عملية قادش

(تم التحويل من العملية قادش)
إسرائيل تغزو سيناء

العملية قادش، هي عملية عسكرية قامت بها القوات الإسرائيلية بالتعاون مع القوات البريطانية والفرنسية لشن هجوم على القوات المصرية في شبه جزيرة سيناء في اكتوبر 1956، والتي تعتبر بداية للعدوان الثلاثي على مصر.


أحداث العملية

في أكتوبر 1956 شنت القوات الإسرائيلية عملية قادش (الأسم الكودي لعملية الهجوم الإسرائيلية على سيناء أثناء العدوان الثلاثي) بالتعاون مع قوات بريطانية وفرنسية، وهي العملية الوحيدة في تاريخ إسرائيل التي تم تنفيذها بالتعاون مع دول أجنبية.

وفي المقابل كانت مصر على الجبهة وحدها إذ لم تشارك في هذه الحرب دول عربية أخرى، على الرغم من معاهدات الدفاع المشترك التي وقعت عليها مع مصر.

في هذا التوقيت لم تكن إسرائيل تملك قوات بحرية بالمعنى المفهوم إذ لم تكن عُدتها تتجاوز بضع من لنشات مسلحة.

وفي ساعة مبكرة من صباح اليوم الثالث لعملية قاديش، وقعت المعركة البحرية المهمة الوحيدة في هذه الحرب حيث تعرضت الفرقاطة المصرية لمجموعة من السفن الفرنسية والانجليزية امام الشواطئ المصرية وكانوا اكبر منها واكثر منها قوة .... وهم بدءوا بالسؤال .... من انت ؟ وهى اشارة معروفة لأهل البحر عند تقابل السفن الحربية مع بعضها لتعلن كل منها عن جنستها واسمها .... ولكن الوضع هنا لم يكن كذلك .... فالمياة مياهنا وامام شواطئنا ..... فردت عليهم الفرقاطة ابراهيم .... بل من انتم ؟

وتقول الرواية الإسرائيلية التى أوردتها عدة مصادر أن الفرقاطة المصرية (إبراهيم الأول) أبحرت في ساعة مبكرة من صباح 10 أكتوبر 1956 في خليج حيفا قادمة من بورسعيد ومزقت صمت الفجر بـ 220 طلقة أستهدفت بها ميناء حيفا ومصفاة النفط القريبة في عملية معدة من قبل على ما يبدو.

خريطة خطة عملية قادش سيناء

تصريحات الرئيس جمال عبد الناصر إلى مجلة آخر ساعة عن العدوان الثلاثي ٥/١٢/..

التحقيق الصحفي الذي أجراه جمال عبدالناصر يوم 5 ديسمبر مع آخر ساعة ،لنري ونقرأ الحقيقة بين سطوره ...



إن العمليات العسكرية التى بدأت في سيناء مساء ٢٩ أكتوبر لها مقدمة صغيرة، أحب أن أمر بها قبل أن أدخل إلى الموضوع.. مقدمة صغيرة.. مقدمة سياسية شهدتها مدينة نيويورك - مقر الأمم المتحدة - في مطلع شهر أكتوبر نفسه الذى شهدت الأيام الأخيرة منه عمليات سيناء.

فى أكتوبر بحث مجلس الأمن مشكلة قناة السويس، وانتهى فيها إلى مبادئ ستة تستهدف الوصول إلى حل سلمى لهذه المشكلة، رأى أن تدار حولها مفاوضات تكفل للعالم المهتم بالملاحة في قناة السويس كل ما يدعوه إلى الاطمئنان على حرية هذه الملاحة وعلى كفايتها.

وقبل أن تنتهى جلسات مجلس الأمن، وبعد أن انتهت جلسات مجلس الأمن؛ كانت هناك اجتماعات تعقد في مكتب "المسيو داج همرشولد" - السكرتير العام للأمم المتحدة - ويشترك فيها الدكتور محمود فوزى - وزير خارجية مصر- و"المستر سلوين لويد" - وزير خارجية بريطانيا - و"المسيو كريستيان بينو" وزير خارجية فرنسا.

ولم تكن هذه الاجتماعات التى تعقد في مكتب السكرتير العام للأمم المتحدة، وبحضوره، هى المفاوضات التى دعا إليها مجلس الأمن، وإنما كانت من غير شك الاتصالات الاستكشافية التى لابد أن تسبقها. وانتهت اجتماعات نيويورك إلى تفاهم على بعض النقاط، ثم افترق المجتمعون على أن يلتقوا مرة ثانية قريبة ليواصلوا البحث، ويتموا تنسيق وجهات النظر، وتركوا "للمسيو داج همرشولد" مهمة تحديد موعد الاجتماع المقبل.

ولم تمض أيام حتى تلقت الحكومة المصرية رسالة من السكرتير العام للأمم المتحدة يقترح فيها مكان الاجتماع الجديد وزمانه، وكان المكان هو جنيف، وكان الزمان هو يوم الاثنين ٢٩ أكتوبر.

وبعثت مصر من فورها إلى السكرتير العام للأمم المتحدة تخطره بموافقتها على المكان والزمان اللذين اختيرا للاجتماع، هذا بينما تلكأت الحكومة البريطانية، والحكومة الفرنسية معها.

ثم بدأت الأخبار تجىء من لندن وباريس بأن الأمر ينطوى على أكثر من تلكؤ، وبات واضحاً أن لندن وباريس تحاولان انتحال المعاذير حتى تتهربا من الموعد المضروب يوم ٢٩ أكتوبر. لقد كانت الحكومتان - حكومتا لندن وباريس - قد ارتبطتا بموعد آخر في نفس يوم ٢٩ أكتوبر في صحراء سيناء وليس في جنيف!

ولم يكن الاجتماع مع مصر وإنما كان مع إسرائيل، ولم يكن لإيجاد حل لمشكلة قناة السويس، وإنما كان القصد من الاجتماع الثلاثى الجديد هو تدمير مصر تدميراً كاملاً شاملاً.. أجل تدميراً كاملاً شاملاً.

وتلك هى الحقيقة التى لا تستطيع أطراف المؤامرة الثلاثية الآن إنكارها أو التنصل من تبعاتها، وهى الحقيقة التى لا يستطيع هؤلاء الأطراف الثلاثة أن ينتحلوا لها عذراً من إقدام الحكومة المصرية على تأميم قناة السويس.

