجب فى عنقه لمن خرج من بينهم، وورث عنهم حكمة المصرى القديم. وكم يتمنى صاحبنا أن يختم حياته بتقديم الأعمال العلمية التى خطط لها، وأعد مادتها، ولكن جرته مشاغله العلمية إلى إرجائها. ويتطلع إلى اليوم الذى يستطيع فيه أن يخلو إلى نفسه، بعدما يتخلص من كل التزاماته، وفى مقدمتها رئاسة الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، ليعكف على إخراج ما فى جعبته من أفكار فى عمل شامل من عدة مجلدات يغطى تطور المجتمع المصرى فى العصر الحديث من مختلف الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، والسياسية، والثقافية، يختم به حياته العلمية. وآخر الأمنيات أن يموت كالأشجار واقفاً، وألا يسقط القلم من يده، وأن يظل قادراً على التفكير والإبداع حتى يجود بالنفس الأخير. ولله الأمر من قبل ومن بعد، وهو على كل شئ قدير.
[تحرير] وقع الخطىً
[تحرير] المراجعات ...الحوارات ... القضايـا
عندما كتب " صاحبنا " سيرته الذاتية , كان يرمي إلى أداء حق واجب الأداء لوطنه العزيز وأمته , فقد أعطاه الوطن الكثير , وشرفته أمته بالانتماء إليها . أراد أن يحكي للشباب سيرة مواطن في إطار قصة الوطن , وأن يلفت النظر إلى ما كان إيجابياً دافعاً إلى الأمام , وما كان سلبيا يعوق حركة الوطن , ويحول دون تحقيق آمال الأمة . كانت رؤية " صاحبنا " - على اتساع نطاق تجربته الذاتية - تركز على " الموضوعي " , لا " الذاتي " , على الظواهر وليس الأفراد . فالظواهر بخيرها وشرها تعبر عن هموم الوطن ومشاغل الأمة , أما الأفراد – مهما علا قدرهم – فزائلون , وأما الوطن فباق . لذلك عندما أشار " صاحبنا " إلى بعض الوقائع اللافتة للنظر مقرونةً بذكر أسماء أبطالها , إنما كان يرمي التنبيه إلى أن عمل الإنسان – خيراً كان أم شراً – يظل قرين اسمه , فمن جنح إلى الخير ذكره الناس له , ومن جنح إلى الشر حسبه الناس عليه . ولم يكن السلوك الفردي محور اهتمامه ؛ يقوم ما أعوج منه , ويثيب من أحسن , طالما كانت العصمة لله وحده , وطالما كان الخطأ والصواب من خصال البشر ( الذين ينتمي صاحبنا إليهم ) . ولذلك عندما أشار إلى صاحب سلوك معوج , إنما أراد بذلك أن يوصل رسالة إلى كل من يمارسون السلوك نفسه, تنذرهم باليوم الذي تنكشف فيه أعمالهم , لعلهم يرتدعون . وكان ذلك كله في إطار النقد المباح , البعيد تماماً عن القذف والسب , فليس من خلق " صاحبنا " استخدام هذا النهج , كما إنه يمقت كل من يلجأون إليه . كان الشأن العام مرماه ومبتغاه , وليس الشأن الشخصي , وخاصة أنه توجه بسيرته إلى الشباب عساهم ينتفعون بها , وجعلها نذيرا لمن يسممون الآبار أمامهم لعلهم يتعظون .
لم يدر بخلده عندما صدر الكتاب ( طبعة دار الهلال ) في الخامس من ديسمبر 2004 , أنه سوف يلقى كل هذا الاهتمام من الوسط الثقافي المصري والوسط الثقافي العربي , ومن الرأي العام على السواء . فقد اهتمت الجماعات الثقافية بعقد ندوات لمناقشة الكتاب, شارك فيها كبار المثقفين , كانت أولاها في " أتيليه القاهرة " مساء الثلاثاء 21 من ديسمبر 2004 , حضرها نحو الثمانين من الكتاب والأدباء والشعراء والفنانين , وكشف الحوار الذي دار بالندوة عن أن معظم الحضور كانوا قد قرأوا الكتاب بالفعل رغم مرور أسبوعين فقط على صدوره . وكانت الندوة الثانية بصالون النديم الفكري مساء السبت 30 من ديسمبر 2004 بنقابة الصحفيين, حضرها نحو الستين من المثقفين والكتاب وأساتذة الجامعات . وعقدت الندوة الثالثة بكلية الآداب جامعة المنصورة يوم السبت 23من إبريل2005 بمدرج أحمد لطفي السيد , حضرها نحو المائتين من الطلاب والأساتذة , وكشف الحوار الذي دار فيها عن أن الرسالة قد وصلت إلى الشباب بالفعل , فقد عبرت أسئلتهم وتعليقاتهم عن معرفة بالكتاب . وجاءت الندوة الرابعة بدعوة من مجلة " أدب ونقد " التي تصدر عن حزب التجمع , وعقدت مساء يوم الأربعاء 18من مايو 2005 , وحضرها جمهور من المثقفين والمناضلين السياسيين وأساتذة الجامعات والشباب . أما الندوة الخامسة , فنظمها نادي أعضاء هيئة التدريس بجامعة المنيا يوم الاثنين 6 من يونيو 2005 .
وعلى عكس ما توقع " صاحبنا "اهتم جهاز الإعلام المسموع والمرئي بالكتاب , واحتفي به احتفاءً كبيراً فخصصت إذاعة الشباب والرياضة سهرة مساء الثلاثاء 21 من ديسمبر 2004 لمناقشة الكتاب , واستطلاع رأي بعض الكتاب من مختلف الأعمار في الكتاب على الهواء مباشرة , كما استضافت قناة النيل الثقافية " صاحبنا " وباقة من المثقفين في سهرة الأربعاء 20 من إبريل 2005 ببرنامج " قمر النيل " الذي يبث مباشرة عبر الأقمار الصناعية إلى مختلف البلاد العربية , كما يستقبل في مصر على الإرسال الأرضي.
وفيما بين تاريخ صدور الكتاب ( 5 من ديسمبر 2004 ) وآخر مايو 2005, نشر نحو خمسة وثلاثين مقالاً عن الكتاب بالصحافة المصرية , ونشرت بعض الصحف مقالين أو ثلاث مقالات عن الكتاب بأقلام كتاب مختلفين , فنشرت الصحف القومية : أخبار الأدب , والقاهرة ,والأهرام , وصباح الخير , والإذاعة والتليفزيون , عدة مقالات . ونشرت الصحف الحزبية : الأهالي , والعربي , والموقف العربي , والوفد, وآفاق عربية , عدة مقالات أيضاً . ونشرت الصحف المستقلة : المصري اليوم , ونهضة مصر , وصوت الأمة , ووجهات نظر مقالات متفرقة . وقد أشاد جميع من تناول الكتاب بجرأة صاحبه في إلقاء الضوء على مواطن الفساد في مختلف المواقع التي قطعتها خطاه , واعتبر معظمهم الكتاب علامةً في أدب السيرة الذاتية , ولم ترد إشارة إلى مآخذ في الكتاب سوى ما اتصل بذكر أسماء بعض الشخصيات , فعلى حين رأى فيها البعض شجاعةً تحسب للكاتب, نظر إليها السيد يس باعتبارها نوعا من تصفية الحسابات ( وهو ما لم يهدف إليه صاحبنا على الإطلاق ) , وتمنى على الكاتب أن يستخدم الحروف الأولى بدلاً من الأسماء .
كاتب واحد فقط شذ عن الجميع هو عبد العظيم رمضان , وكأنه أوتى الحكمة وحده , فرأى في الكتاب ما لم يره غيره , إذ نشر مقالا في مجلة " أكتوبر " في 19 من مارس 2005 اختار له عنوان " بل هي خطىً مشاها خطأ! " أكد فيها على أن الكتاب لا يحتوي إلا على أكاذيب , وأعرب عن حزنه الشديد , لأنه ليس من حق المؤرخ أن يكذب . واتهم " صاحبنا " إلى جانب الكذب , بالافتقار إلى الوطنية , والعمالة لجهات أجنبية , لأنه أقدم على ما لا يستطيع أن يقدم عليه أستاذ إسرائيلي , وأن كل ما جاء بكتابه محض افتراءات , وطلب من علماء النفس والأجناس أن يكشفوا له عن طبيعة " صاحبنا " , فاتهمه – بذلك – بالخلل العقلي , وأخرجه من زمرة الإنسانية , وعرَّض بأصله الاجتماعي , فلأنه جاء من قاع المجتمع , فلا عجب أن " ينضح كل إناء بما فيه " . وقدم رمضان أمثلة من الكتاب تتصل بمن وردت أسماؤهم صريحة . وما لم ترد أسماؤهم على الإطلاق , فتبرع عبد العظيم رمضان بالكشف عنها والتشهير بها .
ولما كانت مقالة رمضان حافلةً بالقذف الصريح , والسب المقذع , والاتهام الخطىًر , فلم يكن من المناسب النزول إلى هذا المستوى المتردي للرد عليه , اكتفاءً باللجوء إلى القضاء. ولكن بعض أهل الخبرة في التعامل مع هذه الشخصيات, نصحوا " صاحبنا " بالرد عليه , فإذا لم تنشر " أكتوبر " الرد كان من حقه مقاضاة رئيس تحرير المجلة أيضاً , فكتب رداً بعنوان: "وقفة الحيران في أحوال رمضان" تأخرت المجلة في نشره لمدة ثلاثة أسابيع ( مخالفة بذلك نص قانون الصحافة ) فنشرته يوم السبت 14 من مايو 2005 كما نشره " صاحبنا " بجريدة " العربي الناصري " يوم الأحد 15 من مايو 2005 وجاء النشر في أكتوبر مقروناً بما سمي ردا من عبد العظيم رمضان على مقال " صاحبنا " اختار له عنوان " أخلاقيات عباس " أضاف فيه إلى ما رمى به " صاحبنا " من تهم , ما يمس شرفه وذمته المالية , وبذلك تردى عبد العظيم رمضان إلى مستوى " الردح " , فلجأ صاحبنا إلى القضاء ليلقن رمضان درساً في أدب الحوار . وكان من الواضح أن بعض من تناول الكتاب دورهم في فساد الجامعة – ممن ذكروا بالاسم وممن ذكرت أفعالهم دون الإشارة إلى أسمائهم – قد حاولوا استعداء أجهزة الأمن ضد " صاحبنا " , وعندما لم يجدوا استجابة حاولوا تحريك السلطات الجامعية , فلم يتم الاستجابة لهم أيضا , لأنه غداة صدور الكتاب , وفي شهر يناير 2005 تحديداً نشر التقرير الدولي عن الخمسمائة جامعة ذات الاعتبار في العالم فلم تكن أي جامعة عربية من بين تلك الجامعات , على حين كانت هناك ثلاث جامعات في إسرائيل , و 17 جامعة في الهند , و 21 جامعة في الصين , وجامعتان بجنوب إفريقيا ( على سبيل المثال لا الحصر ) , مما جعل لكل ما جاء بسيرة " صاحبنا " عن الجامعة كمؤسسة أكاديمية ناقوس خطر أخذ يدوي في أرجاء الوطن العربي , فتناولت الكتاب بالعرض صحف خليجية ومغربية وصحف لندنية عربية , بل تناوله أحد كتاب الأعمدة في الجارديان الإنجليزية .
وفضلا عن ذلك نشطت حركة 9 مارس المطالبة باستقلال الجامعات للمطالبة بكف يد الأمن عن التدخل في الجامعة , وضرورة إصلاح التعليم الجامعي والنهوض بالبحث العلمي , وكلها أمور تناولها " صاحبنا " في " مشيناها خطىً " . لذلك لم تجد محاولات من أرادوا استعداء سلطات الأمن وسلطات الجامعة ضد " صاحبنا " , فاستفادوا من مركب العظمة عند عبد العظيم رمضان الذي نصب نفسه حامياً لهم , ورأى أن الفرصة قد حانت له ليصب أحقاده على " صاحبنا " بعد أن كشف ممارساته السلبية في مركز تاريخ مصر المعاصر , ولجنة التاريخ بالمجلس الأعلى للثقافة , مستخدماً أحط أساليب القذف والسب . ومما يكشف عن الصلة بين حملة رمضان وزمرة الفساد , تلك القضية التي رفعها حسنين ربيع وحامد زيان وزبيدة عطا (التي لم ترد أي إشارة إليها بالكتاب ), وإيمان عامر ( التي تبناها صاحبنا منذ أن كانت معيدة , درست عليه الماجستير والدكتوراه , وبذل معها أقصى الجهد حتى قدمت رسالة الدكتوراه وتمت ترقيتها مدرسةً على يديه ) وتولى رفع الدعوى في 21 من مارس 2005 أستاذ في القانون.
وبعد رفع الدعوى الرباعية بشهر , رفع المحامي نفسه أستاذ القانون بالجامعة دعوى أخرى باسم عبد العظيم رمضان ضد صاحبنا بزعم أن ما جاء بالكتاب من وقائع جاء محض افتراء , وقذف بيِّن في حق المدعي , وتضمنت كل من الدعويين المطالبة بتوقيع عقوبة السجن على صاحبنا , وإلزامه بالتعويض المدني لهم , كذلك طلبوا توقيع العقوبة ذاتها , والتعويض المدني على الأستاذ مكرم محمد أحمد بصفته رئيس مجلس إدارة دار الهلال ( التي نشرت الكتاب في طبعته الأولى ) . لم يكن باستطاعة صاحبنا أن يترك عبد العظيم رمضان ومجلة أكتوبر التي استخدمها منبراً للسباب والقذف في حق صاحبنا , وتحقيره , واتهامه بالخيانة والكذب وتجريده من الوطنية , وإخراجه من زمرة البشر , ونسبته إلى مخلوقات أدنى منزلةً , لم يكن باستطاعته أن يتركهما دون قصاص عادل . ولكن " أخلاقيات عباس " لم تسمح له بالهبوط إلى مستوى من قاضوه , فلم يقم على عبد العظيم رمضان ومجلة أكتوبر جنحةً مباشرةً لطلب توقيع عقاب جنائي عليه طبقا لنصوص المواد المتعلقة بذلك من قانون العقوبات , برغم من أنه رفع دعواه قبل انقضاء فترة الشهور الثلاثة على تاريخ نشر عبد العظيم رمضان للمقالات التي ورد ذكرها , ولكنه آثر اللجوء إلى القضاء المدني , إيماناً منه بضرورة إلغاء العقوبات السالبة للحرية في جرائم النشر , بل يرى أن المواد التي تنص على ذلك في قانون العقوبات يجب إسقاطها , اكتفاء باللجوء إلى القضاء المدني . وهكذا دخل " مشيناها خطىً " ساحة القضاء المصري العادل , فتم نظر دعوى الجنحة ( الرباعية ) أمام محكمة جنح مدينة نصر على مدى سبع جلسات بالدرجة الأولى (من 18 مايو 2005 إلى أول مارس 2006) التي أصدرت حكماً بالإدانة , ثم أمام محكمة جنح مستأنفة مدينة نصر على مدى ثلاث جلسات ( من 9 مايو إلى 25 يوليو 2006 ) , فأصدرت حكمها العادل بإلغاء الحكم الابتدائي , وبراءة المدعي عليه ( صاحبنا ) مما نسب إليه , ورفض الدعوى المدنية.
أما بالنسبة للجنحة المباشرة التي أقامها عبد العظيم رمضان ضد صاحبنا , فقد نظرت أمام محكمة جنح مدينة نصر على مدى خمس جلسات ( من 27 يونيو 2005 إلى 30 يناير 2006 ) , وصدر فيها الحكم برفض الدعويين الجنائية والمدنية . كذلك نظرت محكمة الهرم المدنية دعوى صاحبنا ضد عبد العظيم رمضان على مدى خمس جلسات أيضاً (من يوليو 2005 إلى 26 نوفمبر 2006 ), وأصدرت حكمها بإدانة عبد العظيم رمضان ورئيس تحرير " أكتوبر " وإلزام كل منهما بالتعويض المدني وأتعاب المحاماة . ولا يستطيع صاحبنا أن يخفي ما أصابه من ضيق وقلق عندما وجد نفسه متهما يساق إلى محكمة الجنح, لأنه لم يشأ أن يكون "شيطاناً أخرس", يدق الطبول للباطل , وينكر الحق . غير أنه لم يشك – لحظةً واحدة – في عدالة " الحق " سبحانه وتعالى , أو في نزاهة القضاء المصري العظيم . لم يسبق لصاحبنا أن وقف أمام القضاء مدعياً أو مدعىً عليه إلا عندما استأنف حكماً غيابياً صدر ضده عام 1975 في جنحة إصابة خطأ ، وهو ما قد يمر به – عادةً – كل من يقود سيارة في شوارع المحروسة . ولم يعرف الطريق إلى مكاتب المحاماة , لذلك لجأ إلى أحد الأصدقاء من أهل القانون يعد من المؤرخين البارزين في مصر , يسأله أن يدله على محامٍ ضليع يعينه على مواجهة ما تحيكه له زمرة السوء , فاقترح عليه الصديق اسم محام كبير معروف له نشاط ثقافي وسياسي واسع , ويحتل منصباً قيادياً في منظمة إسلامية دولية , وذكر له أنه أنسب من يستطيع إبراء ساحته . غير أن صاحبنا أبدى خشيته من أن يستصغر ذلك المحامي الكبير شأن هذا النوع من القضايا فيوكله إلى بعض صغار المحامين , وخاصةً أن الرجل كثير الأسفار , مشغول دائماً بالكتابة في الشأن العام , والظهور في القنوات التليفزيونية الأرضية والفضائية , فلا يكاد يمر أسبوع دون أن يطل علينا على الشاشة الصغيرة , أو نقرأ له مقالات في أكثر من صحيفة . ولكن الصديق أكد لصاحبنا أن هذا المحامي الكبير لن يتردد في قبول المهمة تقديراً له .
لم يقتنع صاحبنا بما سمعه من مبررات خشية أن تقع قضاياه على هامش اهتمامات الأستاذ الكبير , فإذا بصديق عزيز آخر يقترح عليه – مصادفةً – اللجوء إلى المحامي نفسه, وأكد له أنه صديق قديم له , وأنه سمع منه شخصيا تقريظاً للكتاب , وبدد مخاوف صاحبنا من أن تلقى قضاياه الإهمال , لأن الأستاذ الكبير يكن له كل التقدير . اتصل صاحبنا بالأستاذ الكبير الذي أفاض في التعبير عن تقديره الشديد للكتاب وصاحبه , وأشاد به , واعتبر اللجوء إليه مكرمةً , وحدد موعداً للقاء بمكتبه بمصر الجديدة , وقبل أن تنتهي المكالمة سأل صاحبنا عن أسماء المدعين واسم محاميهم , فذكرهم له . ويوم اللقاء , تصادف أن كان صاحبنا على موعد مع صديقه إيمان يحيى , فذهبا سوياً للقاء الأستاذ الكبير , ووصلا إلى المكتب الفخم في الموعد المحدد تماماً , ولكن الأستاذ لم يستقبلهما إلا بعد فترة انتظار طالت . وعندما تمت المقابلة كان حديث الأستاذ مختلفاً تماماً عما سمعه صاحبنا منه في المحادثة الهاتفية. فراح يؤكد له أن موقفه في القضية حرج للغاية , وأن حكماً بالإدانة لابد أن يصدر بحقه , وأنه يريد أن يجنبه ذلك , ولحسن الحظ تربطه صداقة حميمة وزمالة قديمة بمحامي المدعين , وأنه سيحدثه في أمر الصلح حتى لا يتعرض أساتذة الجامعة لتبادل " المهاترات " أمام المحاكم . على أن يتضمن الصلح طريقةً يتفق عليها لإعلان اعتذار صاحبنا عما أورده في الكتاب من حديث طال المدعين من قريب أو بعيد.
بالطبع رفض صاحبنا تماماً أن يعتذر عن كلمة حق قالها , وقال للأستاذ الكبير إنه يقبل مواجهة القضاء ويثق في عدالته , فإذا بالأستاذ الكبير الشهير يقول له : " لاحظ إن هجوم عبد العظيم رمضان عليك بداية لحملة واسعة ضدك , وقد يجدون فتاة تدعي أنك تتحرش جنسياً بها , أو طالباً يدعي عليك بالتلاعب في درجات امتحانه ... لا تغلق باب الصلح وسوف أتصل بالأستاذ الصديق محامي الخصوم وأبلغك النتيجة الليلة , فإذا كنت مصراً على المضي في القضية فسوف أدلك على محامين ( أوساخ ) لأن هذا النوع من القضايا لا يقبله إلا هؤلاء " . غادر صاحبنا وصديقه المكتب وهما لا يصدقان ما سمعاه , ويعجبان لهذا التهديد الصريح , والمستوى المحزن للحوار الذي دار. قال له الصديق: " لا تحزن فسوف نعرض على أحمد نبيل الهلالي الأمر , ونطلب منه أن يتولى القضية " قبل المحامي العظيم والمناضل الوطني الكبير أحمد نبيل الهلالي دعوة الأصدقاء وعندما سألوه عن الموعد الذي يستطيع صاحبنا أن يقابله فيه , أصر على أن ينتقل هو إليه وبصحبته الأستاذ عبد المحسن شاش المحامي , وكوَّن ذلك الرجل العظيم فريق دفاع ضم ثلاثة من أقطاب المحاماة الوطنيين الشرفاء هم , أحمد نبيل الهلالي والأستاذ الدكتور صلاح صادق , والأستاذ محمد الدماطي , تطوعوا جميعاً للدفاع عنه دون مقابل , بل أصر الأستاذ الدكتور صلاح صادق أن يدفع رسوم الدعوى المدنية التي رفعها ضد عبد العظيم رمضان من جيبه الخاص .
جاءت هذه التطورات لتكشف لصاحبنا عن معادن الرجال , تأثر كثيراً بما أحاطه به أصدقاء أعزاء من حدب ورعاية , إلى حد تفكير البعض في تشكيل" لجنة مناصرة" تكون فريق دفاع عنه يتحملون عنه أتعابها , ولم يقتنع الأصدقاء بالعدول عن الفكرة إلا عندما تأكدوا من وجود ذلك الفريق الرائع من كبار الأساتذة المحامين, الذين حرصوا على حضور جميع الجلسات , وتقديم المذكرات والمرافعات بأنفسهم , ولم يتخلف "قديس الوطنية" نبيل الهلالي إلا عن مرافعة الاستئناف , وكان يتابع ما يدور في المحكمة مع الأستاذين الدكتور صلاح صادق ومحمد الدماطي وهو على فراش المرض قبل أن ينتقل إلى رحمة الله بساعات .
وكان لتطوع الكثير من الزملاء لمد صاحبنا بكل ما تحتاجه الدعاوى من أدلة ثبوتية تؤكد صحة ما أورده بالكتاب إضافةً إلى ما بين يديه منها , واستعداد الكثيرين للشهادة أمام المحكمة إذا طلب منهم ذلك , كان له أبلغ الأثر في دعم إيمانه بالحق , ورسوخ قيم العدل والخير , ويقينه أن الرسالة التي حملها على عاتقه في سيرته قد وصلت لأصحابها , ولم يندم لحظة على كلمة جرى بها قلمه . كما أكسبته التجربة صداقات غاليةً جديدة يدين لها بالفضل : المرحوم نبيل الهلالي , والدكتور صلاح صادق , والأستاذ محمد الدماطي , ويسأل الله أن يجزيهم على جميل صنعهم خير الجزاء.
ولعل من حق أصحاب الفضل جميعاً , ومن حق من أولوا صاحبنا وخطاه اهتمامهم أن نضم إلى هذه الطبعة من " مشيناها خطىً " المقالات التي تناولت الكتاب ( ماعدا سبع أو نحوها مقالات ظهرت في أبواب عروض الكتب ببعض الصحف المصرية والعربية قدم محرروها نبذاً عن الكتاب ) . وكذلك " غزوة " عبد العظيم رمضان وردود صاحبنا عليها , ونصوص عرائض الدعاوى القضائية والأحكام , ثم بعض الحوارات الهامة التي أدارها بعض الكتاب مع صاحبنا لما فيها من إضافات هامة إلى خطاه . ليكتمل بهذا الملف الضافي إطار قضية شغلت الرأي العام وجمهور المثقفين والجامعيين, لعلها تضيف إلى حياتنا الثقافية أبعاداً يذكرها التاريخ.
[تحرير] فواصل
[تحرير] عبد العال الباقوري
وكتب صاحبنا مذكراته، وروى سيرته الذاتية " مشيناها خطىً " (كتاب الهلال، ديسمبر 2004) وجاءت كالعهد به: صريحةً واضحة، تفيض بساطةً وعمقاً وجديةً وعطاءً ونبلاً. وهذه معالم شخصية الإنسان المصري. وهذا هو رءوف عباس الطفل ابن عامل السكة الحديد (وهو يفاخر بذلك، على عكس ما يفعله البعض في أيامنا هذه)، والتلميذ المكافح، والباحث الجاد، والأستاذ الجامعي (من طراز خاص)، والمؤرخ الكبير. ومن خلال سيرته، وعلى وقع الخطىً والأقدام، وعبر الأيام والسنين يقدم صورةً متكاملة المعالم تنبض حيوية، وتفيض حباً عن مصر، ونهوضها، وتطورها، وصعودها وهبوطها، وثورة يوليو وأياديها عليه وعلى أمثاله من أبناء العمال والفلاحين والعامة وبسطاء الناس، ولذلك لا يخفي انتماءه لها، دون جعجعة أو صوت عال، ودون إخفاء للسلبيات والأخطاء. ولعل في حياة رءوف عباس وسيرته وقصة حياته دفاعا عن هذه الثورة وأمجادها التي فتحت الأبواب واسعة لأبناء مصر وأبناء البسطاء من الناس كي يحتلوا المكانة اللائقة بهم في سلم الحياة.
وهنا، سنجد الآلاف وعشرات الآلاف ممن حظوا بذلك وتمتعوا به، ولم يتنكروا له، ولكنك في كل الأحوال وفي جميع الحالات لن تجد إلا رءوف عباس واحداً، صاحبنا، الحكاء بامتياز، والكاتب بمهارة، والمؤرخ بموضوعية وبأستاذية، والذي تتدفق كتاباته كحياته وأعماله وأياديه البيضاء على زملاء وتلاميذ، تتدفق بساطة جميلة، وتفوح جمالاً بسيطاً، وتنتشر عطراً يرد الروح في لحظات اليأس. فمن يقرأ بعض فصول هذه المسيرة، ومن يتوقف عند حديث صاحبنا عن الجامعة وما دب ويدب فيها من فساد وإفساد، قد يصاب بخيبة أمل، أو لفحة يأس، فقد وصل الفساد إلى النخاع. ولكن مواقفه هو وتلاميذه وزملائه دفاعاً عما هو صحيح ونبيل، والانتصارات البسيطة التي أحرزوها لابد أن تنعش فينا روح الأمل في ظل سواد اليأس وطوفان الفساد. كيف لا ترقص أرواحنا فرحاً ونحن نقرأ عن أعمال بل وأمجاد الأساتذة الدكاترة أحمد عزت عبد الكريم، أحمد عبد الرحيم مصطفي، محمد أنيس وغيرهم، أو عن الأساتذة والدكاترة عادل غنيم، وعبادة كحيلة، وحسن حنفي، وسمير غريب.. وغيرهم وغيرهم. لقد أتيح لي أن أعرف الدكتور رءوف عباس منذ وقت مبكر من ستينيات القرن الماضي، حينما جيء به إلى قسم الأبحاث في جريدة الجمهورية الذي أنشأه وأداره سنوات الدكتور محمد أنيس. وهذه في ذاتها قصة طويلة لم تكتب كاملةً وبصدق بعد. ولكن الأيام باعدت بيننا، إلى أن عدنا والتقينا من جديد في بداية تسعينيات القرن الماضي من خلال الصديق الجميل الراحل الذي لا ينسى الصحفي المؤرخ والمؤرخ الصحفي جلال السيد، ومنذ ذلك الوقت توثقت علاقتي وصداقتي مع الأستاذ المؤرخ الكبير الذي قدم لي يد العون صادقةً حينما توليت رئاسة تحرير الأهالي , وقد أشار مشكوراً إلى بعض كتاباته التي أثارت أصداءً واسعةً، وكنت قد بدأت استكتاب الأساتذة الكبار في الصفحة الأولى وأسهم في هذا صاحبنا وأستاذي الدكتور عبد العظيم أنيس.
والى جانب هذا قدم على صفحات الأهالي دراسات تاريخيةً عميقة وكتب يوميات جميلة، اكتشفت من خلالها مقدرته في الحكي البسيط الجميل، من خلال التقاط أحداث عادية ولكنها زاخرة بالمعاني. ولعل هذا، وغيره، كان دافعي ودافع أصدقاء عديدين في الإلحاح على صاحبنا كي يكتب مذكراته ويروى الأحداث التي شارك فيها أو عاشها. وكان يبدو زاهداً، بتصوف العالم القدير، عن ذلك، وكلما ازداد الإلحاح عليه كان يتساءل: هل تظنون أن هذا الكلام يستحق التسجيل؟ ولم نكن نتردد لحظةً في تأكيد أن لديه ما يستحق الكتابة. ومع ذلك، وعلى الرغم من الإلحاح لم أكن أتصور أن صاحبنا سيفرغ من كتابة مذكراته بسرعة، فاجأتني وفاجأت أصدقاءه الآخرين، ولكنها أسعدتنا. وإن كنت - بيني وبين نفسي - أظن أنه فرغ من كتابتها بسرعة، فقد حدث هذا في الصيف الماضي، في رحلة يقوم بها سنوياً إلى ابنه الوحيد في إحدى دول أوروبا. وحين فرغت من قراءتها، والتهمت صفحاتها، وعشت بعض ما رواه شفاهةً وهو مكتوب على الورق أحسست بمتعة، تمنيت معها لو أنه أمتعنا أكثر، وباح بكل ما لديه، وأفاض في مواقف رواها بسرعة شديدة، مثل الفصل الخاص ببناء مبنى جمعية الدراسات التاريخية، وهى قصة عشت وصحبه معه كثيراً من فصولها، وهى فصول جديرة بأن تكتب حرفاً حرفاً، لأن كتابتها تفصيلاً ستقطع الطريق على كثير مما يمكن أن يقال، خاصةً أن المتقولين كُثْر، وناكري الجميل، ومن ينسون الأيادي أكثر وأكثر.
لقد أصبح النص - الشهادة بين أيدينا، ويجب أن نتعامل معه كوثيقة أو شهادة على العصر، أو عمل أدبي من طراز رفيع.. أما الإضافة إليه والتوسع فيه فمهمة أخرى. وهنا يجب أن أذكر بالتقدير الصديق القديم أيضاً الأستاذ مصطفي نبيل رئيس تحرير الهلال وكتاب الهلال، الذي سارع إلى إصدار هذه المذكرات الجميلة، التي تأخذ مكانها المرموق في هذه السلسلة العريقة: إلى جانب المذكرات الجميلة، التي صدرت في السنوات الأخيرة، مثل مذكرات الدكتور يحيى الجمل والراحل الكبير عصمت سيف الدولة وغيرهما.. وإن كنت آخذ على هذه الطبعة كثرة الأخطاء النحوية، وعهدي بالدكتور رءوف أنه يجيد قواعد النحو، فكيف تسربت الأخطاءإلى مذكراته؟
لو كان الأمر بيدي، لفرضت على رءوف عباس اعتكافاً علمياً إجبارياً، كي يتحفنا بالعمل الشامل الذي وعد به، والذي يقع في عدة مجلدات، ويغطى تطور المجتمع المصري في العصر الحديث من مختلف الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية. ولو أن في هذا البلد جهة أو هيئة أو مؤسسة تهتم بما هو جاد وأصيل لزودت صاحبنا بفريق من الباحثين الذين يعينونه في إنجاز مهمته العلمية والوطنية.. التي نحن في أشد الحاجة إليها , إلى جانب العديد من أعماله الأصيلة ابتداءً من رسالته للماجستير عن الحركة النقابية، وصولاً إلى مشيناها خطىً.. وننتظر المزيد. صديقى العزيز الذي أعطى لسنواتى طعماً ومذاقاً: هذه مصر، وأنت ابنها، فتدفقا، فكلاكما نهر.
[تحرير] محمود خير الله
" مشيناها خطىً " المؤرخ .. حين يكتب تاريخه الشخصي
بلغ أدب " السيرة الذاتية " اليوم مرحلةً متقدمةً في الأدب العربي , دليل ذلك شواهد عدة : تزايد حجم ما تطبعه المطابع العربية من سير ذاتية ينتمي كاتبها إلى مناحي المعرفة كافة , وتزايد إقبال المثقفين إلى تقديم رؤاهم حول ذواتهم فيما يشبه صرخة احتجاج ضد بعض المفاهيم السائدة , فضلاً عن تزايد إقبال القراء على قراءة التجارب الواقعية للشخصيات البارزة في المجتمع , وإمعان النظر في بحار المعاناة التي كان على أصحاب هذه السير خوضها وصولاً إلى تحقيق طموحاتهم الكبيرة . إلى هذا اللون الغني ينتمي كتاب " مشيناها خطىً " للدكتور والمؤرخ الكبير رءوف عباس –أستاذ التاريخ الحديث والمؤرخ المعروف– والصادر حديثاً عن " كتاب الهلال " التي سبق أن قدمت سيراً ذاتيةً بالغة الأهمية , وربما لهذا تضمنت قصة حياته دروساً وعبراً في التاريخ المصري الحديث , وكان يجب عليه أن يكتبها "إلى الشباب عساهم يجدون فيه ما يفيد وإلى الذين يسممون أمامهم الآبار لعلهم يتعظون" على نحو ما عبر إهداء الكتاب ببراعة . كان الطالب رءوف عباس يعاني من المشكلات الجسيمة التي شهدها الواقع التعليمي المصري حين كانت الثورة المصرية في 1952 تخطو أولى خطواتها الناجحة , لقد مشى سنوات الشهادة الإعدادية حتى حصل عليها في 1953 , فيما كانت مصر كلها تتأهل لتحصل على شهادة استقلالها الكامل وإصلاحاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية , وبجملة واحدة , كانت حياة الدكتور رءوف عباس في هذا الكتاب جزءاً لا ينفصل عن تاريخ مصر الحديث في النصف الثاني من القرن العشرين .
انزلقت قدم مؤرخنا الكبير دائماً بين تناقضات شتى , بدا وكأنه ولد خصيصاً ليوفق بينها , بدوره كأستاذ تاريخ حديث في أرقى الجامعات المصرية والعربية , فهو عاش صعوبات " العصر الملكي " واستغلاله , على الرغم من أن المدرسة الأولى في حياته كانت وقفاً للسيدة " حنيفة السلحدار " .. وتلقى فيها تعليماً لا بأس به , وهو ثانيةً استفاد من إصلاحات المرحلة الناصرية ومجانية تعليمها , لكنه ظل شاهد عيان على ما في نظام القطاع العام من مفاسد سببها بعض المتلاعبين بالقوانين الذين سادوا عصوراً مديدة في التاريخ المصري , وكان عليه وهو المؤمن بمبدأ تكافؤ الفرص أن يخوض حروباً ضد هؤلاء " المتلاعبين " الذين يسممون الآبار التي يشرب منها شباب هذا الوطن في الجامعة , الأمر الذي جعله هدفاً بارزاً لفتن أساتذة الجامعة وحروبهم الصغيرة ومؤامرتهم البعيدة عن كل علم , وذاك هو الداء الذي ينتشر في جامعات الوطن العربي والذي دفع مؤرخنا الكبير إلى امتشاق حسامه في عدة معارك مدوية . التحق الدكتور رءوف عباس بجامعة القاهرة مدرساً في قسم التاريخ بكلية الآداب أواخر ستينيات القرن العشرين , بعدما كان طالباً مجتهداً في جامعة عين شمس ومنها حصل على الماجستير ثم الدكتوراه , ولهذا ظل يعامل كدخيل في جامعة القاهرة , وعين هكذا بعد قصة مطولة كاد فيها ألا يحصل على حقه بسبب قانون " الواسطه " الذي كان يوسع مكاناً لأحد المحاسيب , فإذا بالشاب الجسور يقاتل فيحصل على حقه , ويعاني سنوات من اضطهاد رئيس القسم وعميد الكلية على السواء . شهادة الدكتور رءوف على الواقع الأكاديمي المتردي مثلت لب مسيرته الذاتية, ولم لا وهو لا يكاد يشبه أحداً من أساتذة الجامعات في هذا العصر الرجراج, فقد ظل الرجل نسيج وحده من الكفاءة والوطنية والوعي, ولم يكن يقبل في الحق لومة لائم , لم يجامل طالباً ولا طالبة حتى لو كان هذا الطالب أو هذه الطالبة نجلاً لأهم الشخصيات , وهو ممن يدافعون عن حق الفقراء في التعلم ليس لأنه كان طالباً فقيراً ذات يوم فحسب, بل لأنه يدافع عن مبادئ جامعية عريقة , بغض النظر عن الأسماء والمناصب .
عبر الكاتب عن الحالة الأكاديمية المصرية مشيراً إلى ما أسماه " نزيف الكفاءات العلمية " ومنها في جامعة القاهرة حالة الدكتور عزيز سوريال عطية الذي تعرض لاضطهاد متعدد الأسباب والأشكال فهاجر من جامعة القاهرة إلى جامعات العالم حتى أصبح عمدة على المستوى الدولي في مجال تخصصه , الأمر الذي لا يمكن فهمه بغير الاصطلاح الذي صكه مؤرخنا الكبير " نزيف الكفاءات العلمية " .. رحل الدكتور رءوف إلى اليابان لعدة أعوام , وهناك أقام صلات وثيقة مع المجتمع العلمي الأكاديمي, ولم يكن بحاجة إلى التراخي حين علم أن إسرائيل – خلال السنوات الأولى في عقد السبعينيات – تستعد لافتتاح قسم اللغة اليابانية في جامعة تل أبيب , فكان أن هب الدكتور رءوف للإتصال بالجامعة المصرية وتعديل المشروع ليفتتح القسم الياباني في جامعة القاهرة , لتزيد مساحة التواصل بين الشعبين الياباني والمصري العربي عبر هذا القسم لتتزايد فيما بعد التلاحقات بين الثقافتين . تحيةً للمؤرخ الكبير ولأصدقائه الذين دفعوه إلى رواية سيرته , وتحيةً لسلسلة " كتاب الهلال " التي قدمت إلى أدب السيرة الذاتية العربي ما يستحق التقدير ..
[تحرير] عـلاء عريـبي
سيرة أستاذ جامعة
منذ سنوات لم أقرأ مذكرات بقوة وأهمية ما كتبه د. رءوف عباس الكاتب وأستاذ التاريخ بآداب القاهرة , هذه المذكرات صدرت هذا الشهر عن دار الهلال , تحت عنوان " مشيناها خطىً .. سيرة ذاتية " لفت انتباهي لأهمية هذه المذكرات وخطورتها أستاذي وصديقي د. مجدي الجزيري أستاذ الفلسفة بآداب طنطا , ما إن تبدأ في قراءة السطور الأولى , لا تستطيع أن تتركها حتى النهاية , ترجع أهميتها إلى أن صاحبها المؤرخ د. رءوف , كان يعمل أستاذاً بالجامعة وله اهتماماته الثقافية , وهو فيها يكشف بمشرط جراح , الفساد والتجاوزات التي تنخر في الجامعة والمجتمع , وصل بكشفه هذا إلى حد قد يسأل عنه , وما يلفت الانتباه في بداية السيرة , المعاناة التي واجهها منذ طفولته , وما تكبده من عناء وضيم لكي يستكمل تعليمه , خاصة الفترة التي قضاها في منزل جدته , تلك السيدة التي كانت تحرمه – بخلاً – من وجبتي الصباح والمساء , وقد صور صاحب السيرة هذه الفترة من حياته , باقتدار وبلاغة عهدناها في كتاباته , ومع خطورة هذه الفترة وتأثيرها في تشكيل شخصيته , ومع أنك تجد نفسك متعاطفاً معه إلى حد البكاء ومنتظراً منه المزيد , ينقلك بسرعة وسهولة إلى حياة الجامعة تلميذاً فقيراً , ثم طالباً للدراسات العليا , ثم معيداً بالقوة في كلية الآداب جامعة القاهرة , وخلال الفترة الجامعية, بدايةً من طلبه للدراسات العليا , وحتى وصوله لدرجة الأستاذية , يضع يدك على كم من الفساد لا حل له , ويرسم بمشرط الجراح صورة واقعية للعديد من الشخصيات التي كنت تعتقد أنها ليست في هذا الإطار , الدكتور رءوف عباس ينقلك داخل الجامعة من واقعة فساد إلى أخرى , موضحاً الأسباب الحقيقية وراء هذا الفساد , كيفية إدارة هذه المؤسسة , ابتداء من رئاسة الجامعة وانتهاء بمجلس القسم.
وقد أشار في سيرته هذه إلى العديد من الوقائع بأسماء أصحابها , سواء وقائع الاضطهاد أو وقائع الشللية , أو وقائع الفساد والإستجابة للحكومة , الصورة التي كشف عنها د. رءوف عباس في هذه المذكرات في الحقيقة صورة واضحة لواقع مؤلم , أفسده الساسة والجشع وحب المال والسلطة , صورة توضح وتشير إلى الأسباب الحقيقية وراء الانهيار العلمي والتعليمي في مؤسساتنا التي نسميها علمية وتعليمية , سيرة رءوف عباس , ابن العامل في السكة الحديد , الذي أصبح مؤرخاً وأستاذاً في الجامعة . يجب أن تقرأ بعناية .
[تحرير] أحمد الجمال
قضـايا..
كتب الدكتور رءوف عباس مذكراته , وعندما يكتب مؤرخ وأستاذ تاريخ عما يتصل بحياته فإننا أمام احتمالين : أحدهما أن يستخدم "حرفنته" أي إجادته الأكاديمية وخبرته في صوغ مذكراته ليأتي منهج كتابتها محكماً , وتأتى عباراتها وكلماتها مختارةً بدقة , وتسرى أفكارها وموضوعاتها بسلاسة، وهذا كله جميل غير أن القارئ لا يجد فرصةً ينفذ منها إلى فهم علاقة صاحب المذكرات بذاته وبأهله ومجتمعه وبالعالم، ولا يستطيع أن يتبين مواقف الكاتب مع من , وضد من ولماذا وكيف , وأين ومتى؟! وكثير ممن يكتبون هذا اللون من الكتابة تجدهم بارعين في التملص من كل مسئولية وينسحبون من واقعهم كما انسحاب الشعرة من العجين، الذي هو انسحاب سهل وسريع ولكنه صورة تثير الغثيان بأكثر مما تثير شيئاً آخر. أما الاحتمال الثاني , الوارد عندما يكتب مؤرخ مذكراته هو أن يوظف كل طاقته النفسية والعقلية , ويشحذ أدواته العلمية والمنهجية , لتأتي كلماته صورةً حيةً تجسد ما ينبغي أن تكون عليه شهادة المصادر الأصلية من أمانة ودقة , لتكون الشهادة معيناً للباحث عندما يأتي دوره ليبحث ويكتب المرجع. وفي ظني أن المؤرخ الدكتور رءوف عباس قد عمد إلى أن يضع مواطناً مصريا تصادف أن اسمه رءوف عباس وأخذ يتعامل معه كظاهرة وحالة دراسة ، تعامل خبير في علم النفس , وعلم النفس الاجتماعي , وعلم الاجتماع , وعلم الاقتصاد حتى اكتملت "التعشيقة" بين المواطن رءوف وبين أسرته وفئته الاجتماعية والاقتصادية , وبيئته المحيطة ومراحل نموه الزمني المتواكب مع مراحل التطور الاقتصادي الاجتماعي والسياسي والثقافي في وطنه. وكانت النتيجة رصداً تاريخياً متماسكاً استخدمت فيه كل العلوم المساعدة لعلم التاريخ.
ولأننا بصدد مؤرخ يتعامل مع مصدر حي يحاول أن يستنطق شهادته لتصبح مكتملةً كمادة أولية فإن الأمر جاء خلواً من المحسنات من أي لون. فلا محسنات بديعية , ولا مساحيق لتجميل أي قبح كان , ولا لتزويق أية واقعة وتزييف أي واقع , سواء اتصل بالمصدر نفسه (المواطن رءوف عباس) أو اتصل بمن هم في موقع أعلى منه , كالجدة والأب وأساتذة المدرسة والجامعة ثم الزملاء تحت القبة الجامعية , وصولاً إلى الوزراء وكبار المسئولين حتى رأس الدولة! ذلك أن المؤرخ وهو يستنطق مصدره كان يعلم -ولابد له أن يعلم- أن الأصل في الشهادات - سواء في المجالس العرفية أو في المحاكم القضائية أو في ساحة التاريخ - هي أن تقول الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة، لأن عقاب الشاهد المزور هو النبذ والاحتقار والغرامة عرفياً , والسجن قضائياً , والإعدام تاريخياً ، ومن هنا فإن الأمر العجيب هو أن يتواتر استياء البعض وخاصة من أهل الأكاديميا من صراحة المواطن رءوف عباس عندما اعتصره المؤرخ رءوف عباس ولم يترك له فرصة المراوغة أو الغمغمة في شهادته , سواء فيما يتصل بعلاقته "بحلة اللحم" التي كانت جدته تحصى قطعها , أو يتصل بموقفه تجاه طبيخ الجامعة الحمضان الذي كان يطبخه أساتذة وعمداء ورؤساء، وبه قفز بعضهم من تحت قبة إلى أسفل قبة أخرى. وكان الأجدر هو أن يبدوا الرضا عن أمانته , وأن تصله التحية على شجاعته، وأن يتوارى الفاسدون المفسدون.
ولو كان كاتب هذه السطور مكان القائمين على أمر الحياة الأكاديمية في جامعات ومراكز أبحاث هذا البلد , لتوجهت إلى وضع ما جاء في شهادة رءوف عباس مع ما جاء في شهادات أخرى كان لها الشجاعة والأمانة نفسها، واستخلصت مما فيها من وقائع دروساً تفيد الجامعة ويتعلم منها الناشئون من الباحثين والمعيدين وغيرهم، وأول درس يتعلمونه هو أن النفاق والانتهازية والجبن والمكسب الرخيص وامتهان أستاذ الجامعة لنفسه, أمور لا يمكن أن تتوارى أو تحجب مهما اجتهد صاحبها في إخفائها , أو اجتهد في التعلل بأنها كانت رغم أنفه وخارج إرادته , وأن الأستاذ مهما كان حجةً في تخصصه , إلا أن هذا لا يعصمه من الزلل والذل ما لم تكن عصمته بيده. ثم إن ما أشار إليه الدكتور عباس حول وقائع للتمييز بين المواطنين المصريين بسبب من الدين أو الاتجاه السياسي يصلح هو الآخر لكي يضعه المهتمون المهمومون بشجون هذا البلد أمام أعينهم , وهم يحاولون العمل على عدم اتساع الشروخ التي أصابت بلدنا وأصابتنا في مقتل , حيث لم تفلح تحديات أخرى كالحروب والحصار الخارجي في إحداث هذه الشروخ وتلك الإصابة. وإذا كان من نقد يوجه في هذا المقام فإنه يوجه إلى رءوف عباس , الأستاذ والمؤرخ , الذي أهمل لسنين طويلة في استخلاص ما لدى المواطن رءوف عباس من إمكانات وخبرات وذكريات ومواقف , يبدو أنها أكبر وأعمق وأوسع وأكثر جذرية مما ورد في تلك الشهادة التي جاءت في صفحات محدودة من القطع الصغير. ثم تحية إلى فارس من طراز خاص يقف من وراء الإصرار والدأب على مطاردة أصحاب تلك الرؤى والمواقف ويتحمل بشجاعة أن يعبروا عن أنفسهم بحرية كاملة , هو الفارس مصطفي نبيل رئيس تحرير الهلال.. الذي أطمئنه هو والمؤرخ والمواطن أنني وغيري جاهزون لتوصيل العيش والحلاوة.
