بيزنطة

(تم التحويل من بيزنطيون)
هذا المقال هو عن المدينة القديمة. إذا كنت تريد الامبراطورية، انظر الامبراطورية البيزنطية. إذا كنت تريد اللون، انظر بيزنطيوم (اللون). إذا كنت تريد the Cypriot cargo ship، انظر MV Byzantium.
Locator map Byzantion.PNG
مدينة بيزنطيوم كانت مخصصة لعبادة الإلهة اليونانية أرتميس عام 667 ق.م.، التي شعارها هو الهلال، تم استعماله كرمز للمدينة لأكثر من 1000 سنة بين 667 ق.م. و 330 م.

بيزنطة «بيزنطيوم» (Byzantium) هي مدينة إغريقية قديمة كانت تقع علي مضيق البوسفور بتركيا. (وحاليا كانت مكان مدينة إستانبول). تأسست عام 658 ق.م. وكانت من قبل قرية للصيادين. وفي عام 335م جعلها الإمبراطور قسطنطين عاصمة للإمبراطورية الرومانية الشرقية (الإمبراطورية البيزنطية ) وأصبح يطلق عليها القسطنطينبة سنة 330 م نسبة للإمبراطور قسطنطين بعد وفاته. وكان بها مقر بطريركية الكنيسة الإرثوذكسية الشرقية بكنيسة آيا صوفيا ( جامع آيا صوفيا حاليا ). وكان محمد الفاتح العثماني قد أسقطها في 29 مايو 1453 م وأطلق عليها (إسلام بول ). ثم أطلق عليها العثمانيون الآستانة. وحاليا يطلق عليها إستانبول.

التسمية

كان اسم المستعمرة اليونانية الشهيرة التي ستقوم على أنقاضها المدينة التي ستعرف فيما بعد باسم «القسطنطينية». واستعملت كلمة «بيزنطة» فيما بعد لتدل، طوال عدة قرون، على ما كان يعرف باسم الامبراطورية الرومانية في العصور الوسطى، أو «الامبراطورية الرومانية الشرقية» تمييزاً لها من «الامبراطورية الرومانية الغربية»، لأن الصفة «الرومانية» كانت تتوافر في الامبراطوريتين، ولكن الامبراطورية الشرقية كانت روابطها بالشرق أقوى من شقيقتها، ولأن عاصمتها كانت في الشرق أيضاً. ففي العام 324، اختار الامبراطور الروماني قسطنطين، موقع «بيزنطيوم» وهو المستعمرة اليونانية القديمة التي كانت تقع في مثلث من الأرض بين مياه القرن الذهبي والبوسفور وبحر مرمرة، لتبنى عليه حاضرة امبراطوريته في الشرق. وفي شهر أيار من عام 330 انتهى بناؤها، ودشنت حاضرة قسطنطين في الشرق وسميت باسمه.

ويمكن القول إن مقومات ثلاثة حددت شخصية الدولة التي عرفت في التاريخ باسم الامبراطورية البيزنطية، وهي: الثقافة الهلنستية والديانة النصرانية والتنظيم السياسي للامبراطورية الرومانية.

التاريخ

و: رأس الإسكندر الأكبر بقرني آمون. ظ: أثينا جالسة وتمسك نيكه وإكليل، ΒΑΣΙΛΕΩΣ / ΛΥΣΙΜΑΧΟΥ؛ مونوگرام: (ΠΩΛΥΒ) إلى اليسار؛ ΒΥ تحت العرش؛ رمح ثلاثي الشعب في exergue
تترادراخم فضي مسكوك في بيزانطيون 150–±100 ق.م. كان يوجد عملات مسكوكة بإسم ليسيماخوس بعد حوالي 200 عام من وفاته.
درع بيزنطي (كليڤانيوم Κλιβάνιον) مغطى بقشور معدنية متراكبة lamella - يُعد سابقاً لدرع المرايا العثماني كروگ.
عملة بتصوير مثالي لـبيزاس، مؤسس بيزنطيوم. مصبوبة في تراقيا، بيزنطيوم، حوالي عهد ماركوس أورليوس (161-180 م).