لقد أوضحت المؤامرة - طريقتها، وخطتها، والأطراف المشتركة في تنفيذها - أن الأمر لم يكن أمر قناة تمر في مصر، وإنما كان الأمر أمر مصر كلها.. مصر نفسها بكل ما تمثله اليوم، وكل ما تنادى به، وكل ما كرست حياتها من أجله؛ لأنه دورها الذى لامناص لها من القيام به.

إن فرنسا مثلاً لم تحاول أن تخفى أن حماستها في قتال مصر كانت دفاعاً عن موقفها اليائس في الجزائر، وبريطانيا مثلاً لم تحاول أن تخفى أن في الجذور الدفينة لعملها ضد مصر؛ أن قوة مصر العسكرية - كما قال المسئولون الإنجليز في مجلس العموم البريطانى - أصبحت خطراً يهدد بريطانيا.

وإذن فالمؤامرة لم تكن تقصد إيجاد حل لمشكلة قناة السويس، ولو كان ذلك هو الهدف لتم اجتماع جنيف، وإنما كان القصد أبعد من ذلك، وأعمق، وأشمل، الأمر أمر بلد يريد أن يستقل، ولكن هل يرضى له الاستعمار أن يستقل؟.. وكيف يستقل؟‍ الأمر أمر بلد يريد أن يصبح قوياً، ولكن هل يرضى له الاستعمار أن يقوى؟ وكيف يقوى؟ الأمر أمر بلد كسر احتكار السلاح، ولكن هل يرضى له الاستعمار أن يكسر احتكار السلاح؟.. وكيف يسمح له؟ الأمر أمر بلد يدعو للحرية، يدعو بها لنفسه وللآخرين، ولكن هل يتركه الاستعمار يدعو للحرية؟.. وكيف يتركه؟‍ الأمر أمر بلد يريد أن يحرر اقتصاده، ولكن هل يرضى الاستعمار أن يتحرر اقتصاده؟.. وكيف يتحرر؟‍ الأمر أمر القومية العربية التى أصبحت عقيدة منطقة بأسرها، ولكن...

لقد كانت هذه هى الأسباب الحقيقية لاجتماع أطراف المؤامرة الثلاثية في سيناء، كانت تلك تمهيداً للمقدمة للعمليات العسكرية التى بدأت مساء ٢٩ أكتوبر. منذ اللحظة الأولى التى تلقينا فيها التقارير عن الهجوم الإسرائيلى، أدركنا أننا نواجه هجوماً عسكرياً حقيقياً وليس مجرد حادثة من الحوادث التى كثر تكرارها على الجنود. وكانت الأنباء الأولى عن هذا الهجوم تبين أن اتجاهه كان الطريق الجنوبى مـن سيناء، وهو طريق لم يكن الإسرائيليون يستطيعون منه إلحاق أى خسائر بأفرادنا، هذا إذا كان الأمر مجرد غارة من الغارات التى يشنونها للانتقام؛ ذلك أن كل مراكزنا على الطريق الجنوبى خالية تماماً، ليس فيها إلا نقط حدود لمجرد الإنذار والتبليغ.

ولقد كانت أوضاعنا الدفاعية في ذلك اليوم كما يلى:

- قطاع غزة: كان الحرس الوطنى يتحمل مسئولية الدفاع عنه من غير عتاد ثقيل، مع الطلائع الأولى لجيش فلسطين، فقد كنا ندرك دائماً أنه من الناحية العسكرية البحتة يسهل عزل هذا القطاع عن باقى الجبهة.

- خط الحدود المصرية ـ الفلسطينية: وكانت هناك ست كتائب من القوات المسلحة النظامية تتولى الدفاع عنه على النحو التالى:

١ - رفح: ويتولى الدفاع عنها كتيبتان من المشاة بأسلحتهما.

٢ - العريش: ويتولى الدفاع عنها كتيبتان من المشاة بأسلحتهما المعاونة، ومنها أُرطة من دبابات "الشيرمان" الأمريكية، وكذلك كانت العريش مقر منطقة الشئون الإدارية.

٣ - أبو عجيلة: ويتولى الدفاع عنها كتيبتان من المشاة بأسلحتهما المعاونة.

وكانت كل قوة الجيش الضاربة تعسكر غرب القناة، وكان تقديرنا العام للموقف الذى بنى على أساسه توزيع قواتنا في الجبهة، هو كما يلى:

- إذا كان هدف إسرائيل هو القيام بحوادث أو غارات؛ فإن اتجاهها يجب أن يكون إما إلى قطاع غزة، وإما إلى مواقعنا المتقدمة على الحدود؛ فهناك يمكن إلحاق خسائر بنا في الأفراد تخدم الغرض المقصود من القيام بالحوادث والغارات.

- أما إذا كان هدف إسرائيل هو القيام بهجوم عام على مصر؛ فإن الطريق الذى يجب أن تأخذه قواتهم هو الطريق الجنوبى؛ حتى تستطيع قواتهم القيام بحركة التفاف حول الطريق الأوسط المؤدى إلى أبو عجيلة. وإذن فيجب أن تبقى قواتنا بعيدة إلى الوراء، حتى تكون في الموقف الذى يسمح لها باختيار الوضع الملائم لها، واختيار مكان المعركة.

كان هذا هو التقدير العام للموقف، وضع منذ أغسطس سنة ١٩٥٥، وظل سارياً حتى يوم ٢٩ أكتوبر سنة ١٩٥٦، يوم بدأت المؤامرة.

وأترك الآن قواتنا ومواقعنا، وأنتقل إلى قوات العدو ومواقعه، وحين أتكلم الآن عن قوات العدو ومواقعه، فأنا لا أعتمد في هذا على الاستنتاج ولا على الظن؛ وإنما أفعل ذلك معتمداً على الحقائق المستمدة من وثائق العدو ذاتها.

لقد أسقطت مدفعية الأردن طائرة "الكولونيل إساف سمحونى" الذى كان مكلفاً بقيادة عمليات سيناء، كانت أوراق الضابط الإسرائيلى بقرب جثته مع حطام الطائرة، ومن هذه الأوراق، وعلى أساس ما فيها، مؤيداً بما رأيناه أمامنا فعلاً من تحركات وعمليات؛ أبنى كلامى.