[تحرير] علاء الديب
كتاب في كلمة ... كلمة في كتاب
قدم المؤرخ الدكتور رءوف عباس كتاباً فريداً في صراحته. صراحةً عن نفسه، وعن وطنه، وعن أدغال الفساد التي خاض فيها. حدثنا عن قوة الفقراء وعزمهم , عن إصرارهم علي العلم وتمسكهم بالكرامة ورفضهم للمهادنة. في " أيام طه حسين " حديث عن فقر الصعيد الشمالي، وعن صراع " صاحبنا " مع فقره وكف بصره، أما الدكتور رءوف عباس فهو يقدم لنا في الفصول الأولي من هذا الكتاب الممتع صورة للإسماعيلية وعشوائيات القاهرة (عزبة هرميس، التي تقع عند مدخل الخط الحديدي إلي محطة مصر ـ عشوائية قديمة مكونة من الأقباط والمسلمين النازحين من المنيا ـ كان يري فيها مصر الصغرى). كان فقيراً، فقيراً جداً. الوالد عامل فقير في السكة الحديد. الملاليم محسوبة، والطعام شحيح. الانتقال من المدينة إلي الريف طبقا لعمل الوالد. المشي هو السبيل الوحيد، والمسافات علي الأقدام بالكيلو مترات سواء في المدينة أو الريف. سقط الطفل من الدور الثاني في ليلة فقيرة ظلماء، ولم يكتشف أحد أن فكه قد كسر إلا بعد 5 سنوات مخلفا له عاهةً خلقت منه انطوائياً منعزلاً، لأنه لم يكن يستطيع أن يفتح فمه للطعام أو للكلام سوي سنتيمترات قليلة، بإصرار العزيمة وقوة الفقر (استطاع أن يتخلص من عاهته تدريجياً، ولم يبق منها إلا الحرص الشديد في انتقاء الأصدقاء).
مشي خطىً بلا عدد، وقطع مسافات كأنها من الأرض إلي السماء، قاوم الفقر والحظ السيئ، وهرب من التعليم الأزهري ومن الأمية , ليصبح واحداً من أعلام " مدرسة التاريخ الاجتماعي " , ونموذجاً نادراً للأستاذ الجامعي، في زمن عز فيه من يستحق هذا اللقب. مع ثورة يوليو كان قد مشي مئات الأميال ليجد له مكاناً في جامعة " عين شمس " التي كانت قد فتحت أبوابها في الناحية الشمالية للقاهرة , في مقابل جامعة القاهرة " صاحبة القبة " في جنوب القاهرة ـ الجيزة. هناك في الجامعة الشابة التي تحاول إثبات نفسها درس التاريخ علي الأساتذة العظام أحمد فخري وأحمد عزت عبد الكريم، وأحمد عبد الرحيم مصطفي. كما قابل هناك أنواعا أخري من المدرسين والأستاذة (وقد ذكرهم بالاسم) كانوا بذرة الفساد الذي شاع واستشري في مؤسسة " النخبة " ومصنع العلم والعلماء. مع أحلام ثورة يوليو التي قدمتها للفقراء وقع رءوف عباس في الجانب الآخر المظلم للثورة: بدايات التنظيمات السياسية المريضة (القومي، والاشتراكي، والوطني) كما رصد فترة أشار إليها الدكتور إيمان يحيي في مقاله في العدد السابق من " القاهرة "(الدكتور إيمان أستاذ طب وواحد من تلاميذ المؤرخ الكبير وأصدقائه) هي الفترة ما بين عامي 57 إلي 61. وهي فترة من أعقد فترات الثورة، حيث كانت الأزمة الاقتصادية طاحنةً، وكان الادعاء بالقوة والنصر والافتخار بالإنجاز في أعلي درجاته. ولعل هذا التناقض هو الذي ولد الكذب والادعاء والانتهازية والفساد الذي أصاب قلب الثورة الأبيض النبيل، ونخر الأرض من تحت أقدام الزعيم الحقيقي صاحب المبادئ والمثاليات الثورية التي كان من الممكن أن يغير وجه مصر.
عمل صاحبنا في شركة من شركات القطاع العام - وهو المؤرخ ـ في وظيفة مراجع حسابات، ولأنه كان فقيراً، وكان صاحب شرف وكرامة، ولأنه أدرك مبكراً علاقة التصرف الفردي بالمصلحة العامة، فقد كشف لنا صورةً بشعةً لحال القطاع العام والخراب الذي أكل الحلم.. وهناك ارتبط بالعمال ليقدم لنا فيما بعد واحداً من أهم مراجع تاريخ الحركة العمالية في مصر. كان رءوف عباس باحثاً وطنياً وأكاديمياً نزيهاً، ومع ذلك لم ينج من قمع أجهزة الأمن التي كانت تطارد وقتها كل من يحارب الفساد، بتلك التهمة التي ظلت لسنوات جاهزة تهمة "الشيوعية". من أفظع فصول الكتاب فصل " تحت القبة وهم" والقبة هنا قبة الجامعة أما الوهم فهو ذلك الفساد العنكبوتي الذي التف حول هذه المؤسسة العريقة، التي كان يجب أن تقوم فوق المجتمع لتقدم له أدوات الفهم والعلم والتقدم , فتحولت إلي " مفرخة " للفساد والمفسدين، والتجار والمتاجرين بالعلم وبالحلم الوطني. د. رءوف عباس يروي هنا بأقصى درجات الصدق والصراحة حالة الجامعة من أكبر رأس إلي أصغر فراش أو طالب , وخذ مثلا هذه النكتة المبكية : في اجتماع علي أعلي مستوي في الجامعة لتنظيم احتفال كان من المطلوب ترتيب كشف بمن شغلوا منصب رئيس الجامعة : فكتب الكشف وفي أوله " لطفي السيد " ، ولكن رئيس الجامعة تدخل لإصلاح الكشف واضعاً أ. د.: قبل اسم لطفي السيد ووافق جمع المنافقين.
الجهل، والفساد، والتجارة مقدمة هنا بصوت من لا يريد شيئا ولا يحاول استرضاء أية جهة. إنه يضع أمامنا حال الجامعة. مرآة فاضحة (أعتقد أنه من الضروري نشر هذا الفصل علي أوسع نطاق، وطرحه للنقاش). ويصل في نهاية الفصل إلي تركيز المصائب الأربع التي أصابت الجامعة: الأولي اختيار القيادات (يلعب فيها الدور الأكبر أجهزة الأمن). أما المسألة الثانية فهي مسألة دعم الكتاب الدراسي (تتولاه هيئة المعونة الأمريكية) , والثالثة هي الصناديق الخاصة: التي يصرف منها بفساد وسفه، والمصيبة الأخيرة هي لجان الممتحنين التي تعامل علي أنها عزبة من عزب المفسدين. كل صفحات الكتاب التي تبلغ 336 صفحة تقدم صرخةً من أجل الإصلاح، وتؤكد أن بقاء الحال علي ما هو عليه في الجامعة أمر يشبه الانتحار أو شرب السم. يذكر الأستاذ بالخير تلاميذ وأصدقاءً له: د. إيمان يحيي، والأستاذ الكاتب عبد العال الباقوري. والمناضل أحمد غزلان. كما يذكرنا المؤرخ الكبير بعدد من كتبه المؤلفة والمترجمة: تاريخ الحركة العمالية. يوميات هيروشيما (اليوميات والمشاهدات).. وغيرها التي يجب أن يعاد طبعها لتكون مع هذه السيرة الرائعة في يد الشباب الذي أهدي لهم كتابه قائلا: " إلي الشباب، عساهم يجدون فيه ما يفيد، وإلي الذين يسممون أمامهم الآبار لعلهم يتعظون ."
[تحرير] أحمد الخميسي
ناصية ..
النص المكتوب واحد , إلا أن قراءته تختلف بحيث تصبح هناك عشرات النصوص بعدد القراء . البعض سيرى في كتاب د. رءوف عباس " مشيناها خطىً " ( كتاب الهلال ) كشفاً للفساد في الجامعات وتردي أحوال العلم , وقد يجد البعض أن الكتاب يعكس بشكل ما رحلة مصر الاجتماعية والثقافية منذ ثورة 1952 إلى يومنا متبلورة في رحلة د. رءوف عباس ذاته وحياته الحافلة بالعطاء العلمي . لكن الجانب الذي لفت نظري في الكتاب هو شخصية الكاتب , الذي كلما اعتصرته أزمة تمس كرامته " نفر في جبينه العرق الصعيدي " على حد تعبيره الذي ورثه من جده النازح من جرجا إلى القاهرة . والده عامل بالسكك الحديدية , أنجبه في ظل الفقر والحاجة , ومن أجل تحصيل العلم كان د . رءوف عباس يمشي مسافات طويلة إلى أبعد المدارس , ويقضي سنوات من طفولته بلا عشاء ,ويشتري بالملاليم التي يوفرها من مصروف طعامه مجلات مختلفة , ولولا المصادفة التي تدخلت مرتين في حياته , ولولا الشوق للمعرفة , ما أكمل تعليمه ليصبح أحد مؤرخي مصر البارزين . قادته صور النساء المسلمات والقبطيات وهن يتبادلن عند الحاجة إرضاع أطفال بعضهن البعض إلى إيمان عميق بالوحدة الوطنية , والدفاع فيما بعد عن حق معيدة قبطية في العمل بقسم التاريخ بالجامعة ومناهضة كل أشكال التفرقة الدينية .
وهكذا وجد رءوف عباس نفسه في الناحية الأخرى من المجتمع حيث تحتشد الغالبية العظمى فاختار أن يعد أول رسالة له عن الطبقة العاملة , ثم مذكرات محمد فريد , ثم الحركة العمالية من جديد في ضوء الوثائق البريطانية , ثم ترجمة دراسات في تطور الرأسمالية , ومع حبه الغامر لثورة يوليو ولعبد الناصر إلا أنه لم ينضم إلى أي من منظماتها السياسية لإدراكه أنها مجرد أشكال فرغت من محتواها الشعبي . وخلال وجوده في الجامعة يرتطم رءوف عباس بإصرار نهى ابنة الرئيس السادات الطالبة بالجامعة الأمريكية على أن يتولى هو ذاته كتابة الرسالة الجامعية لها نظراً لإتقانه اللغة الإنجليزية ! ويرفض . ثم يعرض لقصة إعداد جيهان السادات لرسالة ماجيستير قائلاً إنها كانت " فصلاً محزناً في تاريخ الجامعات المصرية " تمت إذاعة جلسة مناقشتها كاملةً مرتين في التليفزيون كأنها من جلسات مجلس الشعب ! وفي المقابل نكلت إدارة الجامعة بالدكتور حسن حنفي لأنه اعترض على حصول جيهان على تقدير "ممتاز"! ويتطرق د. رءوف لما أسماه د. محمد أبو الغار إهدار استقلال الجامعات , ويبين كيف تصعد سلم الترقي فقط تلك الكوادر العلمية التي تتفاهم مع أجهزة الأمن , وتتعاون معها في إجهاض أي تحرك سياسي طلابي. وهناك واقعة يستشهد بها د. رءوف تعري مدى التدهور الذي لحق بالتعليم وذلك حين تقدم طالب من أبناء أسرة حاكمة في قطر لتسجيل رسالة دكتوراة , وتنافس على الإشراف على الرسالة أستاذان , فلما انتقد أهل التخصص مشروع الرسالة صاح أحد الأستاذين : يكفينا أن سعادته اختار قسمنا " قسم التاريخ " ليدرس فيه .. شرف كبير والله العظيم .
ثم يكشف كيف أن سؤالاً في الامتحانات وضعه الدكتور عاصم الدسوقي عن فلسطين سبب لوزارة التعليم حرجاً شديداً , لأن اتفاقيات التطبيع تمنع ذلك ! يقول د. رءوف عباس في مقدمة كتابه " مشيناها خطىً " إنه كان مستقلاً. بينما تشهد حياته كلها , وكتابه هذا , وأعماله أنه أفنى حياته في الانحياز إلى قضايا المجتمع المصري , والوطنية , وكتابة مصر بعيون فقرائها , دون أن يفارقه خلال تلك الرحلة الطويلة شعوره الشديد بكرامته , الأمر الذي يجعله يغدق الثناء على من يحب مثل جابر عصفور وحاكم الشارقة وسمير غريب , أو يصب غضبه على من أساء إليه , أو على الأوضاع التي لا ترضيه . قدم د. رءوف عباس إلينا سيرةً ذاتيةً ممتعة , تكاد في بعض صفحاتها أن تقترب من الكتابة الأدبية , أهم ما فيها أنها تشكيل لذلك النهم الغريزي للعلم الذي يتميز به العقل المصري في أشق الظروف , فيجعله يشق طريقه بإرادة وصبر مذهل نحو النور .
[تحرير] ماجدة الجندي
إطلالة
مثل عديد من السير الذاتية التي صدرت في السنوات الأخيرة , تأتي خطىً المؤرخ الدكتور رءوف عباس التي مشاها , سيرة حياة مواطن .. ووطن .. هكذا عايشت وعشت " مشيناها خطىً " الصادرة عن دار الهلال, فكأنها خطىً الوطن تكافح الفقر والظلم وشظف العيش , تفتش عن مخرج وميلاد , تمني نفسها بالمستقبل وأحلام البناء , فإذا بالمسافة بين الحلم والحقيقة , والانفصال بين الفكر والواقع , وإذا بالتحولات والخلخلة لمؤسسات الوطن , والحيرة والمقاومة , ومحاولة النجاة بأبسط الخسائر من زمن سيادة أخلاق السوق .. الظروف الأولى لصاحب السيرة هي البحر المتلاطم الذي يحاول أغلب المصريين العوم فيه .. كان الأمر كذلك وربما تغير , لكن ظلت " المكابدة " هي أهم المعالم .
وصاحب السيرة عندما يهديها إلى الشباب من ناحية وإلى من يسممون أمامهم الآبار , يختزل ويضغم طرفي المعادلة غير المتكافئة في تاريخ مصر الأخير .. الناس والشباب بطاقاتهم وأحلامهم وحقهم في بلدهم .. وفئة سمموا الآبار التي تتعدد تنويعاتها وتتلون أشكالها من محبطين وسارقين ومفسدين ومخربين وجهلاء ومتحكمين وكذابين و.... و .... هؤلاء الذين يسممون الآبار بعد أن ابتلعوا ما استطاعوا .. التفاصيل في السيرة في كل مرحلة من مراحلها على قدر تميزها باعتبارها تخص مواطناً بعينه تشترك في الظروف العامة مع سير عديدة عانت هي الأخرى من " مسممي " الآبار .. وإذا كان لكل سيرة حقلها أو مسرحها الذي مكنها من التوقف عند تفاصيل تخص هذا الحقل بعينه , فإن المواطن رءوف عباس – وليأذن لي الأستاذ المؤرخ – كان مسرح سيرته الجامعة المصرية , والتفاصيل يعرفها القاصي والداني , والخلخلة بلغت ذلك المدى الذي تحكي عنه أحوالنا , فانظر من حولك جيداً ترى محصلة الخطىً التي مشاها د. رءوف عباس وتجاوزها كمواطن , أما الوطن ففي انتظار إرادة شباب الذي أهدى إليهم كتابه وحذرهم من مسممي آباره .
[تحرير] السـيـد يس
تأملات
مازالت أصداء السيرة الذاتية للمؤرخ المعروف الدكتور رءوف عباس تتردد في الأوساط الثقافية. ولذلك تفسيرات متعددة. لعل أهمها أنه حكي بكل صراحة عن أصوله الطبقية، وأبرز أنه كان ينتمي إلي أسرة مصرية فقيرة مكافحة. غير أن هذه الأسرة ساعدته بقدر استطاعتها علي إكمال تعليمه الأساسي. وناضل هو لكي يستكمل تعليمه الجامعي، إلي أن استطاع أن يحصل علي درجة الدكتوراه في التاريخ ويعين في الجامعة ، لكي يصبح من بعد أستاذاً ومؤرخاً مرموقاً.
سيرة كفاح ترددت ربما آلاف المرات مع مئات من المثقفين والأكاديميين المصريين الذين ينتمون في غالبيتهم العظمي إلي الطبقات الفقيرة والمتوسطة. ومن هنا يمكن التأكد أن سلالة هاتين الطبقتين علي مرّ الزمن هي التي منحت مصر المحروسة عقلها الحديث والمعاصر. ولعل هذا ما دعاني ونحن نناقش كتاباً للدكتور بطرس غالي أسرف فيه في بيان أصول طبقته الأرستقراطية، ووصف قصر آل غالي في شبرا والذي كان يتكون من أربعين غرفة، أن أقول له لم تكن محتاجاً يا دكتور بطرس علي تأكيد أصولك الطبقية الرفيعة، لأن ما وصلت إليه كأستاذ جامعي مرموق، ورئيس تحرير مجلة " السياسة الدولية "، ومن بعد أميناً عاماً للأمم المتحدة لم يكن بفضل انتمائك الطبقي، ولكن بفضل موهبتك المبدعة، وحرصك علي التميز عن أقرانك من أهل الطبقات الغنية الفارغة!.. ودليل ذلك أن عقول مصر المبدعة في الفكر والأدب والفن، جاءت من معين الطبقات الفقيرة والمتوسطة التي تعكس بصدق أصالة الشخصية المصرية، غير أن إحدى ميزات رءوف عباس ـ كما تظهر من سيرته- أنه كان يحب الاستقامة علي المستوي الفردي والمجتمعي. ولذلك دخل في معارك شتي منذ صدر شبابه.
غير أن سيرته تصور الفساد الأكاديمي في الجامعة أبلغ تصوير. وميزة هذا الشق من السيرة أنه يكشف الحقيقة التي مؤداها أن الإنسان الأكاديمي ليس بالضرورة هو الإنسان المبرأ من العيوب، والخالي من العقد، والمحصن ضد الفساد! وليس هذا غريباً علي كل حال. ففي كل مهنة من المهن صالحون وفاسدون. هكذا هو الأمر في مهنة الطب ومهنة المحاماة ومهنة الهندسة ومهنة الصيدلة. ولذلك ينبغي حين التعرض لقضية الإصلاح الجامعي ـ كما فعلت مكتبة الإسكندرية في مؤتمرها الشامل عن إصلاح التعليم ـ لا يجوز الظن أن الإصلاح مهما بذل من الجهد في سياساته سيمر ببساطة!.. وذلك لأن هناك أساتذة وأكاديميين فاسدين، وليست له أي مصلحة في الإصلاح. لأنهم أنفسهم هم زعماء الفساد في الجامعة. ونحن نعرف تزايد حالات السرقات العلمية والتي لم يحاسب مقترفوها الحساب الصارم. الذي كان يقضي بفصلهم نهائياً من الجامعة، لأن بعض العمداء وبعض الذين وصلوا إلي مناصب رؤساء الجامعات سبق لهم أن مارسوا السرقات العلمية، ورقوا علي أساسها! غير أن هذا شيء، وذكر المفسدين الأكاديميين بأسمائهم الحقيقية شيء آخر!.. وأنا في الواقع ضد هذه الممارسة علي طول الخط، لأنها قد تختلط بمسألة تسوية الحسابات بعد أن انتهت المسيرة أو كادت، وقد تصبغ العوامل الذاتية أحكام صاحب السيرة وتنال من موضوعيته، ويصبح احتمال التشويه غير المبرر لبعض الشخصيات قائماً. هذا هو اجتهادي.. والله أعلم!
[تحرير] إيمان يحيى
كيف يكتب المؤرخ سيرته الذاتية
لا شك أن أدب السيرة الذاتية يتمتع بشعبية كبيرة بين القراء في المجتمعات كافة بلا استثناء , وبرغم من ذلك الأدب مازال شحيحاً في مجتمعاتنا العربية , ومايزال أيضاً محاصراً بتقليدية التناول , والابتعاد عن الصراحة , والحذر من الانزلاق إلى وقائع واضحة تتعلق بشخصيات معروفة قد تبرز سلبياتها , إلا أن كتب السيرة الذاتية ينتظرها قراء العربية بفارغ الصبر ليروا الجانب الخفي من وجوه ساطعة في مسرح الحياة , وليعيشوا خبرات وتجارب عاشها الآخرون . يبدو " مشيناها خطىً " للدكتور رءوف عباس متميزاً ومنفرداً في هذا السياق. لقد تعود القراء على كتب السيرة الذاتية لشخصيات سياسية أو أدبية . أما " مشيناها خطىً " فيتعرض لرؤية مؤرخ مرموق لحياته, ولمسيرة أكثر من نصف قرن من التحول الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في مصر . ترى كيف يكتب المؤرخ سيرته الذاتية ؟! وهل تختلف ذاكرته وعينه الباصرة عن ذاكرة الآخرين وعيونهم؟! والجدة في هذه السيرة أن صاحبها من أبرز رموز مدرسة التأريخ الاجتماعي العربية , وهي مدرسة حديثة في مجتمعاتنا ساهم في تدشينها العملاقان الدكتور أحمد عزت عبد الكريم والدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفي , ويبرز التساؤل هنا : إلى أي مدى أثرت تلك المدرسة على صاحبنا في سرد سيرته الذاتية وسيرة مجتمعه ؟!
يتمتع رءوف عباس بعين طازجة ترصد الحوادث والتفاصيل التي نقابلها يوميا وقد لا نلتفت إلى مغزاها ، فيلتقطها ويضعها في إطار كاشف من الظروف المحيطة والخلفيات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية , ويضعها على الورق بنفس روائي أخاذ , فعلى سبيل المثال يكشف د. رءوف عن الفترة ما بين عامي 1957 و1961تلك التي شهدت ركوداً اقتصادياً عم المجتمع المصري , والتي لم يتوقف أمامها الكثيرون . كانت تلك السنوات سنوات عجافاً في تطور مصر الاقتصادي , عندما تقاعست الرأسمالية المصرية عن انتهاز فرصة " قرارات التمصير " للقيام بتنمية رأسمالية كان رجال الثورة يصبون إليها , انتشرت البطالة وعانى خريجو الجامعة فضلاً عن حملة الشهادات المتوسطة منها , ولم يبق أمامهم سوى التعيين في الحكومة من خلال ديوان الموظفين ومن خلال مسابقات تكلف المتقدم في كل مرة من تقدمه عشرة جنيهات بالتمام والكمال , ولم يزد عدد من يحصلون على فرصة التعيين ساعتها عن 20 – 25% من جملة الناجحين في تلك المسابقات , اهتم رءوف عباس بتلك الأزمة التي طالته أيضاً , وهو الطامح للتعيين بشهادته المتوسطة حتى يساعد والده في كفالة العائلة , وحتى يستمر في دراسته خلال المرحلة الجامعية .
وبعد قرارات يوليو الاشتراكية وإنشاء القطاع العام يحظى رءوف عباس بوظيفة ليست لها علاقة بالتاريخ بالمرة وهي وظيفة " مراجع حسابات " بالشركة المالية والصناعية المصرية بكفر الزيات , وعبر احتكاكه بعمال الشركة وموظفيها من ناحية وإدارتها العليا ممثلة بمديرها العام الدكتور " حنطور " , يرصد الكاتب أمراض القطاع العام التي ولدت معه فحولت معظم شركاته إلى " عزب " خاصة تحكم فيها أهل " الثقة " , ويحكي الكاتب كيف قام بإرسال شكوى إلى الرئيس عبد الناصر ضد رئيس مجلس إدارة الشركة وتجاوزاته بل وتعديه على عبد الناصر شخصياً !! وكيف أنه بعد ثلاثة أسابيع استدعاه رئيس مجلس الإدارة وفاجأه بالشكوى في يده سائلاً " خطك ده ؟ " فرد بالإيجاب فقال له : عرفت إن عبد الناصر بيضحك على المغفلين اللي زيك ! وخصم من راتبه خمسة أيام وحرمه من العلاوة الدورية قائلاً : " ابقى خلي عبد الناصر ينفعك " . يذكر الدكتور رءوف كيف كان بريئاً لدرجة السذاجة , فلقد كان المدير من أخوال شمس بدران المسنودين . إنها ملاحظة صائبة ودقيقة عن الطبقة البيروقراطية من العسكريتاريا التي أحاطت بعبد الناصر وعزلته عن الشعب وعن مؤيديه الحقيقيين .
ومن خلال ذكريات د. رءوف عباس ومسار حياته نكتشف تقييم المؤرخ الموضوعي لثورة يوليو , هذا التقييم الذي لا يغفل سلبياتها ولا يقلل من إنجازاتها , ولعل كفاح رءوف عباس من أجل الحصول على حقه في التعليم هو خير ميزان لتقييم تلك الثورة . لقد ولد في أسرة متواضعة يعمل فيها الأب عاملاً بالسكة الحديد, بينما كان أقصى ما يراود طموحه أن يجعل صاحبنا يحصل على تعليم أزهري من خلال الكُتَّاب , وتتدخل يد القدر أكثر من مرة لتغير من مصير مؤرخ المستقبل , فيلتحق بالمدرسة الإبتدائية بفضل " كارت توصية " من أحد البكوات ساقته الصدفة إلى يد والده , ويبدأ مسيرة طويلة من الجوع والحرمان من أجل الإمساك بفرصته الوحيدة في التعليم .. مسيرة شبيهة بقصة كفاح على باشا مبارك التي رواها عبد الرحمن الرافعي في كتابه عصر إسماعيل . مرة أخرى تتدخل يد القدر لتنقذ صاحبنا من مصير مظلم كان يرتبه له والده , فيتولى إسماعيل القباني وزارة المعارف في أول وزارة في عهد الثورة فيتم إنشاء التعليم الإعدادي فيلتحق به صاحبنا لتنقذه " وقفية " المدرسة من المصاريف , أما حلم دخول الجامعة فيتحقق بمعجزة على يد رجل مصري بسيط ذهب إليه صاحبنا ليساعده على الحصول على عمل , فهال الرجل أن يرى نبوغ صاحبنا معرضاً للضياع , فأقرضه ثلاثة جنيهات كرسوم تقديم ودمغات لمكتب التنسيق ! ثلاثة جنيهات فقط أنقذت د. رءوف من مجاهل النسيان , ليصبح بعد ذلك مؤرخا مرموقاً وجاء تساهل حكومة يوليو مع طلاب المجانية في التعليم الجامعي ليفسح طريقاً للطلاب المتفوقين الفقراء ويستطيع صاحبنا إنهاء تعليمه الجامعي .
تلك المرحلة الحافلة بالصراع من أجل التعلم هي خير ميزان لتقييم ثورة يوليو وإنجازاتها الاجتماعية , تلك التغيرات التي أحدثتها الثورة قد انعكست على حياة رءوف عباس , وظهرت في سيرته الذاتية لتصدر حكماً نزيهاً على تلك المرحلة من حياة مصر , دون استخدام كلمات كبيرة أو شعارات براقة ولكن عبر أحداث من لحم ودم , وصراع يعيشه بطلنا مع الجوع والحرمان من أجل الحصول على حقه في الحياة . في الوقت نفسه يرصد المؤرخ رءوف عباس اليد الفظة لتدخل مؤسسة " الأمن " في الحياة المصرية في نصف القرن الماضي , وخاصة في العشرين عاماً الأخيرة . وتبدو تلك اليد الثقيلة في خلفية الأحداث طول الوقت لتظهر جليةً ظاهرةً وفظة في بعض اللحظات الكاشفة , يصطدم صاحبنا بها وهو موظف بشركة القطاع العام عندما يقترب من لجنة العمل النقابي في كفر الزيات , وعندما يحضر رسالة الماجستير عن الحركة العمالية في مصر تستدعيه المباحث العامة مرتين , ثانيتهما تقابل فيها مع حسن المصيلحي رئيس قسم مكافحة الشيوعية , لم ينقذ صاحبنا من تلك المطاردة سوى أستاذه أحمد عزت عبد الكريم الذي أصبح مديراً لجامعة عين شمس آنذاك . ونلتقي مرة أخرى بذلك الظل الثقيل أثناء عمله للجامعة , فهي تتحكم في تعيين العمداء وفي الانتخابات الطلابية وفي المناصب الإدارية العليا . ويبدو ذلك التدخل واضحاً أوضح ما يكون في اختيار رؤساء الجامعات , بل وفي حرمان بعض الأساتذة من القيام بالتدريس ورفعهم من الجداول .. عديد من الوقائع والقصص المرة يرويها الكاتب عن معايشة شخصية وحقيقية بالأسماء والتواريخ , في مكاشفة هي الأولى من نوعها لما يحدث في الجامعة المصرية الآن .
ويروي د. رءوف عباس شهادته عن عصر الرئيس السابق السادات ومحاولاته استغلال أساتذة الجامعة في الصراع السياسي ضد خصومه . وفي فصل خاص بعنوان " موعد مع الرئيس " يروي المؤلف بحبكة درامية, وبرواية روائي حكًّاء , كيف جمع الرئيس السادات بعض أساتذة الجامعات تحت ستار سرية تامة في الإسماعيلية ليكونوا هيئة تدريس بمعهد " الدراسات الوطنية " وليعلموا الشباب الوطنية , ويكمل د. رءوف حكايته وكيف تابع تلك التكليفات كل من منصور حسن و د. مصطفي السعيد , وكيف انهارت تلك المحاولة على صخرة العقلية الطائفية التي سادت في عصر السادات , عندما اقترح الدكتور رءوف والدكتور عبد الملك عوده محاضرين أقباطاً ليكونوا ضمن هيئة تدريس ذلك المعهد !
وتمثل الجامعة وما يدور في أروقتها الجزء الأغلب من " مشيناها خطىً" ويبرز الفساد الذي بدأ يضرب في هيئاتها في السبعينيات , وانتشر مستشرياً هذه الأيام , ويعرض لقصته مع " نهى السادات " التي حاول عميد كلية الآداب آنذاك أن يجبره على كتابة رسالتها للماجستير عن " حزب الوفد " في الجامعة الأمريكية , فرفض بإباء وشمم غير خائف من مصير شبيه بما حدث مع الدكتور حسن حنفي عندما تأخرت ترقيته عامين لاعتراضه في مجلس الكلية على حصول السيدة جيهان السادات على درجة الليسانس بتقدير ممتاز .. وتتوالى العديد من القصص والوقائع بالأسماء والتواريخ عن الفساد المستشري في مؤسسة الجامعة, وعن الأساتذة الشرفاء الذين يواجهونه قابضين على الجمر . ويبدو " الكتاب " أكثر من مجرد " سيرة ذاتية " لمؤرخ فهو تعرية كاملة لما يحدث في الجامعة , وإن كان الواقع الحالي أسوأ بكثير مما صوره الدكتور رءوف , وخاصةً بعد فتح الجامعات الخاصة والأجنبية التي لم تترك بلداً في العالم صغر أم كبر إلا وارتدت اسمه بدءاً من بريطانيا وفرنسا وألمانيا مروراً برومانيا ونهاية بزامبيا!! ولعل فتح تلك الجامعات الخاصة قد أوجد مجالاً للأكابر أن يحصلوا على ما يريدونه من أي " سوبر ماركت " جامعي .
من يقرأ " مشيناها خطىً " يكتشف فوراً جرأة الكاتب على تكسير " تابو " المحرمات , ومنه عدم ذكر أسماء الشخصيات المعروفة والعامة التي اصطدم بها صاحبنا , ولعل ذلك يعطي سيرته مذاقاً خاصاً لا تنقصه الصراحة التي طالما نفتقدها في أدب السيرة الذاتية في مجتمعاتنا العربية . وتبدو شخصية الكاتب المستقيمة والمحبة للمواجهة والمستعدة للنزال فيما يراه صواباً واضحاً للغاية في " مشيناها خطىً " .
[تحرير] أسامة عرابي
جدارية مصرية تشع حباً وأملا .. وحرية
يشغل د. رءوف عباس لا شك موقعاً متفرداً بين أبناء جيله في تاريخ مصر الحديث ودراساته المتشعبة، راح يبحث عن حقيقته في أعطاف التاريخ المهمش والمهمل، وعمد إلى استنطاق المسكوت عنه بمسئولية تدرك موقعها من حركة التاريخ، وتسعى إلى مستقبلها عبر سردية مكنته من مساءلة ذاكرته الوطنية والمعرفية، ومحاورة الوطن , والوعي الجمعي في درسه العلمي لتمثلات الماضي ومشهد الحاضر، وقد عزا الدكتور رءوف عباس الفضل في تكوينه العلمي إلى ثلاثة من أعظم أساتذة التاريخ الحديث في مصر والوطن العربي هم: أحمد عزت عبد الكريم، واحمد عبد الرحيم مصطفي، ومحمد أحمد أنيس.. فإذا كان قد تعلم المنهج من عبدا لرحيم وأنيس، فقد تعلم أصول الكتابة وفن تحرير الأعمال العلمية المشتركة وتنظيم الندوات العلمية وإداراتها وأصول الترجمة على يد أحمد عزت عبد الكريم.. وتعرف على فكر كل من فيتفوجل حول تطور المجتمعات النهرية، وروستو حول مراحل التطور الاقتصادي التي عارض بها الماركسية , كما تعرف على فكر ماكس فيبر. ولم يكن تعرفه على تلك الأفكار مجرداً، فحظى صاحبنا بقدر كبير من المعرفة، كان له أعمق الأثر في تكوينه العلمي، وعلى إنتاجه العلمي في العقدين التاليين , على حد تعبيره في كتابه الأخير الموسوم باسم " مشيناها خطىً , سيرة ذاتية " (ص139،153) ، الصادر عن دار الهلال، والذي نحاول هنا إلقاء الضوء على بعض جوانبه، بوصفه وثيقة تاريخية حية.. وتأريخاً موضوعياً دقيقاً لتطور مجتمعنا العلمي والسياسي خلال ما يربو على خمسين عاماً خلت.. ودعوة جادة إلى الحوار حول حاضر هذه الأمة ومستقبلها..
من هنا، قدم لنا د .رءوف عباس جداريةً تلخص في تعبيرها البليغ مسيرة وطن , وهموم مثقف لم يحد يوماً عن نهجه الذي اختطه لنفسه في الحياة، فوضعنا أمام أسئلة محددة تستأنس بعقل نقدى بمنأىً عن التعصب والانغلاق، الأمر الذي يدعو القاريء إلى قراءة واقعه وما أصابه من تحولات وتبدلات بمفردات جديدة، تحرره من إسار رؤيته التجزيئية الضيقة، والانطلاق إلى آفاق أكثر شمولاً ورحابة. غير أن الكتاب دعوة إلى إنقاذ الجامعة المصرية مما يرين عليها من فساد وتحلل وترد أخلاقي وتراجع لدورها المنوط بها، وتحذير وتنبيه من تداعيات ذلك كله الكارثية على المجتمع المصري، كما فعل د. محمد أبو الغار في كتابه المهم " إهدار استقلال الجامعات ". فتاريخ جامعة القاهرة - كما قال د. رءوف عباس - مليء بنزيف الكفاءات العلمية , بسبب فساد الجو الأكاديمي في هذه الجامعة العريقة (ص75) كما كان قسم التاريخ بآداب القاهرة مقسماً إلى شيع وأحزاب لا علاقة للعلم ومدارسه بها، بل كان العلم لا يظهر على السطح إلا لخدمة غرض شخصي إن إيجاباً أو سلباً. كما كانت برامج الدراسة بآداب القاهرة تقدم للطالب خليطاً غير متناسق من مواد من مختلف عصور التاريخ، وضعت تلبيةً لرغبات ومصالح أساتذة التخصص في تاريخ كل عصر من تلك العصور، فتحدث مزاحمة بالمناكب من أجل زيادة حصة كل عصر على حساب الآخر.. وبلغت المأساة ذروتها عندما شغل كرسي التاريخ الإسلامي وكرسي التاريخ الوسيط متخصصان في تاريخ المماليك، مما يعنى غلبة المصالح الشخصية على الهدف الأسمى وهو التكوين العلمي للطالب (ص77). كما اكتشف د. رءوف مصادفة أن فصول كتاب لأحد أساتذة التاريخ بآداب القاهرة عبارة عن ترجمة لبعض فصول كامبردج في تاريخ ذلك العصر!!
ناهيك عن الصراع الدائر بين أساتذة جامعتي: القاهرة وعين شمس، ونظرة الأولى إلى الثانية نظرة لا تخلو من استعلاء وترفع مقيتين.. كذلك استن النظام منذ عهد السادات سنةً قدر لها أن تدوم، وهى اختيار عناصر منتقاة معروفة بولائها للنظام أو محسوبة على أحد أركانه لتتولى رئاسة كل مؤسسة من القطاع العام إلى الوزارات إلى الجامعات، واعتبار معيار الولاء هو المحدد الأساسي في الاختيار، وترك كل من يتولى أمر مؤسسة يديرها وكأنها عزبته الخاصة، يفعل بها ما يشاء دون حسيب أو رقيب ، بل لم يعد للأجهزة الرقابية تلك الهيبة التي كانت لها قبل عهد السادات، فالعبرة برسوخ أقدام المسئول، وقوة الشخصية التي يستند إليها، أو يعد من محاسيبها. وانعكس ذلك على اختيار رؤساء الجامعات في معظم الحالات.. كما حدث مع محمد محمود الجوهري الذي كان نشازاً وسط جوقة أصحاب العزب، فتناهشته الذئاب , وأزيح عن منصبه لعجزه عن إرضاء مصالح صناع الفساد ونزاواتهم. ولم يكن أسلوب اختيار القيادات الجامعية وحده أبرز مظاهر الفساد الجامعي الذي بدأ مع عهد السادات وترعرع بعده واستشرى واستوحش، فقد ابتدعت في العقدين الأخيرين من القرن العشرين آليات للفساد هى: دعم الكتاب الدراسي، والصناديق الخاصة، ولجان الممتحنين (ص264، 265).
وامتد الفساد ليتناول تعديل شروط الإعارة للجامعات الأخرى المنصوص عليها في قانون تنظيم الجامعات (ص272)، كما حدث مع شقيقة رئيس الوزراء التي أعانها حسن حمدي رئيس الجامعة على الإعارة إلى السعودية برغم من رفض مجلس الكلية لذلك، واستند رئيس الجامعة إلى فتوى فصلها له المستشار القانوني للجامعة باعتبار أن تقدير مدى ضرورة مد الإعارة من صلاحيات رئيس الجامعة وحده (ص272). أما إذا تقدم عالم رفيع القدر في تخصصه، تحظى أعماله العلمية باعتراف دولي لوظيفة الأستاذية من خارج الجامعة، حرصوا على إبعاده عن الجامعة، حتى لا يغطى وجوده عليهم، ويكشف حقيقة مستواهم العلمي.. حدث هذا مع العالم الجليل أيمن فؤاد سيد عندما تقدم لوظيفة أستاذ في التاريخ الإسلامي أعلنت عنها جامعة حلوان، وكانت اللجنة العلمية عندئذ مكونة من سبعة أعضاء كان رئيسها وأربعة على الأقل من الأعضاء من فصيلة الموظفين بدرجة أستاذ ذوى الإمكانات العلمية المتواضعة، فاختاروا له لجنة فحص من أناس لا يصلحون للتلمذة على يديه، رأوا عدم صلاحيته للأستاذية. ولكن بعد ست سنوات من التقاضي رد القضاء العادل له حقه. غير أن ثالثة الأثافي التي أشاعها نظام السادات وتركها تتغول من بعده وتستشرى، فكان تسخير أساتذة الجامعات لإعداد رسائل الماجستير والدكتوراه لزوجات كبار المسئولين وأبنائهم ليحوزوا المجد من أطرافه , على نحو ما حدث مع زوج الرئيس السابق، وتكرار الأمر مع ابنتها نهى التي كانت تدرس الماجستير في تاريخ الشرق الأوسط بالجامعة الأمريكية، وطلبت من عميد كلية الآداب جامعة القاهرة أن يدبر لها لقاءً مع صاحبنا ليعد لها البحث المطلوب عن حزب الوفد لأنه الوحيد الذي له كتابات بالإنجليزية، و أنها في حاجة إلى من يكتب لها البحث، فهب صاحبنا واقفا من هول ما سمع، وانفجر في العميد قائلاً: انت عارف قاعد فين، قاعد على كرسي طه حسين، وبتشتغل نخاس، بتبيع أساتذة الكلية في سوق العبيد!!. وخرج من الغرفة صافعاً الباب خلفه!! إلخ..
إن الكتاب يمثل قصة كفاح مشرفة وملهمة، رواها بشكل سلس عذب، وأسلوب ناصع مشرق، لم ينل من عنفوان جماله ورائق جريانه سوى خطاياه النحوية الجمة، غير أن نبل التزامه العلمي حدا به أن يستهدى وقع خطوات عميد الأدب العربي وصدق توجهه، فلاذ بتميمته اللغوية " صاحبنا " في الأيام. ويتميز الكتاب بروح الإنصاف التي وسمت مؤرخا كبيرا مثله، وقدرته على أن يلمح الجوهري والثابت الأصيل في نفس من خالطهم والتقى بهم من أساتذة، برغم مما لقيه من عنت ورهق شديدين من بعضهم كالدكتور محمد أنيس الذي اختلف معه وأساء فهمه، غير أنه حزن على رحيله المبكر, وألقى محاضرة بنادى أعضاء هيئة التدريس بالجامعة بيَّن فيها فضله على الدراسات التاريخية في مصر وعلى صاحب المحاضرة وأبناء جيله.
[تحرير] محمود الورداني
رءوف عباس بين سيرة الوطن وسيرة المؤرخ
تكاد السيرة الذاتية للمؤرخ الكبير رءوف عباس (1939 - ) أن تكون سيرة الوطن وأوجاعه وأحلامه التي طالت السماء يوماً , والمعارك التي خاضها على مدى أكثر من خمسين عاماً , تكاد أيضاً أن تكون هي ذاتها المعارك التي خاضها الوطن . وإذا كان د. عباس متحفظاً - إلى أقصى حد - فيما يتعلق بالجوانب الشخصية الحميمة في حياته , فإنه كان منطلقاً – إلى أقصى حد ممكن – فيما يتعلق بالأحداث والوقائع التي كان طرفاً فيها أو شاهد عيان عليها . والحقيقة أن القارئ يشعر فور الانتهاء من آخر صفحات سيرته الذاتية التي صدرت أخيراً في سلسلة كتاب الهلال المصرية في 336 صفحة , يشعر بالانحياز إلى صف هذا الرجل الذي عاش مرفوع الرأس , وواجه عواصف الفساد وأنواءه, وبيع النفوس والضمائر وشراءها, بثبات نادر يليق حقاً بتاريخه العلمي وإنجازاته كمؤرخ ومعلم لأجيال من الباحثين والمؤرخين .
لنستمع لقصة د. رءوف عباس من البداية , فالوقائع والأحداث التي يسوقها كشاهد عيان أبلغ من أي تعليق , بل إن القارئ يشعر بأن أي تعليق يبدو غير كاف .. فنحن أمام شهادة على عصر كامل , ولا أظن أنني أتجاوز كثيراً عندما أقول إنها واحدة من بين أهم الشهادات التي صدرت في العقد الأخير إن لم تكن أهمها على الإطلاق . من جانب آخر لم تكن طفولة الرجل تنبئ بأي إمكانية لتخطىً الفقر والشقاء وتجاوز الظروف الخانقة , فقد ولد في 24 من أغسطس 1939 في أحد مساكن عمال السكة الحديد ببورسعيد , حيث يشتغل والده عاملاً بالسكة الحديد , وعلى حد تعبيره " يشغل أدنى درجات السلم الوظيفي الخاص بالعمال " . وبسبب مشاكل عائلية بين أمه وجدته لأبيه , عاشت جدته وحدها في حي شبرا بالقاهرة مع رءوف منذ أواخر عام 1943 لأن أباه كان يحس بالذنب لتركه لها , بينما عاش الأب مع أسرته في محافظة القليوبية القريبة من القاهرة .
أما عزبة هرميس بحي شبرا التي عاش فيها طفولته , فكانت منطقةً فقيرةً عشوائية تخلو من المياه والصرف الصحي والكهرباء , نزح أغلب سكانها من القرى المحيطة طلباً للرزق وفراراً من البؤس والشقاء , وعلى الرغم من أن المسلمين كانوا أقليةً في هذه المنطقة , إلا أن العلاقات بينهم وبين الأقباط سادها الوئام والمحبة كأنهم أسرة واحدة , بل إن النسوة الأقباط والمسلمات كن يتبادلن إرضاع أطفال بعضهم البعض , بل ورعاية أطفال بعضهم البعض , إذا اضطرت إحدى الأمهات إلى السفر لقريتها فجأة لأمر طارئ " . تلقى ( صاحبنا ) تعليمه في " كُتَّاب " ليتعلم القراءة والكتابة وقواعد الإملاء والحساب , ومن الكُتَاب إلى مدرسة السيدة حنيفة السلحدار الابتدائية. قدم الوالد أوراق صاحبنا , وبعد أن نجح صاحبنا في امتحان القبول , أخبره المسئولون أن القبول لا يعد نهائياً إلا إذا قدم توصية من أحد الوجهاء والبكوات " موجهاً إلى حضرة صاحب العزة محمد بك الكاشف ناظر المدرسة " .
ولأن الأب فقير وأقاربه فقراء , فقد استعد لسحب أوراق ابنه بعد نجاحه في امتحان القبول لأنه لا يستطيع الحصول على توصية من أحد الوجهاء , وبالمصادفة وبينما كان الأب يحكي ما جرى له أمام عمدة القرية , قام الأخير بمساعدة الأب في صمت وحمل له التوصية من صاحب العزبة !! أما حياته مع جدته فكانت شقاء في شقاء لأنها تكره أم صاحبنا , وتعددت صور شقاء الطفل , فقد كانت تجبره على أن يقطع ساعتين ذهاباً وإياباً ليشتري مثلاً من حقول إحدى القرى القريبة بخمسة مليمات ملوخية وطماطم (!) , بل إنها حرمته من وجبة العشاء لأنها تؤثر في قدرته على الفهم (!) وإذا طبخت لحماً أكلته وحدها (!) ...إلخ .
وإذا كان صاحبنا لا يزور أمه وأباه وإخوته إلا يوماً واحداً في الأسبوع , فأن هذا اليوم الوحيد كان يقضي أغلبه في إبلاغ أمه بما يحدث له وما يتعرض له من شقاء ومهانة وكانت الأم والابن أيضاً يخشيان الأب ولا يخبره أحد بما يتعرض له صاحبنا , حتى رسب الأخير في الفرقة الأولى الثانوية , فاتخذ الأب قراره بإنهاء تعليمه عند هذا الحد وإلحاقه بوظيفة كتابية بالسكك الحديدية , لكن الأم انفجر غضبها المكبوت طوال السنين الماضية , ورفعت صوتها للمرة الأولى , وأبلغت الأب بكل ما تفعله حماتها في الطفل الصغير .. كتب " صاحبنا " : " وتعرض الولد لاستجواب طويل من جانب الأب الذي كان يجهل تماماً حقيقة ما يجري لولده , وعلى ضوء ذلك قرر نقله إلى مدرسة طوخ الثانوية ( حيث كان يعمل هناك ) فأحس صاحبنا لأول مرة بدفء الحياة الأسرية ". بطبيعة الحال لم تكن المدرسة هي الشفاء فقط فمن خلالها انفتح أمامه عالم المعرفة , خصوصاً المكتبة ومظاهرات الطلاب , فقد كان انقلاب الضباط الأحرار عام 1952 قد نجح , وشارك صاحبنا في المظاهرة المؤيدة لعودة محمد نجيب عام 1954 .
على أي حال نقل صاحبنا إلى مدرسة طوخ الثانوية , وفي الفرقة الثانية كان على كل طالب اختيار شعبة التخصص فاختار القسم الأدبي لأنه كان ميالاً للتاريخ , وكان حلمه الأكبر أن يصبح عالم آثار . وعندما اقترب موعد امتحان الثانوية العامة أفهمه والده بوضوح أنه لا يستطيع أن يستمر بعد ذلك في تعليمه , فعدد أفراد الأسرة تسعة وهو أكبر الأبناء , وعليه أن يلتحق بوظيفة فور نجاحه في الامتحان ليساعد والده. ولعبت المصادفات وحدها الدور الأساسي في التحاقه بالجامعة , فمثلاً وبسبب ضعف إبصاره لم يستطع الالتحاق بالوظيفة المتاحة بالسكة الحديد , وراح صاحبنا يبحث عن عمل هنا وهناك , لكن الظروف الاقتصادية حالت دونه ودون الالتحاق بأي عمل , وساعده بعض البسطاء والفقراء من أقاربه للتقدم بأوراقه لجامعة عين شمس القريبة من بيت جدته في ذلك الوقت ويحكي صاحبنا: " وعندما ذهب إلى الكلية لأول مرة فوجئ بأن من حق من يحصل على 60% فما فوق من غير القادرين على سداد المصروفات أن يتقدم بطلب للحصول على المجانية مشفوعاً ببحث اجتماعي عن حالته من وحدة الشئون الاجتماعية التابعة لمحل إقامته , فقام بإعداد الأوراق المطلوبة وتقديمها , وأعلنت كشوف أسماء من حصلوا على المجانية بعد ثلاثة أسابيع, فلم يدفع سوى 360 قرشاً رسوماً للقيد بدلاً من المصروفات التي كانت تبلغ ثمانية عشر جنيها ونصف الجنيه.
ويرسم صاحبنا صورة للجامعة في ذلك الحين تبدو كأنها تنتمي لكوكب آخر, فالأساتذة علماء أجلاء , والطلاب يبحثون ولا يحفظون , ليس هناك مذكرات يحفظها الطالب وينجح , بل أبحاث ومقالات ومكتبات يرجع إليها ومتابعة يومية وامتحانات حقيقية . وإذا كان صاحبنا عندما التحق بقسم التاريخ كان حلمه أن يصبح من علماء الآثار, إلا أنه اكتشف فيما بعد أن شعبة الآثار لم تفتح أبوابها بعد , فتخصص في التاريخ الحديث بمساعدة أستاذه د. أحمد عبد الرحيم مصطفي الذي كانت له أياد بيض عليه , فقد احتضنه واهتم به , واكتشف نبوغه المبكر وأعاره مراجعه , وفتح له طريق المعرفة .