وتعود أصول الدولة البيزنطية إلى القرن الرابع الميلادي، حين أصدر الامبراطور قسطنطين مرسومه الشهير (مرسوم ميلانو) الذي اعترف فيه بالديانة المسيحية، وأسس، العاصمة الجديدة (القسطنطينية) على ضفاف البوسفور. لهذا يُرجع المؤرخون قيام الدولة البيزنطية إلى هذين الحادثين:

  1. الاعتراف بالنصرانية.
  2. نقل العاصمة ومركز الثقل السياسي إلى الشرق الهلنستي.

وليس التاريخ البيزنطي إلا مرحلة جديدة من مراحل التاريخ الروماني. والدولة البيزنطية ما هي إلا استمرار للامبراطورية الرومانية القديمة. وكلمة «بيزنطي» هي تعبير أطلقته الأجيال اللاحقة على هذه الدولة. ولم يكن من يسمون «البيزنطيين» يسمون أنفسهم بهذا الاسم، لقد كانوا يسمون أنفسهم بالرومان، وكان امبراطورهم يعد نفسه حاكماً رومانياً أو خليفة للقيصر الروماني القديم. وظل البيزنطيون يعدون أنفسهم روماناً طوال حياة امبراطوريتهم، وظلت التقاليد الرومانية في الحكم هي الغالبة في دولتهم.

عدت بيزنطة نفسها الوريثة الوحيدة للامبراطورية الرومانية القديمة، وحاولت فرض سيطرتها على كل الأراضي التي كانت تابعة لرومة، والتي أصبحت جزءاً من العالم المسيحي. ومع كل ما أظهرته بيزنطة من تعلق بصلاتها التاريخية برومة القديمة، ومع كل ما أبدته من تقليد للمؤسسات السياسية الرومانية القديمة، فإنه، مع مرور الأيام، كان يبدو واضحاً أن هذه الدولة تكوّن لنفسها شخصية مستقلة، لها معالمها المميزة من الامبراطورية الرومانية، ويتضح ذلك في مجالات الثقافة واللغة والدين، كما كان للتطور الاقتصادي والاجتماعي أثره في خلق أطر تنظيمية جديدة، حتى أن الإنسان ليعجب أنه في أواخر حياة هذه الدولة أصبحت هناك هوة عميقة بينها وبين سالفتها الرومانية.

وفي الحديث عن قيام الامبراطورية الجديدة، لا بد من التذكير بما يعرف في التاريخ الروماني بأزمة القرن الثالث، إذ قامت في هذا القرن مصاعب اقتصادية وفوضى عسكرية كان لها نتائج وخيمة على النصف الغربي من الامبراطورية الرومانية وذلك بتأثير الغزوات البربرية، في حين لم يكن لها أثر مماثل في النصف الشرقي، ذلك أن هذا النصف كان يتمتع بواقعٍ ساعده على مقاومة الأزمة بخلاف الغرب الضعيف الذي يضم اليونان والبلقان حتى نهر الدانوب. ومع ذلك فقد أدت هذه الأزمة إلى فقر المدن وشل الحياة الاقتصادية في كل مكان، بما في ذلك الشرق. وقد أدى تدهور حياة المدن في هذا القرن إلى قيام إقطاعات زراعية كبيرة أخذت تبتلع أملاك الملاّك الصغار وتزيد في عدد الفلاّحين أجراء الأرض الذين فقدوا ما كانوا يملكون وغدوا عمالاً زراعيين يعيشون على الأجر الضئيل الذي يتقاضونه من كبار الملاّك. وهكذا سار التدهور السياسي جنباً إلى جنب مع التدهور الاقتصادي، وضعفت سلطة المجالس البلدية وتمركزت السلطات كلها في يد الامبراطور ومساعديه من رجال الإدارة، وظهرت فكرة الحكم المطلق التي جعلت من الامبراطور الحاكم المطلق الذي يستمد قوته من إرادة الله. وإلى جانب هذه السلطة الامبراطورية المتزايدة، أخذت الكنيسة تظهر عاملاً روحياً في دولة مسيحية، وأخذت قوتها تتزايد مع الأيام، ومع مرور الزمن أخذت الكنيسة تتحدى سلطة الأباطرة. وقد شهد التاريخ البيزنطي منازعات كثيرة بين السلطتين الزمنية والروحية، كما شهد في أحيان أخرى تعاوناً بينهما خاصة في أوقات الأزمات والأخطار.