لقد كانت الخطة الإسرائيلية - أو بمعنى أدق دور إسرائيل في المؤامرة الكبرى - كما يلى، طبقاً لنصوص الوثائق، وبينها أوامر العمليات الفعلية التى كانت مع جثة "إساف سمحونى":

١ ـ اللواء رقم ٢٠٢: ومهمته احتلال منطقة ممر ميتلا، وعملياته لتحقيق هذا الهدف هى:

- تهبط الكتيبة رقم ٨٩٠ بالجو عند سدر الحيطان. - تتحرك قوات اللواء من الكونتيلا، ثم إلى نحل، ثم إلى سدر الحيطان، ثم تتجه إلى ممر ميتلا.

٢ ـ المجموعة رقم ٣٨ المكونة مما يلى: - اللواء السابع المدرع. - اللواء الرابع المشاة. - اللواء السابع والثلاثون مشاة. ومهمتها التقدم رأساً إلى الإسماعيلية، بعد احتلال أبو عجيلة.

٣ ـ المجموعة رقم ٧٧ المكونة مما يلى: - اللواء السابع والعشرون المدرع. - اللواء الأول المشاة. - اللواء الحادى عشر مشاة. - اللواء الثانى عشر مشاة. وكانت مهمتها أن تحتل رفح والعريش، وبذلك يتم عزل قطاع غـزة، ثم يتم احتلاله.

٤ ـ اللواء التاسع: وكانت مهمته أن يتحرك من إيلات إلى شرم الشيخ لاحتلالها.

وكان معنى هذه الخطة أن القوات الإسرائيلية تتحرك على الجبهة الأصلية في ثلاثة محاور:

المحور الأول: لواء من المشاة وكتيبة من الهابطين بالباراشوت على ممر ميتلا. المحور الثانى: لواء مدرع مع لواءين من المشاة على أبو عجيلة ثم الإسماعيلية. المحور الثالث: لواء مدرع مع ثلاثة ألوية من المشاة على رفح والعريش وغزة.

ولم تكن لنا مواقع في مواجهة محور الحركة الإسرائيلى الأول. أما المحور الثانى فلم يكن لنا أمامه إلا كتيبتان في مواقع أبو عجيلة. وفى المحور الثالث كان لنا كتيبتان من المشاة مع الأسلحة المعاونة في رفح، وكتيبتان من المشاة، وأرطة دبابات "شيرمان" مع الأسلحة المعاونة في العريش.

وبدأت العمليات يوم ٢٩ أكتوبر مع غروب الشمس. وكانت الحوادث تجرى بسرعة مساء ٢٩ أكتوبر؛ تحركت القوات الإسرائيلية من إيلات إلى الكونتيلا إلى تمد من غير مقاومة - بالطبع - لأنه لم تكن لنا قوات فيها؛ حيث أن وضع أى قوات في هذه المنطقة يعرضها للعزل، وفى نفس الوقت هبطت كتيبة المظلات عند مضيق سدر الحيطان، إنه هجوم عام!

وتتبعنا أخبار العالم نحاول أن نعرف رد الفعل، خصوصاً في لندن وباريس، ومن لندن جاء على لسان المتحدث الرسمى لوزارة الخارجية البريطانية، أن الحكومة البريطانية لا تنوى استغلال القتال الذى نشب فجأة في سيناء لصالحها.

وإذن فتوضع خطتنا لمواجهته موضع التنفيذ، وعلى الفور كان هيكل خطتنا هو:

دفاع على الحدود، وحركة في الداخل؛ دفاع على الحدود يشغل العدو ويعوق تقدمه، وحركة في الداخل تتجه إلى مراكز حشد تتحرك منها قواتنا الضاربة لتواجه العدو في المعركة الفاصلة، في المكان والزمان اللذين يلائمانها ويحققان لها أوفر عوامل النصر، وكان تقديرنا أن يتم ذلك يوم ٥ أو ٦ من نوفمبر. وهكذا في نفس الليلة مساء ٢٩ أكتوبر قامت قواتنا بالتحركات التالية:

- لواء من المشاة يتحرك إلى ممر ميتلا في مواجهة سدر الحيطان؛ ليمنع تحرك قوات العدو غرب سدر الحيطان.

- كتيبة مشاة تتحرك على الطريق الساحلى إلى العريش لتعزيز دفاعها.

- قواتنا الرئيسية الضاربة، مجموعتان كاملتان من المدرعات قوامهما دبابات "ت ٣٤" التشيكية ومدافع "س.ى ١٠٠" الروسية، مع قوات المشاة الرئيسية، وكان اتجاه هذه القوة الرئيسية إلى منطقة بير روض سالم التى اختيرت مكاناً للحشد. وقبل منتصف الليل كانت هذه القوة تعبر قناة السويس إلى الشرق، متجهة بأقصى سرعتها إلى المكان المحدد لها.

وحتى هذا الوقت لم يكن قد حدث قتال بيننا وبين العدو، ولا دارت اشتباكات. وطلع صباح ٣٠ أكتوبر وبدأت الاشتباكات، وكانت مقاتلات سلاح الطيران المصرى طليعة المعركة مع أول ضوء في الفجر، وكان تركيزها الأول على كتيبة المظلات في سدر الحيطان، وعلَى اللواء المتقدم لتعزيزها على الطريق الجنوبى. وقد استطاعت هذه المقاتلات فعلاً أن تعوق تقدم هذا اللواء إلى نخل، التى كانت منتصف طريقه إلى تعزيز جنود المظلات.

أما النشاط الأرضى في ذلك اليوم فكان كله أو معظمه تحركات على الطريق الأوسط إلى منطقة التجمع في بير روض سالم.