وتتعدد أسماء أساتذته الذين يذكر فضلهم عليه مثل د. أحمد عزت عبد الكريم و د .عبد اللطيف أحمد علي وعالم الآثار الشهير د. أحمد فخري . فقد أسهم كل منهم في تكوينه العلمي وفتحوا له آفاقا معرفية جديدة من خلال النقاش العلمي والأبحاث الميدانية والعكوف على المراجع والمكتبات , وهي أمور– كما يعلم القارئ – افتقدناها تماما , بل وتبدو – كما سبقت الإشارة – وكأنها جرت في كوكب آخر . لكن الظروف الاقتصادية في ذلك الوقت كانت خانقةً فقد انتشرت البطالة ولم يجد صاحبنا عملاً يلتحق به , حتى أُعلن فجأة عن تعيين جميع الخريجين , فقد صدرت قوانين التأميم عام 1961 وبموجبها انتقلت ملكية كل الشركات والمصانع إلى الدولة , والتزمت الأخيرة بتعيين جميع الخريجين .... وهكذا أُنقذ صاحبنا من تشرد كان ينتظره وتم تعيينه في أوائل عام 1962 بـ" الشركة المالية الصناعية المصرية " .
استمر الرجل في وظيفته 62 شهراً حتى استقال عام 1967 بعد أن خاض عدداً من المعارك ضد الرشوة والفساد وسرقة عرق العمال مما دفعه لكتابة العرائض والشكاوى .. كتب الرجل : " رأى صاحبنا رأي العين الرشى المادية والعينية التي تقدم لمفتشي مؤسسة الصناعات الكيماوية ومفتشي أجهزة الرقابة الأخرى , ومأمور وضباط مركز كفر الزيات, وكيف كانت تتم تغطية ذلك كله بمستندات صورية أو تحت بند الإكراميات". لذلك نفر من الالتحاق بمنظمة الشباب الاشتراكي التي كانت في ذلك الوقت جواز مرور للتقرب من المسئولين , واعتذر عن عدم حضور دوراتها التدريبية , وانشغل بدراسة الماجستير واختار أن يبحث في تاريخ الحركة النقابية , متأثراً بالخبرة الجديدة التي توافرت له , حيث شارك مع عمال الشركة في محاولاتهم لمواجهة الإدارة الفاسدة .
اختار صاحبنا أن يدرس الحركة العمالية منذ نشأتها حتى قيام ثورة يوليو 1952 , وهو جانب مجهول ولم يلتفت إليه المؤرخون في ذلك الوقت, وأشرف على الرسالة د. أحمد عزت عبد الكريم إلا أنه لفت نظره إلى ضرورة الحصول على وثائق في هذا الموضوع . كان أول الخيط في دراسة صاحبنا هو النبيل السابق عباس حليم الذي لعب دوراً في صفوف الحركة النقابية قبل 1952 , ويحكي صاحبنا الرحلة الشاقة التي كان عليه أن يقطعها ليعثر على النبيل ثم يكتسب ثقته ويسمح باطلاعه على الوثائق التي في حوزته . وقادته وثائق عباس حليم إلى البحث عن محمد حسن عماره سكرتير عام اتحاد النقابات الذي رأسه حليم . وبعد مغامرات أخرى استطاع الوصول إليه وعمل على اكتساب ثقته حتى نجح وحصل منه على عشرات الوثائق, وهكذا وجد صاحبنا نفسه أمام منجم لم يسبقه إليه أحد , واتصل بعدد من قدامى الماركسيين النقابيين وحصل منهم على مواد جديدة .
في هذه الفترة أيضاً خفق قلبه بالحب حيث تعرف إلى زميلته في الدراسات العليا سعاد الدميري وتزوجاً عام 1964 , إلا أنه اضطر لأن يغامر بمستقبله بعد أن سجل موضوع " الملكيات الزراعية الكبيرة وأثرها في المجتمع المصري 1837 – 1914 ", والذي يقتضي العمل على الوثائق المودعة بدار المحفوظات العمومية ودار الوثائق القومية مما يستلزم التفرغ الكامل , وهو ما يمكن تدبيره بالحصول على منحة تفرغ إذا وافقت جهة العمل . وبالطبع لم توافق جهة إدارة الشركة التي سبق له أن اصطدم معها عندما دافع عن حقوق العمال ووقف ضد كبار اللصوص فيها , فقدم استقالته رغم أن المنحة لا تقل فقط عن المرتب بحوالي النصف , بل أيضاً محدودة المدة وتتوقف على الوفر في الميزانية لتمويلها . وبعد ثلاثة أشهر توقفت المنحة لنفاد البند , واستطاع أستاذه د. أحمد عزت عبد الكريم تمويلها بعد أن أصبح مديراً للجامعة , إلا أنه كان من المتوقع أن تتوقف في أي وقت , وتصادف أن نشر إعلان في الصحف عن شغل وظيفة معيد تاريخ حديث بكلية الآداب جامعة القاهرة , فتقدم إليها صاحبنا دون أن يستشير أستاذه , وسرعان ما اكتشف من أستاذه أن الوظيفة أعلن عنها خصيصاً لسكرتير مدير جامعة الإسكندرية بسبب رفض رئيس القسم هناك أن يعلن عن درجة خالية , أي أن الفساد قد بدأ ينخر في جامعات مصر . فرئيس جامعة الإسكندرية يتحايل على القانون ويطلب من صديقه رئيس جامعة القاهرة تعيين سكرتيره معيداً .
وأصر صاحبنا على أن يخوض المعركة حتى النهاية , وبالفعل تم تعيينه في هذه الوظيفة بجامعة القاهرة , بينما كان مسجلاً للدكتوراه في جامعة عين شمس , كما التحق في الوقت نفسه من خلال المؤرخ الراحل د. محمد أنيس الذي كان رئيساً للقسم في آداب القاهرة بقسم الأبحاث الذي أنشأته صحيفة الجمهورية رداً على إنشاء الأهرام لمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية إلا أنه عانى من مقص الرقيب ورئيس التحرير معاً فيما يتعلق بالدراسات التي كان ينجزها وتقرر نشرها , وعمل أيضاً مع د. أنيس في مركز تاريخ مصر المعاصر التابع لدار الكتب , لكن العلاقات توترت بينهما بشدة حتى أن أنيس اتهمه بالعمالة للمباحث !! وفي هذه الفترة تحديداً اتهمته المباحث بالشيوعية ومساعدة الشيوعيين!! وكان قد تعرف في أثناء إعداده للماجستير على النقابي الشيوعي المعروف محمد يوسف المدرك الذي كان عضواً بمجلس إدارة اتحاد النقابات الدولي عام 1946 , واستمرت العلاقة بينه وبين صاحبنا يتزاوران ويتناقشان , والمدرك في ذلك الوقت كان رجلاً عجوزاً طاعناً في السن , وكان قد تعرض للسجن والاعتقال والتعذيب والتشريد سنوات عديدة, لذلك كانت أحواله الصحية متدهورة ولا يجد قوت يومه .
استدعت المباحث وبالتحديد قسم مكافحة الشيوعية صاحبنا بعد أن رصدت علاقاته بالمدرك , ووصل الأمر إلى مقابلة حسن المصيلحي رئيس القسم والمعروف بأعماله الإجرامية ضد الشيوعيين وتعذيبهم . في ذلك الوقت كان للأمن الكلمة العليا في كل شيء , وأطلق العنان لأوامرهم ونواهيهم في التعيين والفصل في مختلف الوظائف , لذلك كان التهديد الخفي الذي وجهه المصيلحي لصاحبنا حول رسالة الدكتوراة التي يعدها الأخير معناه أن الأمن بوسعه الوقوف في وجه حصوله عليها , بل واعتقاله إذا لزم الأمر , لكن أستاذه وقف بجانبه بشدة في مقابل وعد واحد أن يقطع صلته بالمدرك , وهو ما اضطر إلى فعله رغم أنه كان من أشق الأمور عليه . وبعد حصوله على الدكتوراه عام 1971 خاض معركة أخرى من أجل الحصول على حقه وتعيينه مدرساً , وبعد عام واحد سافر إلى اليابان في مهمة علمية , حيث أتيح له أن يطلع على أحدث المناهج العلمية , ويعمل مع عدد من ألمع المتخصصين في الدراسات التاريخية على مستوى العالم , كما شارك في عدد من الحلقات البحثية , وأنجز كتاباً عن المجتمع الياباني .
امتدت إقامة صاحبنا عدداً من السنوات يعترف بأنها كانت انقلاباً في حياته على المستوى العلمي , ومن جانبه شارك بالكتابة والبحث التاريخي , وفي عقد أواصر الصداقة العلمية مع الباحثين اليابانيين , واكتشف أن أغلبهم لا يعرفون شيئاً عن أسباب الصراع العربي الإسرائيلي , وهو الأمر الذي صرف جانباً من جهوده لتحقيقه , ولعل من أهم ما نجح فيه هو قيام مؤسسة اليابان بتمويل إنشاء قسم لدراسة اللغة اليابانية بكلية الآداب جامعة القاهرة , بعد أن كان الأمر قد استقر على إنشاء القسم بإسرائيل , لكن الجهود المتواصلة السرية التي بذلها صاحبنا تكللت بالنجاح .
المحطة التالية في الدوحة واستمرت أربع سنوات منذ العام الدراسي 1974/1975 عندما أعير بكلية التربية القطرية .. كتب د. عباس عن هذه الفترة : " وطوال السنوات الأربع التي قضاها صاحبنا في التدريس بكلية التربية بقطر، حظى بتقدير واحترام تلاميذه وتلميذاته ، وخاصة أنه – كعادته دائماً – يعطي لكل ذي حق حقه ، فلا يكيل الدرجات لمن لا يستحق من أبناء وبنات الأسرة الحاكمة كما كان يفعل بعض زملائه ، وكان يترفع في تعامله معهم ومع غيرهم من أبناء وبنات كبار التجار ، في وقت كان بعض زملائه يتملقونهم ويلاحقونهم بطلبات عقود العمل للمعارف " . ذات صباح في نوفمبر 1978 ، بعد عودته من قطر ، تلقى صاحبنا مكالمة تليفونية من رئاسة الجمهورية لحضور اجتماع سري مع الرئيس السادات وأن يحضر معه ما يكفيه من ملابس لمدة ليلتين أو ثلاث . انتابته الدهشة ، فقد كان بعيداً عن السلطة ، ولم يعرف عنه الانضمام يوماً لأي من التنظيمات والأحزاب ، بل إنه لم ير جمال عبد الناصر في حياته إلا مرةً واحدةً في المظاهرة الكبرى التي شهدتها جامعة القاهرة عشية الانقلاب على الوحدة، حيث وقف عبد الناصر على سلم مدخل إدارة الجامعة يلقي خطابه في الطلاب . واضطر لقبول الدعوة وذهب إلى مكان التجمع بمعهد الدراسات الاشتراكية بمصر الجديدة في الثامنة صباحاً ، حيث وجد حشداً من أساتذة الجامعات ، وبدا له من استعراض من وجهت لهم الدعوة مثله ، أن اختيارهم كان عشوائياً , وإن روعي فيه أن يكونوا ممن لم تكن لهم صلات بالاتحاد الاشتراكي . ركب الجميع في ست سيارات ميكروباص توقفت أمام المبنى القديم لشركة قناة السويس حيث كان في استقبالهم منصور حسن وزير الثقافة وعثمان أحمد عثمان المقاول الشهير وصهر السادات ، واتجهوا إلى قاعة اجتماعات حيث جلس الجميع في صفوف ، وكان في كل صف منها ستة من أعضاء هيئة التدريس يزاحمهم على الصف نفسه أربعة من رجال المخابرات !
بعد نصف الساعة دخل السادات ، وبعد أن صافح الجميع جلس على المنصة وطلب غليونه وحشاه وبدأ يدخن في هدوء واسترخاء ، ثم تحدث منصور حسن مشيراً إلى أنه جمع هؤلاء الأساتذة بناءً على توجيهات الرئيس وروعي في اختيارهم " الوطنية المتدفقة " لأداء واجبهم الوطني الذي يكلفهم به الرئيس . وهنا أسقط في يد صاحبنا ، فهى المرة الأولى التي يتعرض فيها لمثل هذا الوضع . لم يكن أمامه إلا الإنصات لحديث السادات الذي أشار خلاله إلى ذكرياته عن كفاحه الوطني ضد الإنجليز, وأنه يشعر بالقلق لعزوف الشعب عن العمل العام، وحسبما كتب صاحبنا أن السبب يعود " لأن مراكز القوى في الاتحاد الاشتراكي المنحل لم يقدموا له القدوة والمثل ، كما أن الكتََّاب ورجال الصحافة لم يهتموا بالشباب ، وبذلك لا يبقى للعمل العام سوى جيله هو وجيل الوسط ، وهما جيلان أصابهما العفن ولا أمل فيهما في إعادة بناء مصر التي يحلم بها ، ثم قال بنبرة حازمة وهو يلوح بسبابته إلى الحضور : علشان كده جمعتكم لأنكم نجوتم من الوساخات ، ولأنكم فخر مصر ، علشان تربوا جيل نظيف يعيد لمصر مجدها الذي أضاعه أصحاب الشعارات " . وهنا أُحيل القارئ إلى ص231 – 232 ليرى كيف تحدث السادات عن مصطفي أمين مثلاً !! وهكذا اتضح لصاحبنا أنه تم اختيار هذه المجموعة لتضع برنامجاً وتقوم بتدريسه لمجموعة من الشباب أعضاء الحزب الوطني الذي أسسه السادات . لم ينج من هذا المأزق إلا فيما بعد عندما قدم المنهج واقترح اسمي أستاذين قبطيين لتدريسه ضمن مجموعة من الأساتذة المسلمين ، وعندما رفض منصور حسن ، أصر صاحبنا على ضرورة عدم التمييز بين المصريين على أساس ديني ، وكانت النتيجة استبعاده تماماً لحسن الحظ . وصل الفساد إلى الذرى ، فكان لأجهزة الأمن مثلاً الكلمة العليا في التعيين في المناصب القيادية ، والتدخل في نظام الإعارات ، وتحديد مصير شئون الطلاب، وانشغل الأساتذة بإعداد رسائل الماجستير والدكتوراة لطلابهم من الأثرياء العرب ، ونهبت الصناديق الخاصة واستخدمت أموال الجامعة في الإنفاق على المحظوظين من الأساتذة . ويورد صاحبنا وقائع محددة يندى لها الجبين ومازال أغلب أبطالها يشغلون أعلى المناصب حتى يومنا هذا ، وهنا أحيل القارئ مرة أخرى إلى الصفحات من 242 – 246 فيما يتعلق بحصول السيدة جيهان على الدكتوراة أو دراسة ابنتها السيدة نهى السادات !!
وامتد هذا الفساد إلى خارج الجامعة في دار الكتب ومركز الدراسات السياسية والاستراتيجية في الأهرام لكن صاحبنا نجى بأعجوبة من عشرات المآزق حتى الآن . وقبل أن ينهي صاحبنا أوراقه خصص فصلاً للجمعية المصرية للدراسات التاريخية التي انضم إليها عام 1966 ، وهى جمعية أهلية أسسها الملك فاروق عام 1945 للاهتمام بالتاريخ ، وكان آخر مكان استقرت فيه بشارع البستان بالقاهرة حيث استأجرت طابقاً في أحد البنايات . ورغم بؤس المكان وتواضعه وضيقه الخانق ، تمكنت من إصدار عدد من الكتب وأصدرت أيضاً المجلة التاريخية المصرية ، إلا أن مواردها تدهورت بشدة، فهى جمعية أهلية ولا تحصل إلا على مساعدات بالغة البساطة لا تمكنها من أداء دورها بعقد الندوات والمؤتمرات وإصدار المطبوعات . يذكر صاحبنا أن أعضاء الجمعية اختاروه رئيساً لمجلس الإدارة في وقت كانت الجمعية تكاد تلفظ أنفاسها الأخيرة, فلا موارد أو مساعدات, ومقرها ذاته معرض للضياع بسبب مشاكل قانونية من جانب ملاك العقار الذي تستأجر الجمعية أحد طوابقه. واقترح صاحبنا اللجوء إلى الشخصيات المعروفة برعاية الثقافة في العالم العربي لبناء مقر خاص للجمعية,وأرسلت بالفعل رسائل للشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والسلطان قابوس والشيخ سلطان بن محمد القاسمي أمير الشارقة والذي كان قد تبرع بالفعل لجامعة القاهرة لبناء مكتبة لكلية الزراعة (التي تخرج فيها) بتكلفة قدرها 12 مليون جنيه . كما تم الاتصال أيضاً بعدد من الشخصيات المحلية للحصول على مساعدات تقيل الجمعية من عثرتها ، وبفضل الجهود التي بذلها د.يونان لبيب رزق تبرع محمد فريد خميس بعشرة آلاف جنيه ، ولويس بشارة وإحدى شركات الأدوية بخمسة آلاف جنيه ، وقام سعد فخري عبد النور بسداد إيجار المقر لمدة ستة أشهر، كما تبرع الأمير طلال بن عبد العزيز بمبلغ 36 ألف جنيه لمدة خمس سنوات .
وبعد شهر من إرسال الخطابات ، فوجئ صاحبنا باتصال من الشيخ سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة ، وكما كتب صاحبنا: " بدأ الرجل العظيم حديثه بالاعتذار لصاحبنا لأن الرسالة وصلت قبل ثلاثة أسابيع وأنه لم يطلع عليها إلا يومها نظراً لوجوده خارج بلاده ، وأبدى قلقه على ما تعانيه الجمعية ، وشرح له صاحبنا المشكلة ، وتصور مجلس الإدارة لحلها باقتناء مقر يتبرع به أحد رعاة الثقافة العربية أو يتعاون عدد من الرعاة في تمويله ، وأن التصور هو شراء فيلا مساحة مبانيها لا تقل عن 500 متر لسكنى الجمعية ومكتبتها. فاعترض سمو الشيخ على هذه المساحة ، وقال أنه يعلم أن بالجمعية مكتبةً قيمة وأنها وحدها تحتاج لمثل هذه المساحة لو لم يوضع التوسع في الاعتبار ، ولكنه أبدى استعداده لشراء المقر وإعداده لسكن الجمعية وتأثيثه ، ثم تقديمه للجمعية على سبيل الهبة . زود صاحبنا بأرقام هاتفه الخاص والفاكس الخاص " . " شكره صاحبنا وأثنى على ما يقدمه لمصر ، ذاكراً تبرعه لجامعة القاهرة بمكتبة كلية الزراعة ( التي تخرج فيها الشيخ) فاستنكر الرجل وصف ذلك بالفضل وقال : إن فضل مصر على العرب كبير ، وأنه يسأل الله تعالى أن يعينه على أداء بعض ما لمصر من دين ، وعندما أشار صاحبنا إلى هذا الحديث في الكلمة المرتجلة التي ألقاها في افتتاح المقر الجديد بمدينة نصر(23 مايو 2001) بحضور الشيخ ووزير التعليم العالي وبعض كبار رجال وزارة الثقافة ، لاحظ عند اطلاعه على شريط الفيديو بعد الاحتفال أن عيني الشيخ اغروقتا بالدموع عندما وصل صاحبنا في حديثه إلى ذكر هذه العبارات المخلصة النادرة التي تكشف عن أصالة هذا الرجل العظيم وعمق تقديره لمصر والمصرين " . ما سبق مجرد لمحات سريعة من ذكريات د.رءوف عباس ، وهى لا تكشف عن معدن الرجل وطبيعته ودوره ، بقدر ما تكشف عن عصر كامل وحافل امتد لأكثر من ستين عاماً من العطاء .
[تحرير] محمد الباز
صفحة من سيرة أستاذ جامعي محترم
تستهويني قراءة الوجوه , وأجد متعة في استطلاع ملامحها والسفر في تفاصيلها , وعندما وضعت صورة د. رءوف عباس أمامي وجدتني مشدوداً إلى جديته .. وجهه يشي بأنه مقاتل حقيقي وليس مزيفاً .. يعمل في صمت ولا يتاجر بما أنجزه . يقول رأيه .. ولا يخاف بعد ذلك لا على رزقه ولا على منصبه , فكل شيء إلى زوال إلا القيمة التي يمكن أن يجنيها الإنسان من صراعه مع الحياة .. التي تبذل كل جهدها لتجعلنا جميعا أشباه رجال , ولا ينجو منها إلا من رحم ربي . أمسكت سيرته الذاتية التي صدرت منذ أيام وقد جعل لها عنواناً قصده بعناية هو " مشيناها خطىً " فلم يخب ظني فيه .. حمل تاريخه على ظهره .. لم يتعب ولم يكل ولم يمل .. لم يكن كاشفاً فقط لكل ما تعرض له في الحياة , ولكن كان فاضحاً كذلك لكل من سقط من رجال وأساتذة جامعة ومؤرخين وسياسيين في صراعهم مع الحياة .. سيرة د. رءوف عباس ليست حكايةً للتسلية , ولكنها وثيقة إدانة لعصر فاسد , وبشر فقدوا شرعية وجودهم في الحياة . يحمل رءوف عباس على كتفيه خمسة وستين عاماً لا يعتبرها كلها في صالحه .. ففي تقييمه لمسيرته وسيرته يرى أنه لم يكن دائماً حكيماً خالياً من العيوب والأخطاء .. فلا يوجد قديسون بين البشر بل جميعهم خطاءون .. معنا إذن رجل موضوعي في نظرته لنفسه ونظرته للآخرين وهذا ما يجعلني أرتاح كثيراً لمعظم الحكايات التي علقها في رقبته ورقبة من حوله .. فهو لم يخف شيئاً لا عن عائلته ولا عن زملاء طريقه الأكاديمي .
جذبني بشدة ما رواه عباس عن كواليس العمل الجامعي .. تحدث بصراحة, وتصدقه في ذلك لأنه تحدث عن نفسه بصراحة . فعندما أقام مع جدته سقط من الطابق الثاني من فوق درج البيت على رأسه .. وظل لمدة عامين يهب من نومه مذعوراً يبكي لساعات .. ترددت الجدة به على عدد من المشايخ .. صنع له آخرهم حجاباً .. .. ظل معلقاً في رقبته نحو العامين .. وبعدها لم يستيقظ من نومه مذعوراً .. ولم يكن الاستيقاظ في منتصف الليل في حالة ذعر وهلع شديدين هو كل ما ترتب على هذا الحادث من نتائج .
فقد أصيب رءوف بكسر في الفك الأيسر لم ينتبه إليه أحد إلا بعد نحو خمس سنوات من الحادث ترتب عليه عدم استطاعته فتح فمه باتساع يزيد على نحو واحد ونصف سنتيمتر , وأورثته هذه العاهة – التي ماتزال تلازمه حتى اليوم – متاعب نفسية شديدة في فترة المراهقة على وجه التحديد , فكان لا يتناول طعاماً أمام غرباء عنه حتى لا يثير فضولهم السؤال عن سبب تناوله الطعام بطريقة غريبة عن المألوف .. بل جعلته هذه العاهة يحرص على أن يكون آخر من يدخل مطعم المدرسة الابتدائية , ويتلكأ في تناول وجبته حتى ينصرف من حوله على المائدة , عندئذ يسرع بالتهام الطعام .
لم تؤثر هذه العاهة على طريقة تناول رءوف عباس للطعام فقط ولكنها جعلته يميل إلى الانطواء ويحذر الاختلاط مع زملائه , بل ويحرص بشدة على اختيار من يتخذه صديقاً .. وصاحبته الكثير من أعراض هذه الحالة النفسية حتى التحاقه بالجامعة , فبدأ يتخلص تدريجياً منها فلم يبق منها إلا الحرص الشديد في انتقاء الأصدقاء . ولا يخفي رءوف عباس كراهية جدته لأبيه لأمه لأن طليقها هو الذي اختارها لابنه .. وكان يسمع جدته تختتم صلواتها التي تحرص عليها بالدعاء على أمه سائلةً الله أن يحرق قلبها على أولادها , وكانت تعامله بجفاء شديد , تمنعه من الخروج من الغرفة محدودة المساحة إلى الشارع , وحرصت الجدة على أن تكلفه بأمور لا تفسير لها سوى إرهاقه انتقاماً من أمه في شخصه , فلا ترتاح إلا إذا أرسلته إلى حقول " منية السيرج " ليقطع المسافة في ساعتين ذهاباً وإياباً ليشتري من هناك بخمسة مليمات الملوخية والطماطم ويحصل على الفجل والجرجير فوق البيعة . حتى إذا عاد من تلك الرحلة المضنية , صبت عليه وعلى أمه اللعنات لأنه تأخر في مشوار هو فركة كعب .. وإذا احتاجت لشراء الخبز أرسلته إلى مخبز يقع على مسيرة ساعة ذهاباً وإياباً برغم توافر الخبز عند بقال الحي , وكانت ترى أن وجبة العشاء مضرة ولا تنفعه لأنه صغير وتناول العشاء قبل النوم يؤثر عليه وعلى قدرته على الفهم , وتتناول وحدها العشاء وهو يراقبها حتى تعود على ذلك , فحذف من قاموسه مصطلح العشاء وإذا طبخت لحماً أكلته وحدها لأنها مريضة والحكيم وصفه لها , وعندما تجرأ وأكل سراً قطعة من اللحم ظناً منه أنها لن تكتشف الأمر, اتضح أنها تحمل معها محضر الجرد فاكتشفت السرقة , فلعنته ولعنت أمه لأنه مفجوع مثلها , وتوعدته بأن ينال من الله جزاء السارق فيصلى ناراً موقدة .
هذا الصدق الذي يكاد يكون نادراً يجعلني أطمئن إلى ما حكاه رءوف عباس عن الجامعة التي كانت بالنسبة له حلماً وردياً .. كانت صورتها عنده ما رآه في آداب عين شمس حيث الاهتمام بتكوين الطلاب علمياً ورعايتهم .. كان الأساتذة يعاملون الطلاب معاملة الأبناء .. يوفرون لهم الحماية ويحرصون على أن يرقوا بمستوى خريجيهم في تنافس واضح مع جامعتي القاهرة والإسكندرية . وعندما داعبته أحلام الانتماء إلى هيئة التدريس بالجامعة كانت صورة المناخ العلمي بآداب عين شمس هي النموذج الذي يتوقع وجوده بالجامعة ولكن التحاقه بقسم التاريخ بآداب القاهرة , وما واجهه من مناخ مغاير تماماً , هز صورة الجامعة عنده , فاهتمامات الأساتذة في جلساتهم الخاصة بالنميمة وتناقل أخبار معسكر الأعداء داخل القسم هي السائدة , أما القضايا العلمية والمنهجية فلم يجدها إلا في مجلس محمد أنيس وكان ذلك نادراً .
يبدأ رءوف عباس الحكاية منذ الثورة .. فقد أدى استعانة الثورة بأساتذة الجامعة كوزراء إلي تآكل استقلال الجامعة نتيجة تملق أعضاء هيئة التدريس للسلطة, وقبولهم لما فرضه القانون الخاص بالجامعات من ضوابط قيدت الحريات وأخضعت الجامعة لسلطان أجهزة الأمن . فكان مدير الأمن بوزارة التعليم العالي يمارس نفوذاً على الجامعات يفوق سلطان الوزير نفسه , وتسابق المنافقون لتملقه , فهو الذي يملك السماح لهذا بالسفر وتعطيل سفر ذلك , ويملك تبرير فرصة الإعارة لمن يشاء .. وبلغ التملق ذروته عندما حصل الرجل على درجة الدكتوراه من إحدى كليات الآداب , بل وتكرر نموذج " دكترة " مدير أمن التعليم العالي بل ومديري أمن الجامعات . وفي كل مرة كان يحدث تعديل وزاري .. كان أساتذة الجامعة يحرصون على التواجد في الكلية يحاولون استشفاف ما قد يكون لدى الطرف الآخر من معلومات وخاصةً إذا بدت عليه علامات الاطمئنان , وحدث أن أسر أستاذ مساعد بقسم التاريخ بآداب القاهرة لطالب دراسات عليا من تلاميذه بأنه حظى بلقاء طويل مع الرئيس عبد الناصر , أصر فيه الرئيس على توليته وزارة التعليم العالي وأنه ظل يتمنع حتى أقنعه الرئيس بأنه الأنسب لتولي المنصب , ولما كان ذلك الطالب قريباً لأحد محرري أخبار اليوم , فقد أسر إليه بما يسمع من أستاذه فلم يتحر الصحفي الدقة وسارع بنشر الخبر في مكان بارز وتعمد الأستاذ الحضور إلى الكلية, غداة نشر الخبر فقوبل استقبال الفاتحين وحظى بوصلات تملق وهو يرد عليها بالتأكيد أنه فوجئ بما نشر , ولم يكن الرجل مرشحاً ولم يكن هناك أساس للقصة كلها.
ومن مهازل ما حدث مثلاً أنه أثناء الحملة الانتخابية لوحدة الاتحاد الاشتراكي بكلية الآداب وقف أحد المرشحين من الأساتذة على السلم الرئيسي المؤدي إلى مكتب العميد ليحذر زملاءه من إعطاء أصواتهم لعميد الكلية يحيى هويدي لأن أخاه أميناً كان رئيساً للمخابرات .. ولم تمر سوى لحظة إلا وأطل يحيى هويدي من الشرفة المطلة على السلم قائلاً : يا دكتور أنا لي الشرف أن يكون أخي رئيس المخابرات .. لكن تحب أقول للناس مين اللي بيكتب تقارير عن زمايله للمخابرات وأمن الدولة .. فصمت الدكتور وانصرف . ثم كانت الكارثة .. حيث بلغ تملق الأساتذة للسلطة مداه في عصر السادات .. ومن بين ما يرويه عباس أن قواعد القبول بالجامعات عُدِلَّت لتسمح لحملة الـGCE وهي شهادة التعليم العام البريطانية التي تعادل الإعدادية حتى يتسنى لجيهان السادات وبناتها الالتحاق بالجامعة .. دخلت جيهان كلية الآداب وكان طبيعياً أن يكيل الأساتذة لها الدرجات . ما حدث في رسالة الماجستير ومناقشتها كان أمراً مذهلاً , ويصف عباس هذه الرسالة بأنها كانت فصلاً محزناً في تاريخ الجامعات المصرية .. أذيعت المناقشة كاملةً بالتليفزيون المصري وأعيدت إذاعتها مرة أخرى, فقد حضرها الرئيس بنفسه , وجاء على لسان أحد أعضاء اللجنة أن الرسالة تستحق عن جدارة درجة الدكتوراه وليس الماجستير , ونعى على القانون قصوره في هذه الناحية . واضطرت د. سهير القلماوي أن تتدارك الموقف وتفسر ما قاله الأستاذ المنافق ( وهذا تعبير عباس ) بأنه شكل من أشكال التعبير عن الإعجاب بالرسالة.
كانت جيهان السادات بعد تخرجها بامتياز قد عينت بقسم اللغة العربية وكانت تُدرس مادة اللغة العربية لطلبة الفرقة الأولى بقسم اللغة الألمانية وتخصصت إحدى عضوات التدريس وكانت بدرجة أستاذ مساعد من قسم اللغة الألمانية في استقبالها عند حضورها إلى الكلية وإعداد القهوة لها بنفسها وكوفئت بعد ذلك على هذه "المهمة الوطنية" بتولي منصب المستشار الثقافي بسفارة مصر بألمانيا , وتسابق أعضاء هيئة التدريس في تقديم الالتماسات إلى المعيدة " السيدة الأولى " .. وتولى بعض الأساتذة التدريس لها في منزل الرئيس .. كوفئ منهم من كوفئ بمناصب المستشار الثقافي والمراكز الرئيسية في حزب السلطة , ولكن ذلك لم يبلغ ما بلغته مكافأة عميد الكلية الذي صعد إلى منصب نائب رئيس الجامعة ثم كان أول رئيس لمجلس الشورى , وكوفئ رئيس الجامعة بتولي رئاسة مجلس الشعب .. والأسماء معروفة بالطبع ولا تحتاج لمزيد من الكشف . وعندما حصلت جيهان السادات على الماجستير عينت مدرساً مساعداً وكان الإجراء المتبع في الجامعات المصرية تطبيقاً لقانون الجامعات هو اعتماد الدرجة العلمية بمجلس القسم ومجلس الكلية , ثم اتخاذ قرار التعيين بالجلسة التالية بعد شهر, ولكن تم تغيير الإجراء في الجامعة كلها فأصبح اعتماد التعيين في البند الأخير بنفس الجلسة , وأصبحت تلك البدعة الإجرائية هي الإجراء المتبع حتى اليوم في تعيين المدرسين المساعدين والمدرسين .. ورجَّح رءوف عباس أن جيهان السادات لم تطلب ذلك .. لكن أغلب الظن أنه جاء بمبادرة من جانب العميد أقرها رئيس الجامعة .
كان لما حصدته جيهان السادات في الجامعة ضحايا .. وليس أدل على ذلك مما لقيه د. حسن حنفي من تنكيل على يد عميد الكلية ورئيس الجامعة لمجرد اعتراضه على حصول جيهان السادات على درجة ممتاز في الليسانس واحتجاجه على فساد ذمم من كالوا لها الدرجات .. فتأخرت ترقيته حتى رحل عميد الكلية ورئيس الجامعة ليتربعا على مقاعد المجلسين النيابيين .
لم يكن ما فعلته جيهان السادات وحده ما أوجع قلب رءوف عباس .. فقد وجد نفسه وجهاً لوجه أمام استدعائه ليصبح خادماً لآل السادات .. والحكاية وقعت هكذا: استدعاه عميد الكلية لمقابلته وأخبره بأن السيدة جيهان السادات عايزه تشوفك, فسأل عن السبب فقال له العميد : أنه يبدو أنها تريد استشارته في مسألة تاريخية تتصل بدراستها .. وأن بعض من تثق بهم زكَّاه لها , ولذلك عليه الحضور لمقابلتها يوم الثلاثاء الذي تحضر فيه الكلية , فقال له عباس : بأنه لا يحضر إلى الكلية إلا أيام السبت والاثنين والأربعاء , وأنه أستاذ مساعد يجب أن يسعى المعيد إليه لا أن يسعى هو إلى المعيد , وأن السيدة جيهان إذا كانت بحاجة إلى استشارته تستطيع مقابلته في مكتبه في أحد تلك الأيام الثلاثة كما يفعل غيرها من المعيدين , وأدار ظهره للعميد وانصرف .
استدعاه العميد مرة أخرى وأخبره أنه قال للسيدة جيهان : إن د. رءوف لا يستطيع الحضور إلى الكلية يوم الثلاثاء وأنه سألها عن الأمر فاتضح أن الأمر يتصل بابنتها التي تدرس الماجستير في تاريخ الشرق الأوسط بالجامعة الأمريكية , وأنها تنتظر منه أن يحدد موعداً يزور فيه بيت الرئيس برفقة أحد رجال الرئاسة الذي سيحضر بسيارته لاصطحابه من الجامعة إلى هناك .. فرفض عباس , وكرر ما قاله من أنه على استعداد للقاء من يريد استشارته في مكتبه بالقسم في الأيام التي يتواجد فيها بالكلية , في يوم السبت التالي قابلت إبنة السادات رءوف عباس في مكتبه .. قالت له: إنها تدرس الماجستير بالجامعة الأمريكية , وأنها تعد بحثاً عن حزب الوفد , وأنها بحاجة إلى استشارة أستاذ متخصص , والجامعة الأمريكية ليس فيها من يمكن اللجوء إليه , وأنها استشارت بعض معارفها فأوصوها باللجوء إليه باعتباره صاحب الاختصاص في الموضوع .. فقال لها : إن المعلومات التي وصلتها خاطئة لأنه متخصص في التاريخ الاجتماعي وليس السياسي , ونصحها باللجوء إلى د. عبد العظيم رمضان أو يونان لبيب رزق أو هما معاً , وراح يعدد لها كتب ودراسات الأستاذين . فسكتت ابنة السادات لحظةً ثم قالت له إنها متأكدة أنه أنسب المتخصصين لمساعدتها فاعتذر لها وأوصاها بالاستعانة بوالدها لأنه الوحيد في مصر الذي يعرف حقيقة حزب الوفد .. وتركها وانصرف .. بعد ذلك استدعاه العميد وقال له الحقيقة على استحياء من اختياره للمساعدة جاء لأنه الوحيد الذي له كتابات بالإنجليزية , وأنها في حاجة لمن يكتب لها البحث , انفجر عباس في العميد وقال له بالنص : أنت عارف قاعد فين .. قاعد على كرسي طه حسين وبتشتغل نخاس , بتبيع أساتذة الكلية في سوق العبيد .. كان لابد أن يلقى رءوف عباس حسابه .. فكان وقتها يتأهب لتقديم أوراقه للجنة الترقيات للحصول على درجة الأستاذية , وكان قياس الأمور بمعايير المصلحة الشخصية يسوق عباس لتسيير أموره , ولكنه لم يفعل . في مذكرات رءوف عباس صفحات كثيرة عن الذين أفسدوا الجامعة وكسبوا من هذا الفساد .. عن قبضة الأمن القوية التي تضع من ترضى عنهم في المناصب المهمة .. وعن تفريغ الجامعة من أساتذتها من أجل جامعات الخليج من أجل حفنة دولارات .. وعن الفساد الذي دخل الجامعة من دعم الكتاب الجامعي ولجان الترقيات ولجان الامتحانات .. لكن هذه قصة أخرى .. ربما يأتي أوانها قريباً .
[تحرير] بورتريه ... حارس تكافؤ الفرص العنيد
شفاف كندى الفجر الريفي الوديع .. قوي كصخور المقطم المطلة على القاهرة في حنو .. عنيد كمن تجري في شرايينهم دماء الجنوب الساخنة الطيبة . وديع .. وعاصف , ساخر وألمعي . شكلت تضاريس روحه .. ترانيم كنائس شبرا , وتواشيح الفجر الرمضانية في بورسعيد , وطوخ وكفر الزيات .. ورسمت ملامح كتابات الرافعي , ومحمد عبده , وقاسم أمين , ومحمد فريد , وانتفاضات العمال , ومعاناة المهمشين , وكتابات الاشتراكيين , ومرارة الظلم , وأحلام الفقراء , فآمن بمبادئ ثورة يوليو مبكراً , وجاء إنجازه العلمي المرموق ليؤسس أول مدرسة مصرية في تاريخ الفقراء الاجتماعي , ليس لأنه واحد منهم فحسب, بل ولأنه كان وما يزال مؤمناً بحقهم الشرعي في الحياة الحرة الكريمة .
لذلك كله انتمى الدكتور رءوف عباس إلى " فريق الأكاديميين " الذين يؤمنون " فعلاً لا قولاً " بحتمية تفاعل الجامعة مع المجتمع , وأهمية الاشتباك مع الواقع الاجتماعي , وضرورة أن يسهم العلماء في توجيه المجتمع , ومعالجة قضاياه الكبرى .. فجاءت أبحاثه عن الحركة العمالية . والوحدة الوطنية . وقضايا وهموم الوطن السياسية والعلمية لتشتبك مع الأوضاع والمتغيرات التي شهدتها مصر منذ السبعينيات وحتى الآن , ورغم انحياز رءوف عباس للحركة الاشتراكية , وإيمانه بالعروبة وحق الفقراء في الحياة الكريمة, لم ينخرط في أي من التنظيمات السياسية, ورغم استقلاله عنها لم ينعزل يوماً في برج الأكاديمية العاجي وظل مستقلاً ومندمجاً رغم مؤامرات " مستشاري السلطة " ومحاولات التهميش والاضطهاد .. ووقف بقوة واجتهاد في مواجهة الفساد والبيروقراطية مدافعاً عن القيم الجامعية العليا .. مؤمناً أن دوره الحقيقي هو الدفاع حتى آخر رمق عن مبدأ تكافؤ الفرص الذي حققته ثورة يوليو في مجالات الحياة المختلفة .. مؤكداً أن هذا " الإنجاز التاريخي " هو المستهدف حتى الآن من ممثلي الرأسمالية الشرسة , لذا فهو مازال يتعرض للمؤامرات والمحن . وبرغم انتسابه لرجال العلم , والنخبة العلمية المرموقة , فإن رءوف عباس لم يحصر نفسه فيها , فهو دائماً – كما يقول – يجد نفسه بين بسطاء الناس , يطيب له الجلوس إليهم , ويوقف عمله العام على خدمتهم والدفاع عنهم , أداءً لحق واجب في عنقه لمن خرج من بينهم , وورث عنهم حكمة العربي المصري القديم .
[تحرير] فيصل دراج
رحلة شاقة إلى " نهاية " الجامعة المصرية
احتل التعليم مكاناً متميزاً في تاريخ الاستنارة المصرية , كتب فيه الطهطاوي صفحات طويلة , وكرس له المربي الكبير أحمد لطفي السيد جزءاً من حياته , وساوى هيكل بينه وبين التطور والارتقاء . أما طه حسين فقد أكد التعليم مرجعاً للحداثة الاجتماعية , فاشتق من المدرسة مجتمع المستقبل , واشتق المدرسة المستقبلية من دولة تؤمن بالتعليم الحديث . ولم يكن سِفْره الشهير " مستقبل الثقافة في مصر " كتاباً عن " المتوسطية " والشخصية المصرية , بقدر ما كان كتاباً عن دور التعليم في تحديث العلاقات الاجتماعية . وهذا ما أدرج على لسانه جملة شهيرة تساوي بين التعليم و " الماء والهواء " . وربما يكون يقينه - الذي لا تحفظ فيه - هو ما أثار خصوماً تحدثوا عن احتمال " فساد الماء والهواء " , ذلك أن التعليم , وهو جهاز من أجهزة السلطة , على صورة القائمين على شئونه . وما كتاب رءوف عباس " مشيناها خطىً " , الصادر أخيراً , إلا شهادةً نادرة على سطوة الفساد السلطوي , الذي يغير من طبيعة التعليم والماء والهواء معاً .
" مشيناها خطىً " سيرة مجزوءة لإنسان عصامي نموذجي , جاء من صفوف الفقراء , وتسلل إلى الجامعة , وأصبح علماً في الميدان الذي كرس له اجتهاده , أي " علم التاريخ ", غير أن الكتاب , في بعده المسيطر, هو سيرة " الجامعة المصرية " منذ نهاية الحكم الملكي , تقريباً , وصولاً إلى نهاية القرن العشرين. سيرتان, تتوازيان وتتقاطعان, تكشف إحداهما عن نزاهة فرد, أو أفراد , وتعلن ثانيتهما عن علاقات إدارية سلطوية , تتجاوز نيات الأفراد جميعاً. تتوالى العهود , في صفاتها المختلفة , مؤكدةً فكرة " فساد الأزمنة " إذ " الجامعة الملكية " , على مستوى احترام التعليم والكفاءات العلمية , أكثر شرفاً من " جامعة تقدمية " لاحقة , تحتفي بـ" جماهير المحرومين " , وتمتهن الكفاءات , وتعبث بحرمة الجامعة . فإذا كان في السياسة التعليمية المحافظة ما يؤمن "طبقية التعليم" , الذي يعيد إنتاج " البكوات المتعلمين " , من دون عبث في المعايير الجامعية , إلا استثناء , فقد غدا العبث بالتعليم في السياسات اللاحقة قاعدة ذهبية لا يمكن كسرها. ففي الفترة الناصرية , التي عاين عباس تناقضاتها بنزاهة كبرى , عرفت الحياة الجامعية المصرية ثلاث ظواهر جديدة , أولها : تأكيد موالاة السلطة قيمة معرفية , فالموالي هو العالم الحق والأكاديمي النقدي مشبوه ناقص المعرفة . شجعت هذه الظاهرة , بأشكال لا متكافئة , الضحالة العلمية والهزال الأخلاقي في آن . أما الظاهرة الثانية فتكشَّفت في كسر حرمة الجامعة بواسطة " إمبراطورية المخابرات ", التي تجعل من " المخبر الكبير " مسؤولاً كبيراً , ومن الأستاذ النقدي موظفاً صغيراً مرعوباً . وتأتي الثالثة , والحال هذه , محصلة للظاهرتين السابقتين , حيث على التنافس بين الأساتذة الجامعيين , أي معشر العلماء , أن ينتقل من حقل البحوث العلمية إلى سراديب الموالاة , والسؤال هنا : كيف يستقيم البحث العلمي في دولة وطنية إذا كان القائمون عليه يفتقدون إلى الأخلاقية المعرفية, أو يمتهنون العلم والأخلاق في آن واحد ؟ لهذه الأسباب كان أمراً خطىًراً أن يحاور رءوف عباس , وهو يعد رسالة ماجستير عن الحركة العمالية في مصر , نقابياً شيوعياً قديماً , حوله التعذيب إلى " بقايا إنسان ", لأن إظهار الموالاه أكثر أهمية من التدقيق العلمي. بحث لا حرية فيه أو بحث حر يهدد صاحبه , تمهيداً لعقلية أكاديمية هجين, ترى في الأوامر السلطوية قواعد معرفة منهجية .
أسست الفترة الناصرية لتلك الثنائية المهلكة , التي تساوى الموالاة بالحقيقة والنقد بالضلال , محتفظة بفضل مبادئها الوطنية التحررية الصادقة, بما يمكن أن يدعى " بالخوف العقائدي " الذي يأمر الأكاديمي الوطني المسؤول , وهو حال رءوف عباس , أن يضع المصلحة العامة فوق مصلحته الشخصية , سواء اتفق مع السلطة أو اختلف معها . أفضت هذه السياسة إلى تهديم البحث العلمي , الذي زادته إعاقة " هجرة العقول " , إلى أن دخل في فترة لاحقة , إلى بوابة الخراب الكبير . فمع بداية سبعينات القرن الماضي , كان على الظواهر السلبية الثلاث , وقد عرفت تراكماً كمياً وكيفياً, أن تتوالد في ظواهر غير مسبوقة : اكتسحت المصلحة الخاصة, في شكل كبير , مواقع المصلحة العامة وتحولت الجامعة, " مصنع العقول" بلغة قديمة, إلى مسرح عبثي أبطاله الأساسيون السلطة و " خدم السلطان ", بلغة عباس , وما تبقى متفرجون , من دون النظر إلى كفاءاتهم العلمية . وربما يعطي مآل الراحل الكبير جمال حمدان صورة مأساوية عن هذا المسرح المبتذل , تجلى العنصر الجديد الثاني في " شخصنة السلطة في الحياة الجامعية " , إذ قريب السلطان أكاديمي بالضرورة, وإذ قريبة السلطان مركز الحياة الأكاديمية , تغدق عليها الألقاب الرفيعة ويعاقب من يريد أن يكون أميناً , حال حسن حنفي . السلطة الجديدة لم تكتف بـ" إمبراطورية المخابرات " القديمة , فاستقدمت ذاتها مباشرة إلى الجامعة, كي تختار بالمعاينة المشخصة " الأكاديميين الكبار " , تغدق عليهم المصالح ويغدقون عليها ألوان الحكمة الكاذبة . حين طلب عميد الكلية من عباس أن " يساعد تلميذة مرموقة " أجابه الأخير : " أنت عارف أنت قاعد فين . قاعد على كرسي طه حسين , وبتشتغل نخاس , بتبيع أساتذة الكلية في سوق العبيد !" . كان زمن طه حسين قد رحل , ورحلت معه صورة " جامعة فؤاد " , وبانت بطانة تقايض الشرف الجامعي برضا السلطة . لا غرابة أن يصبح دور التعليم , في هذا الطور الحفاظ على ديمومة السلطة . ولا يحق لـ" الذمي " أن يسهم في وضع أسئلة الامتحانات ومن الصعوبة ترفيع " الذمي " أكاديمياً لأنه " سيسارع إلى مسايرة نظائره من " الذميين". بعد " الأكاديمي المخبر " يأتي " الأكاديمي الطائفي " ويتكافل الطرفان في اختزال الجامعة المصرية إلى شكل خارجي فقير يمتنع عليه الخوض في القضية الفلسطينية , ويسرف في الحديث عن " مصر الخالدة " وعن : " إذا جنحوا للسلم فاجنح لها " , وذلك في سياسة تلفيقية تعود إلى " المقدس " حيناً وتقفز فوق المقدس حيناً آخر .