الشعار

المقالة الرئيسية: النجمة والهلال
بيزنطيوم، أواخر القرن الأول قبل الميلاد. الوجه: أرتميس. الظهر: ΒΥΖΑΝΤΙΝΩΝ، النجمة والهلال.


الحضارة البيزنطية

ولم تكن الحضارة البيزنطية وارثة لحضارات الأمم التي سبقتها فحسب، بل كانت أيضاً انعكاساً لطريقتها الخاصة في الحياة، إذ كانت العناصر البشرية المختلفة في بيزنطة يربطها رابط ثقافي مشترك يتجلى في الاحتفاظ بتراث العصور الكلاسيكية وبمنجزات الرومان في القانون واليونان في الثقافة. وقد قيل بحق إن بيزنطة كانت الدولة التي نمت على تربتها ثمار الحضارتين اليونانية والرومانية وأعطت أكلها. يضاف إلى هذا أنه كان لبيزنطة فضل مزج نتاج هاتين الحضارتين بتعاليم الديانة المسيحية، هذه الديانة التي لم يعرفها لا اليونان ولا الرومان، فبيزنطة المسيحية لم ترفض لا الفن الوثني ولا المعرفة الوثنية، كما أنها اتخذت القانون الروماني أساساً لتشريعها، والثقافة اليونانية منبعاً لثقافتها وحياتها العقلية. وقد ظلَّت الفلسفة والثقافة اليونانية مَثَلاً يحتذيه البيزنطيون، وكذا المؤرخون والشعراء اليونان، كانت لهم مكانة مميزة في القسطنطينية، حتى أن الكنيسة نفسها تقبلت في ممارساتها شيئاً من الإرث اليوناني السابق، كما استعملت طريقة الفلاسفة اليونان ونهجهم في صوغ دفاعها عن عقائدها. وهكذا ظلت بيزنطة مدة ألف عام تقريباً مركزاً مهماً من مراكز الثقافة في العالم، فضلاً عن إدارتها التي كان يشرف عليها موظفون على درجة عالية من الكفاية والخبرة، وجيشها النظامي الذي كان على درجة عالية من القوة وحسن الترتيب، وتشريعاتها وقوانينها واقتصادها المتقدم ونظامها الاجتماعي الراقي، وكانت إلى جانب ذلك كله تملك ثروات مادية تفوق الوصف. ولا يعني كل ذلك أن الامبراطورية كانت تخلو من الفساد وأنها الجمهورية الفاضلة، فقد كان هناك قطاع واسع من الجماهير يعيش الحرمان والبؤس والفساد، وكان الأباطرة ومن معهم في أعلى هرم السلطة، أكثر المستفيدين من غنى الدولة وتقدمها ورفاهيتها.

ولا بد في إطار هذا الحديث العام عن الامبراطورية البيزنطية من تحديد المحطات المهمة في تاريخها، فإلى جانب كونها استمراراً للامبراطورية الرومانية، فقد حدث تغيران مهمان في المرحلة البيزنطية من تاريخها هما،

أولاً: انكماش حدودها، إذ لم تعد تشمل جميع البلدان المحيطة بالبحر المتوسط، والأراضي الواقعة بين بلاد ما بين النهرين والمحيط الأطلسي، كما كانت الحال في السابق، وثانياً: دخول النصرانية ديناً وحيداً عوضاً من خليط الديانات التي كانت موجودة في السابق. فقد أصدر الامبراطور قسطنطين في عام 313 مرسومه الشهير الذي سمح بممارسة العبادات والشعائر المسيحية علناً بعد أن كانت تمارس في السر من قبل أتباعها، كما بنى عاصمته الجديدة القسطنطينية وافتتحها في العام 330. وفي نهاية القرن الرابع قام الامبراطور تيودوسيوس الكبير بإكمال خطوة قسطنطين، وأصدر قراره بجعل المسيحية الدين الوحيد، المسموح به في الامبراطورية وعدّ كل ما عداه كفراً وهرطقة تستوجب الموت. وقد تم الانشقاق بين الشطرين: الشرقي والغربي من الامبراطورية بعد أن تزايدت الغزوات البربرية على الشطر الغربي، وأقامت الشعوب البربرية إمارات لها على أراضي هذا الشطر حتى غدا مستعمرة لهم. أما رومة الجديدة (أو القسطنطينة) فقد استطاعت أن تصد هذه الغزوات وأن تغدو العاصمة الحقيقية للامبراطورية، خاصة أنها غدت مستقر الديانة المسيحية، وتخلو من أتباع أي ديانة أخرى.