وبدأ العدو نشاطه في الصباح على القسيّمة، وكانت لنا في القسيمة كتيبة استطلاع تستعمل عربات "الجيب"، وكان عملها الأساسى تأخير تقدم العدو، والانسحاب أمامه لتنضم إلى قواتها الأصلية في أبو عجيلة، وتستعمل في انسحابها طريق الأسفلت بين القسيمة وأبو عجيلة. واستطاعت هذه الكتيبة أن تشغل العدو وتضيع عليه النهار بطوله، فلم يتأهب لهجومه على أبو عجيلة إلا عند الليل، ولم تستطيع هجمات الليل ضد أبو عجيلة أن تؤثر في مقاومتها. وأعود الآن فأذكر أن المعركة في أبو عجيلة كانت تدور بين لواء مدرع إسرائيلى ولواء من المشاة، ضد كتيبتين من المشاة مع أسلحة معاونة. ومع ذلك - أعود فأقول ثانية - لم تستطع هذه القوات المهاجمة أن تتغلب على مقاومة القوات المصرية المدافعة عن أبو عجيلة، التى كان العدو يريد أن يقضى بأسرع ما يمكن على مواقعها الدفاعية، وبهذا يندفع غرباً إلى الإسماعيلية في عملية سريعة خاطفة، ومن هنا يتبين لماذا حشد العدو ضد هذا الموقع الذى يتكون من كتيبتين من المشاة، لواء مدرع ولواءين من المشاة.

ولم يضع العدو وقتاً في سبيل تحقيق غرضه؛ وفى ليلة ٣٠،٣١ بدأ هجوم ليلى ضد أبو عجيلة، ولم يستطع العدو أن يحقق أى نجاح، وفشل الهجوم. وطلع صباح ٣١ أكتوبر لينسحب العدو بعيداً عن نيران أبو عجيلة، ولكنه انسحب لينظم نفسه ويبدأ هجوماً نهارياً ضد الموقع، مع تمهيد من طيرانه للهجوم بغارات مستمرة ضد مواقعنا في أبو عجيلة. واستطاعت قوات أبو عجيلة أن تسقط ثمانى طائرات، وفشل هجوم العدو بعد أن تكبد خسائر كبيرة في الدبابات؛ أربعين دبابة تركت في أرض المعركة، بالإضافة إلى خسائره الكبيرة في الأفراد.

وانتهى نهار ٣١ بدون أن يحقق العدو أى نجاح، ولكنه انسحب منهزماً بعد أن تكبد خسائر فادحة. وكان النشاط على الأرض في نفس اليوم - فيما عدا هذا الذى ذكرته واستطردت فيه عن أبو عجيلة - هو:

- استمرار حشد القوة الضاربة المدرعة في منطقة بير روض سالم؛ تمهيداً ليوم المعركة الفاصلة.

- تقدم طابور مدرع خفيف عبر الصحراء عن طريق وادى المليز، فانقض من الناحية الأخرى على الفرقة الهابطة بالباراشوت؛ حتى يمنع تعزيزها ويشارك في إبادتها واحتلال موقعها.

وأترك العمليات العسكرية هنا قليلاً إلى العمليات السياسية التى جرت في نفس اليوم.. يوم ٣٠ أكتوبر. وينبغى هنا أن أقول على الفور: إن الإنذار البريطانى كان مفاجأة لنا، كنا نحسب حساب عمل عدائى ضد مصر من بريطانيا وفرنسا، ولكن كنا نستبعد أن تشترك بريطانيا مع إسرائيل في هذا العمل. وكان احتمال تدخل الإنجليز في معركة سيناء بشكل أو بآخر قائماً في حسابنا، ولكنه لم يكن الاحتمال الغالب، وكانت نسبته - إذا كان لابد أن أستعمل الأرقام - هى خمسون في المائة فقط، ولما جاء الإنذار ارتفع احتمال التدخل العسكرى البريطانى ضدنا إلى سبعين في المائة، ولكن - مرة أخرى - لم أكن واثقاً تماماً من أن هذا الاحتمال سهل الوقوع، وكنت أحاول أن أقدر الموقف من الناحية البريطانية، بل وكنت أحاول أن أضع نفسى مكان رئيس وزراء بريطانيا، وأسأل نفسى: إذا كنت مكانه فكيف أتصرف؟

وكان اعتقادى أن أى عملية عسكرية تقدم عليها بريطانيا ضدنا - وخصوصاً ومن باب أولى إذا كانت تقدم عليها متحالفة مع فرنسا وإسرائيل - لن تكون لها نتيجة بالنسبة لبريطانيا إلا كارثة محققة، بصرف النظر عن النتيجة العسكرية البحتة التى يمكن أن يسفر عنها القتال.

إن بريطانيا لها مصالح هائلة في الشرق الأوسط، وحماقة عسكرية من هذا النوع ستقضى على هذه المصالح. وليس معنى هذا أنى كنت أعتقد أن الحديث عن استعمال القوة ضد مصر" تهويش"، وإنما معناه أننى كنت استبعد أن يلجأ مسئول بريطانى إلى مثل هذه الخطوة. وعلى أى حال فلقد ارتفعت نسبة إقدام بريطانيا - كما قلت - على عمل عسكرى ضدنا بعد هذا الإنذار إلى سبعين في المائة.

ومع ذلك - أقولها ثانية - ظلت في تصورى للأمر بقية من شك، كنت أتمثل مصالح بريطانيا في المنطقة؛ البترول، أنابيب البترول، التجارة، الثقافة، النفوذ السياسى، ثم في نهاية القائمة قناة السويس.. الشريان الحيوى لبريطانيا، إنها سوف تتعطل دون شك.

وفوق هذا فإن العمل العسكرى ضد مصر لن يكون سهلاً كعمل عسكرى، ولقد رفضنا الإنذار البريطانى، وسبعون في المائة من تصورى أنه مقدمة لعمل عسكرى، ولكن ثلاثين في المائة من تصورى كانت تتخيله حركة سياسة يراد بها تعقيد عما هو معقد فعلاً.

تخيلت أن بريطانيا تريد منا ألا نحشد جميع قواتنا ضد إسرائيل، وبهذا تستطيع إسرائيل أن تحصل على نصر رخيص، في الوقت الذى نحجز فيه جزءاً من قواتنا لملاقاة بريطانيا.

وأعود إلى الموقف العسكرى صباح يوم ٣١ أكتوبر: كان سلاح الطيران للمرة الثانية هو الطليعة، كانت قاذفات قنابلنا طوال الليل تهطل على مطارات العدو في إسرائيل، وكانت هناك عشرون غارة على هذه المطارات، وكانت المقاتلات المصرية من طراز "ميج ١٧" قد فاجأت العدو بظهورها، وأثبتت تفوقها على طائرة "المستير٤" الفرنسية التى كان العدو يستعملها ويستعملها معه سلاح الطيران الفرنسى، الذى كان قد دخل المعركة فعلاً بجانب الطيران الإسرائيلى.