في فصل جميل من فصول هذا الكتاب النزيه عنوانه : " موعد مع الرئيس " يكشف رءوف عباس , بنبرة يختلط فيها الرثاء بالسخرية , عن مدى هوان الجامعة في " زمن الانفتاح " أو " زمن الانفلات " كما يقول . فرجال المخابرات يختارون " صفوة العلماء " للقاء " المرجع الأعلى " , الأمر الذي يفرض جلوس الجميع بتنظيم معين " في كل صف ستة من أعضاء هيئة التدريس بينهم أربعة من ضباط المخابرات " . هكذا يصبح رجال المخابرات , بالمعنى الرمزي , من أعضاء الهيئة التدريسية , بقدر ما يغدو " العلماء " أفراداً في أجهزة المخابرات , وصولاً إلى جامعة هي إلى المعتقل أقرب وإلى أساتذة يخضعون إلى التراتب العسكري ( عندها يستطيع الأستاذ أن يطلب من المعيد أن يشتري له بيته ) حوائج, وإلى تلاميذ بين السمسرة والاعتقال والعلم الزائف والاغتراب الشديد . بعد جامعة طه حسين تأتي أنقاضها , وبعد الأنقاض يأتي فولكلور حزين , يتضمن تجارة الكراسات و " مافيا الدروس الخصوصية " والعبث بأموال الجامعة و " الهدايا الأمريكية " , التي لها أكثر من استعمال , والمسؤول الجامعي الكبير الذي لا يعرف اسم أحمد لطفي السيد , وتزوير الانتخابات , والعميد المستوزر , وصولاً إلى أستاذ غريب هو سبب " قلق الدولة المصرية " , لأن " أحد أبناء أو بنات مسؤول في المخابرات رسب في امتحاناته ..." . لا غرابة أن يتضمن كتاب " مشيناها خطىً " فصلاً بعنوان : " تحت القبة وهْم " , يرثي جامعة أصيلة كانت , ويرثي معها أحلام تلاميذ نجباء لم ينسوا بعد معنى الجامعة كما ينبغي أن تكون . لا يتسلل الفرح إلى سطور الكتاب الأخير إلا حين يذهب كاتبه إلى " بلاد الشمس " حيث الجامعة اليابانية تمحو التجهيل المنهجي الذي تلقنه في الجامعة المصرية . هذا كله في مصر التي أعطت وما تزال , خيرة العقول المبدعة , بدءاً بالطهطاوي , ومحمد عبده وصولاً إلى جمال حمدان ولويس عوض , وانتهاءً بمؤرخ لا يعرف المساومة , ترك شهادة أخلاقية رفيعة عن دور المثقف في الدفاع عن الحقيقة ومحاربة الفساد .
[تحرير] فريدة النقاش
خطىً رءوف عباس
كانت كتب المذكرات عبر العصور مصادر لا تنضب , لمعرفة واقعية لعصر من العصور , إذ تتوفر على قدرة لإضاءة زمانها من جوانبه التي يمكن أن تخفي على الباحث والمؤرخ , فما بالنا لو كان صاحب المذكرات في حالتنا متخصصاً في التاريخ الاجتماعي , بعد أن كان في صباه وشبابه الأول قد " تلطم " في بعض الأعمال البسيطة في أوائل الستينيات , حتى جرى تعيينه – وهو دارس التاريخ – بالشركة المالية والصناعية المصرية بكفر الزيات , مراجعاً للحسابات , ومع ذلك فقد حسمت التجربة التي عاشها بين عمال كفر الزيات اختياره في دراسة الماجستير , فقد لاحظ أن أولئك العمال الذين نجحوا في إسقاط اللجنة النقابية – الصفراء – وراءهم خبرة نضالية لم تأت من فراغ , وكان موضوع رسالته "الحركة العمالية منذ نشأتها حتى قيام ثورة يوليو 1952" أما الدكتوراه , فكانت عن " الملكيات الزراعية الكبيرة وأثرها في المجتمع المصري " , أي أنه غاص بأكثر من أداة في التاريخ الاجتماعي لبلاده, فرآه بعيون الباحث الموضوعي , وعيون الكادحين معاً . وبوسعنا أن نتصور كيف يمكن أن ينعكس هذا الثراء في كل من التجربة الحياتية والبحثية على مذكرات يكتبها واحد من كبار المؤرخين المصريين , وهو الدكتور رءوف عباس , الذي أعطاها عنواناً دالاً هو " مشيناها خطىً " , وأهداها "إلى الشباب , عساهم أن يجدوا فيها ما يفيد" , واستطرد : "وإلى الذين يسممون أمامهم الآبار , لعلهم يتعظون" . ويمكننا أن نضيف : إنهم يواصلون تسميم الآبار , ولا يتعظون ! انحدر صاحبنا – فهكذا يقدم الراوي نفسه بضمير الغائب , تواضعاً مستعيذاً بالله من كلمة أنا – من أسرة شديدة الفقر , كان التعليم جنباً إلى جنب مع العناد , والمثابرة الشخصية طريقةً إلى الإرتقاء الاجتماعي في مناخ عام , وفر مثل هذه الفرصة للآلاف , في ظل ثورة يوليو , التي ما إن قررت مجانية التعليم, إلا وإندفع إليه أبناء الفقراء , على أمل الصعود من وهدة الفقر .
ولذلك كله , سوف نلاحظ هذا الإعجاب بثورة يوليو , وزعيمها , والامتنان الذي يشعر به الراوي لجمال عبد الناصر , دون أن يخطر في باله أن تكون تعبئة العمال أصحاب المصلحة في الدفاع عن الملكية العامة , سبيلاً آخر وحتى إضافياً , بل ربما كان أكثر جدوى على المدى الطويل , وباعتبار ذلك سبيلاً أيضاً إلى انتزاع الديمقراطية وفرض الرقابة الشعبية كآلية لحماية الثورة من الإنتهازيين والمنافقين , الذين سطوا لا فحسب على شعاراتها , وإنما أيضاً على منجزاتها بعد أن انقلبوا عليها , وكما يقول التعبير الشائع , سار الرئيس أنور السادات على طريق جمال عبد الناصر " بأستيكة " . أما عبد الناصر , الذي انحاز إلى الفقراء , فقد كان شديد الحذر من الاعتماد السياسي على الجماهير , وتنظيمها سياسياً ومشاركتها في صنع القرار , مكتفياً بما له من شعبية لا تكفي وحدها لحماية النظام وقت الخطر , وهو ما حدث فعلاً حين قام السادات بانقلاب القصر بعد ذلك . وخبرة سرقة القطاع العام , وإفساده , هي واحدة من الخبرات المريرة في حياة صاحبنا . ولا تزيد عليها مرارة إلا العملية المنظمة لتسميم المناخ العلمي , وتحطيم التقاليد الجامعية , عن طريق التدخل الأمني , و" استوزار " الأساتذة , وتحويل أصحاب الحاجات من معيدين وغيرهم إلى خدم , حتى أنه كتب فصلاً بعنوان " تحت القبة وهم " , حيث انتشرت حمى التنافس في غير المجال العلمي , والتجارة في الكتب والملازم , للتكسب على حساب طلاب طحنتهم وذويهم الأزمة الاقتصادية .
أما الطامة الكبرى , فكانت استدعاء العميد لصاحبنا , ليكلفه صراحةً بكتابة بحث باللغة الإنجليزية , للسيدة " نهى " ابنة الرئيس السادات " هبَّ صاحبنا واقفاً من هول ما سمع , وانفجر في العميد قائلاً : أنت عارف أنت قاعد فين ؟ قاعد على كرسي طه حسين , وبتشتغل نخاس , بتبيع أساتذة الكلية في سوق العبيد " .. وخرج من الغرفة صافعاً الباب خلفه . وكان صاحبنا قد سبق أن رأى رأي العين الرشى المادية والعينية التي تقدم لمفتشي مؤسسة الصناعات الكيماوية , التي كان يعمل بها , مما جعله يكتب الشكوى السابقة الإشارة إليها , ويوجهها لجمال عبد الناصر , وبعد أسابيع استدعاه رئيس مجلس الإدارة , الذي عرف صاحبنا فيما بعد أنه من أخوال شمس بدران , أي أنه كان مسنوداً , وسلمه نص الشكوى سائلاً : خطك ده ؟ فرد بالإيجاب , فقال له : " عرفت إن عبد الناصر بيضحك على المغفلين اللي زيك .. احنا ردينا بأن الشكوى كيدية , لأنك موظف مهمل , وعلى فكرة , مخصوم منك خمسة أيام , وعندك حرمان من العلاوة الدورية , ابقى خلي عبد الناصر ينفعك". ويلتقط صاحبنا جوهر القضية , أي الفساد الإداري , من جهة , وغياب الرقابة الشعبية بتحجيم دور الحركة النقابية من جهة أخرى , ليتكون " السوس " الذي ينخر في قطاع الأعمال العام , وهو الوضع الذي ظل قائماً في مؤسساتنا , حتى بعد تصفية القطاع العام , الذي كان قد شكل – على الرغم من كل شيء – قاعدةً أساسيةً لصناعات متطورة .
تضاف هذه المذكرات الغنية – التي ما إن ننته من قراءتها , إلا ونجد أنفسنا شغوفين لمعرفة المزيد – إلى سجل طويل يبدأ من أيام طه حسين , مروراً بأوراق العمر للويس عوض , وليس انتهاءً بحملة تفتيش أوراق شخصية للطيفة الزيات , التي تشكل جميعا مصدراً بالغ الخصوبة للمعرفة عن التاريخ الاجتماعي , معرفة يسوقها الفاعلون لا المتفرجون , فما بالنا إذا كان هذا الفاعل هو واحد من أكبر أساتذة المدرسة الاجتماعية في التاريخ , الذي يعتز أيما اعتزاز بأنه قد نجا من ورطة التعاون مع نظام السادات , وحزب خدمة السلطان, وحكى عن هذا الحزب حكايات دالة , تشين أصحابها . وعلى الرغم من أنه ساند كل ما أنجزته ثورة يوليو , على طريق التحرر من الاستعمار , ورفع شأن الفقراء , فإن هذا لم يمنعه من توجيه سهام النقد المرير لممارساتها المنافية للديمقراطية , والتي كانت سبباً رئيسياً في انهيارها . ترى , هل سيقرأ الشباب هذا الكتاب الموجه إليهم ؟!
[تحرير] حلمي سالم
خطىً مشـاهـا المؤرخ
" مشيناها خطىً " هو عنوان السيرة الذاتية التي أصدرها المؤرخ المصري الكبير د. رءوف عباس , ضمن سلسلة " كتاب الهلال " بمصر , منذ بضعة أسابيع. ولعل المؤرخ لم يقصد تكملة بيت الشعر العربي القديم الذي يقول " مشيناها خطىً كتبت علينا , ومن كتبت عليه خطىً مشاها " , لكي يوضح لنا أن هناك مساحة للإرادة البشرية والإصرار والاجتهاد والعمل , بعيداً عن القدر والمكتوب والجبر . و " مشيناها خطىً " كتاب ثري بموضوعاته الساخنة , التي تستحق أن يقف عندها كل من يهتم بوطنه ليتدارسها ويتأمل مواقفها وشخوصها ويحصد نتائج لها أهميتها في تاريخ مصر الحديث . أحداث متلاحقة عاشها وسجلها عاشق التاريخ رءوف عباس مسجلاً تجربته الذاتية بكل ما فيها من إيجابيات وسلبيات . وهي تجربة تروي التحول الاجتماعي في مصر في نصف القرن الماضي , كما تلقي أضواءً كاشفةً على بداية تجربة القطاع العام والجامعة وغيرها مما مر به في مساره الخصب .
هذه , إذن , سيرة هي نتاج لتحولات مصر في النصف الثاني من القرن العشرين , وحكاية مواطن عاش أحداث وطنه العربي بما فيها من آمال وآلام , ولم يكن مجرد مراقب لثورة يوليو , بل كان من صنائعها ومن صفوفها الفاعلة . ولذلك فهو يهديه " إلى الشباب , عساهم يجدون فيه ما يفيد , وإلى الذين يسممون أمامهم الآبار , لعلهم يتعظون ". منذ فترة وجيزة أعلن أحد مراكز البحث العالمية نتيجة استفتاء أكاديمي حول أفضل خمسمائة جامعة على مستوى العالم . وجاءت نتيجة الاستفتاء خاليةً من أي جامعة مصرية أو عربية , بينما وردت اسم جامعتين إسرائيليتين واسم بعض الجامعات الإفريقية ضمن قائمة الخمسمائة جامعة . ذلك أن هذه السيرة لهذا الأكاديمي الكبير والمؤرخ المعروف حافلة بثبت طويل لألوان الفساد الذي تفشى في الجامعات المصرية و ( العربية ), وألوان الخراب السياسي والعلمي والأخلاقي الذي ضرب أركان المؤسسة العلمية العربية .
يلفت نظر قارئ " مشيناها خطىً " أربعة أمور أساسية : الأول : هو الشجاعة الأدبية التي جعلت المؤرخ المرموق لا يتحرج من ذكر منبته الاجتماعي المتواضع في أسرة بسيطة عاملة , وما واكب ذلك من طموح وكفاح لديه حتى وصل إلى مكانته العلمية والاجتماعية والأدبية العالية الحالية . هذه الشجاعة الأدبية لا تنم – فقط – عن ثقة عميقة بالنفس , بل تدل كذلك على إدراك اجتماعي رفيع مؤداه أن العمل هو شرف المرء لا الحسب والنسب , وأن الصدق هو درة القلب في الإنسان , سيما كان هذا الإنسان مؤرخاً , سواء أرخ الواقع أو أرخ ذاته . وكما أنه ليس في العلم حرج , وليس في الدين حرج , فإنه – كذلك – ليس في الكد والجد حرج .
انظر إليه في هذه السطور الشجاعة الفاتنة وهو يحدد الشريحة الاجتماعية البسيطة التي انحدر منها : " ولد صاحبنا – يقصد نفسه متتبعاً استعارة طه حسين في سيرته " الأيام " – لأسرة فقيرة شأنها شان السواد الأعظم من المصريين عندئذ . كان والده عاملاً بالسكة الحديد يشغل أدنى درجات السلم الوظيفي الخاص بالعمال , في وقت كان فيه العاملون بالسكة الحديد ينقسمون إلى شريحة ضئيلة العدد من الموظفين , وقاعدة عريضة من العمال . وكان جده لأبيه عاملاً أيضاً بالسكة الحديد " . وإذا عرفت أن الصبي صاحب هذه النشأة البسيطة قد صار مؤرخاً مرموقاً, ورئيساً لقسم التاريخ بجامعة القاهرة , ورئيساً للجمعية المصرية التاريخية , وواحداً من الذين يضعون أسئلة التاريخ للثانوية العامة في مصر ( أي يساهم في تشكيل وعي الأجيال الصاعدة ) . أدركت قصة الكفاح والجلد والصلابة التي تقف وراء هذا المسار الشاق . العجيب أن أحد كبار المؤرخين الرسميين ( ممن نسميهم مؤرخي السلطان ) لم يجد في هذا المشوار الكفاحي الذي يستحق التقدير والإجلال , سوى أن يُعَيَّر صاحبه ( رءوف عباس ) بنشأته الفقيرة , كاشفاً بذلك عن منظور متدنٍ لمؤرخ ينبغي ألا يكون متدنياً . لكن عجبنا يزول , إذا علمنا أن هذا المؤرخ الرسمي السلطوي قد نال في " مشيناها خطىً " حصةً وافيةً من فضح ممارساته السلطوية ونفاقه الساطع واستغلاله العمل العام من أجل المكاسب الشخصية الصغيرة . فكان بذلك نموذجاً صارخاً من نماذج الخراب الذي تعاني منه الحياة الأكاديمية المصرية والعربية .
الثاني : الخط المستقيم الصريح الذي أدى به الكاتب سطوره ورصد وقائعه, بلا مراوغة أو مداورة أو تزيين أو مداهنة , وهو الخط الذي جعل هذه السيرة دامغة تفضح الجوانب العديدة للهاوية التي تردى فيها الحقل الأكاديمي المصري , كواجهة لتردي المجتمع كله سياسياً واجتماعياً وأخلاقياً . سواء من جانب الطريقة الفاسدة للترقيات التي يتعرض لها النابهون من الأساتذة الناشئين (وعباس نفسه تعرض لها), بحيث لا يترقى – في الأغلب الأعم - سوى المحاسيب والأقارب ومنافقي السلطة والمتسلقين . أو من جانب الجهل الذي يعشش في أذهان وثقافة الكثيرين من كبار رجال الجامعة المتنفذين . وهو الجهل الذي وصل – في نموذج صارخ له – إلى درجة أن رئيس جامعة القاهرة – في سنة من السنوات – لم يعرف من هو أحمد لطفي السيد ( أول رئيس للجامعة المصرية ) . أو من جانب النفاق الرخيص الذي مارسه أساتذة أجلاء تجاه جيهان السادات ونهى السادات أثناء دراستهما في كلية الآداب , وهو النفاق الذي رفع أصحابه إلى رئاسة مجلس الشعب ورئاسة مجلس الشورى .
أو من جانب استخدام السلطة السياسية لأساتذة الجامعة كأدوات طيعة في تنفيذ مخطط السادات في محو المناخ الاشتراكي الناصري السابق, وفي ضرب التيارات اليسارية والإسلامية المناهضة لاتجاهاته الوطنية المهادنة أو اتجاهاته الاجتماعية الانفتاحية . وقد تجلى ذلك في الفصل الرابع " موعد مع الرئيس " الذي جمع فيه السادات نخبة من كبار الجامعيين في استراحته بالإسماعيلية ليكلفهم بتنفيذ هذه " الثورة المضادة " . فانسحب من هذه الخطة المشئومة المحترمون ( ومنهم صاحبنا و د. عبد المالك عودة ) , واستمر الطبالون والزمارون . أو من جانب منع الأساتذة التقدميين والأساتذة الأقباط من المشاركة في وضع أسئلة امتحانات الثانوية العامة , كما حدث – ذات سنة – مع عاصم الدسوقي ويونان لبيب رزق ( وهما مؤرخان بارزان ) , حين رفضهما الأمن القومي : الأول ( التقدمي ) لأنه وضع في عام سابق سؤالاً عن فلسطين , وتسبب بذلك في مشكلة مع إسرائيل حيث تنص المعاهدة بين مصر وإسرائيل على عدم ذكر فلسطين في مقررات التاريخ أو مقررات الجغرافيا ! والثاني ( القبطي ) لأنه غير مأمون !
أو من جانب إدراك صاحب السيرة أن " تحت القبة وهم " إذ ساهمت حكومة الثورة وما بعدها في تدمير الجامعة المصرية . اقرأ هذه الفقرة المريرة : " أدى استوزار الثورة لأساتذة الجامعات , إلى تآكل استقلال الجامعة , نتيجة تملق أعضاء هيئة التدريس للسلطة , وقبولهم لما فرضه قانون الجامعات من ضوابط قيدت الحريات , وأخضعت الجامعة لسلطان أجهزة الأمن . فكان مدير إدارة الأمن بوزارة التعليم العالي يمارس نفوذا على الجامعات يفوق سلطات الوزير نفسه , وتسابق المنافقون لتملقه , فهو الذي يملك السماح لهذا بالسفر , وتعطيل سفر ذاك . ويملك تبديل فرصة الإعارة لمن يشاء . وبلغ التملق ذروته عندما حصل الرجل على درجة الدكتوراه من إحدى كليات الآداب . وتكرر نموذج " دكترة " مدير أمن التعليم العالي ومديري أمن الجامعات . هان الأساتذة على السلطة , عندما هانت عليهم أنفسهم "! وعلى الرغم من أسلوب الفضح الثابت في هذه السيرة الصادقة , فإن أمانة الرجل – التي ينبغي أن يتحلى بها المؤرخ النزيه – جعلته دائم ذكر الفضل لأصحاب الفضل عل مسيرته العريضة , لاسيما أساتذته الذين علموه وساندوه : مثل المؤرخين أحمد عزت عبد الكريم وأحمد عبد الرحيم مصطفي ومحمد أنيس , ومثل الذين وقفوا مواقف صلبةً في هذا المسار : سمير غريب رئيس دار الكتب آنئذ , ود. محمود الجوهري عميد آداب القاهرة آنئذ , و د. عبد الملك عوده أستاذ السياسة الدولية آنئذ , وغيرهم كثيرون . مثل الشيخ سلطان القاسمي , الذي ساهم مساهمةً كبرى في إنشاء مقر الجمعية التاريخية المصرية .
الثالث : هو التوجه نحو , " الموضوع " لا نحو " الذات " . فعلى الرغم من أن " مشيناها خطىً " هو " سيرة ذاتية " صريحة , إلا أن كاتبها ( المؤرخ ) لم يؤرخ فيها ( نفسه ) بقد ما أرخ ( عالمه ) المحيط . لقد اعتدنا في سير الكتاب غير الغارقين في ذاتهم غرقاً كلياً . أن يسجلوا " ذاتهم " بصفة أساسية . ثم يعرجون على العالم الموضوعي بالقدر الذي يضيء سيرة الذات ويفسر أطوارها المتعددة , د. عباس خطا خطوة أوسع تناول تطورات الحياة ( الجامعية خاصة ) بصفة أساسية , ولم يعرج على سيرة ذاته إلا بقدر الذي يضيء الواقع حوله ويفسر لنا حركته الشخصية أو الفكرية فيه . إنها , إذن , سيرة مجتمع في قلبه شخص , وليست سيرة شخص حوله مجتمع وهنا نتذكر " أيام " طه حسين , و " أوراق عمر " لويس عوض , و " مذكرات " ثروت عكاشة , ولا ريب أن هذه الآلية الرفيعة قد أضفت على العمل علواً على علو وقيمةً على قيمة . الرابع : هو المسحة الأدبية التي تغلف الكتاب كله . صحيح أن العمل هو سيرة شخص ومجتمع ووقائع , وأن كاتبه هو مؤرخ يتحرى الحقيقة والواقع لا الخيال والوهم والتحليق , لكن ذلك لم يحرم النص من مسحة أدبية بادية أنقذته من الجفاف والخشونة والزعيق , وما يلتصق عادةً بمثل هذا النوع من الكتب . تتجلى هذه المسحة الأدبية في ثلاثة ملامح : الأول , هو التتابع السردي المتنامي للأشخاص والأحداث . بما يشبه السياق الدرامي المتصاعد , مع ما ينطوي عليه ذلك من تشابك خطوط وخيوط . والثاني , هو " بلاغة الدقة " لا بلاغة التهويم و " الدقة " نوع صعب من أنواع البلاغة فضله بعض حكماء العرب الأقدمين على الإندياح والرطانة والكلام الذي لا يؤدي . في موضوع يقتضي لغة الدقة التي تصيب مبتغاها , خاصة إذا اتصل الأمر بالوقائع والمبادئ والمصائر . والثالث , هو الأداء التصويري الملئ بالشجن الذي يكاد يكون شعرياً , في مواضع عديدة من الكتاب , لا سيما تلك السطور التي ختم بها عمله البديع حينما تحدث عن بعض أمنياته المستقبلية : " وآخر الأمنيات أن يموت كالأشجار واقفاً , وألا يسقط القلم من يده " . تحية لهذا المؤرخ الصادق الذي يعرف أن الحقيقة ذات وجوه عديدة, وأنه لا احتكار للصواب , فأكد أن رصده " لا يعني أن صاحبنا كان دائماً حكيماً , خالياً من العيوب والأخطاء . فلا يوجد قديسون بين البشر و بل جميعهم خطاءون " .
وتحية لهذا المؤرخ المنجز " الشغيل " الذي يدل عنوان سيرته على أن الجوهري عنده هو " الخطوات لا الوصول و أي " الطريق " لا الهدف , أي " السعي " لا الحصول . والحكمة هنا أنه : كلما كانت الخطوات نظيفة , والطريق مبدئياً والسعي عادلاً, كان الوصول رفيعاً , والهدف جليلاً , والحصول زهرة يانعة.
[تحرير] عُباده كُحيلة
رءوف عباس في سيرته الذاتية
مادامت الأنا حاضرة , فلدى الإنسان – أي إنسان – ميل فطري لأن يتحدث عن نفسه , وليس الكاتب بنجوة من هذا الميل الذي يصل به إلى أن يتقنع وراء شخصياته , وهو ما نلمسه بوضوح في " ثلاثية محفوظ " ( بين القصرين وقصر الشوق والسكرية ) , ونلمسه كذلك في " ثلاثية الحكيم " ( عودة الروح , وعصفور من الشرق , ويوميات نائب في الأرياف ) , كما نلمسه عند العقاد في " سارة " , والمازني في " إبراهيم الكاتب " . على أن الكاتب في أحيان أخرى يفارق قناعه ليتعرى أمام قارئه فيما يعرف بالسيرة الذاتية , ومع أنها فن قديم في تراثنا الإنساني , إلا أن الأمثلة عليه قليلة قبل عصرنا هذا الحديث , بين هذه الأمثلة " اعترافات القديس أوغسطين " التي تشابهها من وجوه عدة اعترافات الإمام الغزَّالي في كتابه " المنقذ من الضلال " . وتذهب الكثرة الغالبة من الباحثين إلى أن أول سيرة ذاتية في عصرنا الحديث هي سيرة جان جاك روسو, وقد حفلت بجرأة ربما كانت غريبةً في زمانها, وقد عاصرت هذه السيرة سيرة الدكتور جونسون لبوزويل , وتعد أول سيرة غيرية في الآداب الغربية .
في تراثنا العربي لدينا نموذجان مهمان للسيرة الذاتية هما سيرة ابن خلدون التي سجلها في كتابه " التعريف بابن خلدون ورحلته غرباً وشرقاً ", وهي أشبه بتقرير عن حياته وتفسير - وفي أحيان تبرير- لتحولاته, ويعيبها أن ملكة الوصف عنده خابية وأحاسيسه فاترة , كما إنه مولع بالاستطرادات التي تعتور السياق , وكان أجمل به أن يختصر فيها , بخلاف ما كانت عليه الحال في السيرة الأخرى , سيرة الشاعر والفارس العربي أسامة بن منقذ في كتابه " الاعتبار " فهي أشبه برواية متعددة الأحداث والأجواء والمناظر , صاغها بأسلوب بسيط يقترب في أحيان من اللغة المحكية ، ويبتعد عن الزخارف اللفظية . إذاً نحن انتقلنا إلى عصرنا هذا الحديث ، نجد أن فن السيرة الذاتية قد تخلَّف في نشأته عن قرينه في الغرب ، فهذا الأخير سبقنا إلى نهضة ، جعلت كتاب هذه السيرة من الأفراد المتميزين ، بعد أن كانوا من الحكام والمتنفذين . تعود الإرهاصات الأولى للسيرة الذاتية في شرقنا العربي إلى أحمد فارس الشدياق في كتابه " الساق على الساق " , لكن البداية الحقيقية لها كانت مع طه حسين في " الأيام " ، وبعده تتابعت السير الذاتية عند أحمد أمين في " حياتي " وتوفيق الحكيم في " زهرة العمر " و " سجن العمر " وزكي نجيب محمود في " قصة نفس " و " قصة عقل " ، ثم تبلغ السيرة الذاتية قامةً عاليةً عند لويس عوض في " أوراق العمر " ، فكان أكثر صدقيةً وأوفر صراحةً ، تطرق إلى ما كان مسكوتاً عنه ؛ مثل علاقاته الجنسية وعلاقاته بأسرته وأشقائه . قبل أشهر صدر كتاب في السيرة الذاتية لكاتب متميز ومؤرخ مرموق هو رءوف عباس حامد ؛ عنوانه : " مشيناها خطىً " , وقد أثار هذا الكتاب لدى صدوره ضجةً داخل وطنه وخارج وطنه , ونفدت أعداده فأعيد طبعه غير مرة .
إذا نحن طالعنا " مشيناها خطىً " نجد الكاتب قد التزم فيه بالشرط الأول للسيرة الذاتية , فقد كتبها بعد أن بدأ مرحلة الشيخوخة ( 65 عاماً ) , صحيح أن نيتشه كتب سيرته في مرحلة عمرية مبكرة نسبياً , وعلى نهجه سار طه حسين في " الأيام " إلا أن الدارج في هذا الفن أن يكتب المرء عن نفسه , وقد بلغت تجربته الحياتية مرحلة نضجها , عركته وعركها , وشرع في تأمل مجرياتها بنظرة فاحصة إليها , كابد فيها ما كابد , وعاند فيها ما عاند . من هذه الشرائط أن يكون الكاتب ذا تميز في منحىً من المناحي , أضاف إليه وترك بصمةً واضحةً عليه .. وهو ما يتحقق في شخص رءوف عباس , وقد كتبت عنه ذات يوم أصفه بأنه " بقية باقية من جيل البنائين العظام الذين تعتز بهم جامعاتهم اعتزازهم بهذه الجامعات . فقد خلَّف في علم التاريخ مدرسةً ترددت أصداؤها في وطنه , وجاوزته إلى وطنه العربي الكبير . واجتمع فيه إلى كونه عالماً كونه إنساناً مضى به قطار العمر شامخاً مترفعاً عن الدنايا , لم تعرف عنه زلة في صبوته , ولا هفوة في سنوات كهولته , وهو في تعامله مع عالمنا هذا الردئ , كان العهد به وما يزال شجاعاً , يقول قولة حق ومقالة صدق , لا يقيم وزناً لمال ولا جاه , ومناط المرء عنده عطاؤه .. عطاؤه فحسب " .
حدد الكاتب الهدف من كتابه في إهدائه " إلى الشباب .. عساهم يجدون فيه ما يفيد .. وإلى الذين يسممون أمامهم الآبار .. لعلهم يتعظون ", كما حدد منهجه في أنه " إذ يروي حكايته , لا يتقيد إلا بما رآه وسمعه وعاشه , وكان شاهد عيان عليه ,دون مبالغة في الوصف , أو تزيين أو تزييف , التزاماً منه بأمانة الكلمة , مهما كانت دلالتها, ومهما كان وقعها ". إذا نحن تعقبنا الكاتب نجده قد التزم على مدار كتابه بهذه القاعدة الذهبية , فهو لا يخجل من الحديث عن فقره الذي كان رفيقه الأثير , منذ مولده في العام 1939, ابناً أكبر لعامل بسيط فقير , بعث به إلى القاهرة – وهو بعد طفل صغير – ليعيش مع جدته الفقيرة بدورها , في عزبة هرميس , وهي عزبة لا تصلها الكهرباء ولا الماء , قد حذف من قاموسه مصطلح العشاء ، وأضاف إليه في مرحلة تالية مصطلح الإفطار , ويعترف بأن جدته حرمته من تذوق طعم اللحم , فقد احتكرته لنفسها , وحين اختلس ذات يوم قطعةً منه , لعنته وأمه لأنه " مفجوع " مثلها .
لا يقف الفقر عند هذا الحد , بل إنه أوعز لأبيه , بأن يلحقه بالكتاب , علَّه يصبح عالماً أزهرياً , إذ ليس في إمكانه أن ينفق عليه في مدرسة . ويشاء القدر أن يتدخل في هيئة شخص كريم حل هذه المشكلة , وصار " صاحبنا " تلميذاً في مدرسة "حنيفة السلحدار" , لكنها عاودته مرةً ثانيةً , حين فكر في الالتحاق بالجامعة , لولا شخص آخر كريم , أقرضه قرضاً حسناً , وسيدة كريمة أعطته مبلغاً كانت قد ادخرته , ليعينها على تصاريف الزمن .. وفي المقابل كان على " صاحبنا " أن يسير إلى كليته في كل يوم خمسة كيلو مترات في الذهاب ومثلها في الإياب . وإذا كان المرمى الأول للسيرة الذاتية هو أن يحدد لنا الكاتب ملامح شخصيته , نجده إنساناً بسيطاً يجلس وهو " الأفندي " خريج الجامعة مع العمال في مطعمهم , وليس مع الموظفين , يشاركهم همومهم , ويدافع عن حقوقهم , غير مكترث بعسف يناله من الإدارة , وفياً لأساتذته يعترف بفضلهم , حتى من أساء منهم الظن به " وسيظل هذا موقفه إلى أن يلقاهم جميعاً في رحاب الله , عندما تفرغ كأس الأجل " معتداً بنفسه ينفر عرقه الصعيدي , عند أول إساءة , وكذا كانت حاله مع عميده , حين إعارته للخارج , فيلوِّح له باستقالته , عقلانياً منذ نعومة أظافره , يمزق حجاباً , وضعوه له بعد حادثة أفضت إلى عاهة مستديمة , سوف تصحبه إلى قبره , يصر على أن يفهم القرآن الكريم لا أن يستظهره فحسب , معطاءً لا ينتظر ثواباً لعطائه , فيبادر إبان مقامه في اليابان , ودون تكليف من أحد إلى المساهمة في تأسيس قسم للغة اليابانية بجامعته , ويمهد السبيل لابتعاث زملاء له إلى هناك , ولدى عودته إلى وطنه يعيد بناء قسم التاريخ , وقد صار قاعاً صفصفاً , ليعين فيه معيدون ومدرسون ( كاتب هذه السطور أحدهم ), شجاعاً يعرض عن كتابة بحث لابنة الرئيس الراحل , وأوراقه لدى لجنة الترقيات , دون أن يتعظ مما جرى لزميله حسن حنفي , مغامراً لكنها المغامرة المحسوبة , فيضحي من أجل استكمال دراسته بوظيفة مستقرة , مقابل منحة مؤقتة , عنيداً يصر على التعيين في جامعة غير جامعته , مادام هذا حقه , متسامحاً مع إخوانه الأقباط , باعتبارهم جزءاً من نسيج هذا الوطن شأنهم شأن المسلمين , متصدياً للدفاع عن حقوقهم , غير آبه بما قد يترتب على ذلك من تبعات , وطنياً يشارك قبل أن ينبت عذاره في مظاهرات الأربعينيات ومطالع الخمسينيات , رغماً عن تأنيب جدته لانصياعه إلى " العيال البطالين " ويتطوع مرتين ( 1956 و 1967 ) للذود عن الوطن ضد أعداء الوطن.
ومع انحياز الكاتب إلى " نظام يوليو " لانحيازه إلى الفقراء , وما طرحه من مشروع نهضوي , كانت له إنجازاته التي لا ينكرها غير جاحد , فإنه لم يكن من دراويشه , يتوجه إليه بسهام النقد , ولكن من داخله , فيعيب عليه افتقاره إلى الديمقراطية , وحكمه بأساليب أمنية , عانى هو نفسه منها , وعليه فلم ينضم إلى أي من تنظيماته السياسية التي غلب عليها النفاق والانتهازية , وآثر أن يكون من الأغلبية الصامتة . لكن الكاتب لا ينظر إلى نفسه - بعد هذا العمر - على أنه مبرأ مما يصيب البشر من أوجه القصور فيقول : " ولا يعني ذلك أن صاحبنا كان دائماً حكيماً خالياً من العيوب والأخطاء , فلا يوجد قديسون بين البشر , فجميعهم خطاءون , وكثيراً ما يتأمل صاحبنا هذه المواقف التي مرت به ويعيد تقييمها , فيأخذ على نفسه أنه بالغ في سوء الظن بمواقف أطراف بعينها , ولكن ليس كل الظن إثماً على أي حال, حسبه أنه لم يتخذ موقفاً – يوماً ما – بدافع شخصي محض , وكثيراً ما يكتشف أنه وضع ثقته في غير أهلها , وظن أن كل ما يلمع ذهب " . كاتب السيرة لا يقف عند وصف صورته , إنما يصف أيضا صور من عاصروه , لأنه في علاقاته بهؤلاء يتكشف الصراع الذي يعطى السيرة الذاتية حيويتها , فهو ضرورة لها , مثلما هو ضرورة للرواية , فهناك أخيار وأشرار ودرجات بين هذا وذاك وبكل ألوان الطيف , وإذا نحن تعقبنا الكاتب في سيرته نجده مولعا برسم صور للشخصيات التي صادفها عبر رحلة حياته , خصوصاً من شغل منها مواقع في هيئة التدريس بالجامعتين اللتين درس في إحداهما ومارس عمله في الأخرى .
بين هذه الشخصيات ذلك الموظف بدرجة أستاذ الذي صعد في مناصب جامعته ليصل إلى أعلاها , ليس بما توافر لديه من علم , فلم يكن لديه سوى اليسير, وإنما بما توافر لديه من صفات ذميمة ودس ونميمة , وشبكة علاقات مع من هم على شاكلته , تجمعهم المصلحة ولا يجمعهم الواجب . فكان يقف ضد تعيين المعيدين في قسمه , والمرة الوحيدة التي وقف فيها مع تعيين أحدهم كانت دون وجه حق ولمصلحة ارتآها , وحين كانت تتاح له فرصة الإشراف على طلاب في مرحلة الدراسات العليا كان يتلذذ بإذلالهم ويتعمد تأخيرهم في الحصول على درجاتهم , بخلاف ما كانت عليه حاله مع طلاب عرب وغير عرب , وهو يقف حجر عثرة ضد تطوير الدراسة في قسمه , حتى يضمن توزيع كتبه ومذكراته , وعهد عنه تعصبه ضد الأقباط , ووقوفه دائماً في معسكر الفساد , واستغلاله منصبه في لجنة الترقيات , دون صعود عناصر جادة وشريفة ( وكاتب هذا المقال أحدهم أو بالأحرى أحد ضحاياه ) . لم يستخدم الكاتب الأسلوب التقريري المباشر في تصويره لهذه الشخصيات, إنما هو يحكي قصصاً له شهود عليها بأسلوب فيه من المتعة قدر ما فيه من المرارة, بحيث يستطيع أن يوصل فكره إلى قارئه على نحو سلس وشائق , وقد يلجأ أحياناً إلى التصوير الكاريكاتيري , فعندما توجه في زيارة إلى جدته , بعد أن تركها ليعيش مع أبويه ؛ ولاحظت عليه ما أصابه من زيادة في وزنه قالت إن هذا سوف يؤدي إلى " تخن مخه وخيبته في الدراسة بإذن واحد أحد " , وعندما يصف أحد زملائه من الذين طالتهم تهمة الفساد يقول إنه " برئ من شبهة القدوة " , ويستعيد ذكرياته عندما كان صبياً فيحكي عن " عربجي " الحنطور الذي يشرب من " قرعة " البوظة ويسقي حصانه معه , ويجيد في وصف شخصية أستاذه إبراهيم نصحي "بك" وهو التركي الذي يترفع على أبناء الفلاحين , وينظر إليهم بازدراء , وينعي على الجامعة أنها " برطشت " .
على أن الكاتب في عرضه تلك الصور يستدرك فيقول إنه " في تقديمه لما مر به من تجارب , يحرص على تلك التي يقوم عليها شهود معاصرون ( أمد الله في أعمارهم ) , حتى لا يظن أحد أن بعضها أملته الأوهام وأحلام اليقظة وتصفية الحسابات , فكلها وقائع ثابتة ، أكتفي بالإشارة إلى مناصب أصحابها أحياناً, وذكر بعضهم بالاسم أحياناً أخرى , لا بقصد التشهير بهذا أو ذاك, ولكن بغرض دق ناقوس الخطر لمن خدعتهم المظاهر , فأخفت عنهم الجوهر ".
ولأن سيرة الكاتب لا تنفصل عن سيرة عصره , فإن من واجبه أن يكون شاهد عيان على هذا العصر , وهو ما التزم به في هذا الكتاب بحيث إننا نستمد منه بعضاً مما كانت عليه صورة مصر خلال الخمسين سنة الأخيرة من القرن العشرين. وقد كان في هذه الشهادة منفعلاً بمشاكل وطنه وهموم وطنه , كما كان طرفاً في بعض من هذه المشاكل والهموم , مشاركاً فيها أو منفعلاً بها أو مراقباً جيداً لها .
انظر إليه وهو يرسم صورةً لعزبة هرميس التي عاش فيها صبياً خلال الأربعينيات ومطالع الخمسينيات , وسكانها وكيف كانوا يعيشون حياتهم مسلمين ومسيحيين , لا يشعرون بأنهم مسلمون ومسيحيون قدر ما يشعرون بأنهم فقراء ومصريون .
يقول : " وكان سكان العزبة موزعين توزيعاً متساوياً بين الإسلام والمسيحية في بعض البيوت , بينما كان المسلمون أقليةً في البعض الآخر من تلك البيوت , ولعل تجمع الأقباط المنياويين الفقراء في هذا المكان يعود إلى قربه من كنيسة ماري جرجس التي تقع في نهاية شارع الجيوشي . وكان فناء الكنيسة مرتعاً لأطفال العزبة من المسلمين والأقباط , فيذكر صاحبنا تلك الأيام التي شارك فيها أترابه اللعب في فناء الكنيسة , وتناول معهم لقمة القربان من يد " أبونا " القمص , ويذكر " عمته " أم جرجس , جارة جدته التي كانت تناديها " يا أمي " , وكانت تخاطب والد صاحبنا عند زيارته لأمه " يا خويا " , وظل صاحبنا حتى بلغ الثامنة من عمره , يعتقد أن " عمته " أم جرجس شقيقة لوالده وابنة لجدته , وخاصة أن أبا جرجس كان ينادي الجدة " يا حماتي " , وعندما كان يحدث سوء تفاهم بين أبوي جرجس , كانت الجدة تعنف الزوج , فيسترضيها ويقبل رأسها . " لذلك كانت عزبة هرميس " مصر الصغرى " عاش سكانها معاً وكأنهم أسرة واحدة , يأكلون معاً من طبق واحد , فرغم فقرهم الشديد , كانوا يتبادلون أطباق الطعام والحلوى , ولم تكن أيام صيام الأقباط العديدة عائقاً أمام استمرار هذه العادة , بل كان الجميع مسلمين وأقباطاً صائمين معظم العام بالمفهوم القبطي للصيام, لا تعرف " طباليهم " اللحوم إلا في المواسم والأعياد . وكانت النسوة المسلمات والقبطيات يتبادلن إرضاع أطفال بعضهن البعض , إذا اضطرت إحدى الأمهات إلى السفر إلى قريتها فجأة لأمر طارئ , والجميع لا يفوته واجب عيادة المرضى , وتقديم التحية في الأفراح , والتعازي في الأتراح " . الأهم من ذلك كله تطرق صاحبنا إلى المسكوت عنه .. بصريح العبارة السلطة , حتى في عهدها الناصري الذي يتحمس له , ويعتبر نفسه واحداً من المستفيدين منه , فيتحدث عن المباحث التي طاردته في الشركة التي عمل بها عقب تخرجه من الجامعة , وطاردته وهو معيد جعل أطروحته لدرجة الماجستير عن تاريخ الطبقة العاملة المصرية , وكاد يكون واحداً من ضحاياها لولا أستاذه أحمد عزت عبد الكريم .
يصل الكاتب بنا إلى ذروة التوتر الدرامي , إذا شئنا أن نستعير شيئاً من مصطلحات الأدب في الفصل الذي عقده عن الجامعة بعنوان " تحت القبة وهم " وإن كان قد تناولها على نحو أو آخر في فصول سابقة , ويتضح لنا أن الجامعة كانت بالنسبة له حلماً وردياً , عندما كان طالباً في جامعة عين شمس , فكان فيها أساتذة يتعاملون مع طلابهم على أنهم أبناؤهم , يعلمونهم ثم هم يعلمونهم كيف يتعلمون .. لكن هذا الحلم تبدد لدى التحاقه بجامعة القاهرة معيداً , ثم عضواً بهيئة التدريس , فالأساتذة غير الأساتذة , ولم يكن العلم في جملة أولوياتهم , وكانوا في جلساتهم الخاصة لا حديث لهم إلا في النميمة . ومادام لكل شيء سبب , فالسبب يكمن - أولاً وقبل كل شيء - في تدخل السلطة في شئون الجامعة , وجامعة القاهرة على نحو خاص باعتبارها الجامعة الأم , خصوصاً أنها لوحت لأساتذتها بمناصب الوزارة , فهرع الكثيرون منهم إليها وجعلوا أنفسهم في خدمتها وخدمة أمنها, الذي صار مديره في الجامعة يفوق في سلطاته سلطات رئيس الجامعة , ويأتي لنا بمهازل عن انتخابات الاتحادات الطلابية , ومهازل أخرى عن انتخابات الاتحاد الاشتراكي في كليته , وكيف تحول بعض من كبار الأساتذة إلى عملاء للمباحث وكتبة تقارير . ثم هو يأتي بصور عما أفرزه هذا المناخ الفاسد , منها أنه أتاح الفرصة لزوج الرئيس السابق وبناتها لأن يلتحقن بالجامعة دون وجه حق , فتحصل هذه الزوج على أعلى الدرجات وتعين معيدة , بل تحصل على درجة الماجستير (وبعدها الدكتوراه) في وقت قياسي , وقد أحاطت بها جوقة من الأساتذة المنافقين الذين كوفئوا على " خدماتهم الوطنية " بأعلى المناصب , كما يأتي بصور أخرى عن جهلاء وفاسدين وصلوا إلى مناصب الجامعة العليا , لدرجة أن أحدهم كان يجهل من هو أحمد لطفي السيد أول رئيس مصري لجامعته وأستاذ لأجيال متعاقبة من المصريين , وأخيراً وليس آخراً تعديل شروط الإعارة , لخدمة أغراض شخصية لا علاقة لها بالعلم .
يتحدث الكاتب بعد ذلك عن آليات الفساد التي تتمثل في دعم الكتاب الجامعي, والصناديق الخاصة , ولجان الممتحنين , ولجان الترقي التي حرمت الجامعة من أستاذ جليل ذي سمعة عالمية , هو أيمن فؤاد سيد , بعد أن تحكم في مصيره من لا يصلحون لأن يتتلمذوا على يديه . لكن الكاتب مع حزنه الشديد على ما آلت إليه حال الجامعة. إلا أنه وهو العالم الذي يؤرخ لأزمنة سابقة على زمانه بمنهج علمي صارم ورؤية نقدية موثقة , يعلم جيداً أن الجامعة مؤسسة لا تنفصل عن المجتمع الذي تنتمي إليه , وهو مجتمع يمر بخلل بنيوي خطىًر , فيقول وهو ممرور : " هذا غيض من فيض , عايشه صاحبنا تحت قبة الجامعة التي ظنها يوماً مثالاً للنزاهة والنقاء خلت من الآفات التي يعانيها المجتمع . كان يظن أن الجامعة " بيت الحكمة " , العقل المفكر الذي يرسم للأمة خطاها , فاكتشف أنه كان واهماً , وتبين له أن الجامعة خلية من خلايا المجتمع , تتأثر بما يصيب بقية الخلايا من عطب ومن أمراض , وأدرك أن الجامعة مرآة تنعكس على صفحتها صورة المجتمع بما فيه من تناقضات , وما يعانيه من علل وأوجاع ". يبقى بعد ذلك أن نتساءل .. لماذا كانت الصور التي تتتابع عبر صفحات الكتاب في معظمها صورً قاتمةً كابيةً وحزينة , مع أن الواقع لا يخلو من صور أخرى وضيئة ؟ .. لا نجد لذلك من تعليل إلا أن الكاتب تملكته – كما قال شللى – " شهوة إصلاح العالم " .. هذه الشهوة التي جعلته يلتفت إلى هذه الصور الحزينة ويعرض عما سواها , ويحضرنا في هذا الشأن تلك السطور من "حياتي في الشعر" حين يقول صلاح عبد الصبور : " يصفني نقادي بأنني حزين , ويدينني بعضهم بحزني , طالباً إبعادي عن مدينة المستقبل السعيدة , بدعوى أنني أفسد أحلامها وأمانيها , بما أبدوه من بذور الشك في قدرتها على تجاوز واقعها المزدهر ( في رأيه ) إلى مستقبل أزهر . وقد ينسى هذا الكاتب أن الفنانين والفئران هم أكثر الكائنات استشعاراً للخطر , ولكن الفئران حين تستشعر الخطر تعدو لتلقي بنفسها في البحر , هرباً من السفينة الغارقة . أما الفنانون فإنهم يظلون يقرعون الأجراس ويصرخون بملأ الفم , حتى ينقذوا السفينة أو يغرقوا معها ".
لنا في النهاية عتاب على الكاتب ورجاء .. عتاب لأنه لا يسترسل كثيراً في ذكرياته عن حياته العائلية , ومنها حياته العاطفية , وربما اعتذر عن هذه بشغله وأسرته بطلب القوت , ثم شغله هو بطلب العلم , وربما كان السبب زواجه في سن مبكرة من زميلة له , اطمأن إليها , وكانت عند حسن ظنه في الحال والاستقبال , وخير معين في رحلة الحياة , لكننا نحسب أن ليس له عذر حين لا يتحدث باستفاضة عن علاقاته بأبيه وأمه وأشقائه وأصدقائه ورفاق الصبا, لأن هذه العلاقات وما يترتب عليها , تشكل عنصراً أساسياً في بناء شخصيته , وفي تفسير مواقف عديدة وحادثات عرضت له . كذلك فمن اللازم لمؤرخ مرموق ترك بصماته واضحةً على علم التاريخ , وهي بصمات غير منكورة , أن يسهب في الحديث عن موارد ثقافته , فمعروف عن رءوف عباس ثقافة موسوعية , أعانته في فهمه للتاريخ وإحاطته بتفصيلاته وبواعثها .. هذه الثقافة لا تتأتى إلا بمطالعات في مجالات شتى ؛ لكنه يكتفي بذكر ولعه بمشاهدة الأفلام السينمائية في صباه ومطالعة " البعكوكة " و " سندباد " ثم قراءة بعض الكتب للرافعي ( المؤرخ ) وبعض الكتب لطه حسين وسلامة موسى وجرجي زيدان ( لا حديث عن العقاد ) ولا يذكر لنا ماعدا ذلك وأظنه كثيراً . أما عن الرجاء فهو أن يتحفنا الكاتب بكتاب آخر عن الشخصيات التي عرفها , وعرض للمحات من حياتها .. وهكذا فعل غيره من سابقيه , وبينهم العقاد وطه حسين وهيكل والبشري وفتحي رضوان وغيرهم , فيصير شاهداً على رجال عصره , مثلما كان شاهداً على عصره.