كان الجزء الشرقي من الامبراطورية الرومانية يضم مساحة واسعة من الأرض، تشمل اليونان وشبه جزيرة البلقان حتى الدانوب، كما تشمل آسيا الصغرى والبلدان الواقعة شرقاً وبلاد ما بين النهرين وبلاد الشام وبعضاً من إفريقية كمصر وشمالي إفريقية وسوى ذلك. ولذا يمكن القول إنه في المرحلة الأولى من تاريخ الامبراطورية الشرقية، وهي مرحلة الانتقال من العصور القديمة إلى العصر الوسيط البيزنطي ومدتها قرنان، كانت رقعة واسعة من الأرض تعيش في كنف بيزنطة وتشهد تحولاً كبيراً في مختلف مجالات الحياة، ولاسيما في مجال العقيدة المسيحية، وسيقود ذلك إلى مولد حضارة شرقية استمرت طوال القرنين السادس والسابع الميلاديين، وكانت أهم مراحلها مرحلة حكم الامبراطور جستنيان (527 - 565)، الذي أعطى الامبراطورية شيئاً كثيراً من ملامح عظمتها، إذ إنه كان يهدف إلى إعادة مجد الامبراطورية الرومانية القديم واستعادة ما فقدته من الأراضي للبرابرة. وقد اضطره ذلك إلى إنهاك خزانة الامبراطورية، لكنه جعل من القسطنطينية درّة في تاج الامبراطورية وغاية في البهاء والبنيان المعماري، والاستقطاب الثقافي والفكري عامة والفني خاصة. وقد تبع عصر جستنيان الذهبي عصر مظلم تعرضت فيه الامبراطورية إلى نكسات كثيرة، وآل الحكم بعد ذلك إلى الأسرة الهرقلية (610 - 711)، التي شهدت مدة حكمها الحروب مع الفرس والأفاريين. كما عاصرت هذه الأسرة الفتوحات العربية وتولى العرش في أثنائها هيراكليوس (هرقل) وكونستانس الثاني وقسطنطين الرابع وجستنيان الثاني. ولعل أبرز ملامح التاريخ البيزنطي، بعد سقوط حكم الأسرة الهرقلية، الصراع من أجل الأيقونات، بما في ذلك أصول هذه الأزمة وأهم أحداثها، ومن ثم انحسار الموجة المعادية للأيقونات واستردادها قدسيتها.

وبعد اضطرابات داخلية وحروب مع العرب المسلمين والبلغار، آل الحكم إلى الأسرة العمورية، ثم إلى الأسرة المقدونية التي تحسنت في عهدها العلاقات مع العرب والأرمن والبلغار والمجر والروس وإيطالية وأوربة الغربية، فضلاً عن شؤون الكنيسة والمنجزات التشريعية. إلا أن الامبراطورية شهدت بعد ذلك اضطرابات استمرت من (1056-1081) كان أهم أحداثها الحروب مع السلاجقة والأتراك. ثم آل أمر السلطة بعد ذلك إلى أسرة كومنين التي حكمت من العام (1081-1185) وفي عهدها جرت الحملة الصليبية الأولى، وتوالى على الحكم بعد ذلك ثلاث أسر هي أنج، ولاسكاريد وپاليولوگوس، وقام ما عرف باسم الحكم اللاتيني الذي مالبث أن أخذت تظهر فيه عوامل التدهور، حتى جاء عصر السقوط، هذا العصر الذي بدأ مع حكم أسرة پاليولوگوس زمن ميخائيل الثامن (1259 - 1282) واستمر زمن الامبراطورين أندرونيكوس الثاني والثالث، ثم نشبت الحروب الأهلية وتصاعد النفوذ الصربي في البلقان وبدأت الفتوح العثمانية التي انتهت بسقوط القسطنطينية عام 1453، زمن قسطنطين الحادي عشر (1449-1453)، وغدت عاصمة السلطنة العثمانية، وبذلك زالت الامبراطورية البيزنطية بعد عمر طال من مطلع القرن الرابع حتى منتصف القرن الخامس عشر.