ولقد تأكدنا من تفوق" الميج١٧" فوق مطار كبريت المصرى؛ فقد جاءت ثمانى طائرات للعدو تضربه، وتصادف عودة ثلاثة من الطائرات المصرية من هذا الطراز من عملياتها فوق الجبهة، وإذ هى تصل إلى مطارها - مطار كبريت - وطائرات العدو فوقه، وتدخلت الطائرات المصرية الثلاث في المعركة من غير انتظار، وانقضت على طائرات العدو، واستطاعت كل واحدة منها أن تسقط واحدة من طائرات العدو، بينما لجأت باقى طائراته إلى الهرب. أما النشاط على الأرض فقد كان مازال دائراً حول أبو عجيلة، بدون أن يحقق العدو أغراضه. وقبل أن ينتهى اليوم انكشفت حدود المؤامرة، واستبانت خفاياها.

فى السابعة مساءً كنت في بيتى أقابل السفير الإندونيسى، وسمعت صوت صفارات الإنذار، ثم سمعت مباشرة أزيز الطائرات المغيرة، وأدركت على الفور أنها غارة بريطانية، كانت الطائرات المغيرة نفاثة، والطائرات النفاثة الوحيدة في شرقى البحر الأبيض لا يمكن أن تكون إلا واحدة من نوعين: الـ "اليوشن ٢٨" الذى تملكه مصر، أو "الكانبيرا" البريطانية.

وتيقنت على الفور أن بريطانيا تدخلت عسكرياً في المعركة، وأردت أن أتأكد على أى حال، فتركت السفير الإندونيسى وصعدت إلى سطح المنزل أراقب الغارة، وأسمع صوت الطائرات لأتأكد أنها طائرات بريطانيا. ثم تلقيت بعدها الإعلان البريطانى - الفرنسى عن بدء عمليات حربية ضد مصر. وعلى وهج المصابيح المشتعلة التى كانت الطائرات المغيرة تلقيها على مطار القاهرة الدولى - وكانت الغارة البريطانية الأولى عليه - رأيت المؤامرة كلها، ولم يكن الوهج يكشف منطقة المطار وحدها، وإنما كان هذا الوهج يكشف في أفكارى منطقة الشرق الأوسط بأسرها.

إذن فإن الهجوم الإسرائيلى لم يكن هدفه إلا عودة قواتنا الرئيسية إلى سيناء، ثم إقفالها وقطع الطريق عليها باحتلال منطقة القناة، وبهذا يحقق العدو هدفين:

الهدف الأول: تحطيم قواتنا العسكرية شرقى القناة تحطيماً تاماً، بعد حرمانها من المساعدة الجوية. الهدف الثانى: دخول مصر واحتلالها بدون مقاومة منظمة؛ إذ أن مصر ستكون بغير جيش يدافع عنها.

وكان واضحاً أن علينا في هذه اللحظة أن نراجع جميع خططنا. وخرجت من بيتى إلى مبنى القيادة العامة للقوات المسلحة، وكان هناك اجتماع كبير استقر رأينا فيه على ضرورة الانسحاب السريع من سيناء، وتوحيد نشاطنا العسكرى كله غرب القناة، كان اجتماعنا قد استغرق ساعتين، بدأ في الثامنة وانتهى في العاشرة.

وكان أهم جزء في خططنا أن يتم الانسحاب بسرعة قبل أن يفلت الوقت ويتحقق للعدو ما أراد، تنسحب جميع قواتنا من الحدود إلى منطقة القناة، على أن يتم الانسحاب على ليلتين: ليلة ٣١ أكتوبر و١ نوفمبر، وليلة ١/٢ نوفمبر.

فى الليلة الأولى: ٣١ أكتوبر/١ نوفمبر: يتم انسحاب قوات رفح مستخدمة الطريق الشمالى، يتم انسحاب نصف القوات المتجمعة في منطقة الحشد عند بير روض سالم.

فى الليلة الثانية: يتم انسحاب القوات الرئيسية في العريش، القوات الرئيسية في أبو عجيلة، على أن تترك كل منها جماعات خلفية لتعطيل العدو حتى ظهر ٢ نوفمبر.

ولم يكن في إمكاننا أن نقدر لإتمام الانسحاب أقل من هذه المدة، بل لقد كانت معجزة أن يتم الانسحاب في مثل هذه المدة. وكنا في سباق مع الساعات، بل مع الثوانى. وكانت تلك الفترة - مساء ٣١ أكتوبر مع أول نوفمبر- من أخطر الفترات في تاريخنا. وحين صدرت أوامر الانسحاب إلى قوات رفح، كان العدو قد بدأ الهجوم. كان لابد أن تبدأ قواتنا في رفح بالانسحاب؛ لأنه كان هناك هجوماً مركزاً عليها.

واتصل قائد رفح بقيادته يقول: إنه يستطيع أن يقاوم هجوم العدو ويحتفظ بمواقعه، أما الانسحاب تحت ضغط العدو فسيكون أمراً صعباً للغاية. وتلقى قائد رفح الأوامر بأن عليه الانسحاب قبل أول ضوء، وأن عملية انسحابه متصلة بخطة كبيرة.

وفى نفس الوقت الذى كانت رفح تنسحب فيه، كانت القوة الرئيسية المتجمعة في منطقة الحشد في بير روض سالم قد أعادت نصف قواتها في اتجاه الغرب إلى قناة السويس، ومع أن أضواء الصباح أدركت هذه القوة قبل عبور القناة، وبالتالى أدركتها طائرات العدو البريطانى - الفرنسى، وراحت تهاجمها؛ إلا أن انسحابها تم بنجاح، ولكنها تكبدت خسائر معظمها في العربات نتيجة الهجوم الجوى البريطانى - الفرنسى.