[تحرير] أمينة النقاش
ضمير مؤرخ
تحفل السيرة الذاتية للمؤرخ الدكتور رءوف عباس "مشيناها خطىً" بقيم ونشوات عليا كادت تندثر من حياتنا في العقود الأخيرة , وتبدو كأنها تنتمي لعالم لم تعد ركائزه موجودة الآن . عاش رءوف عباس في ظل أسرة من الأسر المصرية المحدودة الموارد , فاستطاع بصبره الذي لا ينفد وتسامحه الأصيل أن يتغلب على انطوائه على نفسه وخجله من ناحية , واستطاع بإرادته الحديدية , أن يتغلب على ظروف الفقر والشقاء وقلة الإمكانات والموارد من ناحية ثانية , فتنقل في مراحل دراسته المختلفة في الوظائف الإدارية في الحكومة ليدخر المال لينفق على تعليمه ويمد يد المساعدة لأسرته . وفي ظل ظروف صعبة كتلك التي عاشها , يمكن للإنسان أن يصبح مجرماً , أو يكون رءوف عباس العالم والمؤرخ والأستاذ , الذي نجح بالدأب والإصرار وقوة الإرادة أن يعلم نفسه , وساعده مجتمع ثورة يوليو التي انتمت لعالم الفقراء , على أن يصعد مهنياً ومكانياً بكفاءته وحدها , دون سواها . وخلال رحلته الشاقة , يكشف رءوف عباس بضميره الحي , ونزوعه الدائم إلى العدل واستقامته ونزاهته آفات الواقع الاجتماعي في الحقل الأكاديمي وفي خارجه , ويضع يده على التناقض بين الأقوال والأفعال , وبين الشعارات المرفوعة والواقع المؤلم خلال العهود الجمهورية الثلاثة .
وتفضح السيرة الفساد الأكاديمي والعلمي الذي تغلغل في الحياة الجامعية والذي خاض المؤرخ معارك باسلة لمكافحته والتصدي له , فرفض أن يتربح أو يصمت على مرتكبيه , وتكشف كيف أسهم هذا الفساد في تبديد أموال المنح التي تعطى للجامعات وأموال الصناديق الخاصة التي أنشئت ولا تخضع لأي مساءلة أو مراقبة , والدور الذي لعبته المتاجرة بالمحاضرات وملخصاتها , في تخريب الروح الأكاديمية وإضعافها, وإرهاق الطلاب, والفقراء منهم على وجه الخصوص. كما تبرز السيرة الدور الذي تلعبه الأجهزة الأمنية في ترقية الأساتذة واختيار المعيدين وتعيين العمداء ورؤساء الأقسام , لتتحول الجامعات بعد ذلك من معقل لحرية العلم والفكر والبحث الأكاديمي إلى مواطن للفساد تسيره المصالح والعلاقات العامة . ولعل معركة رءوف عباس في التصدي للتعصب الديني المؤسسي داخل الجامعات المصرية تعد واحدةً من أنبل معاركه , حيث فضح المؤرخ هذا التحالف غير المقدس بين أجهزة الأمن وبعض رؤساء الجامعات , لاضطهاد الأقباط وحرمانهم من فرص يستحقونها في الترقي العلمي والمهني في السلك الأكاديمي والجامعي , والذي يزرع في الصروح العلمية بذور الفتن والفرقة بين أبناء الوطن الواحد ويعرض الوحدة الوطنية للخطر. هذا التكوين الوجداني الوطني المتسامح , لم يكن ليأتي من فراغ . فقد أمضى رءوف عباس طفولته وصباه في عزبة هرميس بحي شبرا , ذي الأغلبية المسيحية في زمن جميل ولىَّ , حيث كان السكان المسلمون والأقباط يعيشون معاً كأسرة واحدة , يتبادلون برغم فقرهم أطباق الطعام , وكانت النسوة المسلمات والقبطيات يتبادلن إرضاع ورعاية أطفال بعضهن البعض . هذه سيرة ذاتية تزخر بتجارب إنسانية وعلمية صالحة للقراءة في كل زمان ومكان , كما أنها تقدم للجيل الجديد نموذجاً للإرادة الصلبة التي تصعد بصاحبها مهنياً وعلمياً حين يأخذ حياته مأخذ الجد , لكن الأهم أنها صرخة في وجه أمراض الفساد العلمي والأكاديمي الذي يستشري في جامعاتنا , التي كادت تستعصي على الحجاب , لعلها تجد ممن يعنيهم مستقبل هذا الوطن آذاناً صاغية .
[تحرير] محمد الغيطي
رمضان .. وعباس .. والرئيس
تابعت , وكلي أسى وأسف , المعركة الدائرة على صفحات الكتب والصحف, بين المؤرخين الكبيرين : الدكتور عبد العظيم رمضان , والدكتور رءوف عباس , والأسى والأسف نابعان عندي من فروق التوقيت والمناخ العام بين المعارك الفكرية والسياسية " زمان والآن " , والتي لا بد أن تجعلك " قلقان " على مستقبل هذا البلد وشبابه , ويقيني أن الدكتور رمضان انحرف بالسجال إلى مستوى لا يليق بمكانته واسمه , وجعله أشبه بـ" الردح " في حارة شق التعبان , أو موقف أحمد حلمي .
وأنا مندهش على قدرة رمضان على التنكر لطبقته الاجتماعية , و" معايرة " عباس بالبيئة التي نشأ فيها , والتي ذكرها في " مذكراته الصادقة ,التي أعتبرها شهادة موثقة على قدرة الطبقة المتوسطة " التي كانت " باعتبارها قاطرة التقدم لأي مجتمع" , وهي مذكرات ثرية , وتعري كثيراً من الظواهر السياسية الفاسدة في الحكم والنظام , منذ الملكية وحتى الجمهوريات الثلاث , في عهود : ناصر , والسادات , ومبارك , وهي في كشفها وتعرية صاحبنا نفسه بنفسه , إنما تقدم لنا نموذجاً لما يجب أن تكون عليه السيرة الذاتية ، ليس للمشاهير فقط , لكن لآحاد الناس أيضاً , الذين يملكون تجارب وخبرات نحتاج إلى معرفتها بكل الصدق, وعدم الكذب أو التجمل , كما يفعل الحكام والساسة , عندما يكتبون مذكراتهم , وهم في سدة السلطة . لقد ذكرتني سيرة رءوف عباس " مشيناها خطىً " , بـ" أوراق العمر " للدكتور لويس عوض , وقبلها " أيام " طه حسين , بل إن مذكرات فنانة عالمية مثل " جين فوندا " يمتزج فيها العام بالخاص , تكشف من كواليس التاريخ ما لا يستطيع العثور عليه أعظم المؤرخين .. لذلك فإنني أعتبر كتاب رءوف عباس من أهم وأخطر المذكرات , التي تكشف علاقة أنظمة الحكم بالجامعة وأساتذتها , وتؤكد ما تقوله حركة 9 مارس ,من أن الجامعة يحكمها الأمن والعسكر منذ القدم , وهو ما سنتطرق له لاحقاً .
لكنني أعود لدهشتي من الدكتور رمضان , الذي " يُعيِّر " عباس ببيئته , ورمضان " طلع من البيئة نفسها , وربما أدنى منها , فوالده كان مثل والد عباس عاملاً بالسكة الحديد , ورمضان نفسه عمل كمسارياً , لينفق على نفسه , وهو ليس عيباً أبداً .. إنه يذكرني بقول الشاعر عن التي عيَّرته بالمشيب , عندما قال : عيرتني بالمشيب وهو وقار ليتها عيرتني بما هو عار
أما أساس الخلاف بين المؤرخين , فيورده عباس في مذكراته المنشورة بدار الهلال قائلاً : عندما توليت الإشراف على مركز تاريخ مصر المعاصر كان المركز تحت إشراف عبد العظيم رمضان لعدة سنوات , لم ينتج فيها شيئاً سوى ما كان ينشره من مذكرات سعد زغلول , التي كان يتولى أحد موظفي المركز كتابتها على الآلة الكاتبة , نقلاً عن الأصل الذي كتبه سعد زغلول بخطه, ويتولى رمضان كتابة مقدمة لكل جزء , بعدما أعاد ترتيب المادة بصورة تختلف عن الأصل , وتخل بقواعد التحقيق والنشر , وكانت علاقة عبد العظيم رمضان بالباحثين على درجة عالية من السوء , بسبب ترك معظمهم بلا عمل , وحرمانهم من المزايا المادية , لمجرد معارضتهم له في الرأي . " ثم يستكمل " : أما عن المجلس الأعلى للثقافة , فقد استقال الدكتور عباس من لجنة التاريخ بالمجلس , التي يرأسها رمضان , لأنها تحولت إلى " مكلمة " على يد رمضان , حيث يمضي الأعضاء فيها الوقت , ليستمعوا إلى أمجاده , حيث يحشر في كل مناسبة حديثاً مزعوماً دار بينه وبين الرئيس مبارك و الذي يستمد منه الحكمة دائماً - حسب قوله . والمذكرات مليئة بالمواقف التي تعري موقف المفكرين والأساتذة من السلطة والرئيس , أما ما يتعلق برمضان , فأنا أشهد من خلال لقاء مبارك بالمثقفين والكتاب , في " مولد الكتاب السنوي " , أن رمضان لم يكن " يفوت ولا لقاء " إلا ويكيل فيه المديح للرئيس مبارك . وإذا كان هذا حال رمضان مع الرئيس ؛ بينما كان عباس يهرب من أي عرض رئاسي , أو إغراء حكومي , فإنني لا بد أن أرفع له القبعة , وأصفق لكل من ينتمي لحزب عباس , وهو يورد موقفاً في مذكراته من السادات , عندما " شتم " الصحفيين ونعتهم بـ" الأوساخ " في لقاء غير مذاع عام 1978 , مما يعني أن تيار السادات ورمضان تجاه كل من يختلف مع النظام , تيار أصيل في البنية التحتية للمثقفين .
واللهم اكفنا شر حزب رمضان , وانصر حزب عباس من غير مشعلي المباخر , والممالئين , الذين نجدهم كـ"الهاموش " هذه الأيام , في " زفة " المبايعات " المبطرخة " والميمونة .. آمين .. وصح النوم .
[تحرير] حمدي بطران
رءوف عباس .. سيرة عظيمة لأستاذ جليل
قليلون أولئك الذين كتبوا سيرتهم الذاتية , ومن بين القليلين من كتب سيرته متوخياً الحقيقة . أما أقلية الأقلية فهم الذين يتوخون الصراحة المطلقة, ومن أقلية الأقلية تلك خرج الدكتور رءوف عباس أستاذ التاريخ الحديث بسيرته الذاتية التي صدرت عن دار الهلال في سلسلتها المتميزة كتاب الهلال , ولم يكن غريباً على رئيس تحرير السلسلة مصطفي نبيل أن يلتقط الكتابات المتميزة لينشر لها في السلسلتين اللتين يرأس تحريرهما , سلسلتا كتاب الهلال وروايات الهلال . في القراءة الأولى لسيرة رءوف عباس تجد نفسك تسير مع الرجل على أشواك الحياة القاسية , ونعاني معه من مشاكلها , مشكلاته الشخصية البدنية , وتربيته مع جدته , ومشكلاته العامة مع وطنه وبلده . وخلال كل مرحلة من مراحل حياته لا يخجل الرجل من شيء , ولم ينكر كالكثيرين معاناته في التعليم , وسيرة على الأقدام خمسة كيلومترات من محطة الحامول إلى منوف , دون أن يضيق بوضعه البائس أو يجعل أحداً من زملائه يعرف عنه شيئاً , بل كان حريصاً على أن لا يبدو مظهره مختلفاً عن زملائه , وجاءت ملامحه الصارمة وجديته في الدراسة لتجعل زملاءه الذين يقتربون منه يعاملونه بقدر من الاحترام. وجاءت السيرة فعلاً لتجعلنا نخرج منها وقد عاملناه باحترام دون أن نقترب منه شخصياً أو نتعرف عليه . الأخطر في مذكراته هو تمرده على قسم التاريخ بسبب يعتبره البعض تافهاً, ولكنه اعتبره – ونحن معه – سبباً بالغ الخطورة . ومما زاد في خطورته أن السبب يدخل في إطار المحرمات أو المسكوت عنه , وهي الأشياء التي نتعامل معها فعلا في حياتنا اليومية ولكننا نخجل من كتاباتها أو التصريح بها أو حتى مجرد مناقشتها, وهو العلاقة مع الأقباط .
كانت أولى المشاكل التي واجهت الدكتور رءوف عباس عندما عين رئيساً لقسم التاريخ بآداب القاهرة هي المعارضة المستميتة من بعض عناصر الحرس القديم لانتداب أستاذ مرموق في تخصصه هو الدكتور يونان لبيب رزق لكونه قبطياً, وبلغ الاعتراض حد التصادم, وصاح أحدهم به إن الله لن يغفر له هذا الجرم, وقال أشد الناس معارضةً للرجل أنه سيغير في الدرجات للمسيحيين على حساب المسلمين . ولكن رءوف عباس كان في منتهى الصرامة في مواجهة عنصرية المعترضين . وجاء من يهمس في أذنه "وماله .. مفيش داعي نعكر جو القسم. في غيره كتير" . وأعلن رءوف أنه لا يقبل التمييز بين المصريين , وأنه مستعد أن يخسر القسم كله , ولا يضحي بمبادئه التي تربى عليها . وقد حرص أحد أولئك المعترضين على أن تسند إليه لجنة رصد درجات الامتحان للفرقة التي قام الدكتور يونان بالتدريس لها . وعندما أنهت لجنة الرصد أعمالها جاء المعترض وأبدى اعتذاره على ما بدر منه في حق الدكتور يونان , ولم يقبل الدكتور رءوف منه الاعتذار إلا بعد أن لقنه درساً في الأخلاق . الغريب أن تكون هي الروح التي تحكم أقدم صرح تعليمي (علماني) في مصر , وربما كانت تلك هي الروح التي تسببت في تأخرنا العلمي وخسارة جامعاتنا لعدد كبير من الكفاءات التي طاردتها لعنة التعصب . سواء كان هذا التعصب هو التعصب الديني كما في حالة الدكتور يونان مع قسم التاريخ , أو التعصب العلمي كما حالة الدكتور مجدي يعقوب وفاروق الباز وأحمد زويل وغيرهم من العلماء الذين تركوا الجامعة إلى الخارج , حيث برعوا بعيداً عن تلك العقليات المدمرة .
وتكررت المشكلة نفسها بصورة أخرى عندما كان من بين أوائل الخريجين بإحدى دفع التخرج طالبة قبطية ترتيبها الثاني بين ثلاثة خريجين حصلوا على تقدير جيد جداً . وكان الدكتور رءوف يتولى التدريس لتلك الدفعة ويعرف الخريجين معرفة جيدة من خلال مستواهم العلمي . فتقدم إلى عميد الكلية باقتراح تكليف الثلاثة الأوائل معيدين بالقسم , الأمر الذي لاقى اعتراض وكيل الكلية وكان أستاذاً في القسم نفسه , وطلب الاكتفاء بواحدة فقط , وعندما نبهه صاحبنا أنه أستاذ التخصص وهو الأدرى بحاجة قسمه , انفعل الوكيل وقال : إن القسم تخلص من هؤلاء منذ ما يزيد على أربعين عاماً , وكان الوكيل يقصد التخلص من أحد الأساتذة الأقباط عام 1944 بنقله إلى آداب الإسكندرية , وعندما ضاقت به السبل هناك هاجر إلى أمريكا, ويعد هناك من أعظم علماء العالم ويعد برنار لويس ( أستاذ وكيل الكلية ) نكرةً مقارنةً بهذا الأستاذ القبطي , وأفهمه الدكتور عباس بالخسارة التي لحقت بالقسم وتدهور القسم نتيجة التخلص منه على أيدي من خلفوه فيه . وقال عباس أنه لو وجد أستاذاً قبطياً يرغب في النقل إلى القسم فسوف يحارب من أجل ضمه للقسم إذا كان على درجة كافية من الكفاءة . المهم أن معركة تعيين المعيدين لم تنته عند حد موافقة القسم على تعيين معيدة قبطية , فقد تحفظ وكيل الكلية فلم يعترض أو يوافق . ولاكتمال إجراءات التعيين ينبغي أن تدرج موافقة القسم على جدول أعمال مجلس الكلية للموافقة , وعندما عرضت الأسماء الثلاثة على مجلس الكلية وجد صاحبنا أن المذكرة التي عرضت على مجلس القسم تضم اسمين فقط ليس من بينهما الطالبة القبطية , وأخبروه أن وكيل الكلية أرجأ ترشيحها لمزيد من الدراسة , واستجاب له عميد الكلية .
كان هذا التصرف من جانب العميد مخالفاً للقانون تماماً , لأن قرار مجلس القسم يجب عرضه على مجلس الكلية دون تغيير أو تبديل , ولمجلس الكلية وحده الاعتراض مع بيان الأسباب , كما أن التقاليد الجامعية تقتضي أن يراجع العميد رئيس القسم إذا شاء في أي قرار يصله من القسم وإذا تمسك رئيس القسم بقرار القسم وجب عرضه على مجلس الكلية كما هو . لم يحتمل رءوف عباس هذا الوضع وقدم استقالته بسبب التمييز بين المصريين على أساس الدين واحتجاجاً على واقعة عدم تعيين المعيدة القبطية, وكان أن سلم الاستقالة عل السيركي لتطيرها"وكالة أنباء النميمة". وبحكم القانون لا يمكن قبولها دون التحقيق في الأسباب الواردة فيها , لم تمض نصف ساعة حتى وجد عميد الكلية يقف أمامه وفي يده الاستقالة , مزق العميد الاستقالة ووافق على تعيين المعيدة القبطية . لم يكن موقف رءوف من مسألة الأقباط مسألةً شخصيةً , ولكنها كانت موقف ضد الفساد بمجموعه . فهو يحدثنا عن موقفه من أبناء الأساتذة الذين تكال لهم الدرجات من أجل تعيينهم معيدين بالجامعة . وهذا الموقف اضطر عدداً من الأساتذة إلى اللجوء إلى القضاء .
أما عن موقفه من السلطة يحكيه ببساطة متناهية , فهو قد تلقى مكالمة تليفونية بتكليفه لحضور اجتماع على مستوى عال له صفة السرية , وأن عليه أن يحضر ما يكفيه من ملابس لمدة يومين أو ثلاثة , لم تكن للدكتور رءوف أي صلة بأحد. كان الاجتماع في معهد الدراسات الاشتراكية بمصر الجديدة وفيه حشد من أساتذة الجامعات في تخصصات الاجتماع والعلوم السياسية والاقتصاد والتاريخ . تم شحن الجميع في سيارات تابعة لإحدى شركات السياحة إلى الإسماعيلية , وهناك اجتمع بهم الرئيس السادات وطلب منهم أن يعدوا برنامجاً تثقيفياً لتدريسه في معهد الدراسات الوطنية الذي أنُشئ بديلاً عن معهد الدراسات الاشتراكية في مصر الجديدة, وطلب منهم ترشيح عدد من الدارسين الأكفاء ليتولوا عملية إعداد الدارسين والتدريس لهم . رشح صاحبنا اثنين من الأقباط , وعندما عرض صاحبنا الأسماء على المختص قاله " بلاش من دول , شوف حد تاني " , كان من الحاضرين مع صاحبنا الدكتور عبد الملك عوده والذي يبدو أنه رشح عدداً من الأقباط مثل صاحبنا. لأنه تضامن مع رءوف عباس في موقفه . وأمام إصرار الأستاذين رءوف وعبد الملك تأجل افتتاح المعهد المذكور ستة شهور دون أن يشاركا فيه .
مواقف كثيرة دافع فيها الدكتور رءوف عباس عن الأقباط الأمر الذي ضيع عليه فرصة المشاركة السياسية بالقرب من الرئيس . منها رفضه وضع امتحان للثانوية العامة وترشيح أحد الأساتذة الأقباط , ورد عليه وكيل وزارة التربية والتعليم قائلاً " أنت مش عارف إن الأمن مانع أهل الذمة من وضع الامتحانات " . كلام غريب لا يمكن أبداً أن يصدر عن مسئولين يقودون دولة تتلمس طريقها للوقوف بجوار الدول العظمى , وتريد أن ترسي قيم التسامح والمودة والإخاء وتعلي مكانة الكفاءة والجودة , دون النظر إلى تلك التقاليد التي عفا عليها الزمن والتي ساهمت كثيراً في تقهقرنا إلى المرتبة الخلفية في كل المحافل الدولية . كان لا يجب أن تمر السيرة الذاتية للدكتور رءوف عباس مرور الكرام . فهي ليست رواية يتجاهلها النقاد عندما لا يعجبهم شخص الكاتب , أو لا ترضى عنها الدولة فتحيلها مع صاحبنا إلى النسيان . إنه كتاب كتبه أستاذ عظيم تولى تدريس أجيال من الطلاب قيم الحق والعدالة والوطنية التي من شأنها أن تعلي قيم النبل والتسامح . ولا شك أنني أتمنى أن يحذو إخواننا أساتذة الجامعة حذو الدكتور رءوف عباس ليكتبوا عن مشاهداتهم ومعاناتهم مع تلك النوعيات التي شاء حظها أن تكون في مواقع المسئولية وابتليت بداء التعصب المقيت الذي يطل علينا بين حين وآخر ليخرب ما بنيناه , وفي كل مرة نعيد تركيب اسطوانة جناحي الأمة والحفاظ على الوحدة الوطنية وتقام مآدب الإفطار التي يعقبها العناق . ويعود كل واحد إلى شأنه في انتظار كارثة جديدة .
[تحرير] سليمان عُريبات
ومشيناها خطىً
" ومشيناها خطىً " سيرة ذاتية للدكتور رءوف عباس ، صدرت ضمن سلسلة كتاب الهلال . وعباس رجل أكاديمي وأستاذ التاريخ في جامعة القاهرة لزمن طويل . وسيرة الرجل الذاتية تعج بالأحداث الشخصية والعامة ، وسجلها بروح المؤرخ تارةً , وبروح الأديب الواقعي المتمرد تارةً أخرى , بتوصيف دقيق وهو يتحدث عن طفولته عندما يستدعي الماضي ومعاناته المبكرة وحياته في"عزبة هرميس" وتلميذ في المدارس وطالب في الجامعة . ولم يمنعه الفقر من متابعة تحصيله والحصول على درجة الدكتوراه ثم العمل في جامعة القاهرة , بينما كان هواه وحلمه أن يعمل في جامعة عين شمس . إن قراءة السيرة الذاتية، لرجل أكاديمي تستحق الاهتمام وبخاصة إذا كان من الطيور المغردة خارج السرب. ويبدو أن صاحبنا عباس، ربما كان " ماركسياً " في انتمائه الإيديولوجي من خلال التعبير عن أفكاره أو بحكم صداقاته , أو هكذا ظن من هم في السلطة. وهو في أحاديثه ينتقل من دور الأديب إلى دور المحلل السياسي إلى الأستاذ الجامعي الباحث عن فضاءات للحرية , أو الرافض للواقع الجامعي أسير السلطة السياسية. وقد تحدث عن الحقبة الساداتية وتأثيرها على حرم الجامعة واستقواء الأجهزة الأمنية، كما انتقد تصرفات السادات في لقاء جمع بين نخبة من أساتذة الجامعات المصرية والرئيس بحضور مكثف لأجهزة الأمن السرية. واعترف بأنني أحياناً لا أكاد أصدق ما يقوله الرجل , وهو صادق فيما يقول، عندما يتحدث عن حادثة ما.
ما لفت انتباهي في السيرة الذاتية، الفصل الخاص بمرحلة معينة من تاريخ الجامعات المصرية تحت عنوان " تحت القبة وهم " ، والقبة هنا هي قبة جامعة القاهرة التي تعتبر في تصوري أجمل معلم معماري لجامعة عربية عريقة وتستطيع أن تميزها من بين مئات " القباب " ، جاء الفصل مليئاً بالحوادث والحكايات حول الجامعة المصرية. وقد اعتبرت شهادة الدكتور رءوف عباس، من النصوص المرجعية عند الحديث عن حالة التردي لأوضاع الجامعات المصرية أو العربية في مراحل سابقة وحتى في المشهد الراهن. ولا يستطيع الباحث الأكاديمي العادل إلا أن يقف أمام ما ذكره الرجل بطريقة تعري حقيقتنا الأكاديمية وبخاصة إننا نسير في مقدمة النخب. مضمون الفصل " تحت القبة وهم " يمكن أن نقرأه من عدة زوايا، أولاً المناخ الجامعي حيث وصف اهتمامات الأساتذة في جلساتهم الخاصة " بالنميمة " وتناقل أخبار معسكر الأعداء .. داخل الأقسام وإهمال القضايا العلمية. والزاوية الثانية "استيزار أو استوزار " الثورة لأساتذة الجامعات والتركيز على جامعة القاهرة، مما أدى إلى تآكل استقلال الجامعة , وتقييد الحريات وإخضاع الجامعة لسلطات أجهزة الأمن. وهنا يصف أوضاع أساتذة الجامعة وحرصهم على التواجد في الكليات أيام التعديل الوزاري. ويواصل حديثه عن الجامعة في عصر السادات، عندما عدلت ، حسب قوله، قواعد القبول بالجامعات حتى يتسنى لزوجة الرئيس وبناته الالتحاق بالجامعة ، وفي النهاية تحصل جيهان على الماجستير وتعين معيدة بقسم اللغة العربية. أما الزاوية الثالثة فهي المتعلقة بتعيين عميد الكلية ورئيس الجامعة ، وهنا يدخل زميلنا في تفاصيل مثيرة ، ولكنه كما أرى بأنه لا يدخل في لب القضايا وإنما يثير الجدل والشكوك ويشن الهجوم على الجميع ، إلا ما ندر، بدون هوادة . وتشتد مبالغته عندما يتهم رئيس الجامعة الذي ذكره في حوار خلافي، بأنه يجلس على كرسي أحمد لطفي السيد، لم يكن يعرف من هو أحمد لطفي السيد، مما يثير الشكوك حول طروحات صديقنا التي قد تصل إلى حد المبالغة والله أعلم. ويتحدث عن قضايا جامعية مختلفة وامتداد الفساد المزعوم إلى نواح متعددة مثل شروط الإعارة , ودعم الكتاب الجامعي , وسوء معاملة الطلبة من قبل أساتذتهم. وللحقيقة أقول: فإنني لا أعتقد أن الجامعات المصرية قد وصلت إلى هذا الحد من الواقع الرديء، فجامعات مصر، كما عرفتها في السابق وأعرفها اليوم، وأساتذتها عندما كنت طالباً وأساتذتها اليوم وهم أصدقاء وزملاء من خيرة العلماء ولا أعتقد أن الوهم، الذي وقع فيه زميلنا يمكن تعميمه، عندما تكون الأغلبية صالحة في العمل والنوايا. وبالرغم مما قال الرجل وقلت أنا، فإنني تمتعت كثيراً بقراءة فصول الكتاب. ومع إنني عرفت صاحبنا من خلال قراءة سيرته الذاتية , التي أعتقد بأن عليه أن يعتز بها سيرةً ونصاً أدبياً وأكاديمياً وتاريخياً، وأتمنى لو استطاع بعضنا على الأقل، تسجيل سيرهم الذاتية بهذا العمق وهذه الصراحة لنكون عوناً للأجيال القادمة " الذين نعدهم لزمان غير زماننا ونعلمهم علوماً غير علومنا ".
[تحرير] عصام العريان
مشيناها خطىً .. شهادة يجب التوقف أمامها
لا تكاد تبدأ في قراءة هذه السيرة الذاتية حتى تنهمك فيها , ولا تتركها حتى تنتهي منها , ولا تفارق الابتسامة الساخرة شفتيك بينما يوشك الدمع أن ينهمر من عينيك على أحوال آلت إليها مصر في عهد الجمهورية . سواء في ثورة ناصر , انفتاح السادات أو عصر مبارك الذي لا أجد له تسمية إلا سطوة الأمن على كل شيء . درست التاريخ في كلية الآداب بجامعة القاهرة , ولم يسعدني الحظ بالتتلمذ على الأستاذ الدكتور رءوف عباس لسببين , الأول : أنني كنت منتسباً من وراء القضبان أثناء قضائي مدة عقوبة خمس سنوات من المحكمة العسكرية , والثاني : أن الدكتور ترك رئاسة القسم وتفرغ للجمعية المصرية للدراسات التاريخية , ولكني التقيته في موسمها الثقافي لعام2004 عندما تفضل واستضافني في ندوة مع آخرين. هذه السيرة الممتعة بأسلوبها السهل الممتنع تشدَّك إلى نصف قرن من الزمان يشهد عليه د. رءوف , بدءاً من نشأته في بيت مصري مكافح بسيط , وانتهاءً بانتقاله إلى العيش بالعاشر من رمضان ليتفرغ لبحوثه ولنشاط الجمعية المصرية للدراسات التاريخية , مروراً بدراسته وعمله وحصوله على الدكتوراه ونشاطه في الجامعة كأستاذ للتاريخ الحديث ورحلاته الخارجية .
هذه شهادة مهمة جداً , وتكمن أهميتها في أنها تأريخ لدور ثورة يوليو الاجتماعي , لأنها تأتي من إنسان يشعر بعظيم الامتنان ليوليو ودورها, بينما هو ليس من دراويشها – كما يصف نفسه – ولذلك يكشف ويعرِّي كثيراً من السلبيات القاتلة في جميع المجالات : الاقتصادية ؛ حيث عمل في القطاع العام , والسياسية؛ حيث راقب النشاط السياسي عن قرب , والتعليمية ؛ حيث كان في أكبر جامعة مصرية , والاجتماعية ؛ حيث كانت رسالته العلمية في الماجستير والدكتوراه عن العمال والطبقة العمالية والنقابات العمالية والأمنية ؛ حيث استدعى لمقابلة أمن الدولة بسبب لقاءاته المتكررة للقيادات النقابية ورعايته لأحدها .. إلخ بدأ د. رءوف سيرته تحت إلحاح أصدقائه الذين كان يحكي لهم بأسلوبه الشائق بعضاً من أطراف هذه السيرة والمواقف الطريفة ذات الدلالة التي مر بها في حياته , ونشط للكتابة بعد إحجام , رغم اعترافه بأن تجربته في الحياة غنية بمرها وحلوها.. وقد كانت كذلك بالفعل .
وختم سيرته باعترافه بأنه لو أطلق لقلمه العنان لتحول هذا العمل القيم – الذي يصفه بالمتواضع – إلى سفر ضخم, الأهم – من وجهة نظري – تجربته الجامعية , والشخصيات التي عايشها . وهنا أطالب د. رءوف – كأحد طلابه وكمواطن مصري – بأن يتفرغ الآن لتحويل هذه السيرة الذاتية إلى تأريخ لهذه الفترة من حياتنا , وهي من أهم الفترات التي مرت بها مصر, لا أطالبه بكتابة تاريخ ثورة يوليو –وهو من الأهمية بمكان– ولكني أطالبه بمزيد من التفصيل لكثير من الأمور التي مر عليها عابراً , لعل هذا التفصيل يفتح شهية آخرين لكتابة شهادتهم على التاريخ والعصر ؛ فيجتمع لنا – ونحن على أبواب الألفية الثالثة – حصيلة تمكن جيلنا نحن وجيل أولادنا أن يقيِّما – بإنصاف – تجربةً أثرت في تاريخ مصر كل التأثير .
آن لأستاذ التاريخ أن يتخفف من القضايا الإدارية – وهى المتعلقة بالجمعية المصرية للدراسات التاريخية – لينجز ما يتمناه هو بتقديم الأعمال العلمية التي خطط وأعد مادتها وأن يعكف على هذا العمل الشامل الذي يغطي تطور المجتمع المصري في العصر الحديث .
كانت هذه السيرة الذاتية اللذيذة شاهدة على كثير من القضايا : - المجتمع المصري قبل يوليو ومعاناة الفقراء في الحياة والتعليم.
- التدهور الذي أصاب الجامعات المصرية , والفساد الخلقي الذي نخر في البيئة الأكاديمية المصرية .
- الانحراف السياسي الذي أصاب جميع التنظيمات السياسية التي أنشأتها ثورة يوليو ؛ فلم تغن عنها شيئاً . - الفساد الضخم الذي صاحب أكبر حركة تأميمات ومصادرات اقتصادية تمت لصالح الشعب , فإذا بالشركات المؤممة تصبح – كما وصفها – "عزباً لرؤسائها " .
- تأميم الحركة النقابية وتحجيم دورها وغياب الرقابة الشعبية .
- مصادرة العمل الأهلي والاجتماعي وابتزاز موظفي الشئون الاجتماعية وفساد كثير من الجمعيات الأهلية . - إرهاب أجهزة البوليس السياسي ( أمن الدولة ) الذي وصل إلى الباحثين , هذا في الستينيات فما بالك اليوم ؟!
- الوحدة الوطنية وما طرأ عليها في عهد الثورة .
وأهم من ذلك كله رحلة كفاح بإصرار وعزيمة وإيمان قوي واعتزاز بالنفس قلَّ أن نجدهما في هذا العصر . وهي لذلك مثال للشباب في عصرنا هذا يجدر أن يقتدى بها حتى لا يصاب باليأس والقنوط وهو يرى مصادرة حقه في التعبير والنشاط. ولم ينس الكاتب أن يغطى تجاربه في الحياة خارج مصر سواء في اليابان التي أعجب بها كل الإعجاب ونشر عنها دراسة لا أدري لماذا لا نجدها الآن وقد عانى هو في توزيعها , أو في الخليج بالدوحة , أو في رحلة علمية يهتم بها جداً إلى أمريكا . وهنا أهمس .. مطالباً د. رءوف بنشر نص المحاضرة التي ألقاها في أمريكا حول " عوامل قيام الحركة الإسلامية السياسية بمصر " باللغة العربية .
لقد خسرت الحركة الإسلامية المصرية نصيراً قوياً – كما أحس من خلال الحديث – لصالح الحركة اليسارية بسبب احتكاك الدكتور باليسار أكثر منه بالإسلاميين ؛ حيث كانت رسالتا الماجستير والدكتوراه سبباً لذلك , وبسبب غياب الحركة في السجون أثناء فترة التكوين الرئيسية التي شكلت وجدانه , لكن ماتزال هناك فرصة . د. رءوف أمتعني شخصياً , وأزعج الكثيرين , وأنا من هواة قراءة التراجم للاستفادة من تجارب حياة الآخرين قديماً وحديثاً , وأمتع كل القراء والمحبين له , الذين تناولوا هذه السيرة بالتعليق . وإنني أشكر أستاذ مصطفي نبيل – رئيس تحرير كتاب الهلال – على نشر هذه السيرة الذاتية في سلسلة " كتاب الهلال " وإتاحتها بسعر معقول للشباب الذين أهدى إليهم الكاتب عمله .. متمنياً أن يجدوا فيه ما يفيد , كما أهداه إلى الذين يسممون أمامهم الآبار لعلهم يتعظون , وأظن – وبعض الظن إثم – أنهم لن يتعظوا.
هؤلاء وغيرهم سينزعجون جداً من هذه السيرة الذاتية ؛ لأنها شديدة القسوة، كاملة الصراحة ، فهو لم يتوان عن ذكر الناس بأسمائهم في مرارة واضحة على تدهور القيم الأكاديمية وانهيار الأخلاق , خاصةً في الجامعة . ولقد سمعت من بعض الذين احتكوا بروايات ذكرها الكاتب ما يخالف ما قاله , واتهاماً صريحاً له بأنه يسعى للانتقام , ويظهر نفسه بطلاً بينما الحقيقة غير ذلك .. وأدعو هؤلاء وغيرهم أن يكتبوا سيرهم وذكرياتهم لكي تكتمل أجزاء الصورة أمام الجيل الذي عاش متفرجاً ؛ فهذا هو حق الأجيال على الرواد . كانت النشأة لأسرة فقيرة لعامل بالسكة الحديد , وشابها اغتراب مبكر ليعيش مع جدته لأبيه الغاضبة دائماً , التي لم يتوان عن وصفها بصفات شديدة القسوة لأنها كانت قاسية عليه بسبب خلافها مع أمه , في صراحة نادرة قلَّ أن تجدها في السيَّر والتراجم . وكانت معاناته في صباه امتداداً لمعاناة والده نفسه , الذي كان سلبياً في حياة صاحبنا ؛ فلم يقدم له إلا العون المادي في حدود استطاعته , ولم يشعر الطفل لا بحنان الأب والأم ولا بالدفء الأسري .. نظراً لضيق ذات اليد والفقر الشديد , وأيضاً لكثرة التنقلات التي مر بها الأب , ولكراهية جدته لأبيه التي نشأ في كنفها لأمه . وهكذا نشأ عصامياً تقريباً , ونحت في الصخر حتى يعلم نفسه ويستمر في مسيرته العلمية , حتى أنه يذكر كيف تحولت حياته عندما قدَّم له موظف طيب – اسمه عبد الحكيم أفندي – معونة مادية عندما زاره ليساعده في الحصول على عمل, وعندما ألقى نظرة على استمارة نجاحه في الثانوية العامة بمجموع 61.5 % قال : خسارة تضيع فرصة دخول الجامعة , وبعد أن شرح له ظروفه قدَّم الرجل – بعد الإطراق والحوقلة – مظروفاً صغيراً فيه رسوم تقديم للجامعة ( 3 جنيهات ) .. قائلاً : هذا قرض حسن أقدمه لك اليوم لترده لي حين ميسرة , وأقسم بالطلاق ألا يسمح له بالانصراف إلا إذا قبل القرض . فاضطر إلى القبول وانصرف حزيناً باكياً غارقاً في إحساس عميق بالعجز وقلة الحيلة .
ويسجل جواب والده الذي كان مصراً على البحث عن عمل وعدم الالتحاق بالجامعة بصورة صريحة : " لا يكلف الله نفساً إلا وسعها .. لا شأن لي بك , حسبي الله ونعم الوكيل " , وفي بقية المسيرة لا نجد ذكراً لهذه الأسرة الصابرة إلا عندما يشير الكاتب على مساعدته لهم ببعض المال , ومساعدته لشقيقه الأصغر في السفر في بعثة دراسية .. هل كان ذلك لأن أقاربه أيضاً تنكروا له ولم يقدم له أحد مساعدة تذكر سوى ابنة خالة أبيه ؟ هذا الجو الأسري الصعب – الذي نشأ فيه الكاتب – كان له انعكاس على حياته كلها فيما بعد , فلا نجد إلا صداقات محدودة بمكن حصرها , ولا نجد حياةً اجتماعيةً للكاتب , ولكن نجد صدامات متعددة طوال سيرته العلمية التي لا يذكر بالخير فيها إلا ثلاثة أساتذة تقريباً خاصم أحدهم ( د. محمد أنيس ) طوال حياته العلمية , وكذلك لا نجد تلاميذ يذكرهم بالفخر إلا واحداً أو اثنين .
للنشأة أثر كبير في حياة الإنسان , كانت تلك هي البداية التي أثمرت عصاميةً واعتزازاً شديداً بالنفس . في احتفال المكتبة الأكاديمية " دار نشر " السنوي تحدث العالم الجليل أ.د. محمد القصاص .. مشيراً إلى سؤال يؤرقه وهو : لماذا تخلفت مصر في الخمسين سنة الماضية ضارباً المثل بـ3 وقائع : أقامت كلية العلوم بجامعة القاهرة مرصد القطامية , وكان الثالث في العالم قبل أمريكا الشمالية , كان ذلك عام 1950م ساعد الاتحاد السوفيتي مصر في إقامة المفاعل الذري جنباً إلى جنب مع الهند عام 1954 , أين الهند الآن وأين المشروع النووي المصري ؟ الهند لديها أسلحة ذرية وهيدروجينية , ومصر تحول المشروع النووي في الضبعة إلى منطقة سياحية . كان ترتيب قسم الكيمياء بعلوم القاهرة عام 1960 تقريباً العاشر على مستوى العالم , الآن ليس له ترتيب تقريباً .
المفارقة كانت في حضور السيدة الدكتورة هدى جمال عبد الناصر بمناسبة إصدار الدار للمجلد الأول من خطب الرئيس جمال عبد الناصر في مشروع توثيقي ضخم . اكفهر وجهها وتغيَّر أثناء الحديث الصريح للدكتور القصاص الذي لا يجادل أحد في إخلاصه وعلميته ومنهجيته ؛ فهو العالم الدولي وأحد أبرز علماء البيئة في العالم كله . عقب أ.د. يونان لبيب رزق – أستاذ التاريخ الحديث – الذي كرمته دار النشر بمناسبة حصوله مع آخرين على جائزة مبارك .. محاولاً الإجابة عن سؤال د. القصاص , وعزا ذلك إلى عدة عوامل منها : غياب روح الفريق الجماعية , والأنانية , وعدم القدرة على المثابرة والمتابعة . هذا السؤال وتلك الإجابة يضيفان إلى ما قاله د. رءوف عباس في سيرته عن التدهور الحاد الذي أصاب الجامعات المصرية والمجتمع المصري عامة , ويعيد سؤالاً آخر للدكتور جلال أمين – عالم الاقتصاد المشهور- : ماذا حدث للمصريين في خمسين عاما ؟
[تحرير] نبيل صديق
مذكرات وذكريات
في قسم التاريخ .. بكلية الآداب .. جامعة القاهرة .. عرفت الدكتور رءوف عباس حامد , وتتلمذت على يديه .. فقد كان رئيساً للقسم آنذاك , ودرس لنا تاريخ مصر الحديث والمعاصر , وتعلمنا منه معنى الوطن والوطنية , والانتماء , فهو عاشق لمصر ولتراب مصر , دائماً كان يناقش الطلاب أثناء المحاضرات في الأحداث الجارية ليطرح وجهة نظره , وحتى يعرف ماذا يدور في عقول الطلاب , وأتذكر في إحدى المحاضرات أنه توقف فجأة وسأل الطلاب .. من منكم شاهد مسرحية " الملك هو الملك " , وكانت المسرحية تعرض على مسرح السلام بشارع قصر العيني , وكانت مثاراً للجدل وللمناقشة آنذاك لجرأة نص سعد الله ونوس المكتوب , والأداء العالي لمحمد منير وصلاح السعدني وباقي أبطال المسرحية . وفوجئ الدكتور رءوف عباس بنصف الطلاب الموجودين في المدرج يرفعون أيديهم وقالوا لقد شاهدنا المسرحية , فابتسم الدكتور رءوف وقال : " والله كويس .. ده انتو مصحصحين ومتابعين " . لقد كان مثالاً يحتذى به للأستاذ الجامعي المحترم , الكل يهابه ويحترمه وفي الوقت نفسه يحبونه , وكان قريباً من الطلاب يسمعهم ويحاورهم كأب حنون , حريص على مصلحة الطلاب وكأن كل واحد منهم ابناً من أبنائه . وفي سيرته الذاتية " مشيناها خطىً " حاول الدكتور رءوف عباس أن يطرح خلاصة تجربته موجهاً كلامه إلى الشباب .. عساهم يجدون ما يفيد , وإلى الذين يسممون أمامهم الآبار .. لعلهم يتعظون .. وفي سيرته الذاتية نجد محطات رئيسية لحياته , كل محطة تركت بصماتها على شخصيته , وكان صريحا في عرض كل محطة بعمق ووضوح بصورة لم نألفها في السير الذاتية , لأن أغلب أصحاب السير الذاتية , كانوا يحاولون تجميل أنفسهم والدفاع عن أنفسهم في الملاحظات والاتهامات التي وجهت لهم , ولم أجد هذا في سيرة د. رءوف عباس عرض لنا لحظات العناد والإصرار والصبر , وأيضاً لحظات الإحباط والعجز وخيبة الأمل .. بكل صراحة .
والمحطة الأولى في سيرة الدكتور رءوف عباس .. كانت النشأة والطفولة , بكل ما فيهما من صعوبات ومعاناة وإصرار على تحدي الظروف .. ففي أحد مساكن عمال السكة الحديد ببورسعيد ولد رءوف عباس حامد , وبالتحديد في أغسطس 1939 , وتلك المساكن تطل على معسكر القوات البريطانية ببورسعيد وولد في ظل ظروف دولية ملتهبة , أشعلت نار الحرب العالمية الثانية فقد كانت أسرته شأنها شأن السواد الأعظم من المصريين عندئذ , كان والده عاملاً بالسكة الحديد يشغل أدنى السلم الوظيفي للعمال , وجده أيضا كان عاملاً بالسكة الحديد , نزح من جرجا – سوهاج إلى القاهرة عام 1910 . وتنقل الأب في العمل ما بين بورسعيد والسويس حتى نقل إلى القاهرة , فلم تستطيع الأسرة الحياة فيها بالراتب الضئيل الذي يتقاضاه الأب , فسارع بطلب النقل إلى " أوسيم " . ولكن الجدة رفضت ترك القاهرة , فوافق ابنها ورصد لها ربع دخله وترك معها طفله الصغير " رءوف " في عزبة هرميس في شبرا , واستمر الوضع هكذا حتى الثانوية , ولعبت الجدة دوراً سلبياً في شخصية رءوف عباس لقسوتها وإصرارها على إرهاقه انتقاماً من أمه في شخصه لأنها لا تحبها , وكانت تحرمه من الطعام ولا تعطيه إلا أقل القليل و ويحكي رءوف عباس , عندما تجرأ وأكل – سراً – قطعة من اللحم ظناً منه أنها لن تكتشف الأمر, واتضح أنها تحمل معها "محضر الجرد" فاكتشفت السرقة, ولعنته وأمه لأنه " مفجوع " مثلها . ولم يتخلص من كراهيته لجدته .
ومن البصمات المؤلمة التي تركتها محطة النشأة والطفولة , عندما سقط من الطابق الثاني من فوق درج البيت ليهوي على رأسه في صحن البيت , وظل صوت الارتطام بالأرض يدوي في أذنيه عدة سنوات , وأصيب بكسر في الفك الأيسر , و لم يتنبه إليه أحد إلا بعد نحو خمس سنوات من الحادث , ترتب عليه عدم استطاعته فتح فمه باتساع يزيد على نحو واحد ونصف سنتيمتر , وأورثته هذه العاهة - التي لازمته طوال حياته حتى الآن - متاعب نفسية شديدة في فترة المراهقة على وجه التحديد , فكان لا يتناول طعاماً أمام الغرباء وأورثته الميل إلى الانطواء والحذر الشديد في الاختلاط مع أقرانه , وحرصه الشديد في اختيار من يتخذه صديقاً, وصاحبه الكثير من أعراض هذه الحالة النفسية حتى التحاقه بالجامعة, فبدأ يتخلص تدريجياً منها, فلم يبق منها إلا الحرص الشديد في انتقاء الأصدقاء .
البصمة الثانية في هذه المرحلة جاءت من صديق والده " محمد أبو زيد " عندما أنقذه من العمل في إحدى الورش التي أصر والده على الالتحاق بها بعد أن أخبره شيخ الكتاب أن ابنه لا يحفظ القرآن ويجد صعوبةً في ذلك , رغم أنه تعلم القراءة والكتابة وقواعد الإملاء والحساب في السنوات الثلاث التي قضاها بالكتاب , وكان رءوف يطلب من الشيخ أن يفهمه الآيات أولاً حتى يحفظها , واعتبر الشيخ هذا الكلام تطاولاً من هذا الطفل المتمرد , وأقنع والده أنه لا يصلح للتعليم , ففكر في دفعه للعمل في إحدى الورش , ولكن محمد أبو زيد أقنعه بأن يقدمه لامتحان القبول بإحدى المدارس الابتدائية وتجاوز عقبة الواسطة ودخل المدرسة .. وبدأ مرحلةً جديدة حتى أصبح واحداً من أبرز مؤرخي التاريخ الحديث في مصر .