هذه المسيرة الطويلة التي أشير إلى أبرز ملامحها السياسية، كانت مسيرة حافلة بالعطاء في المجالات الأخرى: الدينية، والثقافية والفنية. ففي هذه الامبراطورية أعلنت المسيحية أولاً ديانة مشروعة ومن ثم الديانة المشروعة الوحيدة. وغدت القسطنطينية، أو رومة الجديدة، حارسة التقاليد الموروثة، وحامية العادات والقوانين. ولم تغب عنها أصولها الإغريقية ورضعت مدارسها ومؤسساتها التعليمية لبن التقاليد اليونانية. أما في المجال الثقافي، فقد ورثت قوالب الماضي الفكرية والتعبيرية، كما ورثت الآداب والفنون التشكيلية، مستوعبة المستجدات التي أدخلتها المسيحية على هذه القوالب. أما في المجال اللغوي فقد كانت اليونانية هي لغة الشعر والتاريخ والفلسفة الموروثة عن الماضي، كما كانت لغة العطاء الحديث في هذه المجالات وسواها. وقد يبدو غريباً الحديث عن أثر الفنانين اليونان الكلاسيكيين في الفنانين البيزنطيين، إلاّ أن التدقيق فيما خلفوه من فسيفساء ونقوش ومنمنمات يبين أن الفنان تأثر إلى حد كبير بالمناهل التي رفدت فنه أو الأصول التي اشتق منها. ولكن لا بد من القول إن تغيراً واضحاً قد طرأ على الأطر والموضوعات وحتى على المحتوى والروح الذي عرفه العالم بعد ذلك باسم الفن البيزنطي. إن التناغم في الشكل، والجلال في المظهر والتكوين البشري ظلا يذكّران بأسلوب اليونان في هذا المجال، مما أدى إلى تناقض مع الواقع المسيحي الجديد، وما يحمله من فكر وعقيدة، بيد أن هذا التناقض أو التباين على الأقل، أمر محتم، ولكن يمكن التفريق بين نزعتين في الفن البيزنطي: فهناك، من جهة، تقليد شعبي يعكس التأثيرات الشرقية، وهذا التقليد كان مفضلاً لدى الرهبان الذين يمتون بأصولهم إلى الطبقات الشعبية المتواضعة ذات الخلفية الثقافية البسيطة التي مازالت تؤمن بالكثير من الخرافات والتقاليد الموروثة، ولذا كانت تفضل الفن الذي يعنى بالأشكال الطبيعية والبشرية، لما لهذه الأشكال من قوة تعبيرية وليس لما فيها من جمال أو سمو، وهناك، من جهة أخرى فئة تركز فنها على شخص الامبراطور ومن يتبعه من رجال حاشية ونبلاء وشخصيات البلاط، وهذه الفئة ظلت على ولائها للأدب القديم ولكنها أضفت على الفن مسحة من السمو الروحي ومثالية العاطفة ورقتها. ومع هذا، فقد ظل هناك قاسم مشترك بين الفن الرهباني الشعبي، والفن الامبراطوري الذي كان عليه أن يلبي حاجات أكثر سمواً وأعمق ثقافة وأرق حضارة، فضلاً عن فروق أخرى. وهكذا فقد كان الفن البيزنطي وليد عوامل تاريخية وجغرافية من جهة، ومستجدات سياسية ودينية، اجتماعية، من جهة أخرى، وظهر هذا الفن في عدة مجالات، أهمها العمارة والنحت والرسم والفنون الصغرى، وسواها من مجالات.