ثم عاد العدو إلى تركيز هجومه على أبو عجيلة، التى كان قد فشل مرتين في الاستيلاء عليها من الأمام، ولكنه الآن غير خططه، وبدأ في ليلة ٣١ أكتوبر وأول نوفمبر يهاجمنا مرة ثالثة. وفى هذه المرة كان الهجوم من الأمام والخلف، حرك العدو بعض قواته حول أبو عجيلة وبدأ هجومه من الخلف، بالإضافة إلى الهجوم الأمامى. اصطدمت القوات المهاجمة من الخلف بقوة منفصلة قوامها سرية مشاة عند سد الروافعة، واستطاعت هذه السرية أن توقف تقدم العدو، لقد كانت مفاجأة للقوات المهاجمة حولت العدو عن غرضه فاستدار إليها يهاجمها. ولقد تكبدت هذه السرية خسائر كبيرة، ولكنها منعت العدو من تحقيق غرضه، ولم يستطع أن يكمل عمليته الأصلية بالهجوم على أبو عجيلة.

أما الهجوم الأمامى الذى بدأ في الساعة الثالثة بعد منتصف الليل، فقد استطاع أن ينجح في الاستيلاء على جزء من المواقع. ومع ذلك - وبرغم ذلك - ففى أول ضوء يوم الخميس قامت قوات أبو عجيلة بهجوم مضاد، استعادت فيه المواقع من الإسرائيليين، بعد أن تركوا في أرض المعركة ٧٠ عربة مصفحة نصف جنزير. وأكثر من ذلك، استمرت قوات أبو عجيلة في التقدم إلى منطقة تجمع العدو، واستطاعت أن تحتل هذه المنطقة. وهكذا في صباح الخميس ١ نوفمبر - بعد كل هذه العمليات - عاد الموقف كما كان يوم ٢٩ أكتوبر، وزاد عليه أنه كان في أرض المعركة ٤٠ دبابة إسرائيلية و٧٠ عربة نصف جنزير. ووصلت طائرات العدو، وبدأت بضرب الدبابات والعربات التى تركت في أرض المعركة، حتى لا تقع في يد قواتنا. وبعد أن انتهت من هذا الواجب بدأت في ضرب مواقع أبو عجيلة مرة أخرى. وجاء يوم أول نوفمبر، وكان الطيران المصرى هو الطليعة للمرة الثالثة، ففى نفس الوقت الذى كان العدو البريطانى - الفرنسى يغير علينا وعلى مطاراتنا كلها، كانت قاذفات قنابلنا قد قامت بعشرين غارة ثانية على مطارات إسرائيل. وكانت مقاتلات العدو تحاول عرقلة انسحاب قواتنا الرئيسية.

أما النشاط الأرضى فقد كان كله مركزاً - مرة أخرى - حول أبو عجيلة، وأُخطر قائد أبو عجيلة بأن عليه أن يحاول الانسحاب بدوره هو الآخر، بعد أن ينتهى دوره في ستر الانسحاب. ورد قائد أبو عجيلة بأن العدو يحاصر مواقعه من كل ناحية، ولكن مواقعه كلها متماسكة. ومع مجىء الظلام اتصل قائد أبوعجيلة بقيادته يقول: إنه سيأمر بعض قواته أن تتسلل خارجة من مواقعها، حاملة أسلحتها الخفيفة، حتى تنضم إلى قوة العريش وتنسحب معها، إنه سيدمر كل ما لديه من سلاح ثقيل حتى لا يقع في يد العدو.

ونفذ قائد أبو عجيلة ما قاله فعلاً، وأخذت قواته تتسلل فرداً فرداً من خلال مواقع العدو الذى كان يحيط بها من كل ناحية، ولم يبق في أبوعجيلة غير قوة مؤخرة، كان يتعين عليها أن تقاتل طوال يـوم ٢ نوفمبر، ثم تنسحب بالليل، بعد أن تكون عملية الانسحاب الكبيرة كلها قد نفذت فعلاً.

أما قوة العريش فقد استطاعت أن تنسحب قبل صباح ٢ نوفمبر، رغم تعرضها لغارات جوية مستمرة دمرت عدداً كبيراً من عرباتها.

ثم جاء يوم ٢ نوفمبر، آخر يوم في خطة الانسحاب. لم يكن نشاط العدو الجوى الذى أقصده هو العدو الإسرائيلى، وإنما كان العدو في سيناء في ذلك اليوم هو العدو البريطانى، الذى راحت طائراته في هجمات مغيظة محنقة على الانسحاب الذى أفسد المؤامرة، تحاول إلحاق أكبر قدر من الخسائر بالنصف الثانى من القوة الرئيسية العائدة من مركز الحشد في بير روض سالم. وكانت أكبر خسائرنا في العربات؛ فقد كانت طلقات المدافع الرشاشة من طائرات العدو تنفذ إليها وتعطل سيرها.

أما في أبوعجيلة فقد كانت قوة حماية المؤخرة مازالت تقاوم، ولم يكن العدو قد كشف بعد تسلل جزء كبير من قوة أبو عجيلة، وقال قائدها: إنه سينقل الجرحى أولاً إلى الغردقة بقوارب تعبر البحر الأحمر عند مدخل خليج السويس، وقال القائد أيضاً: إن انسحاب قواته قد يكون متعذراً، وإنه لهذا يؤْثر الدفاع عن موقعه.

وخرجت القوارب تحمل الجرحى فعلاً، وكانت هناك سفينة تدريب صغيرة هى السفينة دمياط، والتقت هذه السفينة الصغيرة بثلاث مدرعات كبيرة من مدرعات الأسطول البريطانى تتقدمها المدرعة "نيوفوندلاند"، وإذ المدرعات الثلاث تركز نيرانها على سفينة التدريب الصغيرة.

وهكذا قصد الأسطول البريطانى من البحر إلى شرم الشيخ، بينما تقدم اللواء الإسرائيلى التاسع إلى مهاجمتها من الأرض، وفى الوقت نفسه كان فوقها تركيز كبير بالطيران المعادى خصوصاً من طيران فرنسا. وفى يوم ٦ نوفمبر- بعد أسبوع كامل - استطاع العدو احتلال شرم الشيخ.

وأعود إلى عملية الانسحاب مرة أخرى، لقد شعرت على الفور ساعة أخطرت أن عملية الانسحاب قد تمت كلها، أن مصر كسبت المعركة حين أحبطت خطة العدو. كانت خطة العدو هى تدمير قواتنا المسلحة كلها تدميراً كاملاً، ومن ثم يصبح من السهل بعدها سحق مصر، وكانت مناورة العدو باستعمال إسرائيل في مؤامراته أن يستدرج قواتنا المسلحة إلى العراء في سيناء ليعزلها ويقضى عليها. ولو أن قرار الانسحاب كان قد تأخر أربعاً وعشرون ساعة فقط، لكان الأمر كله الآن قد انتهى.