المحطة الثانية .. بدأت بالالتحاق بالجامعة رغم رفض والده الفكرة وطلب منه البحث عن عمل و ولكنه لم يجد , فالتحق بالجامعة مما أغضب والده .. ولكن سرعان ما تلاشى هذا الغضب ولأنه حاصل على 61.5 % في الثانوية العامة , وأعفي من المصروفات مما أزال آخر عائق بينه وبين الجامعة , و ويرصد الدكتور رءوف عباس الأساتذة الذين تعلم على أيديهم منهم د. أحمد فخري و د. سعيد عبد الفتاح عاشور و د.رشيد الناضوري و د.عبد اللطيف أحمد علي ود.محمد عواد حسين , وكيف ترك هؤلاء أثراً ملحوظاً في تكوينه , وكيف مر آخرون من حياته مروراً عابراً دون أن يتأثر , ولكنه أفرد صفحات ليحكي عن تأثره البالغ بالمدرس الشاب د. أحمد عبد الرحيم مصطفي ابن سوهاج , لأن هذا المدرس الشاب كان يحث التلاميذ على التفكير ونبذ المسلَّمات ما لم يقم الدليل العقلي على صحتها , وأن الحقيقة التاريخية ليست كاملةً , وان الموضوعية مسألة نسبية , ووجد رءوف عباس في د. أحمد عبد الرحيم مصطفي القدوة التي ينشدها واتخذه مثلاً أعلى له . لأنه كان أستاذاً عظيماً ومربياً عبقرياً قبل أن يكون أستاذاً , التحم بتلاميذه ولم يترك مسافة بينه وبينهم . وفي مرحلة الدراسات العليا , تأثر رءوف عباس بالأستاذ العملاق أحمد عزت عبد الكريم , ويقول عنه : لقد كان محاضراً متميزاً يستقرئ المادة التي يقدمها في صورة تساؤلات يستخلص منها الإجابات المحتملة , جاعلاً من موضوع المحاضرة قضيةً , يتفحص شواهدها مع طلابه , ويبحث معهم عن دلالتها , يسمح بالمناقشات في حدود إذا كان السائل يطرح سؤالاً وجيهاً يعكس درجة استيعابه لما سمعه من الأستاذ .
وتأثر رءوف عباس بأستاذين عملاقين بشكل غير مباشر هما : الدكتور عبد اللطيف أحمد على أستاذ كرسي علم البردي , وكرسي التاريخ القديم بكلية الآداب جامعة القاهرة و ورئيس قسمي التاريخ والدراسات القديمة بها , فقد كان محاضراً رائعاً يشرح الدرس بأسلوب مسرحي فيجعل الطالب يكون صورة ذهنية درامية للأحداث التي يعرضها الأستاذ, وأيضاً الدكتور أحمد فخري عالم الآثار العظيم , وكان رءوف عباس مبهوراً بأبوته وإنسانيته , وقارن بينه وبين أستاذه إبراهيم نصحي أول عميد لكلية الآداب جامعة عين شمس , حيث كان إبراهيم نصحي يعامل الطلاب بتأفف واشمئناط , ويلقي المحاضرة ويرسم على وجهه علامات التقزز , ويقول " الجامعة برطشت " , والويل لمن يجرؤ على طرح سؤال على الأستاذ الذي يسرف في توبيخه ويمسح الأرض بكرامته , بينما الدكتور أحمد فخري يعاملهم بإنسانية وأبوية عكس من عاملهم دائماً باشمئزاز واحتقار , وعدهم من فصيلة " الحشرات " !!
المحطة الثالثة .. بدأت بفتح صفحة جديدة في حياته عندما حصل على الليسانس عام 1961 وتعيينه في " المؤسسة العامة للصناعات الكيماوية " في كفر الزيات , مما بعث الأمل عنده وعند أسرته , فقد زوده العمل في شركة صناعية من الشركات التي تم تأميمها في يوليو عام1961, بتجارب وخبرات جديدة , كان لها أثر في تكوينه , بل وفي تحديد حقل دراسته العليا التي بدأها عام 1962 – 1963, وفي هذه الفترة اعتذر مرتين عن حضور دورة تدريبية في " منظمة الشباب " بحجة انشغاله بالدراسات العليا , فقد كان يرى فرقاً شاسعاً بين الشعارات المرفوعة , وما يراه واقعاً أمامه على أرض الواقع, وعندما أنهى السنة التمهيدية للماجستير, بالنجاح بتقدير جيد جدا , شغل باله الموضوع الذي سيعد فيه رسالة الماجستير , وحسمت التجربة التي عاشها بين عمال كفر الزيات اختياره , فقد لاحظ أن أولئك العمال الذين نجحوا في إسقاط اللجنة النقابية وراءهم خبرة نضالية لم تأت من فراغ , وراح يبحث عن كتاب في تاريخ الحركة النقابية في مصر , فلم يجد سوى كتابات لا تغني ولا تسمن , ووجد عشرات الكتب الإنجليزية عن الحركة العمالية في أوروبا عامة , وبريطانيا خاصة , وعقد العزم على دراسة الحركة العمالية منذ نشأتها حتى قيام ثورة يوليو 1952 , فعرض الموضوع على أستاذه أحمد عبد الرحيم مصطفي , فرحب بالموضوع ولكنه اعتذر عن عدم الإشراف , وعرضه على د. أحمد عزت عبد الكريم فوافق , وبدأ رحلة جمع المادة فذهب إلى الإسكندرية وقابل النبيل عباس حليم صاحب الدور في الحركة العمالية , ومحمد حسن عمارة سكرتير عام اتحاد نقابات عمال القطر المصري , وسيد قنديل رئيس نقابة عمال الطباعة في الثلاثينيات والأربعينيات , كما استطاع الاتصال بالنقابيين الماركسيين محمد يوسف المدرك – محمود العسكري – أحمد طه – سعد صمويل الفيشاوي , وحصل منهم ومن غيرهم على بعض الأوراق المهمة , والدوريات العمالية المجهولة , واستعان بخطىًبته "سعاد الدميري" في تجميع بعض ما احتاجه البحث من مادة الدوريات من دار الكتب , وبذلك اكتملت المادة التي أعد منها رسالته التي نوقشت في نوفمبر 1966 , واستقال من شركة كفر الزيات في أبريل 1967 , وسجل موضوعاً لرسالة الدكتوراه " الملكيات الزراعية الكبيرة وأثرها في المجتمع المصري " 1837– 1914 , فكان لابد من التفرغ للدراسة , ونجح أستاذه أحمد عزت عبد الكريم في تدبير منحة تفرغ , وحصل على الدكتوراه في يناير 1971 , ونجح في التسلل إلى آداب القاهرة في وقت كان القسم مقسماً شيعاً وأحزاباً لا علاقة للعلم ومدارسه به , بل كان العلم لا يظهر على السطح إلا لخدمة غرض شخصي إن إيجاباً أو سلباً, ولكن البحث العلمي والمنافسة في مجاله , كانا غائبين في هذا القسم, أحقاد وصراعات قديمة بدأت بين جيل الرواد, أورثها كل منهم لتلاميذه الذين أجادوا الزلفي والتملق حتى يستطيعوا الحياة في ذلك المناخ غير الصحي , فالويل كل الويل لمن يكتشف أستاذه بأن له صلة بمعسكر خصمه , كما يحدث في الخصومات السياسية , وأجاد بعض هؤلاء لعبة " العميل المزدوج " حتى يضمن مساندة الجميع له بحسبانه من أتباعهم , فإذا كشفت لعبته كان في ذلك نهايته .
واعتبروا رءوف عباس دخيلاً هبط علي القسم من دون استئذان , حاول في البداية أن يقيم علاقة طبيعية مع الجميع , فلم يلق استجابة سوى من الدكتور سعيد عاشور , أما الدكتور عبد اللطيف أحمد على الذي تأثر به علمياً فكان لا يطيق رؤية ذلك المعيد الذي أفسد عليه فرصة تقديم خدمة لصديقه مدير جامعة الإسكندرية , حتى أنه حاول – ذات مرة – إهانته على الملأ بعد إحدى المحاضرات بمقر الجمعية المصرية للدراسات التاريخية , فناداه " أنت يا....... أنت " فلم يرد عليه وتجاهله, فكرر النداء " أنت يا عباس .. أزاي تكون بتشتغل عندي وما بتجيش الكلية " ؟ فرد عليه بصوت جهوري : " أنا مش شغال عند سيادتك " .. أنا معيد بجامعة القاهرة , ورئيسي المسئول عن متابعة عملي هو أستاذ التخصص ", فرد العميد " د.عبد اللطيف أحمد علي " : " لكن عليك واجبات للقسم لازم تعملها .. تعال قابلني بكره الساعة عشرة " . وكان رءوف عباس ملازماً للدكتور محمد أنيس يوم وجوده بالكلية , وكان لا يحضر سوى يوم الخميس لإلقاء محاضرته لطلبة الليسانس , وفي مجلس محمد أنيس تعرف رءوف عباس على كل من أحمد عباس صالح – سعد زهران – إبراهيم صقر – حسام عيسى – حلمي شعراوي – جلال السيد , وعرف عن طريقه كامل زهيري ومحمود العالم وغيرهما , وأتاح له محمد أنيس فرصة الكتابة بمجلة " الكاتب " , ثم أشركه في " قسم الأبحاث " الذي أقامته جريدة الجمهورية رداً على إقامة جريدة الأهرام لمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية , وترك أنيس قسم الأبحاث بعد خلاف مع فتحي غانم " رئيس التحرير عندئذ " وأصبح نبيل عبد الفتاح مشرفاً على القسم , فاشترك رءوف عباس في المجموعة التي تدرس أوضاع القطاع العام , وجاء النشر مهيناً لكل من يحرص على سمعته , بعدما أطاح مقص الرقيب أو قلم التحرير بمعظم الفقرات التي تكشف السلبيات المترتبة على أسلوب إدارة القطاع العام , فآثر ترك القسم .
وبعد ذلك أشركه د. محمد أنيس معه في " مركز تاريخ مصر المعاصر " التابع لدار الكتب والوثائق المصرية منذ تأسيسه على يديه , وشهدت فترة العمل في المركز فتور العلاقة بينهما , وتوترت لأسباب تتعلق بشخصية رءوف عباس الحساسة جداً لما يرى فيه استغلالاً ماساً بكرامته , وواجهه بذلك ورفض أنيس هذا الأسلوب ووصل الأمر أنه يصف رءوف عباس – كلما سمع اسمه – بأنه " عميل للمباحث " " دس عليهم دساً " . وبعد حصول رءوف عباس على الدكتوراه تقدم بطلب للدكتور محمد جمال الدين سرور رئيس قسم التاريخ بآداب القاهرة يطلب تعيينه مدرساً بالقسم فرفض بحجة أنه حصل على الليسانس من جامعة عين شمس وقال له : " وكمان الدكتور محمد أنيس مش عايزك " !! فذهب يشكو إلى أستاذه أحمد عزت عبد الكريم فوجده على علم بالتفاصيل عن طريق يحيى هويدي عميد الكلية , ومحمد جمال الدين سرور رئيس القسم , ونصحه عبد الكريم بصرف النظر عن المطالبة بالتعيين بآداب القاهرة والانتظار إلى إبريل " بعد ثلاثة أشهر " ليتم الإعلان عن درجة مدرس بآداب عين شمس يتقدم لها , ويعود بعد ذلك إلى بيته العلمي بعد الاغتراب إلا أنه رفض,وأصر على الحصول على حقه كاملاً لأن التراجع يعني "الإهانة والانكسار ", فرد عليه د. أحمد عبد الكريم : " يعجبني فيك الاعتداد بالنفس والتمسك بحقك , حاول معاهم , فإذا لم توفق مكانك محفوظ بآداب جامعة عين شمس " وبالفعل عين مدرساً بعد سبعة شهور من الحصول على الدكتوراه ولم يتخذ القرار إلا بعد عودة د.محمد أنيس من إعارة إلى الجزائر, وظل منبوذا في القسم حتى سفره إلى اليابان في مهمة علمية , فكان نصيبه من أعباء التدريس مادة واحدة "تاريخ مصر الحديث" لطلبة ليسانس المكتبات , وعندما عاد من اليابان قام بتدريس المادة نفسها مدة عامين حتى أعير إلى قطر , ولم ينل فرصةً كاملةً للتدريس بالقسم إلا بعد عودته من الإعارة , وكان قد أصبح أستاذاً مساعداً .
المحطة الرابعة .. العلاقة مع السلطة .. لم يحتك رءوف عباس بالسلطة إلا في عصر السادات واستطاع في البداية أن ينجو بنفسه من ورطة التعاون مع السادات - على حسب تعبيره – بالفرار من الانضمام لحزب خدم السلطان " حزب مصر " . ولكنه سرعان ما واجه مأزقاً جديداً يقول عنه في سيرته الذاتية : " فقد استدعاه عميد الكلية يوماً لمقابلته وقال له : " السيدة جيهان السادات عايزه تشوفك " .. فسأله رءوف عباس عن السبب فقال له العميد : " يبدو أنها تريد استشارتك في مسألة تاريخية تتصل بدراستها , وأمر بعض من تثق بهم زكاك لها و وعليك الحضور لمقابلتها يوم الثلاثاء " فرد رءوف قائلاً " أنا لا أحضر إلى الكلية إلا أيام السبت والاثنين والأربعاء , وأنه أستاذ مساعد يجب أن يسعى إليه المعيد , وهي معيدة بقسم اللغة العربية وبالتالي تستطيع مقابلتي في مكتبي في أحد تلك الأيام الثلاثة كما يفعل غيرها من المعيدين, وأدار ظهره للعميد وانصرف . ويوم السبت استدعاه العميد مرةً أخرى وقال له : " جيهان السادات تريد الاستعانة بك في أمر يتصل بابنتها التي تدرس الماجستير في تاريخ الشرق الأوسط بالجامعة الأمريكية ", وطلب منه تحديد موعد الذهاب إلى بيت الرئيس . فكرر رءوف عباس على العميد ما قاله في المقابلة السابقة , وأكد على أن من يريد استشارته يأتي لمكتبه بالقسم في الأيام التي يتواجد فيها بالكلية , وأدار ظهره للعميد مرة أخرى وانصرف .
وفي يوم السبت التالي استدعاه العميد في الحادية عشرة , وعندما دخل إلى مكتب العميد , كانت هناك فتاة سمراء نحيفة القوام قدمها له " السيدة نهى السادات ", ثم غادر حجرة المكتب وتركهما معاً .. فقالت له : أنا أدرس الماجستير بالجامعة الأمريكية , وأعد بحثاً عن " حزب الوفد " , وأنا بحاجة إلى استشارة أستاذ متخصص , ولا يوجد نظيره في الجامعة الأمريكية , فنصحها باللجوء إلى د. عبد العظيم رمضان أو د. يونان لبيب رزق فهما المتخصصان بهذا المجال , ولكنها قالت : أنا متأكدة أنه أنسب المتخصصين لمساعدتها , فاعتذر وقال لها استعيني بوالدك " لأنه الوحيد في مصر الذي يعرف حقيقة حزب الوفد " وتركها في حجرة العميد وانصرف , وبعد نحو ساعتين , بينما كان يتأهب للانصراف , استدعاه العميد وذهب للقائه , فوجد الغرفة خالية – على غير العادة – إلا منه , وشكره العميد على لقائه بالسيدة نهى , ثم تردد قليلاً وقال على استحياء " إن اختيارها لك يعود إلى أنك الوحيد الذي له كتابات بالإنجليزية , وأنها في حاجة إلى من يكتب لها البحث " !!! فهب رءوف عباس واقفاً وافجر في العميد قائلاً : " أنت عارف قاعد فين قاعد على كرسي طه حسين , وبتشتغل نخاس , بتبيع أساتذة الكلية في سوق العميد !!! " وخرج من الغرفة صافعاً الباب خلفه , حدث هذا في ربيع 1981 , وكان رءوف عباس يتأهب لتقديم أوراقه إلى لجنة الترقيات للحصول على درجة الأستاذية , وكان قياس الأمور بمعايير المصلحة الشخصية يسوقه إلى مداهنة العميد وليس إهانته إلى هذا الحد ,وخاصة أن زميله د. حسن حنفي تأخرت ترقيته لما يقرب من العامين لأنه اعترض في مجلس الكلية عل حصول جيهان السادات عل درجة الليسانس بتقدير امتياز , رغم أنها لم تظهر بقاعة الدرس إلا أياماً معدودة طوال العام الدراسي , ولكن شيئاً من هذا لم يدخل في حسابه , فقد أحس هو نفسه بذروة الإهانة عندما طلب منه العميد أن يكتب البحث لبنت الرئيس . ومضت الشهور وجاء سبتمبر 1981 ونكبت كلية الآداب بنقل عدد من أساتذتها خارج الجامعة في أحداث سبتمبر الشهيرة , وفي أول مجلس كلية يعقد بعد هذه الكارثة بأسبوع واحد , عرض على مجلس الكلية طلب مقدم من السيدة جيهان أنور السادات , " البنت الصغرى للرئيس " – المعيدة بكلية التربية فرع الفيوم – تطلب فيه نقلها إلى قسم اللغة الإنجليزية بالكلية لقربها من مكان منزلها , فاستشاط رءوف عباس غضباً " وكان عضواً بالمجلس عن الأساتذة المساعدين " , وقال للعميد إن عرض هذا الموضوع فيه امتهان للمجلس وأعضاء هيئة التدريس بالكلية واستفزاز لمشاعرهم , والأحرى بالمجلس أن يرجئ النظر فيه لأجل غير مسمى , ورد العميد بأن مجلس قسم اللغة الإنجليزية وافق على الطلب , ونحن أمام حالة روتينية متكررة ولا يجب أن تزر وازرة وزر أخرى , فأصر رءوف عباس على طرح الموضوع للتصويت , ففوجئ بموافقة الأغلبية على الطلب !! كانت أوراق ترقية رءوف عباس إلى الأستاذية بين يدي اللجنة المختصة , وكانت هناك شائعة قوية أن هناك قراراً آخر سيصدر بعد احتفالات السادس من أكتوبر بإبعاد الآخرين خارج الجامعة , ولكن رءوف عباس كان يعاني الحسرة والاكتئاب, ويرى أن جو الجامعة قد سممه الفساد, والتذلل إلى السلطة , وأنه لو بقى بالجامعة أو طرد منها سيان .
واغتيل السادات في السادس من أكتوبر وعاد الزملاء المبعدون إلى أعمالهم, واستقالت – فيما بعد – جيهان السادات – الأم والبنت – وبدأت العناصر الانتهازية تعيد ضبط مواقفها. وحصل رءوف عباس على الأستاذية في ديسمبر واختاره نفس العميد رئيساً لقسم التاريخ في أبريل 1982 , بعد وفاة رئيس القسم رغم كونه أحدث الأساتذة الثلاثة الموجودين بالقسم , لاعتبارات رأى فيها الرجل أن مصلحة القسم أن تسند أموره إليه , وبعدما ترك العميد العمادة , جمعته برءوف عباس فرصة لقاء فقال : " أنا مدين لك بالاعتذار عن واقعة بنت الرئيس " , فرد رءوف بأنه هو الذي يجب أن يعتذر عن الطريقة التي رد بها , وظلت علاقته بالأستاذ الجليل وديةً إلى أبعد الحدود. لم يستطع رءوف عباس أن يخفي حزنه على حال الأساتذة في الجامعات وتآكل استقلال الجامعة , نتيجة تملق أعضاء هيئة التدريس للسلطة , وقبولهم لما فرضه القانون الخاص بالجامعات من ضوابط قيدت الحرية , وأخضعت الجامعة لسلطان أجهزة الأمن , وهان الأساتذة على السلطة عندما هانت عليهم أنفسهم , فلم يستطع الحريصون على استقلال الجامعة وتقاليدها تنظيم حركات احتجاجية على ما يجري للجامعة ويحكي رءوف عباس عن واقعة شهدها بنفسه , أثناء الحملة الانتخابية لوحدة الاتحاد الاشتراكي بالكلية , عندما وقف أحد المرشحين من الأساتذة على السلم الرئيسي المؤدي إلى مكتب العميد , يعرض برنامجه في خطبة عصماء , ركز فيها على المطالبة بتحسين الأوضاع المادية لأعضاء هيئة التدريس , وأنهى خطابه بتحذير الأساتذة من إعطاء أصواتهم لعميد الكلية يحيى هويدي ، لأن أخاه " أمين " كان رئيساً للمخابرات , ورد عليه العميد من الشرفة المطلة على السلم بصوت جهوري يا دكتور فلان أنا لي الشرف أن يكون أخي رئيس المخابرات , لكن تحب أقول للناس دي مين اللي بيكتب تقارير عن زمايله للمخابرات وغيرها من أجهزة الأمن " ؟ ولم ينبس بنبت شفة , واختفي عن الأنظار !
ويقول د. رءوف عباس : بلغ تملق أعضاء هيئة التدريس للسلطة مداه في عصر السادات , فعدلت قواعد القبول بالجامعات لتسمح لحملة الـG.C.E وهي شهادة التعليم العام البريطانية التي تعادل الإعدادية من حيث المستوى العام , حتى يتسنى لزوجة الرئيس وبناتها الالتحاق بالجامعة , فكانت كلية الآداب وجهتهن وكال الأساتذة الدرجات لهن , وكانت رسالة الماجستير التي تقدمت بها زوجة الرئيس فصلاً محزناً في تاريخ الجامعات المصرية . فقد حضرها الرئيس , وجاء عل لسان أحد أعضاء اللجنة بعد أن ألقى قصيدة مدح من نظمه , أن الرسالة تستحق عن جدارة درجة الدكتوراه وليس الماجستير , ونعى على القانون قصوره في هذه الناحية , واضطرت سهير القلماوي أن تتدارك الموقف , وتفسر ما قاله الأستاذ المنافق بأنه شكل من أشكال التعبير عن الإعجاب بالرسالة !!
ويضيف رءوف عباس : لم يكن أسلوب اختيار القيادات الجامعية وحده أبرز مظاهر الفساد الجامعي الذي بدأ مع عهد السادات , وترعرع بعده واستشرى واستوحش , فقد ابتدعت آليات للفساد هي دعم الكتاب الدراسي والصناديق الخاصة ولجان الممتحنين . وعندما وصل رءوف عباس إلى منصب وكيل الكلية للدراسات العليا أقنع مجلس الكلية بضرورة تطوير الدراسات العليا بالكلية , وشكلت لجنة لهذا الغرض استمر عملها لمدة شهور ووضعت مشروعاً يضع من الضوابط والقيود ما يكفل رفع مستوى الدراسات العليا , ولقي المشروع حتفه عند عرضه على مجلس الكلية بالحذف والإضافة مما أفقده 50 % من قيمته , وعندما أجيز بعد عام آخر كان هم الأقسام الأساسي التحايل للالتفاف حول الضوابط التي وضعتها اللائحة الجديدة , ولم يرتح لهم بال إلا بعد إلغاء العمل بها عام 2003 . وهنا أدرك رءوف عباس أن الجامعة مرآه تنعكس على صفحتها صورة المجتمع بما فيه من تناقضات وما يعانيه من علل وأوجاع .
[تحرير] سهير اسكندر
خطىً نعتـــز بـهـــا
لا أعرف من أين أبدأ مع هذه " الخطىً " المجاهدة الصادقة للدكتور رءوف عباس. لم يكن الأستاذ الكبير بالنسبة لي شخصاً أعرفه ولا رأياً أتبعه وأنا مغمضة العينين، بعض كتاباته عن تاريخ الوفد كانت تقع مني موضع المخالفة أو التحفظ، من هذا الموقع بدأت أقلب صفحات كتابه " مشيناها خطىً " . هذا الكاتب يقيناً أعرفه إنه ليس المهم اتفاقك في الرأي أو المعتقد مع إنسان ما . الأهم أن نتفق معه في الإنسانية والوطنية، ما هذا الشلال النقي الذي هطل علينا يا دكتور رءوف ، ونحن نقرأ لك هذا الكتاب المخلص الشجاع؟! ، أي نفس واثقة نعمت بصحبتها معك. نفس مستقيمة تزهق الباطل حين تراه متمسكة بالحق وتعلي من قيمة العلم والعلماء، وتحتفي بمصر عظيمة متوحدة لا يجرؤ عليها التعصب أبداً. نقطة بداية لابد أن تسجل قبل أن أطلع القارئ علي بعض كنوز الكتاب، أعتقد أن هذا الأسلوب في الكتابة الصريحة المسئولة يعد سابقةً قد لا يكون لها مثيل فيما نقرأ لكبارنا، أجل قد نجد الأكثرية تمجد العلم والعلماء، لكن أحداً لا يشير إلي المخطئ المتجاوز بهذا الحسم.
كلنا نؤمن بالوحدة الوطنية وبالنسيج الواحد الذي يجمع المصريين إلي يوم الدين، لكن أحداً لم يحدد بالأسماء من انخرطوا في التعصب عن قصور أو نفاق، كلنا يكره النفاق والوصولية لكن د. رءوف هو الذي يشير بيد ثابتة إلي من اختاروا ذواتهم علي حساب المصلحة العامة. يسجل الكتاب بيد مؤرخ كبير قصة التحول الاجتماعي في مصر في نصف القرن الماضي، طبيعة " الحكَّاء البارع " واكبت التأريخ الدقيق لصورة حياة خاصة وعامة دون تزويق، فصل المؤرخ نفسه عما هو شكلي من دواعي الوجاهة والادعاء، أطلق قلمه علي فطرته يحيطنا بأسلوب حياة ثرية وبطرق مكابدة مصرية صميمة . بانتمائه أسرياً إلي الطبقة العاملة يشعر د. رءوف عباس بنوع من الدين الكبير لثورة يوليو ، 1952 أحدثت هذه الثورة نقلة جوهرية بالنسبة لحقوق كل العمال وأشاعت مناخاً من المساواة. إذا كانت الثورة " جمال عبد الناصر " لم تضف كثيراً إلي أبناء الطبقة الوسطي، فالأمر كان مختلفاً مع أبناء الطبقات العاملة، كانت نصيرة للعمال وممثلة لمصالحهم ذلك كان رهانها الأول، ووعدها الدائم. إذا كان ثمة تعليق تاريخي لا يمكن فصمه لشخص " جمال عبد الناصر " إنما يعود إلي هذا الجانب الذي ينحو إلي الإنصاف والمؤازرة والإحساس بمحنة الطبقة الكادحة.
أفرد د. رءوف عباس فصولاً طويلةً يحكي لنا قصة طفولته الصعبة والمناخ الذي عاش فيه والمصاعب الاجتماعية التي لاقاها وقهرها، بكتابه المهم يريد د. رءوف عباس لمصر نهضةً بعد عثرة ، وإباءً بعد عذاب وصدقاً بعد طول الكذب عليها. يريدها مثله مستعليةً علي المحن ، كبيرةً في وجه التحدي.. منتصرةً وإن طال الظلام . حينما عرض د. رءوف عباس لخطىً حياته الرئيسية، رسم في نفس الوقت صورة واضحة للحياة المصرية في أربع مراحل. الملكية ثم عبد الناصر ثم السادات وحسني مبارك. أضاف د. رءوف عباس إلي تقييمه العام للأحداث والشخوص دوراً رائداً. حدد بالأسماء بعض من ظنوا أن صولة الدكتاتورية تكفل لهم الحماية أبد الدهر. رفض المؤرخ الكبير بعرضه المركز للمسرح السياسي والعلمي أن يجعل الحقائق تغيم والحقوق تدفن في رمال النسيان . بصفته العلمية أصدر أحكاماً للتاريخ تدق مسماراً غليظاً في أسلوب التغاضي عن ملاحقة المخطئين في حق العلم والوطن والإنسانية.
عشنا مع الكاتب الحكاء إطلالته علي ربوع مصر وأزمانها. استشعرنا مناخ الفترة الناصرية بلمحات من وصفه الصادق. إلي جانب الانحياز إلي الفقراء كان هناك الجو البوليسي والأمني المتضخم الجاثم علي صدور المصريين. نتذكر من ناحية أخري أن التعليم والبحث العلمي لم يكن قد تهدم في تلك الفترة. كانت المدرسة نافذةً نطل منها علي عالم أوسع.. الفنون والهوايات والرياضة كلها كانت أنشطةً حقيقية للمدرسة. الدفقة الوطنية العارمة أيام عبد الناصر.. عدوان 1956 ثم نكسة 1967. المظاهرات التي خرجت تهدر لأول مرة احتجاجاً من الطلبة علي المحاكمات الهزيلة لمن تسببوا في النكسة.. يسجل الكاتب معارضته لأسلوب الزعيم عبد الناصر في الحديث عن حرية المصريين مركزاً فقط علي الأمان الاقتصادي والعدل الاجتماعي. في الفصل الخاص بفترة أنور السادات وبالرغم من نصر أكتوبر 1973 والفرح الغامر به فقد راع د. عباس موقف السادات الناتج عن هذه الحرب. يقول بحرارة متحدثاً عن نفسه بصيغة الغائب " تمني لنفسه الموت قبل أن يري رئيس مصر معتلياً منصة الكنيست بالقدس واضعا 99% من أوراق اللعبة بيد القوي الإمبريالية المساندة للصهيونية ". حرص أنور السادات علي ضرب اليسار والاشتراكية. في استخدامه للتيار الديني بسياسة غير حكيمة أطلت أول فتنة طائفية في مصر منذ حقب طويلة.
أشار كاتب " مشيناها خطىً " إلي بعض الشخصيات الأكاديمية والسياسية التي اتخذت مواقف متعصبةً طاعنةً لحق المواطنة نفاقاً واتباعاً. ترعرع الفساد الجامعي في هذه الفترة وما تلاها حتى الآن، تمثل ذلك في أسلوب اختيار القيادات الجامعية بشكل يغلب عليه الطابع الأمني والسياسي. تجسد الفساد كذلك في ظواهر عديدة أهمها الصناديق الخاصة الممولة من الطلاب. استخدمت أموالها لمنح مكافآت شخصية للبعض لتلميع رؤساء الجامعات. أدي الحق في إضافة درجات تعويضية للطلاب إلي التأثير علي العدالة بشأن النوابغ الحقيقيين, ثم استبدالهم بمتفوقين زائفين يتم تصعيدهم للسلك الجامعي تحقيقاً لمآرب مختلفة.
[تحرير] أحمد عز العرب
صفر الجامعة وشهادة أستاذ التاريخ
خيراً فعل وزير التعليم العالي باعترافه بتردي الأوضاع في جامعاتنا. وكانت قد تعرضت لموقف يشبه واقعة ( صفر المونديال الشهير ) عندما طلبت الصين الشعبية من نحو ألف عالم وأستاذ ينتمون إلى 88 دولة أن يختاروا أفضل جامعات العالم وفقاً لمعايير علمية محددة . وجاءت اختياراتهم تضم 500 جامعة ليس من بينها أي من الجامعات المصرية , وهو ما يعني تراجع هذه الجامعات عن مكانتها التي كانت تشغلها عند الأوساط العلمية الدولية من قبل . وتعليقاً على هذه النتائج أقر د. عمرو عزت بموضوعية معايير الاختيار وعدم انطباقها حالياً على أيِّ من جامعاتنا .
يشكل اعتراف الوزير موقفاً عقلانياً مختلفاً عن ردود الأفعال الانفعالية لغيره من المسئولين عن مجالات أخرى في حالات مماثلة , إذ غالباً ما يرفضون الاعتراف بواقع تخلفنا في هذه المجالات , ويميلون إلى إنكار الحقائق والتغني بالريادة التاريخية , أو يتهمون الآخرين بالانحياز والتآمر ضدنا . وهي لغة لا تخدع أحداً غيرنا. والواقع أن جامعاتنا لا تحتاج لشهادة من خارجها بتخلفها العلمي . فقد سبق أن انتقد عدد من أساتذتها أوضاعها ونبهوا إلى خطورة استمرار الأوضاع وأثرها على كفاءة الخريجين وقيمة وجدوى أبحاثها العلمية . وهنا يجدر الإشارة إلى شهادات منشورة لعدد منهم : حامد عمار أستاذ التربية , ومحمد أبو الغار أستاذ الطب , وعبد العظيم أنيس أستاذ الرياضيات , ورشدي سعيد أستاذ الجيولوجيا وغيرهم . وأحدث تلك الشهادات قدمها أستاذ التاريخ رءوف عباس وضمنها سيرته الذاتية المنشورة في كتاب ( مشيناها خطىً ) الصادر عن كتاب الهلال هذا الشهر .
وتجمع تلك الشهادات على أن السبب الجوهري في تردي أوضاع الجامعة, هو نظرة النظام لها وطريقة تعامله معها . فبدلاً من النظر إليها كمؤسسة علمية وطنية تعمل وفقاً للمنهج العلمي القائم على الحيدة والموضوعية , فإن النظرة الرسمية للجامعة تتصورها مؤسسة جماهيرية يجب أن تكون بطلابها وأساتذتها تحت السيطرة . ومن هنا تبالغ كثيراً في هواجسها الأمنية تجاهها وتسعى لإخضاع كل نشاط فيها لتوفير استقرار الحال القائم وأمنه . والعلم في جوهره سعي دائم للخروج من إسار الواقع لتطويره . بينما الأمن لا يشغله إلا بقاء الحال على ما هو عليه . وبينما ينتعش العلم بتعدد الأفكار والإجتهادات مهما كانت درجة شططها , فإن الأمن يرفض كل تغيير ويصادر كل اجتهاد جديد .
لكن بعض من صدمهم ( صفر الجامعة ) كما صدمهم من قبل ( صفر المونديال ) تجاهلوا تلك الشهادات الوطنية , وتوقفوا فقط عند تواضع أجور الأساتذة , وكأنها السبب الوحيد لتدهور المستوى العلمي للجامعة . وتلك رؤية قاصرة وتعجيزية . فهي من جانب تختزل القضية في عنصر ثانوي التأثير . فصحيح أن هذه المرتبات أقل من دخل بعض ممن لم يلتحقوا أصلاً بأي دراسة جامعية , أو غيرها , لكن الصحيح أيضاً أن هذه الأجور لم تكن يوماً أفضل مما هي عليه الآن . فلماذا إذن وقع التراجع ؟ كما أن هذا الخلل في توزيع الأجور مرتبط بجوانب الاختلال الاقتصادي الاجتماعي القائم فهل لا سبيل لحله وإنقاذ الجامعة قبل إصلاح جميع أوضاع المجتمع ؟ فضلاً عن إن تواضع الأجور لم يكن هو الدافع الوحيد لهجرة عدد كبير من الأساتذة .
في شهادته يشير رءوف عباس من واقع خبرته العلمية كأستاذ للتاريخ بجامعة القاهرة إلى مناخ التسلط الاستبدادي على جميع العلاقات الداخلية في الجامعات , والغياب التام لفكر وثقافة الديمقراطية عنها باعتباره السبب الرئيسي في فساد المناخ الأكاديمي ونزيف الكفاءات , بإعلائه من قيمة الولاء الشخصي قبل فوق كل اعتبار علمي أو موضوعي ويضيف : " لم يكن أسلوب اختيار القيادات الجامعية وحده أبرز مظاهر الفساد الجامعي الذي بدأ مع عهد السادات وترعرع وحده , واستشرى واستوحش , فقد ابتدعت في العقدين الأخيرين من القرن العشرين آليات للفساد هي : دعم الكتاب الدراسي والصناديق الخاصة , ولجان الممتحنين .. وكانت ثالثة الأثافي التي أشاعها نظام السادات وتركها تتغول من بعده وتستشري , فكان تسخير أساتذة الجامعات لإعداد رسائل الماجستير والدكتوراه لزوجات كبار المسئولين وأبنائهم ليحرزوا المجد من أطرافه " . وقد التزم رءوف عباس كمؤرخ أمين بذكر وقائع ما جرى له أو عاصره. لكن هناك وقائع أخرى لم يذكرها لأنه لم يعاصرها , وهي تؤكد أن بذور الفساد الأكاديمي لم تقتحم الجامعة فقط في عصر السادات وإنما قبله منذ بدأ إخضاع الجامعة لاعتبارات ( الأمن ) ومعاييره وفقدت الجمعة استقلالها الذي دافع عنه لطفي السيد وطه حسين . وعذر رءوف عباس في عنوان كتابه ( سيرة ذاتية ) وقد كتبها بوعي المؤرخ لوظيفة علم التاريخ وهي أن يساعد الإنسان على رؤية واقعه والنظر إلى مستقبله , لذلك لم يشغله الجانب الذاتي والشخصي كثيراً بقدر ما شغله أن تكون سيرته شهادة عصر تعكس تجربته كأستاذ جامعي . لعلها تنفعنا ونحن ننظر إلى ما آلت إليه أحوالنا .
[تحرير] نصار عبد الله
تاريخ أستاذ التاريخ !
لكل شئ تاريخ , ولأستاذ التاريخ أيضاً تاريخ !! . إنه مثل أي شخص في الدنيا , بل ومثل كل شئ في الدنيا له بالضرورة تاريخ , .. قد يكون تاريخاً عادياً أو مملاً من وجهة نظر البعض , ولكنه ممتع ومثير من وجهة نظر آخرين , وقد يراه البعض مستفزاً وباعثاً على الغيظ والغضب , لكن غيرهم قد يراه تاريخاً مشرفاً حافزاً للهمة وجديراً بالاحتذاء , .. وبالنسبة لي شخصياً فقد كانت ساعات ممتعةً حقاً تلك التي طالعت فيها السيرة الذاتية لواحد من أبرز الأساتذة المتخصصين في تاريخ مصر الحديث , وأعني به الأستاذ الدكتور رءوف عباس الذي سرد سيرته الذاتية في كتاب ظهر مؤخراً عن دار الهلال بعنوان : " مشيناها خطىً " والذي أعده واحداً من أروع كتب السيرة الذاتية في تاريخ الكتابة العربية ( رغم تلك الأخطاء النحوية التي ما كنت أتمنى أن ينطوي عليها الكتاب بهذا القدر من الجمال والعمق والنصاعة ) , وفي تقديري فإن من أهم المزايا التي يتسم بها الكتاب أن الدكتور رءوف عباس لا يتنكر لأصوله الطبقية ولا ينحاز لأعدائها في الداخل والخارج بعد أن صعد وضعه الاجتماعي ( مثلما يفعل البعض سعياً إلى ما يتصورونه مزيداً من الصعود ) , بل إنه يعبر من خلال سيرته الذاتية عن هموم الطبقة التي شب فيها وأوجاعهم أو التي هي في النهاية هموم الأغلبية الغالبة من أبناء الشعب المصري وأوجاعهم. وهكذا فإن الدكتور رءوف عباس لا يروي لنا السيرة الشخصية فحسب, ( رغم أن كتابه على المستوى الشخصي مفعم بالدراما الإنسانية الكفيلة وحدها بجذب القارئ إلى سطوره ) , ولكنه يروي لنا في الوقت ذاته قصة تطور اجتماعي طرأ على وطن بأكمله ,وقصة تحول سياسي شمل أمةً بأسرها خلال النصف الثاني من القرن العشرين , ومنذ السطور الأولى من الكتاب نعرف أن والده كان عاملاً بالسكة الحديد يشغل أدنى درجات السلم الوظيفي الخاص بالعمال , وأن أقصى وظيفة شغلها هي وظيفة ملاحظ بلوك , وأنه بمرتبه الضئيل كان مطالباً بأن يعول سبعة أبناء بالإضافة إلى زوجته ووالدته ( أي والدة رءوف وجدته ) , وكان هذا كفيلاً بأن يسد أمام رءوف أبواب التعليم , لولا ثورة يوليو التي راحت تتوسع في منح المجانية إلى أن وصلت بها إلى الجامعة لغير المقتدرين أولاً ( وقد كان رءوف عباس واحداً منهم ) , ثم لجميع طلابها في مرحلة لاحقة . وهكذا قدر لرءوف عباس أن يلتحق بالجامعة , وأن يصبح فيما بعد واحداً من أعضاء هيئة التدريس فيها, وأن يحقق ذلك الحلم الذي كان يبدو له من بعيد حلماً وردياً بعيد المنال وهو أن يلتحق بتلك القلعة التي تبدو من بعيد وكأنها محصنة مما ينخر في المجتمع الخارجي من أمراض وعلل , حتى إذا ما انضم إليها تبين له أنها خلية من خلايا جسد كبير ينعكس عليها , ما أصاب الجسد بأكمله من ضعف وفساد , وهل أدل على ذلك من أن تقبل الجامعة بين طلابها الجامعيين تلميذةً حاصلة على شهادة معادلة للإعدادية فحسب ؟!, ثم تلتحق تلك التلميذة بقسم اللغة العربية وتتخرج بتقدير ممتاز !!, وتعين معيدةً بالقسم !, ثم تعد رسالةً للحصول على شهادة الماجستير فتذاع المناقشة على الهواء !!, كل ذلك ( وهو قليل من كثير ) لأن التلميذة سالفة الذكر واسمها جيهان صفوت رءوف , كانت زوجةً لرئيس الجمهورية !!.
[تحرير] عبد المنعم سعيد
مشيناها خطىً كتبت علينا
تركت القاهرة إلي باريس, وكان في صحبتي ـ كما هي العادة ـ كتاب من كتب المذكرات بعنوان " مشيناها خطىً " للدكتور رءوف عباس , أستاذ التاريخ والمفكر المعروف والزميل في مركز الأهرام للدراسات لسنوات طويلة . وخلال أربع ساعات من الرحلة استحوذت الصفحات علي عقلي بما فيها من سرد لأحداث واتجاهات كنت أعرف الكثير منها , ولكن روايتها بعين شخصية مؤرخ يبدو لها طعم ونكهة خاصيتن . وبشكل ما بدا الكتاب نوعاً من الذاكرة التي سوف يعتمد عليها المؤرخون في المستقبل للحديث عن مرحلة مرت في تاريخ مصر وتاريخنا الشخصي , وبينما كان استرجاعها نوعاً من اللذة الفكرية, فإن النتيجة الحتمية لها هي أن الأيام مرت ولم يبق منها سوي التاريخ يحكم لها أو عليها.
وكما هو معروف فإن القول الذائع جاء فيه: " مشيناها خطىً كتبت علينا.. ومن كتبت عليه خطىً مشاها " تدليلاً علي قدر محتوم وقضاء نافذ يحكم حركة الإنسان, ولكن الدكتور رءوف عباس لم يكن من هذه النوعية . فقد مشاها خطىً بالفعل , ولكن مع كل خطوة كانت هناك معاندة صلبة لظروف قاسية لو تركت لحال تأثيرها لما وصل رجلنا إلي ما وصل إليه من علم ومعرفة ومكانة . فمن قلب الظروف الصعبة لأسرة عامل مصري فقير بزغ إلي الوجود واحد من أهم المؤرخين العرب المعاصرين , وأكثرهم تأثيراً في الفكر التاريخي الاجتماعي . وبدون مبالغة فإن رجلنا مع مجموعة قليلة من المؤرخين المحدثين أبرزهم الدكتور يونان لبيب رزق لم ينقذوا عملية التأريخ المصرية فقط , بل أسهموا في إنقاذ بعض من شرف الأكاديمية المصرية التي انهارت بتأثير النظرة التعبوية للثورة المصرية التي لم تر في الأكاديمي إلا مبرراً ونصيراً, والحقبة النفطية التي أخذت الأكاديمي المصري وأفقدته الكثير من عزته وكرامته.
وكنت قد تعرفت إلي مؤرخنا لأول مرة في خريف عام1982 , عندما عدت من فترتي الدراسية في الولايات المتحدة , حيث تزاملنا في مجلس الخبراء في مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية في الأهرام, وحيث كانت تجري مناقشات حية , كان رجلنا لا يتحدث فيها إلا قليلاً , فإذا ما تحدث كان قوله قيماً مثيراً للتأمل في أحوال المدرسة اليسارية الاجتماعية وطريقتها في فهم التاريخ والعالم. وكان هذا الاتجاه في العموم من الاتجاهات المتميزة في المركز , ولم يكن الأستاذ سيد ياسين ـ مدير المركز في ذلك الوقت ـ وحده فيها , بل عدد غير قليل من الباحثين كان بينهم كاتب السطور حتى قام بمراجعتها وتبين ما فيها من إشكاليات , أبرز ما فيها تلك الفجوة الهائلة بين نبل المقاصد وفساد الطرق من ناحية, والمفارقة بين النظرية والتطبيق من ناحية أخري . وكانت هذه الفجوات والمفارقات موضوع نقاش دائم ما بين المدارس الفكرية المختلفة , فبينما رأي أنصار المدرسة الاجتماعية دوماً أن الدولة هي القادرة علي تحقيق العدل الاجتماعي وتحقيق المصلحة العامة , أما ما يجري علي أرض الواقع فهو نتيجة فساد الأفراد وتناقضات الظروف , فإن أنصار المدارس الفكرية الأخرى رأوا في النظرية عواراً هيكلياً لا يجعلها تفرز إلا ما أفرزته من نواقص وكوارث . ولعل كتاب " مشيناها خطىً " يقدم أفضل الأدلة علي ذلك , فلم يحتك صاحبنا بمؤسسة عامة في مصنع أو في جامعة إلا إذا كان الفساد والهوى هما القاعدة العامة للممارسة , وما جري من إصلاح أحياناً كما حدث عندما قاد صاحبنا قسم التاريخ في جامعة القاهرة فقد كان جملةً اعتراضيةً علي واقع ممتد ما لبثت الفضائل فيه أن ذرتها الرياح لأن التطبيقات المؤسسية للنظرية الاجتماعية لم تكن لها أن تفرز إلا دماراً أخلاقياً وعملياً.
وبالطبع فإن عرض هذا الخلاف الفكري ليس مكانه هنا , ولكن تجربة الكاتب تجعلنا نتعاطف مع تجربته الشخصية, ونتعجب بعد ذلك من ثباتها علي وجهة نظر تم اختبار عقمها مع كل صفحة من صفحات الكتاب. بل إننا نلمس بقدر كبير من الإشفاق حاجة رجلنا إلي الخلاص حينما ينضح الصفحة حزنا ـص223ـ لأن عبد الناصر أهدر ظرفاً تاريخياً جلبته هزيمة يونيو1967 حيث كان في استطاعته الاستفادة منه بإجراء إصلاح سياسي حقيقي تتخلص فيه البلاد من فساد التنظيم السياسي , والمؤسسات البيروقراطية , وتوحش أجهزة الأمن, ويصحح التجربة كلها . هذا النوع من الحسرة علي ضياع الفرص يكاد يكون السمة الغالبة لكتاب مؤلفنا , ومعه الغالبية الساحقة من اليساريين النبلاء الذين يرون إمكانية تصحيح المسار من خلال أفراد طيبين ولهم نوايا طيبة , رغم أن الفكر الاجتماعي كله يقوم علي الحقائق الموضوعية المرتبطة بالحركات والطبقات الاجتماعية.
ويصبح الكتاب متعةً خالصةً عندما يتعرض الكاتب لتجربته مع اليابان واليابانيين, وقد تعودنا كثيراً أن نقرأ لدارسين عرب ومصريين كتبوا عن تجربتهم في الدراسة والبحث في العالم المتقدم , وحظيت باريس ولندن بقدر ملحوظ من هذه الكتابات حيث تتلاقح الأفكار وتتصادم الثقافات في أحيان كثيرة. ولكن قلةً قليلةً فقط هي التي كتبت لنا عن الجانب الآخر من الأرض حيث يكون الاتجاه شرقاً , وكانت تجربة الدكتور رءوف عباس تجربةً تروي بما فيها من لحظات تنوير واكتشاف لعقل متفتح علي المعرفة والعلم , وما فيها من مفارقات حزينة أحياناً وباسمة أحياناً أخري . ولكن أهم ما في هذه التجربة لم يكن ما عرفه رجلنا في اليابان, ولكن ما عرفه في مصر بعد عودته من بلاد الشمس المشرقة, فقد تغيرت قياساته ومعارفه ومناهجه , وتوصل في غمضة عين إلي الفجوة بين تخلفنا وتقدمهم, ليس علي مستوي الآلات والتكنولوجيا وإنما علي مستوي الأفكار والمعرفة وحتى الأخلاق العامة . ولا يخل الكتاب من كثير من المرارة خاصة ما تعلق بما جري ويجري في قسم التاريخ في جامعة القاهرة, وما حدث فيها من انهيار للحياة الأكاديمية المصرية , خاصةً ما تعلق فيها بأخلاق الأساتذة ومستوياتهم العلمية. بل يمكن القول إن الكتاب هو في حقيقته صرخة تدعو إلي إنقاذ مؤسسة الجامعة مما آلت إليه من تخلف مهني وفساد أخلاقي.
ولكن كثرة المرارة أحياناً ما تدفع الإنسان للضرب في غير موضع, فقد كانت تجربة رجلنا في مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية في الأهرام غنيةً في عمومها, ولكن الرواية عن تفاصيلها لم تكن دوماً إخلاصا للدقة . فإشارة صاحبنا إلي حضوره اجتماعات مجلس الخبراء التي شارك فيها د. بطرس غالي عن المفاوضات مع إسرائيل , ومعارضته بتشدد ممن أصبحوا بعد ذلك من مهندسي جماعة كوبنهاجن , والمقصود كاتب هذه السطور , جانبها الصواب. والحقيقة أنه لم يحدث أبدا أن شاركت في مثل هذه الاجتماعات بسبب أنني كنت أدرس في الولايات المتحدة خلال الفترة من1977ـ1982, وبالتالي لم أحظ بفضل المعارضة المتشددة التي تحدث عنها المؤلف , ولا بإعطائه حالة إضافية للانقلاب الفكري. والحقيقة أيضاً أنه لم يتغير شيء بالنسبة لمكانة الدكتور رءوف عباس في مركز الدراسات بسبب كوبنهاجن أو غيرها , ولكن الحياء دوماً من مقام الأساتذة هو الذي كان مانعاً من متابعة أعمال وأبحاث خاصةً بعد تقاطع عمل الوحدة التاريخية مع عمل وحدة الثورة المصرية . ولكن هذه قصة أخري لا تؤخذ من كتاب ممتع !.