وفي المجال الديني فإن أهم ما يذكر، بعد انقسام الكنيسة إلى شرقية وغربية، مشكلة الأيقونات التي شغلت بيزنطة ردحاً طويلاً من الزمن. ويعد النزاع حول الأيقونات صفحة خطيرة من صفحات التاريخ البيزنطي. وقد اتخذت الأزمة شكل نزاع حول الصور وما كان لهذه الصور من معان رمزية جعلتها موضع التقديس والاحترام في نظر بعض الكنائس، ومع الزمن ازداد هذا التقديس حتى أصبح عنواناً للتقوى البيزنطية. وكان هناك بالمقابل أناس آخرون يعارضون تقديس الأيقونات ويعتقدون أن النصرانية، وهي دين الصفاء الروحي، يجب ألا تشوه بعبادة الأيقونات. وبعد صراع عسكري وعقائدي دام سنوات طويلة (726-787) عادت للأيقونات حرمتها واعتبارها، وقرر مجمع نيقية، وهو المجمع المسكوني السابع، السماح للأساقفة الذين عادَوْا الأيقونات بالعودة إلى جسد الكنيسة والتوبة بعد أن يعترفوا بخطئهم أمام المجمع.

أما فيما يتعلق بالعقيدة، فقد اتفقت الأغلبية الأرثوذكسية من رجال الدين على تأييد استعمال الأيقونات وعدت رفضها هرطقة دينية. وفي المجال الديني أيضاً لا بد من التذكر بأن الحملة الصليبية الأولى توجهت ضد بيزنطة، وهذا مظهر من مظاهر الصدام مع الغرب اللاتيني بمؤسساته الدينية والسياسية إلى جانب اصطدامها بالشرق موضوع هذا الغزو، الذي كانت تحكمه دولة إسلامية تناصب بيزنطة والغرب العداوة معاً، كما لا بد من التذكير بأن الخلافات الدينية بين بيزنطة والغرب المسيحي كانت على أشدها في هذه المرحلة.

وكان على رأس هرم السلطة، الامبراطور الذي تربطه بالكنيسة شعائر محددة لعل أهمها: أن الجانب الأيسر من العرش الامبراطوري كان مخصصاً للسيد المسيح، وكان يترك شاغراً في بعض المناسبات أو يشغله الامبراطور نفسه في أحيان أخرى بوصفه ممثل المسيح على الأرض، ولاسيما حين كان يستقبل السفراء الأجانب، وبهذا كان للامبراطور صفتان: زمنية ودينية. ولذا كان الصراع بين الامبراطورية والكنيسة سمة أساسية من سمات التاريخ البيزنطي، وكان يساعد الامبراطور جهاز إداري في العاصمة وفي المقاطعات، التابعة للامبراطورية، فضلاً عن الجيش وتنظيماته المركزية وفي المقاطعات. وكان الجيش الامبراطوري اليد القوية التي تستخدمها الامبراطورية لتثبيت نفوذها في الداخل ولردع الهجمات الخارجية عليها، ولاسيما البربرية والعربية.