ولقد خسرنا خلال عملية الانسحاب.. خسرنا مثلاً ثلاثين دبابة من طراز ٣٤ التشيكى؛ نتيجة للضرب البريطانى من الجو، ولكنى لا أقول إننا خسرنا هذه الدبابات، فإن حسابى يختلف؛ أنا أقول إننا كسبنا ١٧٠ دبابة. لقد كان لنا في منطقة التجميع عند بير روض سالم ٢٠٠ دبابة، ولو كان الانسحاب تأخر، لكنا خسرناها حتى آخرها، ولهذا فأنا أقول إننا كسبنا ١٧٠ دبابة. ولقد كان سهلاً علينا - على أى حال - أن نستعيض عن الثلاثين دبابة التى فقدناها بثلاثين أخرى من نفس الطراز. والأمر كذلك في العربات المدرعة، لقد خسرنا منها خمسين؛ ولكنى أقول إننا كسبنا مائتين وخمسين؛ فقد كان لنا هناك ثلاثمائة، لو كان الانسحاب تأخر لضاعت كلها. ولقد خسرنا أورطة دبابات "الشيرمان" التى كانت في العريش؛ لأنها لم تستطع تكملة الانسحاب، ولكنا كسبنا دباباتنا من طراز "ستالين"، ودباباتنا من طراز "سنتوريون"، ودباباتنا من طراز" Amx" ، وهذه كلها هى الأعمدة الضخمة التى تستند عليها قواتنا المدرعة، فقد كسبناها كلها، ذلك أن هذه المدرعات لم تكن قد عبرت القناة إلى الشرق، وكانت - على أى حال - في طريقها إلى هناك عندما صدر قرار الانسحاب، فلما صدر، وقفت كلها مكانها، ونجت كل واحدة منها. أما ما فقدناه من العربات، فقد عوضناه جميعه من مخازن الجيش البريطانى في قاعدة القناة.

بقى أن كل ما فقدناه لم يكسبه العدو.. الدبابات التى خسرناها لم يلحقها العدو إلا وهى محطمة لا تنفع للقتال. والعتاد الذى وجده العدو في مواقع أبو عجيلة تم نسفه كله، غير سبعة مدافع من طراز ٢٥ رطلاً، وجدها العدو سليمة وبحالة تسمح له باستخدامها. تبقى العربات - سواء ما كان منها مدرعاً أو ما كان خفيفاً - وقد كان ما خسرناه منها قرب الضفة الشرقية من القناة، عندما اشتد تركيز الضرب من الطائرات على قواتنا المنسحبة عبر القناة.

هذه هى كل عمليات سيناء، لم تكن هناك إلا معركة حقيقية واحدة هى معركة أبو عجيلة، وكان القصد منها تغطية عملية الانسحاب كلها. ولقد تمت عملية الانسحاب، أقول وأنا واثق مما أقوله إن هذه العملية تعتبر معجزة في التحركات في الظروف التى تمت فيها، فقد كان سلاحنا الجوى قد خرج من المعركة صباح يوم ١ نوفمبر، وكانت قواتنا تنسحب تحت ضغط سلاح الطيران البريطانى والفرنسى والإسرائيلى.

أما بالنسبة لموقع أبو عجيلة، فإن العدو لم يستطع التغلب على المقاومة فيه إلا بعد أن كان الموقع قد أدى الغرض من مقاومته، ثم بعد أن كانت القوة الأساسية في الموقع قد تسللت منه مشياً على الأقدام عبر خطوط العدو، وكان آخر من وصل منهم أمس الأميرالاى سعد متولى قائد قوة أبو عجيلة. لقد أثبتت التجربة العملية أن قوات إسرائيل الرئيسية عجزت أمام أبو عجيلة من يوم ٣٠ أكتوبر إلى يوم ٢ نوفمبر، ولم تدخل الموقع إلا بعد أن تم انسحاب القوات التى كانت تحتل أبو عجيلة، وعند غروب شمس ٢ نوفمبر أعلنت إسرائيل أنها استطاعت الاستيلاء على أبو عجيلة.


وهناك سؤال: لماذا لم تقم إسرائيل وحدها بتنفيذ المؤامرة؟ ولماذا اشتركت بريطانيا وفرنسا معها؟

لو كانت إسرائيل تستطيع ذلك وحدها، لكانت بريطانيا وفرنسا تركتا لها وحدها مهمة الحرب ضد مصر، وقدمتا لها كل ما تحتاج إليه من مساعدات، من غير ضجة، ومن غير أن يشعر أحد، وكانت المعركة يومها تبدو أمام العالم وكأنها مصر وإسرائيل، وليست مصر وحدها ضد بريطانيا وفرنسا وإسرائيل.

ولقد أعطتنا التجربة الجديدة معلومات عن جيش إسرائيل، أزالت من خيال الكثيرين الأسطورة الخرافية التى حاولت إسرائيل - على مدى السنوات السبع الماضية - أن تبثها في القلوب وفى العقول؛ إن إسرائيل لم تستطع أن تتقدم أمام قواتنا إلا عندما كانت الأوامر قد صدرت إلى هذه القوات بالانسحاب بعد تدخل بريطانيا وفرنسا، بل إن اللواء ٢٠٢ الإسرائيلى لم يستطع أن يتصل طوال يوم ٣٠ بكتيبة المظلات التى أسقطت في "سدر الحيطان"، رغم عدم وجود أية مقاومة أرضية، ولكنه أوقف بفعل الطائرات المصرية التى كبدته خسائر كبيرة، ولم يستطع أن يصل تمد قبل ليل ٣٠ نوفمبر.

وكذلك لم تستطع إسرائيل احتلال أى بلدة من البلدان التى احتلتها كغزة ورفح والعريش، إلا يوم ٢ نوفمبر، وبعد أن كانت عملية الانسحاب من سيناء كلها قد انتهت وتمت بنجاح، وأعتقد أن الدنيا كلها تعلم أن خطة الانسحاب لم تكن بسبب إسرائيل.