[تحرير] عبد المنعم رمضان
رءوف عباس صاحب الوجه العلماني
في الثمانينيات قابلت الدكتور رءوف عباس ـ أستاذ التاريخ الحديث ـ مرتين, كانت الأولي في مدينة نصر تحديدا في مقر " دار فكر " التي أسسها الراحل طاهر عبد الحكيم, وكنت برفقة صديقي الشاعر أحمد طه, آنذاك كان كلاهما يعمل بالدار المذكورة, الدكتور رءوف مستشاراً للدار أو ما يشبه ذلك, وأحمد طه ضمن الشغيلة, هذا التمييز ضروري لأن ناصر الأنصاري عندما تولي رئاسة دار الكتب المصرية أخطأ في حق الدكتور ولم يفرق بين الموظفين والأساتذة الذين يخدمون الهيئة بدافع وطني وليس نفعياً, والدكتور كان يقوم بالإشراف علي مركز تاريخ مصر المعاصر التابع لدار الكتب. المرة الثانية التي قابلته فيها مازالت أحداثها غائمةً في ذاكرتي, اللقاءان عابران, ولكنهما منحاني ثقةً كبيرةً في الرجل, وألزماني بتقديره واحترامه ذلك التقدير والاحترام اللذان هو جدير بهما, خاصةً أن اللقاء الأول جاء بعد إطلاعي علي مساجلة له حول المأسوف عليه هنري كورييل, أيامها شارك الناقد إبراهيم فتحي في المساجلة, وربما أيضا رفعت السعيد, وكان الكاتب الجميل " هنري كورييل رجلا من طراز فريد, الحركة الشيوعية المصرية بمنتصف القرن ", تأليف جيل بيرو, ترجمة كميل قيصر داغر.
الحقيقة أن كميل داغر ترجم الفصل الأول فقط من ذلك المؤلف الضخم الذي تناول حياة كورييل ونضاله في مصر ثم بعد طرده منها عام1950, كنا أيامها نقرأ الكتاب بشغف واهتمام لنؤكد لأنفسنا صحة آرائنا ومواقفنا, ومن أجل أن نستمتع بالمذاق اللغوي للترجمات اللبنانية حتى الأخطاء الجغرافية التي ارتكبها كميل داغر فيما يتعلق بأسماء شوارع القاهرة كانت ممتعة, هذه الخلفية حفزتني أثناء تجوالي وتوقفي أمام أكشاك وباعة الصحف علي شراء ثم قراءة كتاب الدكتور رءوف عباس " مشيناها خطىً سيرة ذاتية ", الصادر عن سلسلة كتاب الهلال ديسمبر2004 ثم الصادر في طبعات أخري لشدة رواجه, العنوان والتوصيف وصورة غلاف الطبعة الأولي حيث وجه المؤلف يحتل المساحة الأكبر, كل هذا استوقفني, وتذكرت بسرعة الممثل المرحوم حسن البارودي, بملابسه الفقيرة وأسماله وهيأته التواكلية المعتمدة علي الله, تذكرته يردد بيته الشعري أو بيانه الشعري: مشيناها خطىً كتبت علينا
ومن كُتبت عليه خطىً مشاها
كان يردده ببطء, باستطعام, بيقين, بصوت عميق, وقدرية وتسليم وأشياء أخري غير مستغربة من حسن البارودي, ولكنها مستغربة من رءوف عباس, أقصد الدكتور رءوف عباس, صاحب الوجه العلماني, والنظارتين, وتجاعيد الجبهة, أذكر أن الكاتب القاص عباس خضر أنشأ - ربما في سبعينيات القرن الماضي, أو بعدها قليلاً - سيرة ذاتية تحمل مقلوب العنوان "خطىً مشيناها" , وكان عباس خضر أكثر قدرية من حسن البارودي لأنه جعل الخطىً المكتوبة تسبق فعل المشي.. المهم أن الاثنين حسن البارودي وعباس خضر لهما الحق كله في التسلح بتلك القدرية وذلك التسليم, أما عنوان الدكتور رءوف عباس فهو يتعزز دون قصد بعبارات تتخلل سيرته وتمنحها ذلك التسليم العفوي الذي ينزف من حروف العنوان, يقول الدكتور علي سبيل المثال عن أساتذته الذين أسهموا في تكوينه العلمي, يقول إنه مدين لثلاثة من أعظم أساتذة التاريخ الحديث في مصر والوطن العربي هم أحمد عزت عبد الكريم وأحمد عبد الرحيم مصطفي ومحمد أحمد أنيس, "وسيظل هذا موقفه إلي أن يلقاهم جميعا في رحاب الله عندما تفرغ كأس الأجل", العبارة ليست مجازية, مرة لأنها طويلة هكذا, ومرة لأنها مسنودة بعبارات قليلة متناثرة في الكتاب تأتي وكأنها القرار الموسيقي للحن التسليم, يقول الدكتور في موضع ما, "وعندما يحتفل أعضاء الجمعية باليوبيل المئوي لها عام2045 يومها سيكون الجميع في رحاب من يغدق الجزاء علي من أحسن عملاً, وآخر الأمنيات أن يموت صاحبنا ـ يعني الدكتور ـ كالأشجار واقفاً وألا يسقط القلم من يده, ولله الأمر من قبل ومن بعد وهو علي كل شيء قدير". إنصافاً للدكتور يجب أن ننتبه إلي أن تسليمه العفوي جاء في كل مرة موصولاً بالموت, عموما الرجل لم يزعم أي زعم, إنه لم يشترك في أي حزب سياسي, لم يشترك في أي تنظيم, ولكنه يميل إلي اليسار إلي اليسار القومي إذا جاز لنا أن نصفه.
مشيناها خطىًً, سيرة ذاتية, كنت بحاجة إلي قراءة الكتاب كله لأتمكن من عبور العنوان عندما كان توفيق الحكيم يعمل نائبا عاما في الأرياف, وأثناء اشتراكه في جلسة مملة في إحدي محاكم الأقاليم, ظل يغالب النوم لكنه تنبه فجأة علي صوت غريب لرجل غريب, كانت جنحة تشرد, "قال القاضي للرجل الغريب: أنت متهم بالتشرد, فاستنكر الرجل: أنا متشرد عيب, أنا حاوي يا سعادة البك, ويستمر الحوار بين القاضي والرجل الغريب إلي أن يقول الرجل: أنا فنان, رد القاضي: فنان, ثم التفت إلي توفيق, وهنا يتكلم الحكيم: البراعة شرط من شروط الفن الحاوي بارع, ولكن هل البراعة وحدها يمكن أن تصنع فناناً, إن الفن هو الشيء الزائد علي البراعة, والفنان هو الذي يبقي بعد البراعة", تذكرت توفيق الحكيم, وتذكرت أيضاً أن فنون السيرة قد أصبحت واحدة من الفنون التي لارتفاعها تبدو وكأنها مستحدثة وكأنها بدعة, وأنها ابتعدت كثيراً عن أشكالها البائدة, إن السيرة الآن أصبحت هي الشيء الزائد علي مجرد رواية الأحداث, علي مجرد الصدق, وإلا كنا أمام شيء آخر يشبه السيرة مثلما ألعاب الحاوي أو براعته تشبه الفن .
وكتاب الدكتور علي الرغم من فوائده العميمة, وشجاعته وتشريحه للفساد في مؤسسة التعليم ليكون دالاً علي فساد عام انتشر وذاع وعم الوطن, هذا الكتاب أقرب إلي دفتر الجرد, إنه جردة صادقة وأمينة ونافعة أكثر من سيرة بفنونها وما تراكم داخلها من أساليب وصيغ وأشكال وهو ليس جردة حياة, إنه جردة أستاذ جامعي, ابتدأت وانتهت وقد رسمت لنفسها إطاراً لم تخرج عليه, لم تشأ أن تخرج عليه, جردة أستاذ منذ بداية تعلمه وتكوينه حتى أصبح رئيسا للجمعية التاريخية, لم يعد مقبولا رغم شيوعه ذلك الخلط بين فنون السيرة وكتب المذكرات والجردات التي يكتبها رجال السياسة ورجال الأعمال والفنانون والأكاديميون , كتاب الدكتور يبدأ بعد المقدمة بسنوات الطفولة, ولأنه شاء أن يصنع مسافةً موضوعيةً أثناء حكيه لحكاياته, فقد قرر الاستغناء عن ضمير المتكلم والاستعانة بضمير الغائب, في المقدمة أطلق علي نفسه اسم الشيخ, وفي الكتاب كله سمي نفسه صاحبنا, وهذه الحيلة الشيخ والفتي وصاحبنا, التي انغمست فينا منذ سيرة طه حسين " الأيام " وأصبحت تقليداً يمارسه أدعياء كتابة مثل الدكاترة سمير سرحان , أو كتاب محدود الخيال, حتى أنني تمنيت لو أن الدكتور وجد حيلةً أخري بدلاً من الشيخ وصاحبنا , فالكتابة مثل التاريخ اجتهاد في سبيل الخروج علي السائد.
كتاب الدكتور يبدأ بعد المقدمة بسنوات الطفولة, ومثل أغلب كتب المذكرات والجردات, ومثل أغلب السير أيضاً تظهر فصول الطفولة باعتبارها الفصول الأجمل والأكثر عذوبةً, وهي في كتابنا كذلك, خاصةً أنها تحلت بصدق لم يخجل من أي أصول اجتماعية, لم يخجل من أب كان عاملاً بالسكة الحديدية, وجدة تعمل خياطة لجيرانها, وفقر يكاد يوقفه عن التعليم, ومنذ سرده لحوادث الطفولة عثر الكاتب علي نغمته الرئيسة التي ستحكم الكتاب كله والتي ستصب فيها بعض النغمات الفرعية, لنخرج من نشيد الجردة بإحساس غير مشتبه في دقته, إحساس بأن الكاتب يسعى إلي تصوير رحلة حياته العلمية منذ بدايتها علي أنها رحلة صعبة معوقة جداً , لولا أن صاحبها استطاع أن يقوم بعبور البحار السبعة التي حاولت دائما أن تعوقه, الفقر والوضع الطبقي في الطفولة والصبا, والفساد بصوره وآلياته المختلفة منذ التخرج وحتى نهاية الكتاب, فالطفولة والصبا في فصولها الخمسة الأول منذ استدعاء الماضي, حتى التسلل إلي الجامعة, هذه الفصول الجميلة بصراحتها وبؤسها, كل كائناتها وأحداثها كانت مشدودة ومعلقة بحبل وحيد, حبل الإصرار علي التعليم, لذلك لم نتعرف علي هذه الكائنات بعيدا عن هذا الحبل, لم نتعرف عليها ككائنات حية, قدرة الدكتور هائلة في السيطرة علي الأحداث والشخصيات , لم يسمح لأي منها بالحرية والظهور في مشهد خاص . هذه النغمة الرئيسة ظلت تعمل بالدقة ذاتها وهي تروي ما بعد التخرج, إنها مشدودة ومعلقة بالحبل إياه حبل أستاذ الجامعة .
نستمتع كثيرا ونحن نقرأ مواقف الدكتور ومعاركه مع الفساد, نفرح كثيرا بعدم سقوطه, نؤيده في استخدامه للأسلحة العلنية المتاحة مثل الاستعانة بالصحافة إن لزم الأمر, والتربيط مع شرفاء مثل حلمي النمنم وعبد العال الباقوري ومجلة المصور وصحيفة الأهالي إلا إذا صدرت لها تنبيهات من جهات سيادية . سنتوقف طويلاً أمام ذلك التعنت غير الرسمي ضد الأقباط, سواء عند التعيين, وعند عضوية اللجان, واستبعادهم من وضع امتحانات الثانوية العامة, وافتراضهم أنهم أهل ذمة , وأن أهل الذمة ينبغي الاحتراس وعدم الثقة الكاملة فيهم, نتساءل كيف تكونت هذه الروح وتفشت في تلك القنوات غير الرسمية, أذكر عندما كنت أعمل باحثاً بالجهاز المركزي للتنظيم والإدارة, واتبع لمديرة مسيحية مستنيرة اسمها أنطوانيت, وعندما شرع السيد وكيل الوزارة ورئيس الإدارة المركزية في إعادة تسكين العاملين الذين تزايدوا وضاق بهم المبني, وأصبح ضرورياً أن يتشارك كل اثنين من المديرين في غرفة واحدة, وتحددت غرفة أنطوانيت مع مديرة أخري محجبة اسمها سميحة, تنشع بالتعصب, فور معرفة التوزيع المكاني ذهبت سميحة إلي وكيل الوزارة, وبعد أن خرجت, أمر الوكيل بإعادة النظر في تسكين أنطوانيت, أقنعت زملائي أن الاستهانة بأنطوانيت سوف تعني الاستهانة بنا نحن التابعين لها, وعدم مراعاة حقوقنا, لذا اتفقنا علي كتابة طلب نقل جماعي بسبب الاضطهاد الديني الواقع علي السيدة أنطوانيت, ارتج وارتجف وكيل الوزارة وتراجع فوراً عن قراره . خيوط نسيج ما حكاه الدكتور يتصل بخيوط نسيج هذه الحكاية, مما يجعلني أعيد السؤال, ما الذي حدث للمسلمين المصريين, الأصح أقلية منهم, لكي تشيع مشاعر عدم الثقة في الأقباط, خاصة عند هؤلاء الأقرب في توصيفهم الطبقي لأن يكونوا من شرائح الطبقة المتوسطة, ربما شرائحها العليا .
تظل نغمة الدكتور رءوف عباس الرئيسة تعمل حتى تصل إلي لحنها الختامي, فبعد عبور البحار السبعة المليئة بالطين والتماسيح والقراصنة وبقية العوائق, بعد عبورها دون بلل, كان لابد أن نقرأ هذا الفاكس الذي كتبه البطل في إحدي نوبات احتجاجه, يقول: احتجاجا علي أسلوبك غير اللائق في التعامل مع الأساتذة ذوي القامات العلمية العالية, لا يشرفني استمرار التعاون معكم, انتهت موسيقي الكريشندو, فيما كانت موسيقي التواضع العالي تنكمش وتحتجب كأنها شمس بيضاء مهانة , أو كأنها شمس سوداء.
جردة الدكتور رءوف عباس جهيرة ذات صوت شديد الوطء, ذات جلجلة تشبه ضجيج الجبل, تشبه جلجلته, تمتليء الجردة بأكاديميين صغار وكبار, مجهولين ومعروفين, كومبارس ونجوم, والكومبارس أسماء معتمة, بينما النجوم أسماء شفافة, وكلما تعلقت الحادثة بنجم من النجوم, ازداد فضولنا لأن اسم النجم يزيد من حدة مفعول الحادثة التي تنفتح علي مجال واسع غني بحوادث مماثلة بطلها هو ذلك الشخص نفسه, تأمل وانظر إلي الدكتور وهو يحكي عن محمد حسنين هيكل, لا أنكر أنه تجاوز حد استثارة الفضول إلي حد الشعور الخبيث بالرضا, ورغم خبثه الطاعن لا تأباه النفس. يقول الدكتور: "بعد افتتاح المقر الجديد للجمعية التاريخية بشهر تقريبا, تم اللقاء مع هيكل بناء علي طلبه, وذلك بمكتبه الخاص علي شارع النيل, أبدي الأستاذ اهتمامه برسالة الجمعية وقال إن الشيخ سلطان القاسمي يشكر علي مكرمته يعني تأسيسه للمبني الجديد وبناءه وتبرعاته الأخرى, ولكن رعاية الجمعية مادياً يجب أن تكون من واجب المصريين, ورأي الأستاذ أن تكون هناك مجموعة من الرعاة المصريين في حدود العشرة أفراد يتبرع كل منهم للجمعية بمبلغ عشرين ألفا من الجنيهات سنوياً ولمدة خمس سنوات , ووعد بأن يتولى بنفسه تكوين مجموعة من الرعاة وأن يكون أول المتبرعين, ووافق من حيث المبدأ علي أن يلقي محاضرةًً في الموسم الثقافي القادم محذراً من أن ذلك قد يجر المتاعب علي الجمعية, في اليوم التالي للمقابلة حمل الدكتور رءوف مجموعةً من مطبوعات الجمعية وخطاب شكر لهيكل علي المقابلة, بعد نحو أسبوع اتصل الأستاذ ليعلن عن شكره علي الكتب المهداه, ثم قال إن لديه سؤالاً مهماً حول الجمعية, قد يبدو تافهاً ولكنه مهم بالنسبة له, هل لمن يسمي عبد العظيم رمضان علاقة بكم؟ أجاب الدكتور رءوف: إن رمضان كان عضواً منذ سنوات, ولكن أسقطت عضويته لانقطاعه عن سداد اشتراكات العضوية, وأنه لا هم له إلا الهجوم علي الجمعية ورئيسها, فقال الأستاذ: يعني مش سايب حد, علي العموم شكراً, وظل الدكتور يتصل بمكتب هيكل علي فترات متباعدة , فكان يتلقى رداً بأن الأستاذ غير موجود أو أنه نبه إلي عدم إزعاجه" , باختصار هرب الأستاذ, أعود وأقول إن حكايات الدكتور عن النجوم والكومبارس ظلت محصورة تقريباً في مجالها الأكاديمي في مجال أستاذ الجامعة, وكأن جردة الدكتور لا تتسع لحيواته الأخرى, حتى الذين اشتغلوا بالتاريخ الحديث من غير الأكاديميين لا نكاد نسمع عنهم كلمةً واحدة, صلاح عيسي ورفعت السعيد ومحمد عودة وطاهر عبد الحكيم وغيرهم, كما أن حياة الجامعة خارج قسم التاريخ تبدو منعدمةً وضائعة, الرجل آثر أن يكتب عما يعرف, وتكاد آراؤه في زملائه وأساتذته وتلاميذه أن تنحصر في الإجرائي والعملي والإداري واليومي , وتبتعد بإلحاح عن الفكري والنظري إلا فيما ندر. فعندما يذكر عزيز سوريال عطية الذي أجبره الاضطهاد علي أن يترك جامعة القاهرة إلي الإسكندرية ثم يترك مصر ويهاجر إلي أمريكا, يقول عنه الدكتور عبارة يظن أنها وافية , " ويعد برنارد لويس نكرةً مقارنة بعزيز سوريال عطية ".
قلنا من قبل إن نغمة رءوف عباس الرئيسية تدخلها نغمات فرعية تتكرر فتصنع للنشيد العام ملامحه الخاصة, سأضرب مثلا علي إحدي هذه النغمات, يحكي الدكتور عن أنه بعد أن استقال من الشركة التي عمل بها كمراجع حسابات عقب حصوله علي ليسانس الآداب وتفرغ للدراسة, تصادف في الشهر الثالث من تفرغه, أن نشر إعلان في الصحف عن شغل وظيفة معيد تاريخ حديث في كلية الآداب جامعة القاهرة, الدكتور حصل علي الليسانس والماجستير من جامعة عين شمس, نص في الإعلان علي تفضيل من يحمل درجة الماجستير في التخصص, فسارع بتقديم أوراقه, ولكنه فوجيء بأستاذه أحمد عزت عبد الكريم يطالبه بسحب أوراقه لأن هذا الإعلان محجوز لشخص بعينه, وبعد فاصل حريف من الإصرار علي الحق وعدم التنازل عنه, ودون خوض في تفاصيل المعركة يتقرر تعيين رءوف عباس في الوظيفة . تتكرر الحكاية مرةً ثانيةً بعد الحصول علي الدكتوراه التي تكفل له الترقيه في حالة إجازة لجنة الترقيات لأعماله بطريقة آلية دون الحاجة إلي إعلان, لكن أستاذه أحمد عزت عبد الكريم يعرض عليه أن ينتظر ثلاثة أشهر ليتم الإعلان عن درجة مدرس بآداب عين شمس يتقدم لها ويعود إلي بيته العلمي, إلا أنه رفض وأصر علي عدم التنازل عن حقه الذي كفله له القانون . وبعد صراع طويل حريف أيضاً عين مدرساً في جامعة القاهرة . هذه النغمة التي يسميها يحيي حقي الازدواجية, وهي إحدي الخصائص المميزة للاستاتيكية تظهر في مثال آخر, قسم التاريخ في كلية الآداب جامعة القاهرة دمره الفساد وخربه ووصل به إلي الدرك الأسفل, وبعد أن يتولى الدكتور رئاسة القسم ينشط في سبيل إعادة إنتاجه وفق القيم والمعايير العلمية والأخلاقية, كذا ستصل الجمعية التاريخية إلي الدرك الأسفل من الانهيار والتخبط, وبعد أن يتولى الدكتور رئاسة الجمعية ينشط في سبيل إعادة إنتاجها وفق القيم والمعايير العلمية والأخلاقية, هذه النغمة الحاكمة تظهر في مثال ثالث, فعندما يصطدم الدكتور بعميد كلية الآداب بسبب السيدتين جيهان ونهي السادات وبسبب حرصه علي كرامته, يقول للعميد, أنت تجلس علي الكرسي الذي جلس عليه طه حسين وبتشتغل نخاس, وعندما يصطدم برئيس الجامعة سوف يقوله له: أنت تجلس علي الكرسي الذي جلس عليه أحمد لطفي السيد. يكتب يحيي حقي عن الاستاتيكية في رواية الثلاثية لنجيب محفوظ ويقول: فنجيب يريد لنا خلق الأب عبد الجواد في الثلاثية فيحكي لنا قصة مخادنته لواحدة شهيرة من العوالم المغنيات , ويطلعنا في تفاصيل عديدة علي صورة دقيقة لدخيلة نفسه وعجائب طبعه , فيحس القاريء أنه شبع وفهم السيد عبد الجواد حق الفهم من هذه الناحية, وأنه ليس في حاجة إلي مزيد, فإذا بنا نري نجيب بعد قليل بحكم التتبع الزمني وحده يجعل عبد الجواد يهجر هذه العالمة وينتقل إلي عالمه ثانية هي نسخة مكررة للأولي, أقصد تكرار الدلالة, وكل هذا قد عرفناه بالكمال والتمام من المغامرة الأولي, فأنت قد تتوهم أن قصد الرواية هو أن تحكي لنا لا من هو عبد الجواد فحسب, بل كل الذي جري له في حياته أيضا, فهي أشبه بالسيرة, وسيرة الابن الأكبر يس الذي نقل الجانب الحسي عن أبيه , يصفه لنا نجيب وهو يحاول الاعتداء علي خادمته , ويطلعنا كذلك في تفاصيل عديدة علي صورة دقيقة لدخيلة نفسه وعجائب طبعه, فإذا بنجيب وبحكم التتبع الزمني وحده يجعله يحاول الاعتداء مرة أخري علي خادمة ثانية . إذن ما هو الحد الحتمي الذي يجب الوقوف عنده, كان سؤال يحيي حقي يخص الرواية, وأنا أحب أن أجعله يخص الرواية والسيرة معا باعتبار السيرة نتاجا فنيا, ولكنه بالتأكيد لا يخص الجردة التي يمكن أن تحتمل هذا التكرار إلي ما لا نهاية .
أرغب أن أشير إلي أن هاجس الدكتور الأول في كتابه, هاجس الصراع واجتياز البحار السبعة من الفقر والفساد هو الذي استدعي هذه الحوادث التكرارية وأيقظها, وأرغب أيضا أن أشير - علي الرغم من أنني لا أكف عن محبة طه حسين كأحد أهم الذين لعبوا دورا في تغيير مسارات الأدب العربي في النصف الأول من القرن الفائت - إنه المحولجي الأول, أرغب أن أشير إلي أنه كإداري قد يكون أردأ كثيرا مما نتصور, ويكفي أن نتذكر معا ما فعله مع الأساتذة محمد غنيمي هلال ومحمد نجيب البهبيتي ومع صديقه أحمد أمين وسواهم . وبالتالي تصبح عبارة الدكتور التي وجهها لعميد الكلية, أنت تجلس فوق مقعد طه حسين, مجرد شقشقة من شقشقات الكلام الموروث . وإذا كان النجوم والكومبارس الذين ظهروا في كتاب رءوف عباس قد حظي بعضهم بالذم - أو علي الأقل كانت صورهم سلبية في بعض الأحيان - مثل محمد أنيس , فإن النجوم والكومبارس الذين أظهرهم الكتاب في صورة إيجابية يجبروننا علي افتراض أنه قد غلبت علي الدكتور محبته لنفسه فجعلته يتصالح مع من أطلقوا يده وبجلوه ووقروه, خاصةً من مسئولي وزارة الثقافة الذين أشاعوا فيها فسادا يماثل الفساد الشائع في الجامعة . لذا سأفضل اعتبار أحكام الدكتور علي شخصيات تنتسب إلي ما يجب أن تنتسب إليه الأحكام في فنون السيرة, أي تكون أحكاما شخصية غير تابعة للأحكام الموضوعية, لأننا بمجرد النظر إلي أسماء ممدوحيه من العاملين في وزارة الثقافة, سنكتشف إلي أي حد يغفل الدكتور ما يعرفه عن كل شخصية.
إن معركة الدكتور من أجل كرامة الأستاذ , والتي لا يجب أن يتنازل عنها أمام زوجة رئيس الدولة أو ابنته, جيهان أو نهي السادات, وهي معركة لابد أن نمنحها حقها من واجب التصديق, لابد أن نتغافل الشكوك الكثيرة التي تحيطها, لكي تصبح الحادثة النموذجية التي تدور حول شخصية أصبح اسمها علامةً علي خصلة أخلاقية أو صفة من الصفات, هذه المعركة هي قابلة - كلما سنحت لها الفرصة - أن تمتليء بمضامين جديدة , وهذا الامتلاء يجب أن يمنع صاحبها عن الحذر في أحكامه وتعاملاته مع شخصيات مزيفة لا يحد عددها حد, ولا يميزها عن الحقيقة مميز . أرادت امرأة أن تنحت صورة الشيطان علي حليها , وعندما تعذر الأمر علي الصائغ خرجت المرأة إلي الطريق, ولما وقعت عيناها علي الجاحظ أتت به إلي الصائغ قائلة:مثل هذا . كنت أتمني أن أقول أراد الدكتور أن ينحت في كتابه صورة للفساد ولما وقعت عيناه علي ذلك المسئول الذي عمل في معية السيدة الأولي أيام السادات , ورغم تغيير الأسماء والشخصيات مازال يعمل العمل ذاته, وكأنه أستاذ وخادم في آن, يكتب لكل سيدة نافذة الرسائل العلمية أو الخطب, ويجيد الانحناء, كنت أتمني للدكتور إذا وقعت عيناه علي ذلك الرجل أن يصيح:مثل هذا بدلا من أن يمدحه.
كتاب الدكتور رءوف عباس شهادة يكتمل بها احترامنا له, ويكفيه أن يخجل من جائزة الدولة التقديرية الممنوحة له ولا يذكرها أحيانا, وأعد الدكتور أنني سأنسي أنه منح هذه الجائزة حتى يظل ثوبه النظيف نظيفا وأبيض, ويكفيه أنه في تقديره للمناقب العالية لم يتردد خشية النميمة , وامتدح في صدق مريم بنت خليفة بن حمد آل ثان, وسلطان القاسمي وأجزل القول, حتى الدكتور إبراهيم نصحي رئيس الجمعية التاريخية لمدة 23 عاما(1976-1999), والذي أوشكت الجمعية في نهاية عهده علي الإفلاسين المالي والعلمي, يظهر لنا كبطل تراجيدي نبيل يحيرنا, فعندما اقترح الدكتور رءوف الرئيس الجديد للجمعية ضرورة الكتابة إلي الشيخ زايد بن سلطان, والسلطان قابوس , والشيخ سلطان القاسمي ووافق أعضاء الجمعية , نجد إبراهيم نصحي الذي هاله أن تلجأ الجمعية المصرية للدراسات التاريخية إلي هؤلاء تطلب عونهم, ومصر هي التي كانت تفيض عليهم بخيراتها , ورأي في تنفيذ الاقتراح إهانةً لا تغتفر , وغادر غاضباً ليمتنع نهائياً عن الحضور فيما بعد. ما كنت أحب أن أهمس به خفيةً هو تلك الأخطاء اللغوية التي أصبحت فساداً آخر في جامعة اللغة يفوق الفساد في جامعتي القاهرة وعين شمس وغيرهما, وأنا أعلم أن الروائيين بعضهم أخطاؤه اللغوية تزيد كثيراً علي أخطاء الدكتور عدداً وعدة, انظر روايات الفلاح الفصيح والروائيين الجدد, كذا بعض الشعراء الذين كانوا حراس اللغة ونافخي أبواقها حسب المفاهيم القديمة رحمها الله . هناك أمر آخر أحب أن أهمس به لنفسي, كتاب الدكتور يتبع خطا كرونولوجياًً محدداً, ولقد وقع الاختيار علي أن يحتوي الغلاف صورة فوتوغرافية للمؤلف تشير إلي أنه سيكون النغمة الرئيسية في الكتاب, أهمس لنفسي, لماذا ظهر لي الكتاب وكأنه لا يضمر حساً ثقافياً عاماً, وكأنه محشور في خانة التخصص, لماذا ظهر الكتاب علي هيئة رصيف صغير في حياة تحب أن تتمرد وتمشي في نهر الشارع, في حياة أكبر من التاريخ, الدكتور رءوف عباس إنني أنتظر الآن سيرة حنان الشيخ التي كتبتها عن أمها, أنتظر أن أعود بعدها إلي مشيناها خطىًً, وأقرأها قراءة كتب التاريخ ثم أطويها طي السجل.
[تحرير] سعيد الشحات
مرايا
أجمل ما في السيرة الذاتية: مشيناها خطىً للمؤرخ القدير، الدكتور رءوف عباس، أنها احتوت علي صراحة واضحة، وصلت إلي حد أنه قال للأعور: أنت أعور في عينيك.. كما احتوت علي تواضع العلماء , فالرجل يلخص تاريخه الوطني المشرق في بند المحاولة , رغم ما قدمه من أدوار رائدة في مجاله العلمي كمؤرخ وطني بارز، وما قدمه في المجال العام من خدمات وطنية جليلة حسب ما أتاحت له الظروف.
صدرت سيرة مشيناها خطىً قبل شهور، وتناولها الكثيرون، ولم أستطع مقاومة شوقي للكتابة عنها بعد قراءتها مؤخراً , خاصة أنها لمست جزءا من وجداني تمثل في أن صاحبنا تحدث عن جزء من مرحلة نشأته في مدينة طوخ بالقليوبية وهي مسقط رأسي، كما أنه التحق بمدرستها الثانوية وهي مدرستي . وأهم من دافعي هذا الوجداني أن د. رءوف الذي سمي نفسه في السيرة بصاحبنا لم يكن يوماً في سلطة سياسية، ولم يسع إليها، وبالتالي ليس مديناً لأحد في هذا الشق سوي ما أملاه عليه ضميره الوطني.. وظل هذا الضمير - منذ تفتح وعيه - بوصلته الرئيسية في اختياراته العامة، وأضفي تحرر صاحبنا من الارتباط بالسلطة علي سيرته طابعاً شعبياً، تمثل في التقاطه لتفاصيل التفاصيل التي عاشها بين جنبات المجتمع المصري من قاعه إلي قمته.. وجمعها فيما يشبه اللوحة التشكيلية التي تخطف بصرك أولاً في منظرها الكلي، ثم تجبرك علي تأمل تفاصيلها المتداخلة التي صنعت مشهدها النهائي.. وفي التفاصيل أشار إلي الكثير والكثير وجمعه في منمنات جاذبة، غير أن بيئة الفقر التي ولد وعاش مراحله الأولي فيها، هي أكثر ما استوقفني. ولم تكن تلك البيئة خاصةً به، وإنما خاصة بوطن كامل يئن أبناؤه من ضيق الحال.. وإذا كان هو قد استطاع هزيمة هذه الحالة بالعبور إلي العلم بموهبة إرادة صلبة، فكم يا تري من هم كانوا في مثل موهبته لكن الفقر أماتهم؟. وبطريقة واضحة يفسر هذا البعد لماذا ارتبط الشعب المصري بثورة يوليو وقائدها جمال عبد الناصر الذي أشهر أسلحةً كثيرةً لمحاربة الفقر، أبرزها مجانية التعليم، وهذه القضية واحدة من التفاصيل التي يتحدث عنها د. رءوف مشيراً إلي ما أحدثته من حراك في المجتمع المصري،.. أما التعليم الجامعي فيظل أكثر المواجع التي ينقلها د. رءوف من واقع تجربته كأستاذ في الجامعة.. فالفساد يتمكن منه والذي يأتي انعكاساً طبيعياً عن مناخ عام فاسد خارج أسوار الجامعة.. ومن واقعة إلي أخري , يكتب صاحبنا بأسلوب حكاء عظيم، لا يهمل معلومةً ضروريةً، ولا يعظم أخري سلبيةً، ويذكر بالفضل أساتذته وزملاءه المؤرخين، ويكشف في المقابل هؤلاء الذين يبيعون الحقيقة لأجل منافعهم الذاتية وفي الإجمال أعطي لنا الدكتور رءوف عباس سيرةً مدهشةً , أخطأت في تأجيل قراءتها عدة أشهر.
[تحرير] حسين نصار
المؤرخ والبطل التاريخي
سؤال يلح في الأيام الأخيرة على ذهني إلحاحاً شديداً لا هوادة فيه : هل يجب على كل من يتقلد منصباً كبيراً في مصر أن يشتغل بالسياسة , أو أن يكون له اشتغال بها ؟ والسبب في هذا الإلحاح أن أحد الزملاء في كلية الآداب – أعني أ.د. رءوف عباس – قذفني أنا وبعض زملائه من المؤرخين خاصةً ببعض التهم المشينة , في كتاب له , ثم في عدد من اللقاءات العامة , وفي مجلات متعددة دون أن أدري سبباً لذلك . ولن أتحدث عن الزملاء وإنما ألقي بعض الضوء , الذي أرجو أن يكون كاشفاً وصادقاً. لقد كررت في أكثر من لقاء مع صحفيين مختلفين إنني لست سياسياً, وإنني لم أنتم إلى أي حزب سياسي , ولم أمارس نشاطاً سياسياً البتة . واحترزت , فقلت إن موقفي لا يعني أنني أدين الجامعيين المشتغلين بالسياسة ، بل أرى ذلك فرضاً على كل قادر منهم لرفع مستوى الفكر السياسي المصري , وأرى أن ذلك يجب أن يباح للطلاب الجامعيين الذين يستطيعون المواءمة بينه وبين طلبهم العلم , وذلك لبث الدفء والنشاط والتجدد في حياتنا السياسية . ولا يعني ذلك الموقف أنني أفتقد الوعي السياسي الوطني . فإنني ليبرالي يؤمن أن الديمقراطية الحقة هي التي تنقذنا من مشاكلنا الداخلية التي يستغلها المستغلون , وتسير بنا نحو مجتمع النجاح والتقدم والرخاء . وأؤمن بأن القومية العربية الحية الواعية هي أملنا في البقاء أعزة . وعلى الرغم من هذا الموقف الواضح لم أسلم من القذائف مرةً بعد أخرى. فعندما كنت رئيساً لأكاديمية الفنون أخبرني الصديق المرحوم بهي الدين زيان أن هناك من يوزع في ( السويد ) منشوراً دون فيه أسماء الساداتيين في مصر , وأن اسمي مدون فيها .
وبعد إخراج الرئيس السادات من أخرج من أساتذة الجامعات في (أيلول) سبتمبر الأسود , وكان نصيب كلية الآداب بجامعة القاهرة أضعاف غيرها من الكليات , لجأ أحد الزملاء من العمداء , حين حصره طلبة البعثات هناك , إلى التخلص منهم بأن ذكر أن صاحب القرار أطلعه على أسماءً من يريد إخراجهم من كليته فأبى وجادل إلى أن أفلح, فلم يطرد أحداً, وأن بقية العمداء عرضت عليهم الأسماء , فمنهم من وافق على إخراجهم , ومنهم من أضاف إليهم أسماء من عنده , ومن الطبيعي أنني كنت واحداً من هذا الفريق أو ذاك . ويعلم كل من اتصل بهذا الحادث من السياسيين والجامعيين أن شيئاً من هذا لم يقع , وأن أحداً لم يعرف الأسماء قبل إعلانها إلا من اشتركوا في تدوينها . وعندما كنت في الأكاديمية , رمتني شكوى أرسلت إلى الرئيس السادات رأساً أنني احتضنت الشيوعيين, ومنحتهم الرئاسات . ولن أتتبع كل ما قذفت وإنما أعطيت هذه الأمثلة , لذلك الذي جعل كل هذه الأحداث تعود إلى الذاكرة وتثير ما تثير من أفكار .
ذكر أ.د. رءوف عباس أنني استدعيته ذات يوم , وأنا عميد للكلية . فجاء وانتظرنا إلى أن خلا المكتب , فأعلمته أن حرم السيد رئيس الجمهورية . وكانت حينذاك معيدةً بالكلية .. تريد أن تلتقي به وأنها تأتي يوم الأحد لإلقاء محاضراتها. فغضب واستنكر مني أن أجعله – وهو الأستاذ المساعد – يأتي في يوم لا محاضرات له فيه , ليلتقي بمعيدة . وخرج غاضباً . ثم ذكر أنني رتبت الأمر بحيث تم اللقاء في اليوم الذي أراده , وأنني تركتهما وحدهما وخرجت . ولكن اتفاقاً لم يتم. ثم ذكر أنني طلبت لقاءه بعد ذلك في يوم ثالث. وعندما التقينا منفردين طلبت منه (في استحياء والحمد لله) أن يكتب رسالةً عن حزب الوفد, ليقدمها إلى ابنة الرئيس, لتقدمها إلى الجامعة الأمريكية, وأن ذلك كان سبب الرغبة في الالتقاء به . وأشكر كل الشكر المؤرخ الكبير أ.د. عبد العظيم رمضان الذي كتب مقالاً قيماً في مجلة أكتوبر ، فند فيه أقوال أ.د. رءوف عباس كلها , وكشف عن زيفها. ولكني أحب بالنسبة لي أن أقول : هي كلمتي التي تنكر ذلك جملة وتفصيلاً في مقابل كلمته التي تحمل هذا الإثم , وأقول أنني أدع الأمر بين من يعرفونني ومن يعرفونه من القراء والزملاء , وأدعو الحق أن يحق الحق . ثم أقول إنه رماني بتهمتين لا واحدة , دون أن يدري . رماني بالهبل إذ رأيته يأنف أن يأتي في غير يومه , وينتفض غضباً وكبرياءً وتفشل رئاسة الجمهورية معه , أيعقل بعد غضبه من هذا الإثم الخفيف أن أطلب منه لإثم الأعظم, إلا إذا كنت عظيم الهبل . لقد جاء بها متواريةً أنه كان خائفاً على ترقيته , جاء بها كلمة ليخدع القارئ . لأن كل من يعرف النظم الجامعية يعرف أن العميد لا شأن له بالترقيات , وأن ذلك في يد لجنة تتألف من كبار رجال التخصص في جامعات مصر , وليس جامعةً واحدةً . قد يعطل العميد الأوراق , ولكن ذلك على حين قصير , إن لم يكن قصيراً جداً .
والتهمة الثانية أنني أردت التقرب من رئاسة الجمهورية لأحظى بمنصب ما . لقد كنت في ذلك الوقت رئيساً لأكاديمية الفنون , وهو منصب معادل لمنصب رئيس جامعة , وأود أن أطلب للزميل المؤرخ أن يذكر لي مقالاً واحداً تقربت فيه من الرئيس السابق أو الرئيس الحالي . قد يذكر مقال ( ابنة مصر ) الذي نشر في الأهرام 14/11/1981 ولكن تاريخه يعلن أنه كان بعد مقتل زوجها . أما أنا فأشير إلى مقالاتي صراع الأجيال (25/10/1982) وحتمية الوحدة (25/10/1982) والوحدة المفقودة (23/2/1983) وذلك الإنسان (28/6/1991) والديمقراطية والمجتمع ( 8/4/1994) والحوار الذي أثرته بمناسبة تصريح أ.د. حسين فوزي في إسرائيل بأن المصريين ليسوا عرباً , وكلها مقالات منشورة في الأهرام . ونشرت في جريدة الوفد , الديمقراطية التي أعرفها( 19/9/2001) وأنقذوا الإنسان (10/10/2001) وليس فيها أي مقال يمالئ رئيساً إن لم يكن فيها ما يعارض بعض الأعمال والاتجاهات . لقد ارتدى أ.د. رءوف عباس في كتابه زي من هاله الفساد الذي انتشر وخاصة في كلية الآداب , وأخذ على عاتقه محاربته . ولست أدري لماذا لم يفعل ذلك عندما كان وكيلاً للكلية . لقد ضل الطريق إلى الإصلاح غفلةً أو قصداً , ليمسك بمعول يهوي به على من يشاء . وأشير عليه أن يحارب ما يعتقده فاسداً في الجامعة من نظم , فالنظم هي الباقية , والأفراد زائلون , وكثيراً ما يخطئ الإنسان في التعرف عليهم . فإن لم يدر الطريق إلى ذلك أشير عليه بقراءة مقالاتي في الأهرام التي نقدت فيها نظام الاستثناءات (21/3/1979) والدراسات الجامعية والعليا والبحوث(21/7/1989, 29/9/1989, 24/11/1989, 23/2/1990, 16/4/1993) والأستاذ الجامعي وتعيين العمداء (14/12/1990, 13/9/1991) وغير هذه المقالات (12/2/1979 , 11/3/1981 , 22/6/1982) .
قد يتساءل متسائل : لماذا توجه لي الاتهامات ؟ فأقول ظناً يشبه اليقين : بسبب صلتي بالرئيس السادات والسيدة زوجته . أما السيدة جيهان فقد كنت احد أساتذتها مثل معظم أعضاء هيئة التدريس بقسم اللغة العربية . وأذكر أن أحد أعضاء القسم الأحياء هو الذي أنبأني بالتحاقها بالقسم بعد أن كانت في قسم اللغة الإنجليزية , لأنني كنت في ذلك الوقت أستاذاً زائراً في العراق لمدة شهر . فكان تعليقي : لا أدري أتبشرني بخير كثير أم بشر كثير. وقد حدث الأمران . وليس ذلك بسببها مباشرةً , وإنما بسبب أن عيون الرقباء وضعت جميع أفراد القسم تحت رقابة دائمة حمايةً لها , فعرفوا كل خباياهم . وأما الرئيس السادات فقد وصلني به التحاق السيدة زوجته بالقسم , وتعييني رئيساً لأكاديمية الفنون . وقد التقيت به أكثر من مرة , وطال جلوسنا معاً أحياناً . وأشهد أننا لم نتبادل حديثاً سياسياً قط , إلا عندما دعا جميع أعضاء القسم بعد الصلح مع إسرائيل . ويبقى تساؤل : لماذا يتهمني أ.د. رءوف عباس أنا وبقية زملائه بما اتهمنا به ؟ أما هو فيدعي أن رغبته في محاربة الفساد هي التي دفعته إلى ذلك . وأما أنا فأظن أن شيئا آخر هو السبب . لقد قضى الرجل عمره يشتغل بالتاريخ , يقف خارجه ويكتب عمن خلدتهم الأحداث . وأخيراً أراد أن يكون واحداً من الأبطال , فيدخل دائرة أبطال التاريخ , فابتكر لنفسه بطولةً وهميةً , غافلاً عن أن المؤرخين العظام لهم تاريخهم الخاص الذي لا يقل إشراقاً عن تاريخ هؤلاء الأبطال , والذي أبقى أسماءهم ترددها ألسنة الإعزاز والتمجيد من قرن على قرن , وفي قطر بعد قطر, سواء كانت أصولهم إغريقية مثل هيرودوت , أو بريطانية مثل توينبي , أو عربية مثل المسعودي , والقائمة طويلة أكثر الطول . أظن أن هذه الرغبة العارمة هي التي ساقته إلى اتهام زملائه واتهامي .
وأضيف إلى ذلك – في حالتي وفي حالة بعض زملائه أيضاً– أنني لست من قسمه , ولا تخصصه , ولم نتنافس في يوم على شيء مشترك ؛ أضيف أن من الأسباب – ربما – كان إحساني إليه إذ اخترته رئيساً لقسم التاريخ, مفضلاً إياه على زملائه , وكتابه يكشف أنه يحمل ضغينةً كبرى على من أحسن إليه , ولو كان من أقرب أقربائه , وصدق القول المأثور " اتق شر من أحسنت إليه " .
[تحرير] =بقلم . يوآف دي كافو
وطني مصري في أواخر عهد مبارك يستيقظ متسائلاً : ماذا حدث لنا ؟!
ترجمه عن العبرية. محمد عبود
رءوف عباس , من أهم المؤرخين المصريين , يروي في كتابه الجديد – "مشيناها خطىً" – قصة إفساد الجامعة المصرية , ويفتح نافذةً مهمةً لفهم العلاقة الديناميكية بين المثقف والمجتمع والسلطة . في شهر نوفمبر من العام 1978 تلقى المؤرخ المصري رءوف عباس رسالةً عاجلة من مكتب الرئيس السادات، للمثول صباح اليوم التالي في مكان محدد، ومعه حقيبة ملابس تكفيه ثلاثة أيام . في المكان المحدد انتظر عشرات من المثقفين وكبار الباحثين من جميع التخصصات الأكاديمية . كان يعرف كثيرين منهم ، ورويداً رويداً أدرك أن الوجوه التي لم يتعرف إليها كانت لرجال مخابرات تنكروا في هيئة أساتذة جامعيين . حُشدوا في سيارات ، وبعد فترة وجيزة وصلوا إلى الإسماعيلية ، حيث استقبلهم وزير الثقافة بترحاب ، وقادهم إلى قاعة اجتماعات فسيحة داخل المبنى الذي كان في السابق مقراً للإدارة البريطانية لشركة قناة السويس . وكان اختيار هذا المكان الرمزي مقصوداً , ليعلم الضيوف أن المسألة تتعلق بمهمة وطنية رفيعة . وبعد مقدمات وخطب التي تحدث أصحابها عن " الساعات المصيرية " ، و " المهمة الصعبة المعقدة " صعد الرئيس السادات إلى المنصة ، وأوضح بالتفصيل طبيعة المهمة : " لقد قررت أن أقيم أكاديميةً وطنيةً يتعلم فيها خيرة الشباب حب الوطن . وأطلب منكم أن تعدوا برنامج دراسي تفصيلي خلال اليومين التاليين . ونلتقي مجدداً " . وكلف عباس بالإشراف على دراسات التاريخ المصري المعاصر، وهو مجال حساس للغاية . هذا المشهد العارض يرمز في السيرة الذاتية لرءوف عباس ، " مشيناها خطىً " ، للمكانة الثقافية المتدهورة للمؤسسة الأكاديمية ، التي أصبحت مؤسسةً فاسدةً مشلولة بحلول نهايات القرن العشرين . واليوم ، ومع بلوغه سن التقاعد ، وبعد أن حصل على الجائزة المصرية التي تقابل " جائزة إسرائيل " ، قرر رءوف عباس فتح ملف الحساب . محاسبةً للنفس والمجموع ، بقلم شخص وطني بارز ، شأنه شأن كثيرين في مصر التي تشهد نهايات عصر مبارك استيقظ فجأة متسائلاُ : ماذا حدث لنا ؟
بالنسبة لكثير من المصريين، خاصةً هؤلاء الذين يسكنون في المدن الكبرى، فإن هذه الأيام الأكثر ملاءمةً لإجراء محاسبة من هذا القبيل . ففي السنوات الثلاث الأخيرة صدرت عدة مؤلفات نقدية جادة سرعان ما احتلت خانة الأكثر مبيعاً في مصر وخارجها . أحد أشهر هذه المؤلفات ، الكتاب شبه التأريخي ، للاقتصادي جلال أمين ،" ما الذي حدث للمصريين ؟ " ، الذي يستعرض فيه التحولات التي طرأت على المجتمع المصري في النصف الثاني من القرن العشرين ، وخصوصاً منذ سقوط الحقبة الناصرية. وبالرغم من كونه كتاباً قرائياً ممتعاً ، إلا أن جلال أمين لم يدخر سياط النقد التي هوت على الطريقة التي أديرت بها الدولة المصرية في عهدي السادات وخليفته . المعادلة التي تتبناها هذه الموجة الأدبية الجديدة بسيطة للغاية : الحكم المطلق = مسئوليةً مطلقةً . أو بعبارة أكثر وضوحاً ، لقد آن الأوان لإحداث تغيير راديكالي في التركيبة الاجتماعية المصرية . ويوجد أيضاً حركة احتجاج سياسي عالية الصوت تطالب بالتغيير ، اسمها " كفاية " . وقسم كبير من شعاراتها وجد طريقاً للتعبير عن نفسه في الأعمال الأدبية ، والفكرية في الآونة الأخيرة . لكن الأمر الذي يجعل مذكرات عباس بمثابة الكلمة الأخيرة والأكثر انتقادية في هذه السوق الفكرية الصاخبة ، هو طبيعة عمله كمؤرخ ، أي أنه الشخص الذي يرسم حدود الإجماع الجماهيري بمصطلحات علم التاريخ التي قد تضفي المشروعية السياسية . ولا يطرح عباس في سيرته الذاتية أسئلةً معقدةً حول كتابة التاريخ ، أو تحطيم الأساطير القومية التي عفا عليها الزمن ، فقد تقدمت به السن بما لا يسمح له بذلك، كما أنه شخصياً أحد المؤمنين المتحمسين لعدد من هذه الأساطير. لذلك بدلاً من مراجعة وتدقيق المغزى التاريخي، يكشف عباس لقرائه ، بقسوة بالغة، دهاليز مؤسسات الإبداع الفاسدة في مجال التأريخ بمصر . وأي مؤرخ شاب وشجاع يستطيع أن يترجم هذه القصة ويخضعها للتفسير التاريخي الحديث ، الذي قد يهدم الأنماط القائمة .