العلاقات العربية البيزنطية

بدأت هذه العلاقات قبل الإسلام حين كانت بيزنطة تحكم بلاد الشام، إما مباشرة وإمّا بوساطة حلفائها من الغساسنة، كما حاولت أن تمد نفوذها إلى قلب شبه الجزيرة العربية، حين حاولت تنصيب عثمان بن الحويرث ملكاً على مكة، ولكنها لم تفلح. وحين صعد محمد بن عبد الله بأمر ربه، وقامت للإسلام دولة، نظرت بيزنطة بعين الريبة إلى هذا الحدث المهم الذي قام في الحجاز وامتد إلى بقية أرجاء شبه الجزيرة العربية، وحاولت أن تتقي الخطر الذي قد يدهمها بعد أن جاءتها أخباره عن طريق حلفائها الأحباش وجواسيسها الذين كانت ترسلهم إلى المدينة بصفة تجار وباعة. كما أن محمداً صلى الله عليه وسلم، انطلاقاً من فكرة عالمية الدعوة، أحب أن يختبر حال السلطة التي كانت تتولى حكم جزء من بلاد الشام، فكانت موقعة مؤتة التي سبقت وفاته، وبعد أن استقر الأمر للدولة العربية الإسلامية الوليدة وبدأ عصر الفتوح بعد انتهاء الردة، قام الخليفة الثاني عمر بن الخطاب بمتابعة ما بدأه سلفه الخليفة الأول أبو بكر الصديق، وكانت فتوح الشام، إذ أنهت معركة اليرموك التي جرت يوم 20 آب سنة 636 الاحتلال البيزنطي لسورية وهُزم الجيش البيزنطي، وخرجت سورية نهائياً من السيطرة البيزنطية مع بقاء جيوب للمقاومة. وكانت المقاومة في فلسطين أكثر عنفاً من بقية المقاطعات الشامية، وقاد هذه المقاومة البطريرك صفرونيوس، بطريرك القدس. وبعد حصار غير قصير استسلمت القدس وفتحت أبوابها للخليفة عمر. وفي شهر تشرين الأول سنة 640، اتجه العرب نحو مصر لفتحها وتخليصها من الحكم البيزنطي. وهكذا استرجع العرب جميع الأرض المحتلة في مشرق الوطن ومغربه من الاحتلال البيزنطي، إذ بعد وفاة عمر بن الخطاب ولي الخلافة عثمان بن عفان كما هو معروف، فاستدعى عمرو بن العاص حاكم مصر ليقابله في المدينة، وأراد البيزنطيون أن يستفيدوا من فرصة غياب عمرو عن مصر ليقوموا بهجوم معاكس لاسترداد الاسكندرية، لذلك جهزوا سنة 644م أسطولاً قوياً ووجهوه إلى الاسكندرية ليباغت الجيش العربي في غياب قائده. وعاد عمرو بن العاص على جناح السرعة إلى مصر واشتبك مع القائد البيزنطي نيكيو Nikiu وانتصر عليه انتصاراً ساحقاً ودخل الاسكندرية من جديد وذلك في صيف 646. وعاد البيزنطيون بأسطولهم وجيشهم إلى القسطنطينية. ومن المهم الإشارة إلى أن سكان الاسكندرية الأقباط برئاسة البطريرك بنيامين ساعدوا العرب في معاركهم ضد بيزنطة وانضموا إلى جانبهم. وتحررت مصر من السيادة البيزنطية.

ويعود الفضل إلى معاوية بن أبي سفيان، والي دمشق، بتأليف الأسطول العربي الذي حارب بيزنطة بقيادته في قبرص، واستولى على عاصمتها كونستانتيا، وتابع معاوية مسيرته البحرية، فهاجم سنة 654 جزيرة رودوس واحتلها، ثم تابع مسيرته واحتل جزيرة كوس وكريت، وبدا واضحاً أنه يريد القسطنطينية. وقصة حصارات العرب للقسطنطينية طويلة ومعروفة ولاسيما الصوائف والشواتي التي كانت يوجهها العرب إلى بيزنطة في الثغور والعواصم، ولكن لا بد من التذكير بأنها كانت تقليداً سنوياً استمر طوال العصر الأموي وشطراً كبيراً من خلافة بني العباس.

ولاشك في أن العرب الذين أقاموا دولة كبيرة وقوية لهم في شبه الجزيرة الإيبرية عرفت باسم الأندلس تذكروا على الدوام حلمهم القديم باحتلال القسطنطينة وإسقاط بيزنطة. وقد تحقق لهم ذلك على يد السلطنة العثمانية التي عدّت نفسها وريثة خلافة العرب المسلمين.

فيما يلي ثبت بأسماء الأباطرة السوريين الذين توالوا على عرش بيزنطة:

أبناؤها المشهورون

انظر أيضاً

ملاحظات

المصادر

  • Harris, Jonathan, Constantinople: Capital of Byzantium (Hambledon/Continuum, London, 2007). ISBN 978 1847251794
  • Jeffreys, Elizabeth and Michael, and Moffatt, Ann, Byzantine Papers: Proceedings of the First Australian Byzantine Studies Conference, Canberra, 17–19 May 1978 (Australian National University, Canberra, 1979).
  • Istanbul Historical Information - Istanbul Informative Guide To The City. Retrieved January 6, 2005.
  • The Useful Information about Istanbul. Retrieved January 6, 2005.
  • The Oxford Dictionary of Byzantium (Oxford University Press, 1991) ISBN 0195046528
</dl>

مواضيع ذات صلة

وصلات خارجية