بقى أن أقدم دليلاً صغيراً مادياً، هو دفتر عمليات "الكولونيل إساف سمحونى"؛ الذى قاد عمليات سيناء، الذى وجدت أوراقه بجانب جثته، بعد أن أسقطت المدفعية الأردنية طائرته وهو عائد إلى تل أبيب بعد انتهاء العمليات. لقد تمت ترجمة المذكرات العبرية التى خطها "سمحونى" بيده قبل أن يواجه مصرعه؛ لقد كتب عن عمليات الطريق الجنوبى التى قام بها اللواء ٢٠٢، يقول ما نصه، نقلاً عن العبرية:

-" اللواء يتقدم إلى تمد ونخل.. اللواء ٢٠٢ يطلب طائرات لإجلاء الجرحى. - القوات معرضة لضرب شديد من الجو. - نشاط العدو مستمر طوال اليوم، ولم نستطع نقل الجرحى".

وكذلك كتب "سمحونى" بيده عن عمليات المجموعة ٣٨ التى تولت الهجوم على أبو عجيلة، يقول ما نصه نقلاً عن العبرية:

-" اللواء السابع المدرع يتقدم تجاه أبو عجيلة. - بعد احتلال أبو عجيلة هدفنا سيكون الحسنة. - اللواء السابع المدرع جنوب أبو عجيلة. هذه هى ملاحظاتى عن العملية: ١ ـ لم تكن هناك أوامر ثابتة للعمليات. ٢ ـ لم يكن هناك أى تنسيق مع الرئيس الأعلى. ٣ ـ غرفة العمليات لم تكن تخدم الفروع المختلفة. ٤ ـ لم يكن القائد ولا أركان حربه في القيادة في بعض الأوقات. ٥ ـ لم تكن هناك اتصالات مستمرة مع الوحدات، ولم تكن هناك تقارير من القواد الكبار. 6 ـ الأوامر كانت تصدر من القائد، ولكن فرع العمليات لم يكن يتولى تنسيق النشاط. 7 ـ ضابط فرع العمليات لم يقم بإدارة العمليات. 8 ـ كل الضباط في فرع العمليات هجروا أعمالهم، ولم تكن لهم مهمة إلا أنهم أصبحوا مجرد ضباط اتصال. 9 ـ غرفة ضابط العمليات الحربية تأخرت في العمل، ويجب أن تكون ملاصقة لغرفة الحرب. 10ـ لم تكن هناك فائدة جدية من فرع المخابرات. 11ـ جرت محاولة للسيطرة على الوحدات بواسطة جهاز اتصال، نجح ولكنه لم يواصل وعطب. ملاحظة: لم يكن في الوحدات أى نوع من أنواع الترفيه". هذا هو وصف قائد القوات الإسرائيلية في سيناء! إن صوته من وراء القبر يتكلم ويروى حقيقة جيش إسرائيل. بقيت ملاحظة تبين إلى أى حد نجحت خطة الانسحاب في إفساد المؤامرة؛ لقد كان هدف المجموعة 38 - طبقاً لأوراق "سمحونى" - أن تصل إلى الإسماعيلية وتلتقى هناك بالقوات الفرنسية - البريطانية، لقد فشل هذا كله، وتبدد كما يتبدد الدخان. لقد كان الله معنا، أنار لنا الطريق، وأعاننا على الأعداء

مقتطف من سطور كتاب " الوجه الآخر للميدالية، حرب السويس 1956 ، أسرار المقاومة السرية في بورسعيد" بقلم يحى الشاعر

الطـبعة الثـانية 2006 ، طبعة موسعة رقم الأيداع 1848 2006 الترقيم الدولى Isbn 977 – 08 – 1245 - 5



بدأ القصف في الساعة 3:30 صباحا تقريبا وأستمر لدقائق معدودات قبل ان تبدأ سفينة حربية فرنسية كانت راسية في الميناء في الرد على إطلاق النار بسرعة، لكن (إبراهيم الأول) أستطاعت الإبتعاد بالإتجاه الشمالي الغربي تحت غطاء الظلام نحو مجموعة من السفن الأمريكية المحايدة.

وبعد أقل من نصف الساعة بدأت سفينتين بحريتين إسرائيليتين هما (إيلات، يافو) في البحث عن المدمرة المصرية.

وفي الخامسة صباحا تقريبا بدأت المعركة البحرية، وبعد تبادل الطلقات بدأت المدمرة المصرية في الإبتعاد نحو بيروت، ولعدم التكافئ كانت النتيجة معروفة مسبقا فلم يكن معروفا الا المدفعية كسلاح, وعيار مدافع الفرقاطة المصرية لم يكن يزيد عن 4 بوصه وكانت مدافع العدو تصل الى ضعف ذلك وتزيد 9 بوصه (اى ان الطفل الصغير يستطيع المرور من داخل ماسورة مدفعهم).

وفي الساعة 6:38 تقريبا تدخلت قوات الجو الإسرائيلية في المعركة وقامت طائرتان إسرائيليتان بقصف المدمرة فتم ضرب نظامها الكهربائي مما عطل أجهزة سيرها وحييد أسلحتها القتالية .. وخرجت المدمرة من المعركة.

وبالتالى بدأت الفرقاطة المصرية في الغرق وأمر قائدها طاقمه بالقفز في الماء لأنقاذ ارواحهم وبقى هو وحده.

وفي السابعة وعشر دقائق تقريبا وقبل غرق الفرقاطة تماما قفز اليها رجال من البحرية الانجليزية ولأن السفينه انجليزية الصنع استطاعوا قفل بلوف معينة وتم قطرها إلى الخلف إلى حيفا وتم المحافظة على السفينة عائمة ولكن في حالة يرثى لها. [1]


وتم تسليم السفينة لأسرائيل وأسمتها (حيفا) فكانت تربطها على احد ارصفة الميناء وترفع عليها العلم الاسرائيلي في اعلى وتحته العلم المصري للدلاله انها سفينة اسرت في معركة.

وبعد فترة غرقت الفرقاطة ولم تستطع إسرائيل أن تبحر بها مرة واحدة بالرغم من كل المجهود والمصاريف التي صرفتها على ذلك فقد كانت السفينة محطمة تماما .

انظر أيضا

المصادر