بأسلوب كتابة مباشرة ، وببسالة شديدة , يضع عباس أدوات العمل على المنضدة , وبالرغم من أنه ليس عضواً بأي من حركات الاحتجاج السياسي ، إلا أنه قرر أن يروي قصة حياته . ولد رءوف عباس في صعيد مصر عام 1939 لأسرة كبيرة العدد ، محدودة الموارد . كان أبوه عاملاً بهيئة السكك الحديدية ، جاب جميع أنحاء مصر يتنقل بين فروع الشركة المختلفة . وبعد أن طلق زوجته ، وتزوج من أخرى ، ترك عباس لدى جدته في حي قاهري فقير ، يسكنه المسلمون والأقباط جنباً إلى جنب . ولم ينس عباس طيلة حياته حالة التضامن الاجتماعي التي تميز بها الحي . وبوصفه مسلماً ، أرسل عباس في صباه للدراسة في " كُتاب " الحي ليحفظ القرآن . وعند بداية الدرس الأول سأله الشيخ عن اسمه . ورد الطفل : " اسمي رءوف " . وعلى الفور هوى عليه الشيخ بلطمة مدوية ، ثم قال له " الرءوف هو الله " . ونتيجة لهذه القسوة المرضية ، ولأنه رفض أن يحفظ الأشياء التي لم يفهمها ، انتهت قصة عباس مع ما يمكن أن نعمم ونسميه " الإسلام " . فهو لا يكتب كلمة مجدداً لا عن الدين ، ولا عن تجلياته السياسية ، والاجتماعية والفكرية . مصر التي تراها عبر صفحات الكتاب هي كيان علماني خالص .
لو ولد عباس قبل عشر سنوات ، كان المفترض أن تنتهي تجربته الدراسية بهذه اللطمة المدوية ، ولم يكن ليحظى بالتعليم الأساسي ، وما بعد الأساسي . غير أن الإصلاحات التعليمية في الأربعينيات أتاحت تعليماً مجانياً للأقلية القادرة . وبصعوبة بالغة نجح في مواصلة تعليمه . وفي تلك الأثناء حدثت " ثورة الضباط " عام 1952 ، وتمكن أبناء الشرائح الاجتماعية الفقيرة من دخول الجامعات بسهولة نسبية . لذلك حفظ الجميل دائماً للحقبة الناصرية ، وأبى في كتابه أن يقول كلمة نقد في حق هذه الحقبة . وفي عام 1957 ، بدأ دراسة التاريخ في كلية العلوم الإنسانية حديثة العهد بجامعة عين شمس ، وإلى جوار الدراسة التحق بعمل وظيفي بأحد المصانع ، ولأنه ابن عامل ، انجذب لحياة العمال ، وبالذات لتاريخ الحركة العمالية المصرية ، ذلك المجال الذي سيصبح بؤرة تخصصه فيما بعد . وسارت حياته الأكاديمية في هدوء وسكينة حتى نهاية الخمسينيات . لكن سرعان ما اندلعت الخلافات الفكرية والأيديولوجية ، والشخصية ، بالطبع ، بين الأساتذة بجامعة القاهرة التي عمل بها مدرساً من الخارج ، وبين الأساتذة بجامعة عين شمس ، التي كان يعد فيها رسالة الدكتوراه .
تمسك المحاضرون في جامعة عين شمس ، بزعامة المؤرخ عزت عبد الكريم ، بالمدرسة التاريخية الليبرالية التي ازدهرت في العهد الملكي . وفي المقابل ، في جامعة القاهرة قاد المؤرخ الشاب محمد أنيس المدرسة التاريخية الماركسية ، التي بالرغم من الدوجمائية التي تنطوي عليها ، إلا أنها كانت مدرسة حديثة وذات مغزى سياسي بعيد المدى . عباس صار ممزقاً بين المدرسة الليبرالية الإنسانية النزاعة للشك التي تربى عليها في عين شمس ، وبين الخيار الاشتراكي بجامعة القاهرة ، الذي أعلن أصحابه أنه من خلال تحديد القوانين التي تحكم مسار التاريخ المصري سيتمكنوا من إعداد مصر المستقبل . الالتزام السياسي الذي نتج عن هذه الفلسفة ، والاقتراب من مراكز القوى الحاكمة التي أيدت هذا الاتجاه ، سحرت عدداً كبيراً من الشبان ، وخاصة المؤرخين الذين أهلتهم معرفتهم بالتاريخ المصري بميزات عديدة عندما أنيط بهم تعبئة الإطار النظري الماركسي بالمضمون المناسب من المواد التاريخية . وتمكن عباس ، بصعوبة بالغة ، من شق طريقه بين هذه المدارس الفكرية المعارضة ، ومع انتهائه من الدكتوراه عُين محاضراً بجامعة القاهرة . قصة عباس حتى هذه النقطة مكتوبة بأسلوب جميل يثير التعاطف ، لكن الأحداث معروفة ، وقيمتها الجماهيرية ليست بالغة . وفي مقابل ذلك ، فإن وفاة عبد الناصر ، وانهيار الاشتراكية العلمية ، واستبدالها بالرأسمالية السلطوية في عهدي السادات ومبارك ، عجلت بالنضج الفكري والسياسي لدى رءوف عباس ، وفتحت عينيه . فاعتباراً من عام 1967 انتهى ، من وجهة نظره ، عصر السذاجة، ومن ثم شرعت هذه السيرة الذاتية في إثارة الانتباه .
باختصار – هذه هي التجربة التي عاشها عباس في الجامعة ، وبين مراكز القوى الثقافية بمصر خلال الثلاثين سنة الأخيرة : المحسوبية ، وتعيين الأقارب والمقربين بدون إعلان ، أو بواسطة إعلانات مفصلة حسب المقاس ، أساتذة جامعيون يظلمون طلابهم بالجباية غير القانونية للأموال ، والابتزاز ( بيع ملخصات الامتحان ) ، فساد في اختيار الأساتذة وترقيتهم، سرقات علمية منتشرة بين الأساتذة والطلبة ، معايير أكاديمية متدنية , يحاسب بناءً عليها الطلبة القادمون من إمارات النفط ، الذين يشترون بأموالهم الحق في نشر أبحاثهم في المجلات العلمية ، قلة عدد الأساتذة بالنسبة لعدد الطلاب ، تدخل شمولي تقوم به المخابرات فيما يتعلق بإدارة الحياة الأكاديمية داخل الجامعة ، " طبخ " انتخابات اتحاد الطلبة ، وشاية الأساتذة والطلاب ضد زملائهم لصالح الأجهزة الأمنية، علاقات عمل عكرة، تمييز منهجي ضد الباحثين الأقباط بالمقارنة مع أقرانهم المسلمين ، عمولات ، وإعارات للأساتذة الذين تعاونوا مع الأجهزة الأمن ... إلخ. خصص عباس صفحات كاملة لتاريخ عائلة السادات ، وبالذات لزوجته المكروهة جيهان السادات وبناتها ، وللطرق الكثيرة التي أفسدوا بها الجامعة . وبالإضافة إلى كل ذلك ، يفتح عباس نافذةً مهمةً لفهم الديناميكا التي تحكم العلاقة بين المثقف ، والمجتمع والسلطة . وتعد شروط عمل المؤرخ نموذجاً ممتازاً لفهم هذه الديناميكية . يرتبط المؤرخون ، بصورة مطلقة ، بالنيات الحسنة للدولة في كشف مواد أرشيفية معينة أو إخفائها. ولأن قيمة الشفافية ، وضرورة تقديم الحقائق للجماهير ليست جزءاً من هذه العلاقة ، يعاني المؤرخون من نقص دائم في مادة البحث العلمي . فأرشيف الدولة له وظائف متعددة ، لكن يبدو أنه لا يؤدي الوظيفة الرئيسية التي أقيم من أجلها . وعملياً ، لكتابة تاريخ مصر في النصف الثاني من القرن العشرين، يمكن فقط الاعتماد على المصادر الصحفية ، والمقابلات الشخصية، وأرشيفات الدول الغربية . وبسبب النفقات الباهظة التي يتكلفها السفر في مهام بحثية للخارج ، فإن مجموعة محدودة للغاية من أساتذة الجامعات والطلاب يتمكنون من ذلك . بل أن عباس نفسه اكتشف وفوجئ ، أن عدداً من المصادر التاريخية المحدودة أصلاً ، سرقه " محاضرون " من مكتبة الجامعة .
يشكو عباس حالة الجمود المنهجي والفكري التي ضربت الدرس التاريخي في مصر . ومع ذلك فهو لا يفسح مجالاً واسعاً لمناقشة هذه القضية المعقدة ، ويبدو أنه من الصعب عليه أن يثبت براءته في هذه المسألة ، خاصة أن تشبثه - عبر السنين - بطريقة التفسير القومية الكلاسيكية لتاريخ مصر الحديث ، يعد أحد الأسباب الرئيسية لهذا الجمود الفكري . على أية حال ، فإن الصورة الناتجة هى أن الدورة الطبيعية للتفسير التاريخي لا تعمل كما ينبغي : ( الميلاد ، والعبور من الهوامش الثقافية إلى الإجماع الشعبي والسياسي ، ثم الانهيار , وفقدان الدور ) . لذلك تبدو كل هذه الانتقادات مبالغاً فيها بعض الشيء . ففي نهاية المطاف ، لا يعرض عباس هذه الانتقادات بكل هذا التكثيف . كما إن هناك إنجازات لا بأس بها تحققت عبر السنين ، خاصة في مجال الأدب ، والحوار الثقافي ( وهما المجالان الرائدان في الفكر المصري العلماني ) . وكذلك الأمر في ميدان الدراسات التاريخية .. تحققت إنجازات لا بأس بها ( عباس ينسب معظمها لنفسه) ، مثل إحياء الجمعية المصرية للدراسات التاريخية لتكون هيئة مستقلة نسبياً ، والنهضة التي كانت من نصيب دراسة العهد العثماني ، التي أسفرت عن تحطيم عدد من المسلمات التاريخية المختلفة ( مثل الاهتمام بتاريخ البغاء ) .
الجامعة الأمريكية بالقاهرة ، وهى جزء لا يتجزأ من النسيج الفكري، تقف كقلعة صامدة من حيث الأخلاقيات المهنية والأبحاث التاريخية المتميزة. ومع ذلك فإن الأمور ما زالت على ما هي عليه . عباس هو شخص وطني ، ومن هذا المنطلق فإنه يتبنى موقفاً معادياً لإسرائيل ، ويقف بمنتهى الحزم ضد أي شكل من أشكال التطبيع . وهذه المواقف في حد ذاتها تعد مواقف مشروعةً وشائعةً بمصر ، إلا أنها تغذي إطاراً من وجهات النظر المتهالكة والإشكالية ، لا تنطوي على أي شكل من أشكال التعددية الثقافية والكزموبوليتانية . أي إن عباس وأمثاله يتنازلون ، مقدماً ، عن أي إمكانية لدراسة واقع الشرق الأوسط وحوض البحر المتوسط بعيداً عن الشعارات القومية والتجربة المصرية الضيقة المشتقة منها . إن الالتزام الشامل بالهوية المصرية هو العنصر الباعث على اليأس في عمل رءوف عباس . فالتمحور الثقافي الذي يمتدحه عباس ( أين اختفي الإيطاليون، اليونانيون، المالطيون ، اليهود , والأرمن الذين عاشوا في مصر حتى الستينيات؟ )، ليس اختياراً أيديولوجياً ، وإنما حالة نفسية غير مرتبطة بالظروف. وبهذا المعنى , فإن عباس مخلص للتراث العلماني الذي يمثله جيل الستينيات . وبطريقة باعثة على اليأس ، كلما نقلب في صفحات الكتاب المهم ، نطالع مشاعر الألم والحب ، والإظلام ، والحنين ، والفخر أحياناً ، وتلوح خطوط واهنة من الأمل ، بالكاد يمكن أن نطلق عليها محاولةً للمواساة .
[تحرير] عبد العظيم رمضان
بل هي خطىً مشاها خطأ !
قد أغتفر الكذب في أي إنسان ولكني لا أغتفره في المؤرخ بالذات ! فالمؤرخ - في اعتقادي الخاص – هو ضمير عصره , وهو مرآة عصره ! ولا يجتمع في إنسان أن يكون مؤرخاً وكاذباً في الوقت نفسه ! فالكذب يسلب من المؤرخ صفته وأهليته لكتابة التاريخ ! بل لقد ذهبت إلى أن كذب المؤرخ هو بمثابة صحيفة دعوى ضد من يكذب عليهم أو يفتري عليهم الكذب ، ينشرها دون أن تتاح الفرصة لمن أطلق عليهم ادعاءاته الكاذبة للرد !
ومن هنا فإني غاضب لما أقدم عليه الدكتور رءوف عباس ! - وقد كان صديقاً قديماً – من ادعاءات وكذب وافتراءات ملأ به ما أسماه مذكراته، التي نشرت تحت اسم " مشيناها خطىً "! وفي البداية فقد دهشت عندما علمت بأنه كتب مذكراته ! فلم أعرف للدكتور رءوف عباس دوراً وطنياً في خدمة بلده ، يستحق عليه أن ينشر هذا الدور على الشعب المصري أو يهتم به الشعب المصري ! أقول ذلك وأنا أعرف جيداً متى تكتب المذكرات , فلي كتاب معروف, طبع أكثر من مرة , تحت اسم " مذكرات السياسيين والزعماء " ! ولم أعرف عن الدكتور رءوف عباس أنه كان زعيماً أو سياسياً ! كما أنه لم يكن له دور وطني نضالي في أي صورة من الصور !
ثم أدركت السبب في تصدي الدكتور رءوف عباس لكتابة مذكرات لا تهم الجماهير في شيء , ولا تفيد تاريخ بلدنا في شيء , عندما تصاعدت الشكوى من زملائه في الجامعة بأنه يصفي حسابه معهم تحت اسم مذكرات! ولم أصدق في البداية , فلست أعرف للدكتور رءوف عباس صراعات بينه وبين زملائه , أو نضالاً من أجل قضايا جامعية عامة , توقعه في مشاكل مع زملائه الأساتذة أو حسابات تلزمه بأن يصفيها معهم في شكل مذكرات ! وعندما شككت في ذلك أمدني الأساتذة الزملاء بقائمة طويلة من الإساءات التي أساء بها إليهم , والافتراءات التي افترى بها عليهم !
وقد أزعجني خاصةً ما أخذ يتطاول به على أساتذة عظام أموات وأحياء يشغلون مناصب علمية رفيعة , ويقدمون فيها خدمات لوطنهم مصر تتوارى إلى جانبها أية خدمة قدمها هذا الأستاذ لوطنه ! نعم لقد ذهلت عندما قرأت أنه وصف أستاذاً جليلاً , وهو محل احترام الجميع , وهو الأستاذ الدكتور حسين نصار – الذي يشغل حالياً منصب نائب رئيس المجالس القومية المتخصصة – وصفاً بشعاً بأنه نخاس!!! ولو كان هذا الوصف قد وجه إلى الأستاذ الدكتور حسين نصار بحق, لربما اعتبرنا ذلك شجاعة من الدكتور عباس , وتصدياً لفساد جامعي, ولكننا سوف نذهل حقاً حين نكتشف أن هذا الوصف البشع , مبني على افتراءات وعلى أكاذيب حاكها الدكتور عباس , ضد الأستاذ الدكتور حسين نصار ! ومن السهل إثبات هذه الأكاذيب والافتراءات من الوقائع الثابتة الدامغة ! فقد نسب إلى الدكتور حسين نصار عندما كان عميداً لكلية الآداب – أنه استدعاه إلى مكتبه لمساعدة السيدة نهى كريمة الرئيس السادات, في بحث عن حزب الوفد باللغة الإنجليزية, لأنه – حسبما يدعي – " الوحيد الذي له كتابات باللغة الإنجليزية, وأنها في حاجة إلى من يكتب لها البحث " !!! وهنا ينسب إلى نفسه أنه هب من هول ما سمع , وانفجر في العميد : " أنت عارف أنت قاعد فين, قاعد على كرسي طه حسين, وبتشتغل نخاس, بتبيع أساتذة الكلية في سوق العبيد , وخرج من الغرفة صافعاً الباب خلفه " !!
وفضلاً عن إنكار العالم الجليل الدكتور حسين نصار هذه الرواية من أصلها, واعتبارها افتراء وكذباً , فإن المتخصصين في تاريخ مصر , يعرفون جيداً أن الدكتور عباس كان متخصصاً في الحركة العمالية , ولم تكن له دراسات في تاريخ الوفد , تدفع إلى الاستعانة به في بحث عن الوفد , تجريه ابنة الرئيس السادات , وهو ما يعترف به بنفسه , فيقول إنه طلب منها أن تستعين إما بعبد العظيم رمضان أو يونان لبيب رزق ! وإذا كان الأمر كذلك , فما الذي يدفع عميد الكلية إلى الاستعانة بغير متخصص في تاريخ الوفد , لكي يساعد ابنة السادات في بحثها , خاصة أنه لم يكن حتى ذلك الحين قد حصل على درجة الأستاذية ! والمهم هو أن الأستاذ الدكتور حسين نصار ينكر هذه الواقعة برمتها, وينسبها إلى افتراءات الدكتور عباس ! ويستشهد الدكتور حسين نصار على ذلك, بأنه لو صح كلام الدكتور عباس, بما يترتب عليه من حرمان الدكتور نصار من رضاء الرئيس السادات , فكيف يستقيم ذلك مع ما قام به الدكتور نصار بعد أربعة أشهر فقط من هذه الواقعة الكاذبة, من تعيين الدكتور عباس رئيساً لقسم التاريخ مفضلاً إياه على أستاذين آخرين هما الأستاذ الدكتور سيد الناصري , والأستاذ الدكتور أمين صالح !
وهكذا نرى أستاذاً كبيراً مثل الدكتور حسين نصار , يطعن في شرفه , وفي سمعته العلمية , ويوصف بأنه نخاس بغير وجه حق , وبغير أي سبب موضوعي ! ولكن هذا هو ما سوف نراه في طول مذكرات الدكتور عباس , من الإساءة لكل من أحسن إليه ! ولكن هذا هو واحد من افتراءات عديدة أصاب بها الدكتور عباس رفاقه من أساتذة الجامعات المصرية , لا يتجرأ على توجيهها أي عدو لمصر وللجامعة المصرية , بل لم يتجرا عليها أستاذ إسرائيلي , في طعنه للعلماء المصريين , وللجامعة المصرية ! فهو يروي قصصاً خيالية يتظاهر فيها بالبطولة على حساب زملائه , وينسب إلى نفسه وقائع , يعلم هو قبل غيره أنها وقائع غير صحيحة ! وأنا شخصياً حتى اليوم لا أستطيع أن أفهم كيف تجرأ الدكتور عباس على زملائه ورفاقه وأساتذته بتلك التهم الشنيعة , التي لم يكن لها أي مبرر, غير رغبة دفينة في التشهير , وحقد أسود ضد هؤلاء الأساتذة الذين لم يسيئوا إليه في يوم من الأيام !
ولست شخصياً قادراً على تفسير سبب هذا الانقلاب الغريب من أستاذ جامعي على زملائه , وطعنهم في سمعتهم وشرفهم ! وربما تولى هذا التفسير علماء النفس وعلماء الأجناس !! وربما كان في سرد الدكتور عباس لنشأته ما يساعد علماء الأجناس على تفسير غدره بزملائه , وإهانته البالغة التي وجهها إلى رفاق المسيرة , الذين يفوقونه علماً وفضلاً , والذين يملأ علمهم وفضلهم على وطنهم الآفاق , ولا يستطيع أن ينكره جاحد ! لقد كان في وسع الدكتور عباس , أن يوجه هذه الإهانات في حينها لرفاقه من العلماء والأساتذة العظام في وقتها , ولكنه آثر أن يحتفظ بسخائمه وأكاذيبه لينشرها بعد وقت تحت اسم " مذكرات " ! وما شاهدت في حياتي - وقد حققت كل مذكرات السياسيين والزعماء التي كانت متاحة لي في ذلك الوقت - مذكرات تكونت معظمها من أكاذيب وضلالات كهذه المذكرات ! وهو ما سوف نوضحه للقارئ , ولمن خدعوا في هذه الأكاذيب , وتصوروها مذكرات حقيقية ! والمؤسف حقاً أن يكافئ الدكتور عباس المؤرخين , الذين انتخبوه رئيساً للجمعية التاريخية بكل هذا الجحود والنكران , فيصورهم في صور نخاسين , وبأنهم تتملكهم العقد النفسية التي لا يصاب بها إلا ضعاف النفوس! وربما هذا ما يفسر انقلابه على أستاذه , الأستاذ الدكتور إبراهيم نصحي رحمه الله , الذي رعى الجمعية التاريخية كرئيس لها وكانت في عهده بيتاً لكل المؤرخين المصريين والعرب , بعد أن أصبحت خاوية إلا من الدكتور عباس وبطانته , بعد أن فصل منها كبار المؤرخين !!
وهنا أود أن أقول أن ما دفعني لكتابة هذا المقال , هو معرفتي التامة بأن من واجب المؤرخ أن يصحح للجمهور المصري , أية أكاذيب تشوه صورة المجتمع المصري , وتشوه صورة الوطن , وصورة الجامعة المصرية وعلمائها , التي أخرجت لنا أحمد لطفي السيد وطه حسين وغيرهما . فعسير على النفس حقاً أن يصدق أن هذه الجامعة اليوم هي جامعة الأساتذة النخاسين والمنافقين والمضللين , التي صورها الدكتور عباس في مذكراته كأنها حقائق , وما هي إلا أكاذيب وافتراءات واتهامات باطلة , لا تستند إلى أي واقع ! كما أنها لا تستند إلى ضمير وطني سليم ! فلقد نسب إلى أستاذ كبير , هو الأستاذ الدكتور يونان لبيب الحائز على جائزة مبارك في العلوم الاجتماعية , أنه وقف موقفاً غير أخلاقي , عندما قبل أن يخلف الدكتور عباس في رئاسة اللجنة العلمية المشرفة على مركز وثائق وتاريخ مصر المعاصر ! وينسى أنه سبق أن قبل أن يخلفني في نفس المركز ! وقد كذب عندما اتهم مستشار وزير التعليم المصري , في عهد الأستاذ الدكتور حسين كامل بهاء الدين وزير التعليم السابق , بأنه في عام 1992 , رفض أن يتولى أستاذ قبطي هو الأستاذ الكبير الدكتور يونان لبيب وضع امتحان الثانوية العامة , بحجة أن تعليمات الأمن تمنع " أهل الذمة " – على حد قوله – من وضع الامتحانات !
ولم نسمع في حياتنا مثل هذا الافتراء عن وزارة التعليم , التي تقود العملية التعليمية لشعب مصر كله بمسلميه وأقباطه ! كما لم نسمع عن الدكتور حسين كامل بهاء الدين يمنع الأقباط من وضع الامتحانات ! ولو كان ذلك صحيحاً لظهر أثره في امتحانات وزارة التربية والتعليم السابقة واللاحقة! وما يوضح تماماً كذب هذا الأستاذ وافترائه على وطنه وعلى المؤسسة التعليمية , أنه لو كانت هذه بالفعل هي سياسية الدولة المصرية تجاه الأقباط , لانعكس ذلك عند تكوين لجنة كتابة مناهج التاريخ , التي كنت أتشرف برئاستها ! فقد كانت هذه اللجنة تشتمل على اثنين من كبار الأساتذة الأقباط هما الأستاذ الدكتور يونان لبيب رزق و والأستاذ الدكتور إسحاق عبيد , ثم ضم إليها الأستاذ الدكتور ميلاد حنا ! وقد صححت بالفعل هذه اللجنة المناهج الدراسية التي تدرس اليوم في المدارس ! وقد كانت هذه اللجنة , هي التي أدخلت اسم العصر القبطي في منهج التاريخ , بدلاً من الاسم القديم , الدولة البيزنطية ! وقد تجاوزت افتراءات الدكتور عباس زملائه , إلى رجل فاضل عرف عنه دماثة الخلق , والأدب الجم , وهو الأستاذ الدكتور ناصر الأنصاري رئيس هيئة الكتاب الحالي , ورئيس دار الكتب ثم دار الأوبرا , ثم معهد العالم العربي بباريس سابقاً . حيث نسب إليه أنه وضع تعليمات متعسفة تقضي بأن من يريد مقابلته عليه أن يقدم طلباً كتابياً قبل الموعد بثلاثة أيام ! وهو أمر غير معقول وأنا شاهد على التاريخ . فلم يعرف عن الدكتور ناصر الأنصاري هذا السلوك الشاذ ! ولا يعلم السبب في هذا الافتراء من جانب الدكتور عباس على الدكتور ناصر الأنصاري ! ولن أتناول في هذا المقال الافتراءات والأكاذيب التي ألصقها بعالم كبير هو الأستاذ الدكتور حسنين ربيع أستاذ تاريخ العصور الوسطى , ونائب رئيس جامعة القاهرة السابق, ورئيس لجنة التراث الحضاري بالمجالس القومية المتخصصة حالياً. حيث نسب إليه العديد من الوقائع الملفقة , التي تسئ إلي سمعته العلمية , وإلى إدارته لكلية الآداب ومنها أنه انحاز إلى صف الفساد في كلية الآداب , وتسلق المناصب الجامعية في ادعاءات ناسياً أن القضاء المصري النزيه أثبتت كذبها وافتراءها! ثم اتهامه للدكتور حسنين ربيع بالتطرف الديني , وبأنه اعترض على تعيين معيدتين بالقسم , لأن إحداهما قبطية ! قائلاً " إن القسم تخلص من هؤلاء منذ خمسين عاماً فلا يجب أن يسمح لهم بدخوله " ! وهو اتهام يسئ إلى وطنية الدكتور حسنين ربيع , ويوصمه بتهمة العنصرية والعداء للأقباط ! ونلاحظ هنا إصرار الدكتور عباس على اتهام النظام المصري , في عصر السادات ومبارك باضطهاد الأقباط , بدون وجه حق !
وهي وسيلة دنيئة للتقرب من أقباط المهجر , وللحفاظ على استمراره للتدريس في الجامعة الأمريكية ! والمثير في هذا الشأن إصرار الدكتور عباس على اتهام النظام المصري باضطهاد الأقباط ! وحرمانهم من المشاركة في النشاط العلمي ! فيذكر أنه عندما تقدم بأسماء الأساتذة الذين أسند إليهم التدريس في معهد الدراسات الوطنية المزمع إنشاؤه , وعرض اسم الدكتور يونان لبيب , والدكتور إسحاق عبيد , اعترض الدكتور مصطفي السعيد " مش لازم دول شوفوا حد تاني الأساتذة كتير " ! وأنه اعترض قائلاً : " هل معنى هذا أن من يختارون للدراسة لن يكون منهم أقباط ؟ وما معنى الاعتراض على اثنين من الأساتذة الأكفاء بدون سبب سوى ديانتهم ؟ " بل يتهم أساتذة التاريخ بأنه " عندما انتدب الأستاذ الدكتور يونان لبيب بالقسم اعترض أساتذة التاريخ لكونه قبطياً " !
وهو إصرار غريب للغاية من أستاذ من المفروض فيه أنه يعرف جيداً أن مصر لم تكن في يوم من الأيام عنصرية , وأن الأقباط والمسلمين يعيشون جنباً إلى جنب ويتولون المناصب دون أية تفرقة ! ولقد ادعى أن تعيين الدكتورة إيمان عامر بقسم التاريخ , إنما كان لصداقة تربط بين والدها , ورئيس القسم ! وهو أمر مضحك ! لأن التعيين بالجامعات لا يكون بسبب الصداقة, وإنما بمعايير علمية صارمة ليس فيها ابنة فلان ولا علان! ولا يفوتني في هذا الصدد أن أكون بنفسي شاهداً على كذبة كبيرة وافتراء محض , ولكنها تصور أسلوب الدكتور عباس في تلفيق الحقائق ! والواقعة الحقيقية التي حدثت وشهودها مازالوا أحياء , وعلى رأسهم الدكتور رفعت السعيد , والأساتذة أعضاء لجنة التاريخ بالمجلس الأعلى للثقافة , هو أنني كنت قد ضممت الدكتور عباس إلى لجنة التاريخ , ولكنه كان يتقاعس عن الحضور , الأمر الذي دعاني إلى استبدال أستاذ آخر به , ولكن الصديق الدكتور رفعت السعيد أقنعني أمام باقي أعضاء اللجنة بأن فصل أستاذ من لجنة التاريخ على هذا النحو , سوف يكون إهانة كبيرة له ! واقترح أن يتصل هو شخصياً بالدكتور عباس لكي يقدم بنفسه استقالته من اللجنة ! وقد وافقت بطبيعة الحال , وقام الدكتور رفعت السعيد بالفعل بالاتصال بالدكتور عباس , وحصل منه على الاستقالة . ولكنه لم يكن أميناً! فقد كتب الاستقالة بالشكل الذي يظهره بأنه صاحب موقف دفعه إلى تقديم استقالته !
ولم أهتم بطبيعة الحال , فقد كان يهمني في ذلك الوقت الحرص على كرامة الدكتور عباس ! ولقد كان السبب الحقيقي في امتناع الدكتور عباس عن حضور اجتماعات اللجنة , هو ذلك الغضب المفتعل حين طالبته بصفته رئيساً للجمعية التاريخية , بأن ترشح الجمعية كبار أساتذة التاريخ , الذين لهم فضل علمي كبير , من أمثال الدكتور حسن حبشي , ودكتورة سيده كاشف وغيرهما , لجائزة الدولة التقديرية, بدلاً من الأساتذة سيئي السمعة , الذين يصر على ترشيحهم في كل عام و رغم عدم حصولهم على أية أصوات في المجلس الأعلى للثقافة ! لقد أصر الدكتور عباس على ترشيح البعض من الفاسدين , بدلا من ترشيح الأساتذة العظام , الذين يستحقون بالفعل هذا الترشيح ! ولقد كان مما قلته له بخصوص الأستاذ الدكتور حسن حبشي : إذا لم ترشح الجمعية التاريخية هذا الأستاذ الكبير , فهل ترشحه نقابة المهندسين ؟ وهو ما استفزه وخرج غاضباً ولم أر وجهه حتى اليوم ! ويشهد على هذه الواقعة كل أساتذة لجنة التاريخ بالمجلس الأعلى للثقافة ! فلماذا بالله إصرار الدكتور عباس على ترشيح بعض الأساتذة الفاسدين , الذين منعتهم جامعاتهم من الإشراف على السيدات ؟ وللقارئ أن يفهم ما بين السطور ! ولقد احترت كثيراً في فهم غدر الدكتور عباس بزملائه ورفاقه , ولكنه أجاب على ذلك بالفعل في مذكراته , حين تحدث عن نشأته وطفولته بأوصاف بشعة لم يسبقه إليها سابق ! حيث اتهم جدته بأنها كانت تحرمه من الطعام عندما أقام عندها , وأنه تصور أن دخوله المجلس وإقامته عندها سوف يضع حداً " لعقده النفسية " ! ويقول أنه " منذ وعيه كان يسمع جدته تختتم صلواتها بالدعاء على أمه , سائلة الله أن يحرق قلبها على أولادها " !! وأنها كانت " إذا طبخت لحماً أكلته وحدها " ! " وعندما تجرأ وأكل سراً قطعة من اللحم ظناً منه أنها لن تكتشف الأمر, اتضح أنها تحمل معها محضر الجرد , فاكتشفت السرقة ولعنته وأمه , لأنه " مفجوع " مثلها ! على كل حال , فإن هذه الاعترافات الخطىًرة عن نشأة الدكتور عباس التي طعن فيها أقرب الناس إليه بما لم يسبق له مثيل في التاريخ كله , ربما يكون فيه توضيح كاف لما ساقه من افتراءات وانقلابات وتشهير بزملائه وأصدقائه ! فلقد حفظ لنا تاريخ الأمثال المصرية العريقة هذا المثل الكبير " كل إناء بما فيه ينضح "!!
[تحرير] رءوف عباس حامد
وقفة الحيران في أحوال " رمضان "
نشر معالي الدكتور عبد العظيم رمضان مقالا في مجلة أكتوبر (19 مارس 2005), اختار له عنوان "بل هي خطىً مشاها خطأ!" هاجمني فيه هجوماً مقذعاً, وسبني علي رءوس الأشهاد, واتهمني بالكذب وجردني من الوطنية ، وعرض بأصلي الاجتماعي, وطلب رأي علماء النفس وعلماء الأجناس في شخصي, فاتهمني بذلك بالخلل العقلي, وأخرجني من زمرة الإنسانية, طالباً تحديد النوع الذي أنتمي إليه. ولا أظن أن أحداً بلغ هذه الدرجة من خرق كل الضوابط والمعايير المتصلة بما يجب توافره في خطاب موجه إلي الرأي العام, علي صفحات دورية, وتجاوز كل الحدود القانونية ، فكان قذفاً وتشنيعاً واضحاً للعيان, مكان النظر فيه ساحة القضاء العادل, فلا أحد فوق القانون, وليس مكان مناقشة هذه التهم هنا.
ولكن أريد هنا أن أصوب بعض ما ورد في المقال من معلومات تفتقر إلي الصحة. فقد استهل صاحب المعالي مقاله باستنكار إقدامي علي كتابة "مذكراتي" لأسباب تدخل في إطار ما أبقيناه لحكم القضاء العادل النزيه. وصحة الأمر أنني لم أكتب "مذكرات", وإنما كتبت "سيرة ذاتية", والسيرة الذاتية هي قصة حياة إنسان يكتبها بقلمه, وهي جنس من أجناس الكتابة الأدبية. وتزداد السيرة الذاتية قيمةً كلما بلغت درجةً عاليةً من الصدق و الصراحة, وقدمت تصويراً للوسط الاجتماعي الذي تربى فيه صاحبها, والعوامل المؤثرة في تكوين شخصيته, والمصادر التي استمد منها ثقافته, ومحصلة تجاربه في الحياة. فالسيرة الذاتية ذات بعد إنساني ذاتي يمتزج فيها الاجتماعي بالثقافي ، وربما السياسي . وهو ما يختلف عن طبيعة المذكرات التي يكتبها أهل السياسة. و في الأدب العربي العديد من التراجم الذاتية كتبها عمالقة الفكر والأدب: طه حسين, وعباس العقاد, وأحمد أمين, وسلامة موسى, وزكي نجيب محمود, ولويس عوض, وشوقي ضيف، وسيد عويس, والشيخ يوسف القرضاوي, وغيرهم. وهي في الأصل فن من فنون الأدب الغربي. ولحسن حظ هؤلاء جميعاً أن معالي الدكتور رمضان لم يقرأ سيرهم , وإلا استنكر عليهم الإجتراء علي كتابتها دون أن يكونوا من أرباب السياسة, و دون أن يكون لهم "دور وطني"!. وما فعلته في "مشيناها خطىً" هو من قبيل ما فعله هؤلاء الكتاب العمالقة, ولكن مع درجة أعلى من الصدق ، وجرأة أكبر علي البوح, فتناولت طفولتي وصباي وتربيتي, وتجاربي في الحياة بصراحة تامة دون تزييف أو تزيين. ولعل ذلك يفسر الترحيب الهائل في الوسط الثقافي المصري بالسيرة منذ صدورها في 5 ديسمبر 2004, فصدر حتى نهاية فبراير 28 مقالاً بالصحافة القومية (الأهرام, أخبار الأدب مجلة الإذاعة والتليفزيون, صباح الخير, القاهرة) وصحف المعارضة ( الوفد, العربي, آفاق عربية, الأهالي ), والصحف المستقلة ( الأسبوع , صوت الأمة) كما نشرت مجلة "وجهات نظر" فصلاً من الكتاب. وبعض هذه الصحف نشرت مقالين وثلاثة مقالات لكتاب مختلفين. كذلك نشرت عشرة عروض للكتاب بالصحف المغربية و الخليجية, وثلاث عروض بالصحف العربية اللندنية ، وتناوله أحد كتاب الأعمدة بالجارديان اللندنية. كل ذلك على مدى زمني لم يزد عن شهرين ونصف الشهر بيعت خلاله عشرة آلاف نسخة من الكتاب و قرأها خمسة أضعاف هذا العدد من القراء علي أقل تقدير.
كذلك نوقش الكتاب في أتيلييه القاهرة يوم 21 ديسمبر, ثم نوقش في صالون النديم بنقابة الصحفيين بعد ذلك بأسبوعين, وأعلنت الصحف عن المناسبتين. كما خصصت إذاعة الشباب والرياضة سهرة ليلة 21 ديسمبر للاحتفاء بالكتاب, ودارت - ولا تزال- حوارات حول الكتاب علي الإنترنت في موقع " إيلاف " وغيره من المواقع العربية . ولعل مرجع هذا الاهتمام الواسع, ما ينضح به الكتاب من صدق, فعندما تناولت تجربتي الجامعية, كشفت عن المساوئ المتصلة بالتعيينات والترقيات والدراسات العليا, ومستوى الدراسة الجامعية بمختلف مراحلها وأوجه القصور فيها, وأسلوب اختيار القيادات الجامعية وآثاره السلبية, وما طرأ على الجامعات من آليات تخدم الفساد في العقدين الأخرين. وهى كلها أمور يعرفها كل من اتصل بالوسط الجامعي تمام المعرفة, ولكن أحداً لم يجرؤ على تسجيلها علي الورق، وهو ما فعلته في الكتاب لأدق ناقوس الخطر، وأنبه إلى ضرورة إصلاح التعليم والبحث العلمي إذا كنا ننشد لوطننا مكاناً لائقاً به في عالم متغير.
وما كاد الكتاب يصدر حتى حملت الأنباء ما جاء بالتقرير الدولي عن الخمسمائة جامعة البارزة في العالم، فإذا بجامعاتنا تقبع في خانة " الصفر ". وبدأت الصحف تتناول تدهور مستوى الجامعات والبحث العلمي عندنا، واهتمت الدولة رسمياً – رئيساً وحكومةً – بهذا الأمر وراحت تتحدث عن ضرورة رفع مستوى البحث العلمي والنهوض بالتعليم الجامعي، ربما لاحتواء الآثار السلبية للصفر الجامعي. كم أتمنى على صاحب المعالي الدكتور عبد العظيم رمضان أن يتحفنا بسيرتة الذاتية، فقد قصّ على أطرافاً كثيرةً منها قبل أن يخرج من زمرة الغلابة أمثالي، ويدخل في زمرة أصحاب المعالي. لو حقق لنا معاليه هذه الأمنية لقدم للشباب هديةً قيمةً، ففي قصة حياته ما يفيد الشباب بعشرات الأضعاف مما قد تفيدهم به سيرتي. أتمنى على معاليه أن يحدثنا عن طفولته، وينقلنا إلى البيت الذي تربى فيه، والقيم الاجتماعية التي نشأ عليها، والتعليم الذي تلقاه. وكيف كانت الأحوال في بيت والده الكريم العامل الشريف الكادح الذي كان يعمل بشركة ترام القاهرة الذي عرفه زملاؤه بالشيخ محمد إبراهيم رمضان ، وأن يكشف لنا عن نوع الحياة التي كان يحياها عمال الترام , فلعلها كانت أرغد من حياة عمال السكك الحديدية التي تناولتها في سيرتي، ولعل عبد العظيم الطفل كان يتناول اللحم صباح مساء.
نتمنى أن يعرفنا عبد العظيم عن الوسط الاجتماعي الذي عاش فيه، ويقدم لنا أسرته بقدر من الصراحة يقترب مما فعلت. وأن يبين لنا لماذا اضطرت أسرته إلى الدفع به إلى سوق العمل ليعمل كمسارياً بالترام، ويتزوج وينجب طفلين، ولكنه يتمرد على واقعه الاجتماعي ويتطلع إلى أن ينال حظاً أوفر من التعليم. وكيف كان يرقب الجامعة من بعيد وهو واقف على سلم ترام ( 30) ويتطلع أن يكون من طلابها، وكيف أتيحت له الفرصة مع قدوم ثورة يوليو ، فحصل على الإعدادية ، ثم الثانوية العامة ، في عامين متتاليين ، ثم التحق بالجامعة، وكيف كان أول ما فعله الوقوف على سطح قسم التاريخ ليرقب ترام (30) وهو يمر من بعيد ، ويتأمل ما حققه نتيجة إصراره وطموحه. أليس في هذا كله دروس للشباب؟ تكتمل بالحديث عن تواؤم عبد العظيم رمضان مع ظروفه الجديدة بعد الحصول على الليسانس وظيفياً وعائلياً، والتطلع إلى الحصول على الماجستير ثم الدكتوراه . ولعل ذلك يجره إلى الحديث عن الأسباب التي دعت محمد أنيس (أستاذه ) أن يرفض تعيينه بآداب القاهرة، وأولئك الذين ساعدوه على العمل بالجزائر، وساعدوه أيضاً على التعيين بجامعة المنوفية. كلها تجارب هامة تنفع الشباب ، ولا تنقص من قدر صاحبها. ولعله يهتم بشرح الكيفية التي دخل بها عالم الصحافة، ويحدثنا عن حكاية " قفة" المقالات التي كان يسرح بها على الصحف ( على حد قول أحد الكتاب الكبار منذ نحو العشرين عاما )، وكيف تناول قلمه هموم الشعب المصري من أسعار البطيخ ، إلى سمكرية السيارات ومغالاتهم في الأجور، إلى أحاديث باهته في السياسة. وربما أغرته هذه المناسبة ليحدث قراءه المتعطشين عن الصحف والمجلات التي أغلقت أبوابها في وجهه ، ولماذا ؟!. ولما كنا نعيش عصر العولمة، وتفكيك وحدة الأوطان، وطمس الهويات الوطنية، لعل الشباب أحوج ما يكون إلى معرفة الوصفة السرية لتغيير المبادئ كما تغير الجوارب، ومعرفة أصول التلون بجميع ألوان الطيف، وفنون المشي على الحبال المتعددة كما البهلوانات، وربما فاض كرمه على قراء سيرته عندما يؤصل لمبدأ " الثبات على المبلغ " , وكيفية استبدال الكشري بالكوشير.
لقد التقيت بعبد العظيم عام 1967عن طريق أحد الأصدقاء، يومها أبدى رغبته في التعرف على واستعارة رسالتي للماجستير عن الحركة العمالية، فوعدته بأن أهديه نسخة من الكتاب فور صدوره، وحصلت على عنوان عمله بمخزن النقل العام( بالمظلات آخر شبرا ) . وذهبت إليه فعلا ، وسعدت به باعتباره نموذجاً للعصامية والإصرار على تحقيق الهدف كشخصي تماماً، كما أنه من أبناء طبقتي الاجتماعية. ولعبت دوراً متواضعاً في تغيير وجه التاريخ بالنسبة له ، عندما أنقذته من غضب محمد أنيس الذي لم يكن ينوى مناقشته للدكتوراه ، وعرضت بذلك مستقبلي المهني للخطر. وعندما أصبحت رئيساً لقسم التاريخ بآداب القاهرة فتحت له أبواب القسم عندما انتدبته للتدريس إلى جانب يونان لبيب رزق وصلاح العقاد. ولكني اضطررت إلى إنهاء انتدابه بعد عامين لأسباب لا يجب ذكرها، واستمر انتداب صلاح العقاد لعام ثالث، واستمر يونان لبيب معنا لخمس سنوات.
وكان القسم خالياً من أعضاء هيئة التدريس في التخصص ( عندئذ )، على نحو ما أشرت في سيرتي الذاتية، وقمت ببذل جهد كبير لتعيين عدد من المعيدين والمدرسين. وفي تلك الأيام كتب عبد العظيم مقالا على صفحات " أكتوبر " مشيدا بجهودي، منوهاً بما قدمه لي عميد الكلية محمد الجوهري من عون لإعادة بناء الهيكل الأكاديمي للقسم، مقدماً التحية لحسن حمدي رئيس الجامعة، وزين المقال بثلاث صور، واحدة لي وثانية للجوهري وثالثة لحسن حمدي، وخصص نحو نصف المقال (الذي احتفظ به ) للهجوم على سياسة تجميد القسم التي اتبعها الرؤساء السابقون للقسم وبعض أساتذة التخصص، ومن بينهم من وصفهم في مقاله الأخير بالأساتذة الأجلاء. وفي تلك الأيام – أيضاً – حاول عبد العظيم رمضان أن يجندني للاشتراك معه في حلقات الحوار التي كانت تتم مع أطراف إسرائيلية، وجاءني بخطاب دعوة رسمي للاشتراك في اجتماع يعقد في سالسبورج بالنمسا ( ماأزال محتفظا به ) فاعتذرت عن عدم قبول الدعوة لموقف مبدئي من القضية القومية، ورفض للتطبيع مع الصهيونية لا أحيد عنه ما حييت. لقد أراد عبد العظيم بمقاله المعنى هنا أن يوجه ثلاث رسائل: أولها لناصر الأنصاري، فراح يتملقه بعدما أصبح رئيساً لهيئة الكتاب التي يحصل منها رمضان سنويا على عشرات الآلاف من الجنيهات لقاء مطبوعات تكتظ بها المخازن ولا تجد من يشتريها. ولا أدرى لماذا لم يتصد للدفاع عن الأنصاري عندما حدثت الواقعة التي أشرت إليها بالسيرة الذاتية وتداولتها الصحف عندئذ، وعبد العظيم لا يقرأ سواها! إلا إنه كان عندئذ رئيساً لدار الكتب التي انقطعت سبوبتها بتنحية عبد العظيم عن الإشراف على مركز تاريخ مصر المعاصر ؟ والرسالة الثانية، بلاغ قدمه عنى للحكومة، متهما إياي بادعاء أن الحكومة المصرية في عهدي السادات ومبارك تبنت سياسة التفرقة بين المواطنين على أساس الدين، وهو ما لم يرد مطلقاً في سيرتي الذاتية. لقد تناولت ظاهرة التعصب الديني في إطار سلوكيات فردية من بعض من تولوا مناصب ذات تأثير في اتخاذ القرار، ولا يعنى ذلك أن هناك " سياسة " رسمية تتبعها الدولة في هذا الصدد. ولا شك أن عبد العظيم يعرف تماماً أن لدى الدولة أجهزة أمنية تعرف تماماً اتجاهات الشخصيات العامة، ومن بينها معاليه وشخصي. ولكن ما لا يفهمه معاليه أن تغطية النار التي تسرى في المجتمع تحت الرماد، والتي نتجت عن ممارسات غبية، بالقول أن " كله تمام "، وأن ما يثار مجرد دعوى فئات " حاقدة "، سوف يقود هذا البلد إلى مأساة، ما لم يتم تدارك هذه السياسات.
لقد أثرت هذه القضية في سيرتي الذاتية من واقع تجربتي، وسلطت الضوء عليها حرصاً على الوطن ، وليس خطباً لود أقباط المهجر حتى استمر في التدريس بالجامعة الأمريكية ( وهذا طعن آخر في وطنيتي ) فليست لي صلة بأي قوى خارجية سوى الهيئات العلمية المحترمة، والعلماء البارزين في شؤون الشرق الأوسط، وكان انتدابي للتدريس بالجامعة الأمريكية لمدة أربع سنوات ( 1991- 1995 ) مبعثه حاجة الجامعة إلى خبرتي، ولا صلة لي بالجامعة الأمريكية منذ 1995. وقد استنكر عبدا لعظيم ما سجلته من موقف معلن من اتجاه وزارة التعليم إلى إسقاط الأقباط من مهام وضع الامتحانات العامة، رغم أن المسألة أثيرت على صفحات الجرائد في وقت كان باستطاعته أن يساهم فيه بقلمه كا